وإن جعل الواقف غلّة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه صحّ
الشروح عليها
(وَإِنْ جَعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ أَوْ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِ صَحَّ) أَيْ لَوْ شَرَطَ عِنْدَ الْإِيقَافِ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ شَرْطُهُ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُتَوَلِّي عِنْدَهُ
وَقِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ
وَقِيلَ هِيَ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ فَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْبَعْضَ لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَفِيمَا إذَا شَرَطَ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ لِلْفُقَرَاءِ.
وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إنَّ الْوَقْفَ شُرِعَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فَاشْتِرَاطُهُ الْكُلَّ أَوْ الْبَعْضَ لِنَفْسِهِ يُبْطِلُهُ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَصَارَ كَالصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ وَشَرْطِ بَعْضِ بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ لِنَفْسِهِ وَلِأَبِي يُوسُفَ مَا رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ صَدَقَتِهِ وَالْمُرَادُ مِنْهَا صَدَقَتُهُ الْمَوْقُوفَةُ وَلَا يَحِلُّ الْأَكْلُ مِنْهُ إلَّا بِالشَّرْطِ فَدَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ إزَالَةُ الْمِلْكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فَإِذَا شَرَطَ الْبَعْضَ أَوْ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ فَقَدْ جَعَلَ مَا صَارَ مَمْلُوكًا لِلَّهِ تَعَالَى لِنَفْسِهِ
لَا أَنْ يَجْعَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ وَهَذَا جَائِزٌ كَمَا إذَا بَنَى خَانًا أَوْ سِقَايَةً أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَشَرَطَ أَنْ يَنْزِلَهُ أَوْ يَشْرَبَ مِنْهُ أَوْ يُدْفَنَ فِيهِ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْقُرْبَةُ وَفِي الصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» .
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَدْ تَرَجَّحَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَنَحْنُ أَيْضًا نُفْتِي بِقَوْلِهِ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ وَاخْتَارَهُ مَشَايِخُ بَلْخٍ
وَكَذَا ظَاهِرُ الْهِدَايَةِ حَيْثُ أَخَّرَ وَجْهَهُ وَلَمْ يَدْفَعْهُ وَمِنْ صُوَرِ الِاشْتِرَاطِ لِنَفْسِهِ مَا لَوْ قَالَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْ غَلَّتِهِ
وَكَذَا إذَا قَالَ إذَا حَدَثَ عَلَيَّ الْمَوْتُ وَعَلَيَّ دَيْنٌ يُبْدَأُ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ بِقَضَاءِ مَا عَلَيَّ فَمَا فَضَلَ فَعَلَى سَبِيلِهِ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ فَإِذَا شَرَطَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَحَشَمِهِ وَعِيَالِهِ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ فَجَاءَتْ غَلَّتُهُ فَبَاعَهَا وَقَبَضَ ثَمَنَهَا ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُنْفِقَ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِأَهْلِ الْوَقْفِ قَالَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَّلَ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ فَقَدْ عُرِفَ أَنَّ شَرْطَ بَعْضِ الْغَلَّةِ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ بَعْضًا مُعَيَّنًا كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ إنْ حَدَثَ عَلَى فُلَانٍ الْمَوْتُ يَعْنِي الْوَاقِفَ نَفْسَهُ أُخْرِجَ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْوَقْفِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْ عَشَرَةِ أَسْهُمٍ مَثَلًا سَهْمٌ يُجْعَلُ فِي الْحَجِّ عَنْهُ أَوْ فِي كَفَّارَةِ أَيْمَانِهِ وَفِي كَذَا
وَكَذَا وَسَمَّى أَشْيَاءَ أَوْ قَالَ أُخْرِجُ مِنْ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ كَذَا
وَكَذَا دِرْهَمًا لِيُصْرَفَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَيُصْرَفَ الْبَاقِي فِي كَذَا
وَكَذَا عَلَى مَا سَبَّلَهُ. اهـ.
وَفِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ وَتَكْثِيرًا لِلْخَيْرِ وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ كَشَرْطِهِ لِنَفْسِهِ وَفَرَّعَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ أَيْضًا اشْتِرَاطَ الْغَلَّةِ لِمُدَبَّرِيهِ وَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا وَالْفَرْقُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ حُرِّيَّتَهُمْ ثَبَتَتْ بِمَوْتِهِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَجَانِبِ وَيَكُونُ ثُبُوتُهُ لَهُمْ حَالَ حَيَاتِهِ تَبَعًا لِمَا بَعْدَ مَوْتِهِ فَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُجْتَبَى مِنْ تَصْحِيحِ أَنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ ضَعِيفٌ قُيِّدَ بِجَعْلِ الْغَلَّةِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ لَا يَجُوزُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ جَوَازُهُ وَإِذَا مَاتَ صَارَ إلَى الْمَسَاكِينِ
وَلَوْ قَالَ أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنَّ لِي غَلَّتَهَا مَا عِشْتُ قَالَ هِلَالٌ لَا يَجُوزُ هَذَا الْوَقْفُ وَذَكَرَ الْأَنْصَارِيُّ جَوَازَهُ وَإِذَا مَاتَ يَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَفِيهَا لَوْ وَقَفَ وَقْفًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ مَا دَامَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ وَعِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ مَعَالِيقُ عِنَبٍ أَوْ زَبِيبٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَرْدُودٌ إلَى الْوَقْفِ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزٌ مِنْ بُرِّ ذَلِكَ الْوَقْفِ يَكُونُ مِيرَاثًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْوَقْفِ حَقِيقَةً.
اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَاشْتِرَاطُ أَنْ تَكُونَ الْغَلَّةُ لَهُ فَمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى فُلَانٍ صَحَّ نِصْفُهُ وَهُوَ حِصَّةُ فُلَانٍ وَبَطَلَ حِصَّةُ نَفْسِهِ
وَلَوْ قَالَ عَلَى نَفْسِي ثُمَّ عَلَى فُلَانٍ أَوْ قَالَ عَلَى فُلَانٍ ثُمَّ عَلَى نَفْسِي لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهُ
وَلَوْ قَالَ عَلَى عَبْدِي وَعَلَى فُلَانٍ صَحَّ فِي النِّصْفِ وَبَطَلَ فِي النِّصْفِ
وَلَوْ قَالَ عَلَى نَفْسِي وَوَلَدِي وَنَسْلِي فَالْوَقْفُ كُلُّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ حِصَّةَ النَّسْلِ مَجْهُولَةٌ اهـ. مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ جَزَمَ بِهِ وَسَاقَهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاتِّفَاقِ أَوْ الصَّحِيحِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشُّرُوطِ لِمَا تَكَلَّمَ بِهِ الْوَاقِفُ لَا لِمَا كَتَبَ فِي مَكْتُوبِ الْوَقْفِ
فَلَوْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ بِشَرْطٍ تَكَلَّمَ بِهِ الْوَاقِفُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمَكْتُوبِ عُمِلَ بِهِ لِمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَدْ أَشَرْنَا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مَا تَكَلَّمَ بِهِ لَا عَلَى مَا كَتَبَ الْكَاتِبُ فَيَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورُ وَغَيْرُ الْمَذْكُورِ فِي الصَّكِّ أَعْنِي كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ اهـ.
وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْغَلَّةِ لِوَلَدِهِ فَإِذَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ شَمَلَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَإِنْ قَيَّدَهُ بِالذَّكَرِ لَا تَدْخُلُ الْأُنْثَى كَالِابْنِ وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ مَعَ وُجُودِ الْوَلَدِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ وَلَدٌ كَانَتْ لِوَلَدِ الِابْنِ وَلَا يَدْخُلُ وَلَدُ الْبِنْتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْوَلَدِ مُفْرَدًا وَجَمْعًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ اشْتَرَكَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ ابْنِهِ وَصَحَّحَ قَاضِي خَانْ دُخُولَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَصَحَّحَ عَدَمَهُ فِي وَلَدِي
وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي فَمَاتَ كَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا تُصْرَفُ إلَى وَلَدِ وَلَدِهِ فِي كُلِّ بَطْنٍ إلَّا بِالشَّرْطِ إلَّا إذَا ذَكَرَ الْبُطُونَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّهَا لَا تُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلَ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَ لِلْآخَرِ النِّصْفُ وَنِصْفُ الْمَيِّتِ لِلْفُقَرَاءِ لَا لِوَلَدِهِ فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ صُرِفَ الْكُلُّ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدُ ابْنٍ كَانَتْ لَهُ فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ كَانَتْ لَهُ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مُحْتَاجِي وَلَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ مُحْتَاجٌ كَانَ النِّصْفُ لَهُ وَالْآخَرُ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا كَانَ الْكُلُّ لَهُ لَا لِلْفُقَرَاءِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلَوْ عَيَّنَ الْأَوْلَادَ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ كَانَ نَصِيبُهُ لِلْفُقَرَاءِ لَا لِأَخَوَاتِهِ بِغَيْرِ شَرْطٍ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدًا أَوْ عَلَى بَنِيهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ كَانَ النِّصْفُ لَهُ وَالنِّصْفُ لِلْفُقَرَاءِ هَكَذَا سَوَّى بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأَبْنَاءِ فِي الْخَانِيَّةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ فِي الْأَوْلَادِ يَسْتَحِقُّ الْوَاحِدُ الْكُلَّ وَفِي الْبَنِينَ لَا يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ وَقَالَ كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ لَا تَسْتَحِقُّ الْبَنَاتُ كَعَكْسِهِ وَبَقِيَّةُ التَّفَارِيعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ مَعْلُومَةٌ فِي الْخَصَّافِ وَغَيْرِهِ وَفَرَّعَ فِي الْهِدَايَةِ عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ فَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ وَأَبْطَلَ مُحَمَّدٌ الشَّرْطَ وَصَحَّحَ الْوَقْفَ وَفِي الْخَانِيَّةِ الصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُبْطِلُ حُكْمَ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ أُخْرَى وَيَكُونُ الثَّانِي قَائِمًا مَقَامَ الْأُولَى فَإِنَّ أَرْضَ الْوَقْفِ إذَا غَصَبَهَا غَاصِبٌ وَأَجْرَى عَلَيْهَا الْمَاءَ حَتَّى صَارَتْ بَحْرًا لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا أَرْضًا أُخْرَى فَتَكُونُ الثَّانِيَةُ وَقْفًا عَلَى وَجْهِ الْأُولَى
وَكَذَلِكَ أَرْضُ الْوَقْفِ إذَا قَلَّ نُزُلُهَا لِآفَةٍ وَصَارَتْ بِحَيْثُ لَا تَصْلُحُ لِلزِّرَاعَةِ أَوْ لَا تَفْضُلُ غَلَّتُهَا عَنْ مُؤَنِهَا وَيَكُونُ صَلَاحُ الْوَقْفِ فِي الِاسْتِبْدَالِ بِأَرْضٍ أُخْرَى فَيَصِحُّ شَرْطُ وِلَايَةِ الِاسْتِبْدَالِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِ ضَرُورَةٌ دَاعِيَةٌ إلَى الِاسْتِبْدَالِ.
