صح وندب إعارة مالك منفعة بلا حجر:
الشروح عليها
(بَابٌ فِي حُكْمِ الْعَارِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) ، وَهِيَ بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَقَدْ تُخَفَّفُ
(صَحَّ وَنُدِبَ) جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ النَّدْبُ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ لِأَجْلِ إفَادَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمُخْرَجَاتِ الْآتِيَةِ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ اسْتِجْمَاعُهُ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ (إعَارَةٌ) أَيْ إعْطَاءٌ وَتَمْلِيكُ (مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) لِذَاتٍ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُعِيرِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلذَّاتِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ (بِلَا حَجْرٍ) مُتَعَلِّقٍ بِمَالِكٍ خَرَجَ الْمَحْجُورُ مِنْ صَبِيٍّ وَسَفِيهٍ وَعَبْدٍ وَلَوْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ بِالْعِوَضِ لَا فِي نَحْوِ الْعَارِيَّةِ إلَّا مَا كَانَ اسْتِئْلَافًا لِلتِّجَارَةِ وَشَمِلَ كَلَامُهُ الْحَجْرَ الْجُعْلِيَّ مِنْ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ إذَا مَنَعَ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ الْإِعَارَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ، وَلَا فَرْقَ فِي الْجُعْلِيِّ بَيْنَ الصَّرِيحِ وَغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لَوْلَا إخْوَتُك، أَوْ دِيَانَتُك، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مَا أَعَرْتُك، وَقَوْلُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ صَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ لِلذَّاتِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا، أَوْ اسْتِئْجَارِهِ لَهَا، أَوْ اسْتِعَارَتِهِ لَهَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُعِيرَ غَيْرَهُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَالِكَ الْفُضُولِيُّ فَإِعَارَتُهُ لِمِلْكِ الْغَيْرِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ أَيْ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ كَهِبَتِهِ وَوَقْفِهِ وَسَائِرِ مَا أَخْرَجَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ،
أَمَّا مَا أَخْرَجَهُ بِعِوَضٍ كَبَيْعِهِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مُنْعَقِدٌ لَكِنْ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ
(قَوْلُهُ لِأَجْلِ إفَادَةِ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمُخْرَجَاتِ الْآتِيَةِ) أَيْ وَعَبَّرَ بِنُدِبَ لِأَجْلِ إفَادَةِ حُكْمِهَا الْأَصْلِيِّ وَلَمْ يُعَبِّرْ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ بِحُكْمِهِ غَالِبًا، بَلْ يَقْتَصِرُ فِيهِ عَلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا صَحَّ الْإِبَاحَةُ
بِخِلَافِ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَمَّا خَالَفَ حُكْمُهَا، وَهُوَ النَّدْبُ الْأَصْلَ فِي الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ نَصَّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلذَّاتِ) أَيْ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ كَانَ مَالِكًا لِلذَّاتِ، أَوْ مُسْتَأْجِرًا لَهَا، أَوْ مُسْتَعِيرًا لَهَا
(قَوْلُهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِكٍ) أَرَادَ بِالتَّعَلُّقِ الِارْتِبَاطَ يَعْنِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ حَالٍ مِنْ مَالِكٍ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِكِ مُلْتَبِسًا بِعَدَمِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ مِنْ صَبِيٍّ وَسَفِيهٍ وَعَبْدٍ) أَيْ
وَكَذَا يَخْرُجُ الْمَرِيضُ إذْ أَعَارَ عَارِيَّةً قِيمَةُ مَنَافِعِهَا أَزْيَدُ مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْمُصَنِّفِ عَارِيَّةً الزَّوْجَةِ إذَا كَانَتْ قِيمَةُ مَنَافِعِهَا أَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهَا فِي التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّبَرُّعِ بِالذَّاتِ، أَوْ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ قَوْلَهُ وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ إنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ انْدَفَعَ تَوَهُّمُ دُخُولِهِ هُنَا فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ،
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا بِقَرِينَةِ كَلَامِهِ السَّابِقِ
(قَوْلُهُ وَشَمِلَ كَلَامُهُ إلَخْ) أَيْ فَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ الْحَجْرِ الشَّرْعِيِّ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ حَجْرُ الْمَالِ، بَلْ مُرَادُهُ مُطْلَقُ حَجْرِ الشَّامِلِ لِلْجُعْلِيِّ، وَالْأَصْلِيِّ، وَالْجَعْلِيُّ هُوَ مَا جَعَلَهُ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَا تُعِرْهَا.
