وتباين الدّارين سبب الفرق لا السّبي
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفُرْقَةِ لَا السَّبْيِ) وَالشَّافِعِيُّ يَعْكِسُهُ لِأَنَّ التَّبَايُنَ أَثَرُهُ فِي انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْفُرْقَةِ كَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ، وَالْمُسْلِمِ الْمُسْتَأْمَنِ
أَمَّا السَّبْيُ فَيَقْتَضِي الصَّفَاءَ لِلسَّابِي وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْقِطَاعِ النِّكَاحِ وَلِهَذَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ ذِمَّةِ الْمَسْبِيِّ وَلَنَا أَنَّ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا يَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ فَشَابَهَ الْمَحْرَمِيَّةَ، وَالسَّبْيُ يُوجِبُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ وَهُوَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً فَكَذَلِكَ بَقَاءً وَصَارَ كَالشِّرَاءِ ثُمَّ يَقْتَضِي الصَّفَاءَ فِي مَحَلِّ عَمَلِهِ وَهُوَ الْمَالُ لَا فِي مَحَلِّ النِّكَاحِ،
وَفِي الْمُسْتَأْمَنِ لَمْ تَتَبَايَنْ الدَّارُ حُكْمًا لِقَصْدِ الرُّجُوعِ فَيَتَفَرَّعُ أَرْبَعُ صُوَرٍ وِفَاقِيَّتَانِ وَهُمَا لَوْ خَرَجَ الزَّوْجَانِ إلَيْنَا مَعًا ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ مُسْتَأْمَنَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ صَارَا ذِمِّيَّيْنِ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ اتِّفَاقًا وَمَا لَوْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ اتِّفَاقًا عِنْدَهُ لِلسَّبْيِ وَعِنْدَنَا لِلتَّبَايُنِ وَخِلَافِيَّتَانِ إحْدَاهُمَا مَا إذَا خَرَجَ أَحَدُهُمَا إلَيْنَا مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا ثُمَّ صَارَ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عِنْدَنَا تَقَعُ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ حَلَّ لَهُ التَّزَوُّجُ بِأَرْبَعٍ فِي الْحَالِ وَبِأُخْتٍ امْرَأَتِهِ الَّتِي فِي دَارِ الْحَرْبِ إذَا كَانَتْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الَّتِي فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالثَّانِيَةُ مَا إذَا سُبِيَ الزَّوْجَانِ مَعًا فَعِنْدَهُ تَقَعُ فَلِلسَّابِي أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَعِنْدَنَا لَا لِعَدَمِ تَبَايُنِ دَارَيْهِمَا أَطْلَقَ فِي التَّبَايُنِ فَانْصَرَفَ إلَيْهِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا
فَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ كِتَابِيَّةً حَرْبِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ عَنْهَا الزَّوْجُ بَانَتْ لِوُجُودِهِ وَلَوْ خَرَجَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ لَمْ تَبِنْ لِأَنَّ التَّبَايُنَ،
وَإِنْ وُجِدَ حَقِيقَةً لَمْ يُوجَدْ حُكْمًا لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا
بِخِلَافِ مَا إذَا أَخْرَجَهَا كُرْهًا فَإِنَّهَا تَبِينُ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِأَنَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا وَزَوْجُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ لَمْ تَبِنْ زَوْجَتُهُ لِأَنَّهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا فَإِنْ قَبِلَ الذِّمَّةَ بَانَتْ لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَقِيقَةً وَحُكْمًا.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً وَحُكْمًا) قَالَ فِي النَّهْرِ: الْمُرَادُ بِالتَّبَايُنِ حَقِيقَةً تَبَاعُدُهُمَا شَخْصًا وَبِالْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ، وَالسُّكْنَى حَتَّى لَوْ دَخَلَ الْحَرْبِيُّ دَارَنَا بِأَمَانٍ لَمْ تَبِنْ زَوْجَتُهُ لِأَنَّهُ فِي دَارِهِ حُكْمًا إلَّا إذَا قَبِلَ الذِّمَّةَ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ) أَيْ أَسْلَمَ أَوْ صَارَ ذِمِّيًّا
(قَوْلُهُ: فَلَوْ تَزَوَّجَ مُسْلِمٌ كِتَابِيَّةً) تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّبَايُنِ التَّبَايُنُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ تَفْسِيرِهِمَا،
وَفِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُحِيطِ مُسْلِمٌ تَزَوَّجَ حَرْبِيَّةً فِي دَارِ الْحَرْبِ فَخَرَجَ بِهَا رَجُلٌ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِالتَّبَايُنِ
فَلَوْ خَرَجَتْ بِنَفْسِهَا قَبْلَ زَوْجِهَا لَمْ تَبِنْ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا بِالْتِزَامِهَا أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ إذْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ، وَالزَّوْجُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلَا تَبَايُنَ اهـ.