وَلَوْ شَرَطَ بَيْعَهَا بِمَا بَدَا لَهُ مِنْ الثَّمَنِ أَوْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا عَبْدًا أَوْ يَبِيعَهَا وَلَمْ يَزِدْ فَسَدَ الْوَقْفُ لِأَنَّهُ شَرَطَ وِلَايَةَ الْإِبْطَالِ
بِخِلَافِ شَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ لِأَنَّهُ نَقْلٌ وَتَحْوِيلٌ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ أَنَّ الشَّرْطَ وَالْوَقْفَ صَحِيحَانِ وَيَمْلِكُ الِاسْتِبْدَالَ
أَمَّا بِدُونِ الشَّرْطِ أَشَارَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِبْدَالَ إلَّا الْقَاضِي إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا أَرْضًا أُخْرَى وَلَمْ يَزِدْ صَحَّ اسْتِحْسَانًا وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ وَقْفًا بِشَرَائِطِ الْأُولَى وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيقَافِهَا كَالْعَبْدِ الْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ إذَا قُتِلَ خَطَأً وَاشْتَرَى الْمَوْلَى بِقِيمَتِهِ عَبْدًا آخَرَ ثَبَتَ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ فِي خِدْمَتِهِ وَالْمُدَبَّرِ إذَا قُتِلَ خَطَأً فَاشْتَرَى الْمَوْلَى بِقِيمَتِهِ آخَرَ صَارَ مُدَبَّرًا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الثَّانِيَةَ بِأَرْضٍ ثَالِثَةٍ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي الْأُولَى فَقَطْ وَلَوْ شَرَطَ اسْتِبْدَالَهَا بِدَارٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِبْدَالُهَا بِأَرْضٍ فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ بِدَارٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ الشَّرْطِ وَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضَ الْخَرَاجِ لِأَنَّ أَرْضَ الْوَقْفِ لَا تَخْلُو عَنْ وَظِيفَةٍ
إمَّا الْعُشْرَ وَإِمَّا الْخَرَاجَ وَلَوْ شَرَطَ اسْتِبْدَالَهَا بِدَارٍ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْدَالُهَا بِأَرْضٍ وَلَوْ قَيَّدَ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ تَقَيَّدَ وَلَيْسَ لَهُ اسْتِبْدَالُهَا بِأَرْضِ الْحَوْزِ لِأَنَّ مَنْ فِي يَدِهِ أَرْضُ الْحَوْزِ بِمَنْزِلَةِ الْأَكَّارِ لَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَلَوْ أَطْلَقَ الِاسْتِبْدَالَ فَبَاعَهَا بِثَمَنٍ مَلَكَ الِاسْتِبْدَالَ بِجِنْسِ الْعَقَارِ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ وَلَوْ بَاعَهَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهِلَالٍ لِأَنَّ الْقَيِّمَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ فَلَا يَمْلِكُ الْبَيْعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ.
وَلَوْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ الْوَقْفَ بِشَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ لَأَجَازَ بَيْعَ الْقَيِّمِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَلَوْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ مَقْبُوضٍ وَمَاتَ مُجْهَلًا كَانَ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ وَلَوْ وَهَبَ الثَّمَنَ صَحَّتْ وَضَمِنَ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَلَوْ بَاعَهَا بِعُرُوضٍ فَفِي قِيَاسِ قَوْلِ الْإِمَامِ يَصِحُّ ثُمَّ يَبِيعُهَا بِنَقْدٍ ثُمَّ يَشْتَرِي عَقَارًا أَوْ يَبِيعُهَا بِعَقَارٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهِلَالٌ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالنَّقْدِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ وَلَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ بَيْعِهَا إنْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمَا هُوَ عَقْدٌ جَدِيدٌ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا ثَانِيًا وَإِنْ بِمَا هُوَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَلَكَ بَيْعَهَا ثَانِيًا.