[بَابُ الْعَارِيَّةِ] ص (بَابُ الْعَارِيَّةِ) ص (صَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْجَوْهَرِيُّ الْعَارِيَّةُ بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ وَالْعَارَةُ مِثْلُ الْعَارِيَّةِ يُقَالُ هُمْ يَتَعَوَّرُونَ لِلْعَوَارِيِّ بَيْنَهُمْ
وَقِيلَ مُسْتَعَارٌ بِمَعْنَى مُتَعَاوِرٍ أَيْ مُتَدَاوَلٌ وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي الصِّحَاحِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ الْعَارِ وَإِنْ كَانَ قَدْ قِيلَ، فَلَيْسَ هُوَ الْوَجْهَ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ التَّعَاوُرِ الَّذِي هُوَ التَّدَاوُلُ، وَزْنُهَا فَعْلِيَّةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إذَا قَصَدَهُ، وَيَكُونُ وَزْنُهَا فَاعُولَةً أَوْ فَعَلِيَّةٌ عَلَى الْقَلْبِ،
وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَلَامَ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: أُنْكِرُ عَلَيْهِ كَوْنَهَا مَنْسُوبَةً إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالُوا يَتَعَيَّرُونَ؛ لِأَنَّ الْعَارَ عَيْنُهُ يَاءٌ قُلْت فِي الْمُخَصَّصِ لِابْنِ سِيدَهْ مَا نَصُّهُ وَتَعَوَّرْنَا الْعَوَارِيَّ وَتَعَاوَرْنَا الشَّيْءَ تَدَاوَلْنَاهُ
وَقِيلَ الْعَارِيَّةُ مِنْ الْيَاءِ؛ لِأَنَّهَا عَارٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَقَدْ تَعَيَّرُوهَا بَيْنَهُمْ.
(قُلْت) وَهَذَا نَصٌّ بِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ الْيَاءِ يَرُدُّ إنْكَارَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَتَعَيَّرُونَ وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَالْعَارِيَّةُ الْمِنْحَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا مِنْ الْعَارِ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ غَرَّهُ قَوْلُهُمْ يَتَعَيَّرُونَ الْعَوَارِيَّ، وَلَيْسَ عَلَى وَضْعِهِ إنَّمَا هِيَ مُعَاقَبَةٌ مِنْ الْوَاوِ إلَى الْيَاءِ.
(قُلْت) : وَقَدْ يُرَدُّ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمُعَاقَبَةِ انْتَهَى.
وَفِي رَدِّهِ عَلَى ابْنِ سِيدَهْ بِمِثْلِ هَذَا نَظَرٌ، فَتَأَمَّلْهُ وَفِي الْقَامُوسِ وَالْعَارِيَّةُ مُشَدَّدَةٌ وَقَدْ تُخَفَّفُ وَالْعَارِيَّةُ مَا تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُمْ وَالْجَمْعُ عَوَارِيُّ مُشَدَّدَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ انْتَهَى قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهِيَ مَصْدَرًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ لَا بِعِوَضٍ فَتَدْخُلُ الْعُمْرَى وَالْإِخْدَامُ لَا الْحَبْسُ وَاسْمًا مَالٌ ذُو مَنْفَعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ مُلِكَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَيُقَالُ طَرْدَاهُمَا بِإِرْثِ مِلْكِ مَنْفَعَةِ وَارِثِهَا مِمَّنْ حَصَلَا لَهُ بِعِوَضٍ لِحُصُولِهِمَا لِلْوَارِثِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ عُمُومَ نَفْيِ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُخْرِجُهُمَا؛
لِأَنَّهُمَا بِعِوَضٍ لِمَالِكِ الْعَيْنِ مِنْ الْمَيِّتِ وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ يُبْطِلُ طَرْدَهُ بِالْحَبْسِ وَعَكَسَهُ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا إلَّا مَصْدَرًا وَالْعُرْفُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُهَا اسْمًا، وَهِيَ الشَّيْءُ الْمُعَارُ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا إحْسَانٌ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَيَعْرِضُ وُجُوبُهَا نَعْنِي عَيْنَهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلَاكَهُ وَحُرْمَتُهَا كَكَوْنِهَا مُعِينَةً عَلَى مَعْصِيَةٍ وَكَرَاهَتُهَا كَكَوْنِهَا مُعِينَةً عَلَى مَكْرُوهٍ وَتُبَاحُ لِغَنِيٍّ عَنْهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ كَرَاهَتِهَا فِي حَقِّهِ انْتَهَى وَنَقَلَ كَلَامَهُ ابْنِ نَاجِي.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ الْغُلُولِ مَنْعُ الْكُتُبِ عَنْ أَهْلِهَا
وَكَذَا غَيْرُهَا انْتَهَى بِالْمَعْنَى.
