فإن غاب موسر ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن حاكم.
الشروح عليها
(فإن غاب) زوج (موسر ولم يدع لها نفقة وتعذر أخذها من ماله، و) تعذرت (استدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم) لأن الإنفاق عليها من ماله متعذر، فكان لها الخيار كحال الإعسار،
وإن منع موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما وقدرت على ماله أخذت كفايتها وكفاية ولدها وخادمها بالمعروف بلا إذنه،
فإن لم تقدر أجبره الحاكم،
فإن غيب ماله وصبر على الحبس فلها الفسخ لتعذر النفقة عليها من قبله.
من ماله متعذر فكان لها الخيار، كحال الإعسار وعلم منه أنه إذا ترك لها نفقة، أو قدرت له على مال، أو على الاستدانة عليه، أنه لا فسخ لها، لأن الإنفاق عليها من جهته غير متعذر.
أخذت كفايتها، وكفاية ولدها، وخادمها بالمعروف بلا إذنه لما في الصحيحين: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لهند «خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف» قال الشيخ: من كان له عند إنسان حق، ومنعه إياه، جاز له الأخذ من ماله بغير إذنه، إذا كان سبب الحق ظاهرا، لا يحتاج إلى إثبات، مثل استحقاق المرأة النفقة على زوجها، واستحقاق الأقارب النفقة على أقاربهم، واستحقاق الضيف الضيافة، على من نزل به،
وإن كان سبب الحق خفيا، يحتاج إلى إثبات لم يجز، وهذه الطريقة المنصوصة عن أحمد، وهي أعدل الأقوال.
. باب نفقة الأقارب والمماليك من الآدميين والبهائم المراد بالأقارب هنا من يرثه بفرض، أو تعصيب، ويدخل فيهم العتيق.
«فإن غاب ولم يدع لها نفقة، وتعذر أخذها من ماله واستدانتها عليه فلها الفسخ بإذن الحاكم» صورة المسألة رجل موسر غاب عن البلد، أو تغيّب في البلد ولا يُدرَى مكانه، ولم يترك لزوجته نفقة، وليس له مال يمكن أن تأخذ منه، ولا يمكن أن تستدين على ذمته،
فإن لها الفسخ؛ لأن هذا وإن كان موسراً فهو بمنزلة المعسر؛ لتعذر الإنفاق، بل إنه أشد من المعسر؛ لأن المعسر ليس له حول ولا قوة، وهذا له حول وقوة، فيمكن أن يجعل لها نفقة، أو يوكل من يعطيها النفقة، وما أشبه ذلك. وعلم من قوله:«ولم يدع لها نفقة» أنه لو ترك لها نفقة فلا فسخ، ولكن من حيث النفقة،
وأما من حيث حضوره فقد سبق في باب عشرة النساء.
وعُلم من قوله:«وتعذر أخذها من ماله» أنه لو أمكن أن تأخذ من ماله فلها أن تأخذ،
ولو لم يعلم، وليس لها الفسخ، والدليل على ذلك قصة هند بنت عتبة رضي الله عنها حين قالت للرسول ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فقال لها النبي ﷺ :«خذي من ماله ما يكفيك ويكفي بنيك بالمعروف»، فلها أن تأخذ من ماله ما يكفي النفقة عليها وعلى ولدها، لكن بالمعروف، والمعروف هو الذي لا يخرج عن الحدود الشرعية والعادية.
فإن قيل: كيف يجوز لها أن تأخذ من ماله بغير إذنه؟ وهل هذا إلاّ خيانة، وقد قال النبي ﷺ :«لا تخن من خانك»؟!
فالجواب: أن هذا ليس من باب الخيانة، ولكنه من باب أخذ الحق مع القدرة عليه، ولهذا جعل فقهاء الحنابلة لهذه المسألة ضابطاً فقالوا: إذا كان سبب الحق ظاهراً فلصاحبه أن يأخذ من المحقوق وإن لم يعلم،
وإذا كان غير ظاهر فليس له أن يأخذ.
وهذه المسألة سببها ظاهر وهو الزوجية،
أما إذا كان السبب غير ظاهر مثل ما لو أقرضتَ شخصاً دراهم ثم جحدك، وقدرت على أخذ شيء من ماله فإنك لا تأخذه؛ لأن سبب الحق غير ظاهر، من يعلم أنك أقرضته؟! حتى لو كان عندك بينة، ولهذا لو فتح الباب هنا لحصل بين الناس شر كبير وفوضى،
بخلاف ما سببه ظاهر.
وهل نفقة الأقارب مثلها؟ نعم، مثاله: لو أن قريباً امتنع من الإنفاق على قريبه، وقدر على شيء من ماله، فله أن يأخذ بدون إذنه.
ومثله أيضاً عند فقهائنا رحمهم الله لو أن رجلاً نزل برجل ضيفاً، ولم يعطه ضيافته فله أن يأخذ من ماله بقدر ضيافته؛ لأن إكرام الضيف واجب،
ولما نزل به صار السبب ظاهراً، لكن هذا حاله أقل من حال الزوجية والقرابة.
وقوله:«واستدانتها عليه» أي: تعذر عليها أن تستدين عليه، بأن ذهبت إلى بعض الناس، وقالت: زوجي غائب، ولم يترك نفقة، فاشترِ لي طعاماً وكسوةً، وقيدها على زوجي، فرفض، وذهبت إلى ثانٍ وثالث وكلهم رفض، فهنا لها الفسخ.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا بد أن تحاول الاستدانة،
وفي النفس من هذا شيء؛ لأن الاستدانة قد تكون بالنسبة لها صعبة وشاقة عليها، وربما يكون ذلك فتح باب لتهمتها، وربما يكون فتح باب لسبها عند زوجها، فالظاهر أنه إذا تعذر أخذها من ماله، ولم تمكن مراسلة الزوج، أو أُرْسِلَ إليه ولم يبعث بشيء،
فإن لها الفسخ.
ولو اقترضت من شخص، ثم جاء زوجها الغائب فإنه يجبر على سداد القرض، إذا كانت الزوجة قد أخذت بالمعروف، كما أن المرأة لو كانت غنية وأنفقت من مالها فإنها ترجع عليه. بَابُ نَفَقَةِ الأَقَارِبِ وَالْمَمَالِيكِ وَالْبَهَائِمِ تَجِبُ، أَوْ تَتِمَّتُهَا لأَبَوْيهِ وَإِنْ عَلَوْا، وَلِوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ حَتَّى ذَوِي الأَرْحَامِ مِنْهُمْ، .....
هذا الباب يذكر فيه نفقة الأقارب والمماليك، وبيان السببية؛
لأنه سبق لنا أن سبب وجوب النفقة ثلاثة:
الأول: الزوجية.
الثاني: القرابة.
الثالث: الملك.
والفرق بين هذه الأسباب أن سبب الزوجية معاوضة، فالنفقة في مقابلة الاستمتاع، ولهذا لا تسقط بإعسار الزوج، ولا تسقط بمضي الزمان،
بخلاف نفقة الأقارب والمماليك.
الأقارب: أصول وفروع وحواشٍ، فالأصول مَنْ تفرعت منهم من آباء وأمهات، والفروع مَنْ تفرعوا منك من أبناء وبنات، والحواشي مَنْ تفرعوا مِنْ أصولك، فيدخل فيهم الأعمام والأخوال. «تجب» أي: تجب كل النفقة إذا كان المُنْفَق عليه لا يجد شيئاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.