وَلَوْ بَاعَ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهَا أُخْرَى ثُمَّ رُدَّتْ الْأُولَى عَلَيْهِ بِعَيْبٍ بِالْقَضَاءِ كَانَ لَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِالْأُخْرَى مَا شَاءَ وَالْأُولَى تَعُودُ وَقْفًا وَلَوْ بِغَيْرِ قَضَاءٍ لَمْ يَنْفَسِخْ الْبَيْعُ فِي الْأُولَى وَلَا تَبْطُلُ الْوَقْفِيَّةُ فِي الثَّانِيَةِ وَيَصِيرُ مُشْتَرِيًا بِالْأُولَى لِنَفْسِهِ وَلَوْ اشْتَرَى بِثَمَنِهَا أَرْضًا أُخْرَى فَاسْتُحِقَّتْ الْأُولَى لَا تَبْقَى الثَّانِيَةُ وَقْفًا اسْتِحْسَانًا لِبُطْلَانِ الْمُبَادَلَةِ وَلَوْ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ إلَى وَصِيِّهِ لَا يَمْلِكُ وَصِيُّهُ الِاسْتِبْدَالَ وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي حَيَاتِهِ صَحَّ وَلَوْ شَرَطَهُ لِكُلِّ مُتَوَلٍّ صَحَّ وَمَلَكَهُ كُلُّ مُتَوَلٍّ وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ لِفُلَانٍ وِلَايَةَ الِاسْتِبْدَالِ فَمَاتَ الْوَاقِفُ لَا يَكُونُ لِفُلَانٍ وِلَايَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْوَاقِفِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهِلَالٍ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ عَزْلِ الْوَاقِفِ الْمُتَوَلِّي فَكَانَ وَكِيلُهُ فَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ بِوَفَاتِهِ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ لَا الْوَاقِفِ وَلَوْ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ مَعَ نَفْسِهِ مَلَكَ الْوَاقِفُ الِاسْتِبْدَالَ وَحْدَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ فُلَانٌ وَحْدَهُ الْكُلُّ مِنْ الْخَانِيَّةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ قَاضِي خَانْ فِي مَوْضِعٍ جَوَّزَهُ لِلْقَاضِي بِلَا شَرْطِ الْوَاقِفِ حَيْثُ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَفِي مَوْضِعٍ مِنْهُ وَلَوْ صَارَتْ الْأَرْضُ بِحَالٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ بِلَا شَرْطٍ يَجُوزُ لِلْقَاضِي بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْكُلِّيَّةِ وَأَنْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ رِيعٌ لِلْوَقْفِ يُعَمَّرُ بِهِ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْبَيْعُ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَشَرَطَ فِي الْإِسْعَافِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَبْدِلُ قَاضِيَ الْجَنَّةِ الْمُفَسَّرِ بِذِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَيْ لَا يَحْصُلَ التَّطَرُّقُ إلَى إبْطَالِ أَوْقَافِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي زَمَانِنَا. اهـ.
وَيَجِبُ أَنْ يُزَادَ آخَرُ فِي زَمَانِنَا وَهُوَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِعَقَارٍ لَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَإِنَّا قَدْ شَاهَدْنَا النُّظَّارَ يَأْكُلُونَهَا وَقَلَّ أَنْ يُشْتَرَى بِهَا بَدَلٌ وَلَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ يُفَتِّشُ عَلَى ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِبْدَالِ فِي زَمَانِنَا مَعَ أَنِّي نَبَّهْتُ بَعْضَ الْقُضَاةِ عَلَى ذَلِكَ وَهَمَّ بِالتَّفْتِيشِ ثُمَّ تَرَكَ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ زِدْتَ هَذَا الشَّرْطَ وَالْمَنْقُولُ السَّابِقُ عَنْ قَاضِي خَانْ يَرُدُّهُ قُلْتُ لِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةِ اسْتِبْدَالِ الْوَقْفِ مَا صُورَتُهُ وَهَلْ هُوَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَجَابَ الِاسْتِبْدَالُ إذَا تَعَيَّنَ بِأَنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَثَمَّ مَنْ يَرْغَبُ فِيهِ وَيُعْطِي بَدَلَهُ أَرْضًا أَوْ دَارًا لَهَا رِيعٌ يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فَالِاسْتِبْدَالُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَإِنْ كَانَ لِلْوَقْفِ رِيعٌ وَلَكِنْ يَرْغَبُ شَخْصٌ فِي اسْتِبْدَالِهِ إنْ أَعْطَى مَكَانَهُ بَدَلًا أَكْثَرَ رِيعًا مِنْهُ فِي صُقْعٍ أَحْسَنَ مِنْ صُقْعِ الْوَقْفِ جَازَ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ اهـ.