ص (بِلَا حَجْرٍ) ش: مُرَادُهُ هُنَا بِالْحَجْرِ أَعَمُّ مِنْ الْحَجْرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِهِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا مَنَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ مِنْ الْإِعَارَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِعَارَةُ قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ: الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَتَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ لِلْمَنْفَعَةِ،
وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ لَهَا بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مَا لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَمَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِمُدَّةٍ أَوْ اكْتَرَاهُ فَلَهُ أَنْ يُعِيرَهُ لِمِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ يُكْرِيه إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ.
(وَصَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ) سَيَأْتِي لِابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَصِحُّ مِنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ بِلَا حَجْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: الْعَارِيَّةُ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» . ابْنُ عَرَفَةَ: وَيَعْرِضُ وُجُوبُهَا كَغَنِيٍّ عَنْهَا لِمَنْ يَخْشَى بِعَدَمِهَا هَلَاكًا، وَحُرْمَتُهَا كَكَوْنِهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَكَرَاهَتُهَا وَإِبَاحَتُهَا. (مَالِكٌ مَنْفَعَةً بِلَا حَجْرٍ وَإِنْ مُسْتَعِيرًا) ابْنُ عَرَفَةَ: مَا مُنِعَ فِي الْإِجَارَةِ فَأَحْرَى فِي الْعَارِيَّةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اسْتَأْجَرْت ثَوْبًا لَا تُعْطِهِ غَيْرَكَ وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً لَا تُكْرِهَا غَيْرَكَ.
وَفِي الزَّاهِي: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَلَا يُرْكِبُهَا غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فِي الْخِفَّةِ. وَقَوْلُ ابْنِ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ " الْمُعِيرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فَتَصِحُّ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ " يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ مِنْ سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْعَبْدِ نَاحِيَةَ الْكَفَالَةِ وَالْحَضَانَةِ.
(ص) صَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ مَالِكٍ مَنْفَعَةً (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ مَلَكَ مَنْفَعَةً يَصِحُّ مِنْهُ
وَيُنْدَبُ لَهُ الْإِعَارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعَارَ
وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى النَّدْبِ وَإِنْ كَانَ النَّدْبُ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ لَا الْعَكْسَ لِأَجْلِ الْمُخْرِجَاتِ الْآتِيَةِ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيُفِيدَ حُكْمَهَا بِالْأَصَالَةِ وَلِيَجْمَعَ بَيْنَ الْقُيُودِ وَالْمُخْرِجَاتِ الْآتِيَةِ وَقَوْلُهُ (ص) بِلَا حَجَرٍ (ش) مُتَعَلِّقٌ بِمَالِكٍ لَا بِصَحَّ وَلَا بِنُدِبَ،
وَإِنَّ صَحَّ وَنُدِبَ يَتَنَازَعَانِ فِي إعَارَةٍ فَالْمَعْنَى أَنَّ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ بِلَا حَجْرٍ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِعَارَةُ وَتُنْدَبُ لَهُ وَقَوْلُهُ
(قَوْلُهُ صَحَّ) الْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ الِانْعِقَادُ فَيَخْرُجُ إعَارَةُ الْفُضُولِيِّ مِلْكَ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ كَهِبَتِهِ وَوَقْفِهِ وَسَائِرِ مَا أَخْرَجَهُ عَلَى غَيْرِ عِوَضٍ لَا عَلَى عِوَضٍ كَبَيْعِهِ فَمُنْعَقِدٌ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ
(قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَعَارَ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى الصِّحَّةِ
