كمستبرأة من زنا
الشروح عليها
(كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) تَشْبِيهٌ فِي حُرْمَةِ الْخِطْبَةِ وَأَرَادَ بِالزِّنَا مَا يَشْمَلُ الْغَصْبَ،
وَلَوْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَاءَ الزِّنَا فَاسِدٌ وَلِذَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مَا تَخَلَّقَ مِنْهُ،
وَلَوْ قَالَ، وَإِنْ مِنْ زِنًا لِيَشْمَلَ الْغَصْبَ وَغَيْرَهُ كَانَ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: تَشْبِيهٌ فِي حُرْمَةِ الْخِطْبَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: تَشْبِيهٌ فِي حُرْمَةِ الْخِطْبَةِ وَالْمُوَاعَدَةِ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا.
وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ زِنًا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ أَوْ مِنْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ وَفَاةٍ فِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِالْخِطْبَةِ فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ وَفِي تَحْرِيمِ الْمُوَاعَدَةِ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِالنِّكَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِنْهُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الزِّنَا أَوْ الْغَصْبُ مِنْهُ وَقَوْلُهُ: لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ مَا تَخَلَّقَ مِنْهُ أَيْ فَهُوَ كَمَاءِ الْغَيْرِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: وَإِنْ مِنْ زِنًا لِيَشْمَلَ الْغَصْبَ وَغَيْرَهُ) أَيْ لِيَشْمَلَ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ غَصْبٍ وَغَيْرِهِ كَالْمُسْتَبْرَأَةِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ مِنْ شُبْهَةِ مِلْكٍ أَوْ مِنْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إذَا حَرُمَ مَا ذُكِرَ فِي الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الزِّنَا فَأَحْرَى غَيْرُهُ مِنْ الِاسْتِبْرَاءَاتِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ الزِّنَا أَخَفُّهَا كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُحْتَاجُ لِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّصْوِيبِ اهـ بْن
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) ش: لَوْ قَالَ: وَإِنْ مِنْ زِنًا لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَشْمَلَ أَنْوَاعَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ هُوَ الزَّانِيَ بِهَا، أَوْ زَنَى بِهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا مِنْ الزِّنَا وَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ فُسِخَ النِّكَاحُ
قَالَ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ امْرَأَةً كَانَ زَنَى بِهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ
وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ وَمَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَالنِّكَاحُ يُفْسَخُ أَبَدًا وَلَيْسَ فِيهِ طَلَاقٌ وَلَا مِيرَاثٌ وَلَا دِيَةُ وَفَاةٍ وَالْوَلَدُ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ لَا حَقَّ فِيمَا حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ حَيْضَةٍ إنْ أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ نَكَحَهَا وَمَا كَانَ قَبْلَ حَيْضَةٍ فَهُوَ مِنْ الزِّنَا لَا يُلْحَقُ بِهِ انْتَهَى.
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) هَلْ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ،
أَمَّا إنْ كَانَتْ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ زِنَا غَيْرِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ وَالْقَوْلُ بِالتَّأْبِيدِ لِمَالِكٍ وَبِهِ أَخَذَ مُطَرِّفٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّامِلِ وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّأْبِيدِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ،
وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ زِنًا فَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ أَنَّهَا لَا تُحَرَّمُ
وَيَصِحُّ نِكَاحُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ الْحَاجِّ وَنَصُّ مَا فِي الْأَجْوِبَةِ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ زَنَيَا، ثُمَّ إنَّهُمَا تَنَاكَحَا بِغَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ الْمَاءِ الْفَاسِدِ وَتَوَالَدَا أَوْلَادًا، ثُمَّ إنَّهُمَا تَفَرَّقَا بِطَلَاقٍ وَتَرَاجَعَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، ثُمَّ تَفَارَقَا ثَانِيَةً بِطَلَاقٍ ثَانٍ، ثُمَّ اتَّهَمَا أَنْفُسَهُمَا وَأَنْكَرَا فِعْلَهُمَا وَسَأَلَا عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْفَتْوَى فَأَفْتَوْهُمَا بِفَسَادِ أَفْعَالِهِمَا وَأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ وَأَنَّ أَوْلَادَهُمَا لِغَيْرِ رِشْدَةٍ،
ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ زَوْجَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ مَاتَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَرِثْ الْأَوْلَادُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَأُخِذَتْ تَرِكَةُ الْمَيِّتِ وَفُرِّقَتْ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَفْتِنَا وَفَّقَك اللَّهُ فِي فِعْلِهِمَا أَوَّلًا مِنْ زَوَاجِهِمَا بَعْدَ الزِّنَا مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ وَفِي طَلَاقِهِمَا وَارْتِجَاعِهِمَا بَعْدَ الطَّلَاقِ إلَى آخِرِ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِمَا وَفِي مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ مِنْ الْوَالِدِ هَلْ يَجِبُ لَهُمْ مِيرَاثٌ أَمْ لَا يَجِبُ؟ بَيِّنْ لَنَا ذَلِكَ كُلَّهُ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ لَهُمْ الْمِيرَاثُ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمُفْتَيَيْنِ ضَمَانُ مَا تَصَدَّقُوا بِهِ أَمْ لَا؟
وَهَذَانِ الزَّوْجَانِ إذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَلْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا كَالْحُكْمِ عَلَى الزَّوَاجِ الصَّحِيحِ لَا يَتَرَاجَعَانِ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ أَمْ يَكُونُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا وَاحِدًا؟ بَيِّنْ لَنَا ذَلِكَ أَيْضًا.