وَوَجَّهَهُ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إذَا أَخْرَجَهَا الرَّجُلُ قَهْرًا حَتَّى مَلَكَهَا لِتَحَقُّقِ التَّبَايُنِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا حِينَئِذٍ حَقِيقَةً وَحُكْمًا
أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا حُكْمًا فَلِأَنَّهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حُكْمًا وَزَوْجُهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ حُكْمًا فَإِنَّ فِي النَّهْرِ عَنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ،
وَفِي قَوْلِهِ: وَأَمَّا حُكْمًا. . . إلَخْ بَحْثٌ اهـ.
قَالَ: وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ إذْ لَا تُمَكَّنُ مِنْ الرُّجُوعِ قَالَ: ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمُحِيطَ الرَّضَوِيَّ فَإِذَا الَّذِي فِيهِ مَا لَفْظُهُ وَسَاقَ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا سَاقَهُ الْمُؤَلِّفُ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا غُبَارَ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي نُسْخَةِ صَاحِبِ الْفَتْحِ تَحْرِيفٌ، وَالصَّوَابُ مَا أَسْمَعْتُك.
(وتباين الدارين) يعني حقيقة وحكمًا إذ المطلق يصرف إلى الكامل (سبب الفرقة) حتى لو خرج أحدهما من دار الحرب إلى دار الإسلام مسلما أو ذميا أو أسلم أو عقد عقد الذمة في دار الحرب وقعت الفرقة بينهما لأنه ينافي انتظام المصالح، وما ينافيها يقطع النكاح كالمحرمية والمراد بالتباين حقيقة تباعدت ما شخصاً وبالحكم أن لا يكون في الدار التي دخلها على سبيل الرجوع بل على سبيل القرار والسكنى، حتى لو دخل الحربي دارنا بأمان لم تبن زوجته لأنه في داره حكما إلا إذا قبل الذمية وفي (المحيط) مسلم تزوج حربية في دار الحرب فخرج بها رجل إلى دار الإسلام بانت من زوجها بالتباين،
فلو خرجت بنفسها فبل تزوجها لم تبن لأنها صارت من أهل دارنا بالتزامها أحكام المسلمين، إذ لا تمكن من العود والزوج من أهل دار الإسلام فلا تباين.
قال في (الفتح) بعد نقله: يريد في الصورة الأولى إذا أخرجها الرجل قهرًا حتى ملكها لتحقق التباين بينها وبين زوجها حينئذ حقيقة وحكما
أما حقيقة فظاهر وأما حكمًا فلأنها في دار الحرب حكما وزوجها في دار الإسلام،
قال في "الحواشي السعدية": وفي فوله
وأما حكما فلأنها في دار الحرب حكما بحث انتهى. ولعل وجهه ما مر من أن معنى الحكم أن لا يكون لم في الدار التي دخلها على سبيل الرجوع بل عليه سبيل القرار وهي هنا كذلك إذ لا تمكن من الرجوع ثم راجعت (المحيط الرضوي) فإذا الذي فيه ما لفظه: مسلم تزوج حربية كتابية في دار الحرب فخرج عنها الزوج وحده بانت ولو خرجت المرأة قبل الزوج لم تبن، وعلله بما مر وهذا لا غبار لا السبي، وتنكح المهاجرة الحائل بلا عدة وارتداء أحدهما فسخ في الحال، عليه فالظاهر إنما وقع في نسخة صاحب (الفتح) تحريف والتصويب ما أسمعتك، ألا السبيل لأنه يوجب ملك الرقبة وهو لا ينافي النكاح ابتداء ولذا لو زوج أمته جاز فكذا بقاء، ولهذا لو كانت النسبية منكوبة مسلم أو ذمي لا يبطل النكاح كذا في (العناية) وهذا يؤيد البحث السابق والله الموفق،
(وَتَبَايُنُ الدَّارَيْنِ سَبَبُ الْفَرْقِ لَا السَّبْيِ) حَتَّى لَوْ خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ عَقَدَ عَقْدَ الذِّمَّةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا.