(قَوْلُهُ لِأَجْلِ الْمُخْرِجَاتِ الْآتِيَةِ) فَإِنَّهَا مُخْرِجَةٌ مِنْ الصِّحَّةِ لَا مِنْ النَّدْبِ وَإِلَّا لَتُوُهِّمَ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ لِيُفِيدَ حُكْمَهَا بِالْأَصَالَةِ) قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ النَّدْبُ وَقَوْلُهُ وَلِيَجْمَعَ بَيْنَ الْقُيُودِ الَّتِي هِيَ مَالِكٌ مَنْفَعَةً بِلَا حَجْرٍ وَقَوْلُهُ بِلَا حَجْرٍ إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ إعَارَةُ السَّفِيهِ وَالصَّبِيِّ
وَكَذَا أَخْرَجَ إعَارَةَ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ كَالْفُضُولِيِّ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَفْهُومِ إعَارَةُ الزَّوْجَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ ثُمَّ الَّذِي يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ قَدْرَ الثُّلُثِ أَوْ أَكْثَرَ قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَارَةِ لَا قِيمَةَ ذِي الْمَنْفَعَةِ أَفَادَهُ فِي ك
(قَوْلُهُ وَإِنَّ صَحَّ وَنُدِبَ يَتَنَازَعَانِ إلَخْ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُعْمِلْ وَاحِدًا لِأَنَّهُ لَوْ أَعْمَلَ وَاحِدًا لَأَضْمَرَ فِي الْآخَرِ فَيَقُولُ صَحَّتَا وَنُدِبَ وَحَرِّرْهُ
(صَحَّ وَنُدِبَ إعَارَةُ) شَخْصٍ رَشِيدٍ (مَالِكِ مَنْفَعَةٍ) تَبَعًا لِمِلْكِ الذَّاتِ أَوْ بِإِجَارَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِلْكُ الذَّاتِ، فَفِي وَصَايَا الْمُدَوَّنَةِ الثَّانِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ سُكْنَى دَارٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ حَالَ كَوْنِ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ (بِلَا حَجْرٍ عَلَيْهِ) إنْ كَانَ مَالِكًا لِلذَّاتِ وَالْمَنْفَعَةِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ بِإِجَارَةٍ، بَلْ
لا زيادة له على هذه المسألة.
بقوله: صح وندب إعارة مالك منفعة يعني أن من ملك منفعة شيء يندب له أن يعيره وذلك يستلزم أن إعارته صحيحة، ولكنه عبر بصح وندب مع أن الندب يستلزم الصحة لأجل المخرجات الآتية، قال عبد الباقي: صح وندب إعارة مالك منفعة بملك أو إجارة أو عارية كما سيذكر، وعبر بندب ليفيد حكمها هنا ولم يعبر في غيرها من العقود بحكمه غالبا، بل يقتصر فيه على الصحة كقوله: وإنما تصح من أهل التوكيل والتوكل لأن الأصل فيما صح الإباحة
بخلاف هذه لما خالف حكمها الأصل في الصحة نص عليه، وعبر بصح مع أن الندب يتضمنه لإفادة عدم الصحة في المخرجات. اهـ.
وقال المواق: العارية مندوب إليها لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة (١) ). ابن عرفة: يعرض وجوبها كغني عنها لمن يخشى بعدمها هلاكه وحرمتها ككونها على معصية. اهـ. ونحوه للحطاب وزاد: وكراهتها ككونها معينة على مكروه. اهـ.
وقال الرهوني: قال اللخمي: والعواري بين الأقارب والجيران والإخوان مندوب إليها، لقوله تعالى: {وافعلوا الخير} ، ولأنها داعية التواد والتواصل، وداخلة في قوله عليه الصلاة والسلام (تهادوا تحابوا (٢) )، وهي فيما قل قدره آكد لقول الله عز وجل في ذم قوم: {ويمنعون الماعون} ، وممنوعة ممن يعلم أنه يستعملها فيما لا يجوز. انتهى. قال الحطاب: واستدلاله بقوله تعالى: {ويمنعون الماعون} إنما يصح على ما روي عن ابن مسعود ومن وافقه، وهو خلاف مذهب مالك والجمهور، ففي المقدمات ما نصه: إعارة المتاع من عمل المعروف وأخلاق المؤمنين، فينبغي للناس أن يتداولوا ذلك بينهم ويتعاملوا به ولا يشحوا به ويمنعوه،
ومن منع ذلك وشح به فلا إثم عليه ولا حرج، إلا أنه قد رغب عن مكارم الأخلاق ومحمودها، واختار لئيمها ومذمومها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. والماعون الذي توعد على منعه في قوله عز وجل: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } إنما هو الزكاة المفروضة، هذا الذي ذهب إليه مالك وجمهور أهل العلم، وقد روي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: هو عارية متاع البيت الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم من الفأس والدلو والحبل والقدر وأشباه ذلك.
