ولا دم بنحر هديه وحلقه
الشروح عليها
(وَلَا دَمَ) عَلَيْهِ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْحَجِّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَشْهُورِ (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَلَهُ التَّحَلُّلُ أَيْ يَتَحَلَّلُ بِنَحْرِ هَدْيِهِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ بِأَنْ سَاقَهُ عَنْ شَيْءٍ مَضَى أَوْ تَطَوُّعًا فِي أَيِّ مَكَان إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ (وَحَلْقِهِ) رَأْسَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: وَلَا دَمَ) أَيْ خِلَافًا لِأَشْهَبَ حَيْثُ قَالَ بِوُجُوبِ الْهَدْيِ وَاسْتَدَلَّ بِآيَةٍ {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وَأُجِيبُ عَنْ دَلِيلِهِ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَأُمِرُوا بِذَبْحِهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا يَقُولُ أَشْهَبُ
(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ) أَيْ
فَلَوْ نَحَرَ الْهَدْيَ وَحَلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ لَمْ يَتَحَلَّلْ كَمَا نَقَلَهُ ح عَلَى الطِّرَازِ
(قَوْلُهُ: بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ) أَيْ وَحْدَهَا،
وَلَا يُشْتَرَطُ انْضِمَامُ حَلْقٍ أَوْ هَدْيٍ لَهَا خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِ رَأْسِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْحَلْقُ وَالنَّحْرُ سُنَّةٌ، وَلَيْسَا شَرْطًا فَقَصَدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ التَّوَرُّكَ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِهِ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِ رَأْسَهُ لِلْمُصَاحَبَةِ،
وَفِي كَلَامِهِ حَذْفٌ، وَالْأَصْلُ فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ مَعَ نَحْرِ هَدْيِهِ أَيْ الْمُصَاحَبَةُ هَدْيُهُ وَحَلْقُ رَأْسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُفِيدُ أَنَّ النِّيَّةَ كَافِيَةٌ.
ص (بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ) ش: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَالْحِلَاقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ يَحْصُلُ بِالنِّيَّةِ كَمَا
قَالَ فِي الطِّرَازِ وَالْحَلْقُ مِنْ سُنَّتِهِ كَمَا سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَفْسُدْ بِوَطْءٍ بَلْ
قَالَ فِي الطِّرَازِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّحَلُّلَ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ بِذَلِكَ،
وَكَذَلِكَ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَصَرَّحَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا أَنَّ نَحْرَ الْهَدْيِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّحَلُّلِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ، فَأَحْرَى عَلَى الْمَشْهُورِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُحْصَرِ،
وَفِي الشَّامِلِ وَكَفَتْ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(تَنْبِيهٌ) : وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ حِلٍّ، أَوْ حَرَمٍ لَكِنْ
قَالَ فِي الطِّرَازِ: إنْ قَدَرَ عَلَى إرْسَالِهِ إلَى مَكَّةَ فَعَلَ،
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَحُكْمُهُ فِي الْأَكْلِ حُكْمُ مَا بَلَغَ مَحِلَّهُ؛ لِأَنَّ مَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ،
وَأَمَّا الْهَدْيُ الْمَضْمُونُ، فَإِنَّهُ عَلَى حُكْمِ الْحَجِّ الْمَضْمُونِ،
فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْفَرْضَ سَقَطَ عَنْهُ أَجْزَأَ،
وَإِنْ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ، فَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ انْتَهَى. بِالْمَعْنَى.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ (ش) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَلَهُ التَّحَلُّلُ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ التَّحَلُّلَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِحَلْقِ رَأْسِهِ وَبِنَحْرِ هَدْيِهِ إنْ كَانَ مَعَهُ سَاقَهُ عَنْ شَيْءٍ مَضَى، أَوْ تَطَوَّعَ حَيْثُ كَانَ إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي التَّحَلُّلِ نِيَّتُهُ وَصَرَّحَ سَنَدٌ بِأَنَّ الْحَلْقَ مِنْ سُنَّتِهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ،
وَكَذَا نَحْرُ الْهَدْيِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَوْ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى الْمُحْصَرِ فَأَوْلَى عَلَى الْمَشْهُورِ بِعَدَمِ وُجُوبِهِ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ، أَوْ نَحَرَ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ التَّحَلُّلَ لَا يَتَحَلَّلُ
(قَوْلُهُ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ) فِي شَرْحِ عب مِثْلُ حَصْرِهِ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ الَّذِي كَلَامُهُ فِيهِ هُنَا فِي التَّحَلُّلِ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ مَنْ حَصْرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَكَانَ حَصْرُهُ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ فَيَتَحَلَّلُ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ كَمَا يُفِيدُهُ الْحَطَّابُ فَيُسْتَثْنَى هَذَا مِمَّا يَأْتِي اهـ.