وَكَذَا إذَا سُبِيَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَدُخِلَ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ،
وَلَوْ سُبِيَا مَعًا لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَبَبُ الْفُرْقَةِ السَّبْيُ دُونَ تَبَايُنِ الدَّارَيْنِ حَتَّى تَقَعَ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُ بِالسَّبْيِ،
وَلَوْ سُبِيَا مَعًا وَلَا تَقَعُ بِالتَّبَايُنِ؛ لِأَنَّ السَّبْيَ يَقْتَضِي صَفَاءَ الْمَسْبِيِّ لِلسَّابِي وَلِهَذَا لَا يَبْقَى الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَسْبِيِّ،
وَلَوْ بَقِيَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا لَامْتَنَعَ الصَّفَاءُ
أَمَّا تَبَايُنُ الدَّارَيْنِ فَتَأْثِيرُهُ فِي انْقِطَاعِ الْوَلَايَةِ، وَانْقِطَاعُ الْوَلَايَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إبْطَالِ النِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرْبِيَّ الْمُسْتَأْمِنَ أَوْ الْمُسْلِمَ الْمُسْتَأْمِنَ لَمْ تَقَعْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ دَارُهُمْ حَقِيقَةً،
وَكَذَا الْخُرُوجُ مِنْ مَنَعَةِ أَهْلِ الْبَغْيِ إلَى مَنَعَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَا تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ وَلِهَذَا «رَدَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِنْتَه زَيْنَبَ إلَى زَوْجِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ» وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - تَحَرَّجُوا فِي وَطْئِهِنَّ لِأَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}، أَيْ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ حُرِّمْنَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ تِلْكَ السَّبَايَا وَأَبَاحَ وَطْءَ سَبَايَا أَوْطَاسٍ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَقَدْ سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ.
وَهَذَا لِأَنَّ السَّبْيَ سَبَبٌ لِمِلْكِ مَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ وَمَحَلُّ النِّكَاحِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّمَلُّكِ، فَيَكُونُ مَمْلُوكًا كَالسَّابِي، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ فَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ لِحَقِّ الزَّوْجِ وَهُوَ لَيْسَ بِذِي حَقٍّ مُحْتَرَمٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُسْقِطُ مَالِكِيَّتَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلِهَذَا لَوْ كَانَتْ الْمَسْبِيَّةُ مَنْكُوحَةً لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لَا يَبْطُلُ بِهِ النِّكَاحُ لِكَوْنِ الْمَالِكِ لِلنِّكَاحِ مُحْتَرَمًا وَلَنَا أَنَّهُ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لَا تَنْتَظِمُ الْمَصَالِحُ، وَالنِّكَاحُ شُرِعَ لِمَصَالِحِهِ لَا لِعَيْنِهِ فَلَا يَبْقَى عِنْدَ عَدَمِهَا كَالْمَحْرَمِيَّةِ إذَا اُعْتُرِضَتْ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرْبِ كَالْمَوْتَى وَلِهَذَا لَوْ الْتَحَقَ بِهِمْ الْمُرْتَدُّ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمَوْتَى فَلَا يُشْرَعُ النِّكَاحُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ
بِخِلَافِ الْمُسْتَأْمِنِ؛ لِأَنَّ تَبَايُنَ الدَّارِ فِيهِ لَمْ يُوجَدْ حُكْمًا لِقَصْدِهِ الرُّجُوعَ إلَى دَارِهِ إذْ هُوَ لَمْ يَدْخُلْهَا لِلْقَرَارِ وَلِهَذَا يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنْ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ.
وَأَمَّا مَنَعَةُ أَهْلِ الْبَغْيِ فَهِيَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ تَخْتَلِفْ الدَّارُ وَالسَّبْيُ سَبَبٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ مَآلًا، وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ ثَبَتَ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِلنِّكَاحِ كَالشِّرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ مَقْصُودًا يَخْتَصُّ بِشَرْطِهِ كَالشُّهُودِ وَفِي السَّبْيِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ تَبَعًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذَا كَانَ فَارِغًا وَلِهَذَا لَوْ كَانَ مَالِكُ النِّكَاحِ مُحْتَرَمًا بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ،
وَلَوْ كَانَ السَّبْيُ يُوجِبُهُ لَمَا اخْتَلَفَ بَيْنَ الْمُحْتَرَمِ وَغَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ السَّبْيَ لَا يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَلَا يُنَافِي الْبَقَاءَ كَسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ.
وَأَمَّا الدَّيْنُ فَإِنْ كَانَ عَلَى عَبْدٍ لَمْ يَسْقُطْ وَإِنْ كَانَ عَلَى حُرٍّ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ الْحُرَّ كَانَ دَيْنُهُ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ
فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ السَّبْيِ لَوَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ دَيْنَ الْعَبْدِ حَتَّى يُبَاعَ فِيهِ فَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَجَبَتْ
بِخِلَافِ دَيْنِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ صِفَتَهُ لَا تَخْتَلِفُ،
وَأَمَّا «رَدُّ زَيْنَبَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَدَّهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ» فَكَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي عَلَى أَنَّ مَا رَوَاهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فَلَا يُعَارِضُ مَا رَوَيْنَا لِصِحَّتِهِ وَمَا رُوِيَ أَنَّ فِيمَا رَوَيْنَا حِجَاجًا وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَرْحٌ مُبْهَمٌ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَهْلُ النَّقْلِ حَتَّى خَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ؛ وَلِأَنَّ مَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ إسْلَامَهَا كَانَ قَبْلَ إسْلَامِهِ بِسِتِّ سِنِينَ.