اهـ. ونقله أبو الحسن أيضا وما نسبه للجمهور نسبه ابن عطية لعلي وابن عمر رضي الله عنهما،
ثم ذكر قول ابن مسعود وقال ما نصه وقاله الحسن وقتادة وابن الحنفية وابن زيد والضحاك. اهـ. وهذا هو الذي استظهره ابن رشد فقال بعد ما قدمناه عنه بقريب ما نصه: فالآية نزلت في المنافقين والوعيد تعلق بهم على مذهب مالك،
ومن رأى الماعون الزكاة على النفاق ومنع الزكاة ويتعلق في مذهب من جعل الماعون عارية متاع البيت على النفاق، ومنع العارية من المسلمين بغضا لهم وهو الأظهر؛ لأن المنافقين كفار في الدرك الأسفل من النار،
ومن كان بهذه الحالة لا يلتمس منه الزكاة. انتهى.
وفي الحطاب: وهي من حيث ذاتها مندوب إليها لأنها إحسان والله يحب المحسنين. اهـ. ولأنه عليه الصلاة والسلام استعار
وكذا الصحابة رضوان الله عليهم، وقوله: "إعارة" يتنازعه "صح" و "ندب" . وقوله: "منفعة" أخرج به الفضولي. وقوله: بلا حجر حال من مالك أو صفة له؛ أي صح وندب إعارة مالك غير محجور عليه واحترز بذلك عما لو كان محجورا عليه فإنه لا تصح إعارته، قال الحطاب عند قوله: "بلا حجر" ما نصه: مراده هنا بالحجر أعم من الحجر المتقدم في بابه ليشمل ما إذا منع المعير المستعير من الإعارة فإنه ليس له الإعارة، قال ابن سلمون: العارية مندوب إليها وتصح من كل مالك المنفعة،
وإن كان ملكه لها بإجارة أو عارية ما لم يحجر عليه ذلك،
ومن استعار شيئا لمدة أو اكتراه فله أن يعيره لمثله في تلك المدة أو يكريه إلا أن يشترط عليه أن لا يفعل ذلك. اهـ.
وقال عبد الباقي عند قوله: "بلا حجر" ما نصه: فالمحجور عليه لا تصح إعارته كمريض بأكثر من ثلثه،
بدليل قوله: وإن أجيز فعطية
وأما إعارة الزوجة أكثر من ثلثها فصحيح، وللزوج رد الجميع إن تبرعت بزائد كما تقدم فهو صحيح حتى يرده. اهـ.
قوله: وأما إعارة الزوجة أكثر من ثلثها لخ انظر هل يعتبر في ذلك قيمة المنفعة أو قيمة الذات، واختار أحمد الأول لأن المنفعة هي المتبرع بها قاله البناني. قال مقيده عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه لا وجه للتوقف فيما قاله أحمد.
وإن مستعيرا مبالغة في الصحة فقط لا في الندب؛ لأن المستعير لا يندب له أن يعير، ومعنى كلامه أن من ملك المنفعة بإعارة تصح إعارته لذلك الشيء المستعار ولا تجاوز إعارته له مدة الإعارة الأولى، قال عبد الباقي عند قوله: "مستعيرا" ما نصه: مبالغة في الصحة إذ يكره للمستعير ثوبا أو كتابا إعارته لغيره،
وكذا إذا استعار دابة للركوب كما في الإجارة والصحة لا تنافي الكراهة، ومحل الصحة ما لم يمنعه المالك من إعارته، فقوله: "بلا حجر" أي شرعي كالصبي والعبد ولو مأذونا له في التجارة؛ لأنه إنما أذن له في التصرف بعوض ولم يؤذن له في نحو العارية إلا فيما كان استيلافا للتجارة، أو جعلي من المالك، فإنه إذا منعه من الإعارة لا يعير فلا يريد حجر المال فقط، ولا فرق في الحجر الجعلي بين أن يكون صريحا أو بقرينة، كقوله: لولا إخوتك أو ديانتك أو صداقتك ما أعرتك.
اهـ. قوله إذ يكره للمستعير لخ، قال البناني: الذي في عبارة ابن الجلاب الجواز واقتصر عليه ابن شأس وابن الحاجب، وقبله ابن هارون وابن عبد السلام، ونقل ابن عرفة عن المدونة ما يقتضي المنع والجواز والكراهة. انظر ابن غازي.
قلت: والظاهر جمعا بين المواضع الثلاثة حمل كل من الجواز والمنع على الكراهة مع الصحة كما قرر به الزرقاني وهو ظاهر، وقوله: إلا ما كان استيلافا للتجارة تقدم في باب الحجر عن المدونة أن المأذون يمنع من العارية ولو لاستيلاف فانظره. اهـ كلام البناني.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.