وَيُحْمَلُ هَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بِالْفِعْلِ وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ.
(قَوْلُهُ إنْ كَانَ سَاقَهُ عَنْ شَيْءٍ مَضَى) أَيْ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَا دَمَ وَبَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا ضَمَانَ وَحُكْمُهُ فِي الْأَكْلِ مَا بَلَغَ مَحَلَّهُ لَا مَا عَطِبَ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا جَرَى عَلَى حُكْمِ الْمَضْمُونِ فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَ) إنْ تَحَلَّلَ فَ (لَا دَمَ) عَلَيْهِ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِ أَشْهَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ وَرَدَّهُ اللَّخْمِيُّ بِنُزُولِ الْآيَةِ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا بِعَدُوٍّ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ، وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ عَدُوٍّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ وَحَلْقِهِ، [منح الجليل] وَأَجَابَ التُّونُسِيُّ وَابْنُ يُونُسَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ وَإِنَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا فَأُمِرُوا بِتَذْكِيَتِهِ وَاسْتُضْعِفَ قَوْلُ أَشْهَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ، وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ يَحْلِقُ أَيْنَ كَانَ كَذَا قَالُوا، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ أَفَادَهُ عب.
الْبُنَانِيُّ حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ أَشْهَبَ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْهَدْيِ بِآيَةِ (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) . وَأُجِيبَ عَنْ اسْتِدْلَالِهِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلتُّونُسِيِّ وَابْنِ يُونُسَ أَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ إنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
الثَّانِي أَنَّ الْإِحْصَارَ فِي الْآيَةِ بِالْمَرَضِ لَا بِالْعَدُوِّ وَهَذَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَزَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ لِعَلْقَمَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا،
وَقَالَ وَالْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ أُحْصِرَ بِالْمَرَضِ وَحُصِرَ بِالْعَدُوِّ،
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} قَالَ عَلْقَمَةُ وَغَيْرُهُ الْمَعْنَى فَإِذَا بَرِئْتُمْ مِنْ مَرَضِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ خَوْفِكُمْ مِنْ الْعَدُوِّ. اهـ. وَكَوْنُ الْآيَةِ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَا يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ، بَلْ يَقْوَى تَأْوِيلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ} . وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الرَّدِّ بِالْآيَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى أَشْهَبَ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ الرَّدُّ بِهَا عَلَيْهِ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ.
وَالتَّحَلُّلُ يَكُونُ (بِنَحْرِ هَدْيِهِ) إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ سَاقَهُ عَنْ سَبَبٍ مَضَى أَوْ تَطَوُّعًا حَيْثُ كَانَ إنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ إرْسَالُهُ لِمَكَّةَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فَلَا ضَمَانَ،
وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا جَرَى عَلَى حُكْمِهِ فَإِنْ قُلْنَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا يَسْقُطُ الْهَدْيُ أَيْضًا (وَحَلْقِهِ) رَأْسَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ بَلْ هِيَ كَافِيَةٌ، فَفِي الشَّامِلِ وَكَفَتْ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ
فَلَوْ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنْوِ التَّحَلُّلَ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ يَنْحَرُ إلَخْ بِمَعْنَى مَعَ، فَيُفِيدُ كَلَامُهُ أَنَّ التَّحَلُّلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْأَمْرَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الأكملية لَا الشَّرْطِيَّةِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ فِي الطِّرَازِ أَيْضًا وَمِثْلُ مَنْ حُصِرَ عَنْهُمَا مَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ وَهُوَ فِي مَحَلٍّ بَعِيدٍ فِي التَّحَلُّلِ بِالنِّيَّةِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ فَقَطْ وَبَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ حَلَّ مَكَانَهُ صَوَابٌ وَلَا دَمَ إنْ أَخَّرَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَرِيقٌ مَخُوفٌ وَكُرِهَ إبْقَاءُ، إحْرَامِهِ،
وَإِنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا.