وَقِيلَ بِسَنَتَيْنِ وَهُوَ لَا يَرَى بَقَاءَ النِّكَاحِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ إسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا،
وَأَمَّا سَبَايَا أَوْطَاسٍ فَلَا يَلْزَمُنَا حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُنَّ سُبِينَ وَحْدَهُنَّ؛ لِأَنَّ رِجَالَهُنَّ قُتِلُوا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُنَّ كَانُوا مَعَهُنَّ فَلَا يَلْزَمُنَا حُجَّةٌ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: يَقْتَضِي صَفَاءَ الْمَسْبِيِّ) قَالَ الْكَمَالُ وَالصَّفَاءُ هُنَا بِالْمَدِّ أَيْ الْخُلُوصُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِهَذَا) أَيْ لِثُبُوتِ الصَّفَاءِ بِالْمَسْبِيِّ اهـ. وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَلِهَذَا يَعْنِي لَوْ سُبِيَ الْحَرْبِيُّ وَفِي ذِمَّتِهِ دَيْنٌ لِحَرْبِيٍّ آخَرَ بَطَلَ الدَّيْنُ فِي السَّبْيِ، ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ: لَا يَبْقَى الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَسْبِيِّ) أَيْ إنْ كَانَ لِكَافِرٍ بِعَدَمِ احْتِرَامِهِ اهـ.
فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: فَتَأْثِيرُهُ فِي انْقِطَاعِ الْوَلَايَةِ) أَيْ وَلَايَةِ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خَارِجًا إلَيْنَا وَوَلَايَةُ مَنْ فِي دَارِنَا إنْ كَانَ لَاحِقًا بِدَارِ الْحَرْبِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهِ اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: وَلَنَا أَنَّهُ مَعَ التَّبَايُنِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا) الْمُرَادُ بِالتَّبَايُنِ حَقِيقَةُ تَبَاعُدُهُمَا شَخْصًا وَبِالْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي دَخَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الرُّجُوعِ، بَلْ يَكُونُ عَلَى سَبِيلِ الْقَرَارِ وَالسُّكْنَى اهـ. اك
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ رِجَالَهُنَّ قُتِلُوا إلَخْ) فِي الْكَاكِيِّ الْمَرْوِيُّ أَنَّ الرِّجَالَ هَرَبُوا مِنْ حُصُونِهِمْ وَإِنَّمَا سُبِيَ النِّسَاءُ وَحْدَهُنَّ اهـ.
قَالَ الْكَمَالُ: وَأَمَّا سَبَايَا أَوْطَاسٍ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النِّسَاءَ سُبِينَ وَحْدَهُنَّ وَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ تُفِيدُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «أَصَبْنَا سَبَايَا أَوْطَاسٍ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي قَوْمِهِنَّ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَتْ {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: ٢٤] » لَكِنْ بَقِيَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ حِلُّ الْمَمْلُوكَةِ مُطْلَقًا سَوَاءً سُبِيَتْ وَحْدَهَا أَمْ مَعَ زَوْجٍ،
وَأَمَّا الْمُشْتَرَاةُ مُتَزَوِّجَةً فَخَارِجَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى مَا سِوَاهَا دَاخِلًا تَحْتَ الْعُمُومِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَسْبِيَّةَ مَعَ زَوْجِهَا تَخُصُّ أَيْضًا بِدَلِيلِنَا وَبِمَا نَذْكُرُ وَتَبْقَى الْمَسْبِيَّةُ وَحْدَهَا ذَاتَ بَعْلٍ وَبِلَا بَعْلٍ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
وَكَتَبَ عَلَى قَوْلِهِ وَتَنْكِحُ الْمُهَاجِرَةُ إلَخْ مَا نَصُّهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ حُكْمٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى حُكْمِ بَعْضِ مَا تَضَمَّنَهُ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ إذَا خَرَجَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مُهَاجِرًا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَهَذِهِ إذَا كَانَ الْخَارِجُ مِنْهُمَا الْمَرْأَةَ وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ اتِّفَاقًا هَلْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ فِيهَا خِلَافٌ اهـ. كَمَالٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.