فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان
الشروح عليها
(فإذا قذف امرأته بالزنا) في قبل أو دبر ولو في طهر وطئ فيه (فله إسقاط الحد) إن كانت محصنة، [والتعزير إن كانت غير محصنة] (باللعان) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} . . . الآيات
لا زيادة له على هذه المسألة.
أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} الآيات أي والذين يقذفون نساءهم (ولم يكن لهم شهداء) يشهدون على صحة ما قالوه {إِلا أَنْفُسُهُمْ} أي غير أنفسهم، إلى آخر الآيات، فلهم إسقاط الحد باللعان، وصفته، كما قال ابن رشد وغيره، متقاربة عند جمهور العلماء، ليس بينهم في ذلك اختلاف، على ظاهرها تقتضيه ألفاظ الآيات الكريمة.
أَنْفُسُهُمْ} الآيات (فيقول) الزوج (قبلها) أي قبل الزوجة قدم لأن جانبه أرجح من جانب الزوجة قطعا،
فإن إقدامه على إتلاف فراشه، ورميها بالفاحشة على رءوس الأشهاد، وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة، وفضيحة نفسه وأهله مما تأباه العقلاء، وتنفر عنه نفوسهم، لولا أن الزوجة اضطرته إلى ذلك، والله جعل له فرجا، باللعان، فصار جانبه أقوى.
«فإذا قذف امرأته بالزنا» هذا هو الشرط الثالث: أن يكون القذف بصريح الزنا، بأن يقول: زنت، أو زنيت، أو ما أشبه ذلك،
فإن قال: أتيت شبهةً، أو قَبَّلك فلان، أو استمتع بك بغير الوطء، فهل يثبت اللعان أو لا؟ لا يثبت؛ لأن هذه لا يثبت بها حد القذف، فلا يثبت بها اللعان. «فله إسقاط الحد باللعان» فإذا قذف الرجل امرأته بالزنا، فلا يخلو
إما أن تصدقه، أو تكذبه،
فإن صدقته فعليها حد الزنا،
فإن كانت بكراً ـ بأن عقد عليها ولم يدخل بها ـ تجلد مائة جلدة، وتغرَّب عاماً،
وإن كانت ثيباً فإنها ترجم،
وإذا كذبته فإما أن يكون له بينة أو لا،
فإن كان له بينة فلا حد عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ فعلم من قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أنهم لو أتوا بأربعة شهداء لم يجلدوا،
فإذا أتى الزوج بأربعة شهود يشهدون على ما قال فإنه يقام الحد على المرأة،
ولا يجب عليه شيء، وإذا لم يأتِ ببينة وجب عليه حد القذف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :«البينة أو حد في ظهرك»، فلا بد أن يأتي ببينة وإلا يجلد ثمانين جلدة إن كانت الزوجة محصنة أو يسقطه باللعان.
وقوله:«فله إسقاط الحد باللعان» فيه تسامح، والصواب أن يقال: فله إسقاط الحد أو التعزير؛ لأنها إن كانت محصنة فعليه حد القذف،
وإن كانت غير محصنة فعليه التعزير، فيعزر بما دون الحد، والإحصان هنا أن تكون حرة، ومسلمة، وعاقلة، وعفيفة عن الزنا، وملتزمة، ويُجامَع مثلها. وقوله:«باللعان»«الباء» يحتمل أن تكون للسببية، أي: بسبب اللعان،
وأن تكون للتعدية يعني يسقطه بكذا.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ، وكونها أربع شهادات بالله، الحكمة فيها واضحة؛ لأنها مقابل أربعة شهود، وقوله: ﴿بِاللَّهِ﴾ أفادت الآية الكريمة أن هذه الشهادة مقرونة بقسم؛ لأنه يقول: أشهد بالله، كأنما قال: أشهد مقسماً بالله، ولهذا سمَّاها الله ـ تعالى ـ شهادة، وسمَّاها النبي ﷺ أيماناً؛ لقوله:«لولا الأيمان لكان لي ولها شأن».
وعلى هذا فنقول: هذه الشهادة متضمنة للقسم، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ بدل من شهداء؛ لأن الجملة تامة منفية، وخبر ﴿يَكُنْ﴾ ﴿لَهُمْ﴾، ويصلح أن تكون ﴿يَكُنْ﴾ تامة يعني، ولم يوجد لهم شهداء، وبعضهم قال: ﴿إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿إِلاَّ﴾ صفة بمعنى «غير» كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أي: غير الله، وقالوا: إن ﴿إِلاَّ﴾ تأتي بمعنى «غير» لكن ينقل إعرابها إلى ما بعدها، فتكون ﴿إِلاَّ﴾ صفة لـ ﴿﴾ لكن نقل إعرابها إلى ما بعدها، فظهر عليه، وهذا الخلاف في الإعراب لا يترتب عليه خلاف في الحكم.
والشرط الرابع: تكليف الزوجين، أي: أن يكون الزوجان مكلفين يعني بالغين عاقلين، والدليل على اشتراط التكليف أن الشهادة لا تقبل من غير المكلف.
ومن شرطه ـ أيضاً ـ أن تكذبه الزوجة؛ أي تقول: إنه كاذب،
فلو أقرَّت بما رماها به فإنه لا لعان ويقام عليها الحد، إن كانت محصنة رجمت حتى تموت،
وإن كانت غير محصنة فإنها تجلد مائة جلدة وتغرَّب عاماً، والدليل على أن من شرطه أن تكذبه الزوجة قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ *﴾ [النور] وهي إذا صدقته وأقرت بالزنا ما يدرأ عنها العذاب؛ لأنها يثبت عليها الحد بإقرارها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.