"ومن تسلم زوجته" أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها ولو مع صغر الزوج ومرضه وجبه وعنته.
الشروح عليها
(ومن تسلم زوجته) التي يوطأ مثلها وجبت عليه نفقتها (أو بذلت) تسليم (نفسها) أو بذله وليها (ومثلها يوطأ) بأن تم لها تسع سنين (وجبت نفقتها) وكسوتها (ولو مع صغر زوج ومرضه وجبه وعنته) ويجبر الولي مع صغر الزوج على بذل نفقتها وكسوتها من مال الصبي؛ لأن النفقه كأرش جناية.
ومن بذلت التسليم وزوجها غائب لم يفرض لها حتى يراسله حاكم، ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله.
وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي.
(ولو مع صغر زوج (١) ومرضه وجبه وعنته) لأن النفقة تجب في مقابلة الاستمتاع، وقد أمكنته من ذلك، كالمؤجر إذا سلم العين المؤجرة، أو بذلها.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«ومن تسلم زوجته أو بذلت نفسها ومثلها يوطأ وجبت نفقتها» هذا الفصل أراد به المؤلف رحمه الله بيان متى تجب النفقة، هل هو بالخطبة أو بالعقد، أو بالدخول، أو بالتسليم؟
أما الخطبة فلا تجب بها النفقة؛ لأنه لم يتم العقد ولا تكون بها زوجته،
وأما العقد فتكون به زوجته، ولكن لا تجب به النفقة؛ لأنه لم يستمتع بها، والنفقة تكون في مقابل الاستمتاع بالزوجة.
وأما الدخول فإنه لا عبرة به أيضاً؛ لأنه إذا حصل الدخول المسبوق بالتسليم والتمكين فإن العبرة تكون بالتمكين،
فإذا تسلمها، أو بذلت نفسها، وقالت: نحن مستعدون متى شئت، فإنه تجب نفقتها، إلاّ أن المؤلف اشترط شرطاً، وهو أن يكون مثلها يوطأ، والتي مثلها يوطأ، قال العلماء: هي التي تم لها تسع سنوات، فما الدليل؟
الحقيقة أنه لا دليل على هذا، لكن العادة تقتضيه، والنبي ﷺ تزوج عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين ، لكن هذا لا يقتضي تحديد المدة بالتسع، إلاّ أن الغالب أن بنت التسع تتحمل الجماع فلهذا علقوها بالتسع.
وقال بعض أهل العلم: التي يوطأ مثلها هي من تتحمل الجماع، سواء كان عمرها تسع سنين أو عشراً أو إحدى عشرة؛ لأن النساء يختلفن، فبعض النساء يمكن في ثمان سنوات أن تتحمل الرجل، وبعضهن في عشر سنوات، أو إحدى عشرة سنة، ولا تتحمل الرجل، وعلى هذا فيكون التحديد بالتسع بناءً على الغالب.
ونظير ذلك من بعض الوجوه أن كثيراً من أهل العلم قيدوا التمييز بتمام سبع سنوات، مع أن بعض الناس قد يميز لأقل من ذلك، وبعض الناس قد لا يميز لأكثر من ذلك، ولكن الغالب أن التمييز يكون لسبع سنين، ومعلوم أن النوادر والشواذ لا تخرم القواعد،
فإذا كان الغالب هو تسع سنين فليكن هو المقيد؛ لأنه الأقرب إلى ضبط الناس وعدم النزاع،
فإذا تسلمها ولها تسع سنوات وجب عليه الإنفاق عليها؛ لأنه إذا تسلمها فقد تمكن من الاستمتاع منها غاية التمتع.
وقوله:«أو بذلت نفسها» يعني قالت: لا مانع لدينا من الدخول، ولكن الزوج قال: أنا لا أريدها الآن، عندي اختبارات لمدة شهر، وسآخذها بعد هذا الشهر، فمدة هذا الشهر تجب فيه النفقة على الزوج؛ لأن الامتناع من قِبله. «ولو مع صغر زوج» مثاله: إنسان عمره سبع سنين ـ
ومثله لا يطأ ـ تزوج ابنة عشر سنين،
فإذا تسلَّمها وجب عليه نفقتها؛ لأن المانع من الاستمتاع من قبل الزوج،
أما الزوجة فليس فيها موانع، وهي محل للاستمتاع فلما كان المانع من قِبله أوجبنا عليه النفقة. «ومرضه» أي: بعد أن عقد عليها مرض، ولم يعد في نفسه شيء من أمر الزواج، فإنه تجب عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قِبَله. «وجبِّه» الجب هو قطع الذكر،
فإذا كان مقطوع الذكر وجبت عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قبله. «وعنته» والعُنَّة هي عدم القدرة على الجماع، فلا ينتصب ذكره، فتجب عليه النفقة؛ لأن الامتناع من قِبل الزوج.
فإذا كانت هي صغيرة لا يوطأ مثلها فلا تجب عليه النفقة؛ لعدم تمكنه من الاستمتاع، ولكننا إذا نظرنا إلى ظاهر الكتاب والسنة وقلنا: إن هذه زوجة، فالقرآن والسنة ليس فيهما تقييد بأنه يوطأ مثلها، نعم المهر قال فيه الرسول ﷺ :«لها المهر بما استحل من فرجها».
ثم إن هذا الزوج الذي عقد على هذه الصغيرة دخل على بصيرة، ويعرف أنه لن يستمتع بها، لكنه يريد أن يحجزها حتى لا تتزوج غيره، وهذا كله مبني على أنه يصح تزويج الصغيرة وقد سبق الخلاف في هذه المسألة، لكن على تقدير صحة تزويج الصغيرة في بعض الصور،
فإن ظاهر الكتاب والسنة يدل على أنه يجب الإنفاق عليها؛ لأنه دخل على بصيرة وهي زوجة، وموجِب الإنفاق قائم وهو النكاح، إلاّ أن يمنع من ذلك إجماع من أهل العلم،
فإن الإجماع يمنع ويخصص العموم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.