وَلَا يَتَحَلَّلُ، إنْ دَخَلَ وَقْتُهُ، [منح الجليل] وَلَا دَمَ) عَلَى الْمُحْصَرِ عَنْهُمَا
ولا دم؛ يعني أنه لا دم عليه لما فاته من الحج بحصر العدو ونحوه على المشهور،
وأوجبه أشهب لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ، وتأوله ابن القاسم على الحصر بمرض، ورده اللخمي بأن الآية نزلت بالحديبية وكان حصره بعدو،
ولقوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} ، والأمن إنما يكون من عدو، وأجيب عن دليل أشهب بجوابين: أحدهما للتونسي وابن يونس: أن الهدي في الآية لم يكن لأجل الحصر إنما ساقه بعضهم تطوعا، فلا دليل فيها على الوجوب كما يقوله أشهب، الثاني: أن الإحصار في الآية بالمرض لا بالعدو وهذا لابن القاسم كما مر، وعزاه ابن عطية لعلقمة وعروة بن الزبير وغيرهما،
وقال: المشهور في اللغة أحصر بالمرض وحصر بالعدو. انتهى.
وقال: في قوله: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} : قال علقمة وغيره: المعنى: فإذا برئتم من مرضكم،
وقال ابن عباس وقتادة وغيرهما: إذا أمنتم من خوفكم من العدو. انتهى. وكون الآية نزلت بالحديبية لا يرد هذا التأويل، بل يقوي تأويل ابن القاسم قوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} . نقله بناني. واعلم أن المحصور بعدو يحلق أين كان، ولا قضاء حيث تحلل قبل الفوات،
وأما لو أحصر ولم يتحلل حتى فاته الحج لوجب عليه الهدي للفوات فقط عند ابن القاسم لا هدي للحصر، خلافا للشافعي في إيجاب هديين، ووجب القضاء اتفاقا، ويكون الحصر بعد الفوات لا تأثير له،
فإن أراد التحلل فمنع من مكة كان كالمحصر في العمرة، فيتحلل من غير طواف ويقضي الحج لا العمرة. قاله الشيخ عبد الباقي عن الشيخ سالم. وقوله: "فله التحلل" ؛ أي فإن قدر على التقرب إلى مكة لم يلزمة ذلك ويحل بموضعه. قاله في الطراز. قاله الحطاب.
تنبيه: قال في سماع أبي زيد من كتاب القذف من البيان فيمن زنى وكان بكرا وأخذ بمكة وهو محرم: فإنه يقام عليه الحد وينفى ولو كان بمكة ولا ينتظر به أن يفرغ من الحج. ابن رشد: لأن التغريب من تمام الحد، فتعجيله واجب لا يصح أن يؤخر لأجل إحرامه، ولعله إنما أحرم فرارا من السجن، وقد كان مالك إذا سئل عن شيء من الحدود أسرع الجواب وأظهر السرور،
وقال: بلغني أن يقال: (لحد يقام بأرض خير من مطر أربعين صباحا (١) )،
وإذا سجن كان حكمه حكم المحصر بمرض. انتهى. بنحر هدي؛ متعلق بقوله: "فله التحلل" ؛ يعني أن تحلله يكون بنحر هدي، إن كان معه ساقه عن شيء مضى أو تطوع فينحره حيث كان إن لم يتيسر إرساله لمكة،
فإن كان غير مضمون فلا ضمان عليه، وحكمه في الأكل حكم ما بلغ محله،
وإن كان الهدي مضمونا جرى على حكم الحج المضمون،
فإن قلنا يسقط عنه الفرض أجزأ، وإلا فلا يسقط الهدي أيضا. وحلقه؛ يعني أن تحلل المحصور ومن في حكمه يكون بنحر الهدي إن كان معه مع حلق رأسه، ولابد من نية التحلل، وما قررت به المصنف تقرير له بحسب ظاهره؛ إذ ظاهر كلامه أن التحلل إنما يحصل بنحر الهدي والحلاق، وليس كذلك،
فإن نية التحلل كافية، ففي الشامل: وكفت نية التحلل على المشهور،
ولو نحر وحلق ولم ينو التحلل لم يتحلل كما صرح به في الطراز، وأجيب عن المصنف بأن "الباء" في قوله. "بنحر هديه" الخ للمصاحبة فيفيد أن النية كافية. قاله محمد بن الحسن. ولا دم إن أخره، الضمير البارز يرجع للتحلل أو للحلق؛ يعني أن المحصر الذي يجوز له التحلل إذا أخر الحلق أو التحلل إلى بلده لا دم عليه لأجل ذلك التأخير؛ لأن الحلق لما وقع في غير زمانه ومكانه لم يكن نسكا بل تحللا فقط،
وفي الخرشي: فإن قلت هل يصح الإحرام بالحج مرتين في عام واحد؟
قلت: نعم، هذا يصح في رجل أحرم ثم أحصر فتحلل بعمر لما غلب على ظنه أن الإحصار لا يزول ثم زال والوقت باق فأحرم بالحج ثانيا، وقوله: "ولا دم إن أخره" ،
قال في المدونة: وإن أخر حلاقه حتى رجع إلى بلده حلق ولا دم عليه. انتهى. نقله الشارح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.