فَأَجَابَ: تَصَفَّحْت السُّؤَالَ وَوَقَفْت عَلَيْهِ وَالنِّكَاحُ الْأَوَّلُ الَّذِي وَقَعَ عَقْدُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الزِّنَا فَاسِدٌ لَا يَلْحَقُهُ فِيهِ طَلَاقٌ فَتَكُونُ مُفَارَقَتُهُ إيَّاهَا فِيهِ بِطَلَاقٍ فَسْخًا بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَالنِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحٌ يَلْحَقُهُ فِيهِ الطَّلَاقُ فَإِنْ كَانَ وَقَعَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِيرَاثٌ،
وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ إنْ كَانَ مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ الَّذِي طَلَّقَهَا بَائِنًا،
وَأَمَّا الْأَوْلَادُ فَلَاحِقُونَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَجِبُ لَهُمْ الْمِيرَاثُ مِنْهُ
وَيَلْزَمُ مَنْ تَسَوَّرَ عَلَيْهِ فَتَصَدَّقَ بِهِ ضَمَانُهُ،
وَأَمَّا الْمُفْتُونَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الْغُرُورِ بِالْقَوْلِ وَإِنَّمَا الضَّمَانُ عَلَى مَنْ اسْتَفْتَاهُمْ وَتَسَوَّرَ عَلَى مِيرَاثِهِمْ بِفَتْوَاهُمْ فَتَصَدَّقَ بِهِ دُونَ ثَبْتٍ وَلَا أَمْرٍ وَاجِبٍ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ انْتَهَى.
قَالَ الْبُرْزُلِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ رُشْدٍ الْمُتَقَدِّمِ: يُرِيدُ الشَّيْخُ: النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحٌ إذَا كَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الزِّنَا وَالنِّكَاحُ الْفَاسِدُ لِعَقْدِهِ يَفْتَقِرُ لِلِاسْتِبْرَاءِ كَالزِّنَا
وَكَذَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمِيرَاثِ
وَكَذَا رَأَيْتُ لِابْنِ الْحَاجِّ قَالَ: أَجَابَ مُحَمَّدٌ بْنُ أَصْبَغَ إنْ كَانَتْ مُرَاجَعَتُهُ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ؛ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَلْيُفَارِقْ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، ثُمَّ يَنْكِحْهَا بَعْدَ ذَلِكَ نِكَاحًا صَحِيحًا إنْ أَحَبَّا
وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَمَا أَفْتَى بِهِ مِنْ لُحُوقِ الْوَلَدِ بِكُلِّ حَالٍ مَعْنَاهُ: إذَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ عَقْدِ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَأَكْثَرَ وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ وَلَا مِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ لِلزِّنَا إلَّا عَلَى طَرِيقَةِ الدَّاوُدِيِّ إذَا صَانَهَا مِنْ غَيْرِهِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ انْتَهَى، ثُمَّ نَقَلَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ هَذَا بِنَحْوِ الْكُرَّاسِ عَنْ ابْنِ الْحَاجِّ
وَقَالَ فِي آخِرِهَا: وَيَتَخَرَّجُ فِي تَأْبِيدِ تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إذَا طَرَأَ النِّكَاحُ عَلَى الْمَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ انْتَهَى فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُسْتَبْرَأَةً مِنْ زِنَاهُ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ
وَيَصِحُّ لَهُ نِكَاحُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَنَقَلَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ الْحَاجِّ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَبْتُوتَةِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ فِيمَنْ وَطِئَ مُطَلَّقَتَهُ الرَّجْعِيَّةَ فِي الْعِدَّةِ وَلَمْ يَنْوِ الرَّجْعَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ وَلَا تَكُونُ لَهُ الرَّجْعَةُ إلَّا فِي بَقِيَّةِ الْعِدَّةِ الْأُولَى فِي الِاسْتِبْرَاءِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ الْأُولَى فَلَا يَتَزَوَّجُهَا هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنْ فَعَلَ فُسِخَ نِكَاحُهُ وَلَا تَحْرُمُ أَبَدًا كَمَا أُحَرِّمُهَا عَلَى غَيْرِهِ؛
لِأَنَّهَا عِدَّتُهُ وَلَيْسَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي مَائِهِ سَوَاءً،
وَقِيلَ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصِيبِ فِي الْعِدَّةِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ: هَلْ التَّحْرِيمُ لِتَعْجِيلِ النِّكَاحِ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَجَلَهُ، أَوْ لِاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ؟
وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى اخْتَلَفُوا فِيمَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ فِي عِدَّتِهَا انْتَهَى، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَنَصُّهُ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ: وَعَلَى إلْغَاءِ وَطْئِهِ دُونَ نِيَّةٍ رَوَى مُحَمَّدٌ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ لَهُ مُرَاجَعَتُهَا فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ بِالْقَوْلِ وَالْإِشْهَادِ وَلَا يَطَؤُهَا إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ مَائِهِ الْفَاسِدِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ ابْنُ رُشْدٍ:
فَإِنْ تَزَوَّجَهَا وَبَنَى بِهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ فَفِي حُرْمَتِهَا عَلَيْهِ لِلْأَبَدِ قَوْلَانِ عَلَى كَوْنِ تَحْرِيمِ الْمَنْكُوحَةِ لِمُجَرَّدِ تَعْجِيلِ النِّكَاحِ قَبْلَ بُلُوغِ أَجَلِهِ أَوْلَهُ مَعَ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ انْتَهَى وَهُوَ أَوْفَى مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: مَنْ زَنَتْ زَوْجَتُهُ فَوَطِئَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَطَأَهَا فِي ذَلِكَ الْمَاءِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَنْعِ وَطْئِهَا وَكَرَاهَتِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْعِدَّةِ: وَلَا يَطَأُ الزَّوْجُ وَلَا يَعْقِدُ اهـ.
(تَنْبِيهٌ) قَالَ ابْنُ نَاجِي إثْرَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ امْرَأَةً كَانَ زَنَى بِهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ.
ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَتُوبَا وَهُوَ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقٍ وَالصَّوَابُ عِنْدِي حَمْلُ لَا بَأْسَ لِمَا غَيْرُهُ خَيْرٌ مِنْهُ انْتَهَى
(كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَيْضَةُ أُمِّ الْوَلَدِ لِمَوْتِ سَيِّدِهَا اسْتِبْرَاءٌ.
وَقَالَ: مَالِكٌ: هِيَ عِدَّةٌ. الْبَاجِيُّ: فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ لَا تَبِيتُ إلَّا بِبَيْتِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أُحِبُّ لَهَا الْمُوَاعَدَةَ فِيهَا.
(ص) كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ زِنًا مِنْهُ وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مِنْ غَصْبٍ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بِالْخِطْبَةِ لَهَا فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ وَفِي تَحْرِيمِ الْمُوَاعَدَةِ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِالنِّكَاحِ وَيَفْسُدُ النِّكَاحُ وَيُفْسَخُ وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ تَمَامِ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ عِدَّةٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ إذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ وَطْءٌ وَلَا تَلَذُّذٌ،
فَإِنْ حَصَلَ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَهُوَ قَوْلُهُ.
(قَوْلُهُ كَمُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ،
وَإِنْ مَنْ زِنًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ
(قَوْلُهُ أَوْ مِنْ غَصْبٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا تَفْهَمْ أَنَّهُ حَمَلَ الْمُصَنِّفُ عَلَى صُورَةِ الزِّنَا مِنْهُ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ بَلْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ الزِّنَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْغَصْبُ.
(مُسْتَبْرَأَةٍ مِنْ زِنًا) وَلَوْ مِنْهُ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّقَ مِنْ مَائِهِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ فَهُوَ كَغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى وَإِنْ مِنْ زِنًا لِيَشْمَلَ الْغَصْبَ وَغَيْرَهُ وَلَا يُقَالُ دَخَلَتْ بِالْكَافِ لِأَنَّهَا لِلتَّشْبِيهِ لَا تُدْخِلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْمُدْخِلُ كَافُ التَّمْثِيلِ نَعَمْ يُقَالُ إذَا حَرُمَتْ الْخِطْبَةُ وَالْمُوَاعَدَةُ فِي اسْتِبْرَاءِ الزِّنَا عَلِمَتْ حُرْمَتَهُمَا فِي اسْتِبْرَاءِ غَيْرِهِ بِالْأَحْرَى، لِأَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ مِنْ الزِّنَا أَخَفُّهَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّصْوِيبِ. وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ وَإِنْ بِشُبْهَةٍ وَلَوْ بَعْدَهَا وَبِمُقَدِّمَتِهِ فِيهَا [منح الجليل]
لا زيادة له على هذه المسألة.
كمستبرأة من زنى؛ يعني أنه يحرم خطبة المستبرأة من الزنى ومواعدتها كوليها في الأمرين من غير فرق،
ولو قال وإن من زنى لكان أولى ليشمل الغصب وغيره، ولا فرق بين كونها مستبرأة من زناه أو زنى غيره،
وفي النوادر: ومن زنى بامرأة ثم تزوجت قبل الاستبراء فالنكاح يفسخ أبدا وليس فيه طلاق ولا ميراث ولا عدة وفاة، والولد بعد عقد النكاح لاحق فيما حملت به بعد حيضة إن أتت به لستة أشهر من يوم نكحها، وما كان قبل حيضة فهو من الزنى لا يلحق به. قاله الحطاب. وسئل ابن رشد عن رجل وامرأة زنيا ثم إنهما تناكحا بغير استبراء من الماء الفاسد وتوالدا أولادا، ثم إنهما تفارقا بطلاق وتراجعا بعد الطلاق ثم تفارقا ثانية بطلاق ثان ثم إنهما اتهما أنفسهما وأنكرا فعلهما وسألا عن ذلك أهل الفتوى، فأفتوهما بفساد أفعالهما وأنها كانت على غير استقامة وأن أولادهما لغير رشدة،
ثم إن الرجل مات في خلال ذلك فلم يرث الأولاد منه قليلا ولا كثيرا، وفرقت تركته على المساكين؟ فأجاب: النكاح الأول فاسد لا يلحقه فيه طلاق، والنكاح الثاني صحيح يلحق فيه الطلاق،
فإن وقع قبل الدخول وجب لها نصف الصداق ولا ميراث لها،
وإن وقع الطلاق بعد الدخول وجب لها جميع الصداق والميراث إن مات قبل انقضاء العدة إلا أن يكون الطلاق بائنا،
وأما الأولاد فلاحقون به على كل حال يجب لهم الميراث منه
ويلزم من تسور عليه فتصدق به ضمانه ولا ضمان على المفتين إذ لم يكن منهم أكثر من الغرور بالقول، وإنما الضمان على من تسور على ميراثهم بفتوى المفتين فتصدق به دون تثبت ولا أمر واجب. انتهى. قال البرزلي بعد نقله كلام ابن رشد: يريد الشيخ: النكاح الثاني صحيح إذا كان بعد مدة الاستبراء من الزنى. انتهى.
قال هذا الشارح: وأما النكاح الأول الذي حصل قبل الاستبراء فلا إشكال في فساده، فقوله إن الأولاد فيه لاحقون على كل حال يرد عليه ما مر عن النوادر أن لحوق الولد بالنكاح بعد الزنى إنما هو إذا كان بعد حيضة،
أما إذا كان قبل حيضة فإن الولد لا يلحق بالنكاح بل هو من الزنى، فحكمه كما إذا أتت به لأقل من ستة أشهر من يوم النكاح. والله أعلم.
تنبيه: من زنت زوجته فوطئها في ذلك الماء فلا شيء عليه إلا أنه لا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء كما يأتي عند قوله: "وحرم في زمنه الاستمتاع" .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.