فَقَدْ عَيَّنَ الْعَقَارَ لِلْبَدَلِ فَدَلَّ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِبْدَالِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَفِي الْقُنْيَةِ مُبَادَلَةُ دَارِ الْوَقْفِ بِدَارٍ أُخْرَى إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَتَا فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَكُونُ الْمَحَلَّةُ مَمْلُوكَةً خَيْرًا مِنْ الْمَحَلَّةِ الْمَوْقُوفَةِ وَعَلَى عَكْسِهِ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَمْلُوكَةُ أَكْثَرَ مِسَاحَةً وَقِيمَةً وَأُجْرَةً لِاحْتِمَالِ خَرَابِهَا فِي أَدْوَنِ الْمَحَلَّتَيْنِ لِدَنَاءَتِهَا وَقِلَّةِ رَغَبَاتِ النَّاسِ فِيهَا اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ ضَاعَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُسْتَبْدِلِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَمِينًا كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ. اهـ.
وَفِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يَسْتَبْدِلَ أَوْ يَكُونَ النَّاظِرُ مَعْزُولًا قَبْلَ الِاسْتِبْدَالِ أَوْ إذَا هَمَّ بِالِاسْتِبْدَالِ انْعَزَلَ هَلْ يَجُوزُ اسْتِبْدَالُهُ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ إنَّهُ لَا نَقْلَ فِيهِ وَمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَبْدِلَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِاسْتِبْدَالِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْقَاضِي أَوْ السُّلْطَانِ كَلَامٌ فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ وَلِلْقَاضِي الْكَلَامُ لِأَنَّ نَظَرَهُ أَعْلَى وَهَذَا شَرْطٌ فِيهِ تَفْوِيتُ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَتَعْطِيلٌ لِلْوَقْفِ فَيَكُونُ شَرْطًا لَا
فَائِدَةَ فِيهِ لِلْوَقْفِ وَلَا مَصْلَحَةَ فَلَا يُقْبَلُ. اهـ.
وَفِيهِ أَيْضًا فَرْعٌ مُهِمٌّ وَقَعَ السُّؤَالُ بِالْقَاهِرَةِ بَعْدَ سَنَةِ سَبْعِينَ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا جَعَلَ لِنَفْسِهِ التَّبْدِيلَ وَالتَّغْيِيرَ وَالْإِخْرَاجَ وَالْإِدْخَالَ وَالزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ثُمَّ فَسَّرَ التَّبْدِيلَ بِاسْتِبْدَالِ الْوَقْفِ هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا وَهَلْ تَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِبْدَالِ وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ الْوَالِدُ سَقَى اللَّهَ عَهْدَهُ صَوْبَ الرِّضْوَانِ أَفْتَى بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ الِاسْتِبْدَالِ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ لَا يُحْمَلُ عَلَى التَّأْكِيدِ وَلَفْظُ التَّبْدِيلِ مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى يُغَايِرُهُ فِيهِ مَا بَعْدَهُ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مُؤَكَّدًا بِهِ وَبَلَغَنِي مُوَافَقَةُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَمُخَالَفَةُ الْبَعْضِ ثُمَّ رُفِعَ سُؤَالٌ آخَرُ عَنْ الْوَاقِفِ إذَا شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَا ذَكَرْنَا ثُمَّ اشْتَرَطَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الشَّرْطِ أَنَّهُ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِوَقْفِهِ إذَا رَأَى مَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ فَهَلْ يَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ الثَّانِي وَيُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا فَاضْطَرَبَ فِيهِ إفْتَاءُ أَصْحَابِنَا وَكُنْتُ مِمَّنْ أَفْتَى بِصِحَّتِهِ وَكَوْنُهُ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَأَظُنُّ أَنَّ الشَّيْخَ الْإِمَامَ وَافَقَنِي عَلَى ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ سِيَّمَا إذَا قَالَ الْوَاقِفُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ وَأَنْ يَشْتَرِطَ لِنَفْسِهِ مَا شَاءَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُخَالِفَةِ لِذَلِكَ.
اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ بَاعَ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ مَاتَ مُجْهَلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا. اهـ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَادِثَتَانِ لِلْفَتْوَى إحْدَاهُمَا بَاعَ الْوَقْفَ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بَاعَ مِنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَوْ بَاعَ مِنْ ابْنِهِ الْكَبِيرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا كَمَا عُرِفَ فِي الْوَكَالَةِ ثَانِيَتُهُمَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْتَبْدِلِ وَبَاعَهُ الْوَقْفَ بِالدَّيْنِ وَلَمْ أَرَ فِيهِمَا نَقْلًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَهِلَالٍ لِأَنَّهُمَا لَا يُجَوِّزَانِ الْبَيْعَ بِالْعُرُوضِ فَالدَّيْنُ أَوْلَى وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ عَلَى وِزَانِ شَرْطِ الِاسْتِبْدَالِ لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ الْمَعَالِيمِ إذَا شَاءَ وَيَزِيدَ وَيُخْرِجَ مَنْ شَاءَ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِقَيِّمِهِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ لَهُ وَإِذَا أَدْخَلَ وَأَخْرَجَ مَرَّةً لَيْسَ لَهُ ثَانِيًا إلَّا بِشَرْطِهِ وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا تُبَاعَ ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِبْدَالَ كَانَ لَهُ الِاسْتِبْدَالُ لِأَنَّ الْآخَرَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ
وَكَذَا لَوْ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ لَا تُبَاعُ امْتَنَعَ الِاسْتِبْدَالُ وَإِذَا شَرَطَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ كُلَّمَا بَدَا لَهُ كَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَهُ غَيْرَ مَحْظُورٍ عَلَيْهِ وَيَسْتَقِرُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَالِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ مَوْتِهِ وَمَا شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَهُ وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَا دَامَ حَيًّا ثُمَّ لِلْمُتَوَلِّي مِنْ بَعْدِهِ صَحَّ وَلَوْ جَعَلَهُ لِلْمُتَوَلِّي مَا دَامَ الْوَاقِفُ حَيًّا مَلَكَاهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ بَطَلَ وَلَيْسَ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ يُوصِيَ بِهِ لَهُ وَلَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ الِاسْتِبْدَالَ وَالزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَالْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لِلْمُتَوَلِّي وَإِنَّمَا لَهُ ذَلِكَ مَا دَامَ حَيًّا اهـ.
مُلَخَّصًا وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَ غَلَّتَهَا مَنْ شَاءَ لَهُ الْمَشِيئَةُ فِي صَرْفِهَا إلَى مَنْ شَاءَ وَإِذَا مَاتَ انْقَطَعَتْ وَإِنْ شَاءَ نَفْسَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَانِعِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَإِنْ شَاءَ غَنِيًّا مُعَيَّنًا جَازَ كَفَقِيرٍ مُعَيَّنٍ وَامْتَنَعَ التَّحْوِيلُ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ شَاءَ الصَّرْفَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ بَطَلَتْ الْمَشِيئَةُ وَإِنْ شَاءَ صَرْفَهَا إلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ جَازَتْ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهَا مَنْ شَاءَ مِنْ بَنِي فُلَانٍ فَشَاءَ وَاحِدًا مِنْهُمْ جَازَ وَلَوْ شَاءَ كُلَّهُمْ بَطَلَتْ وَتَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قِيَاسًا وَعِنْدَهُمَا جَازَتْ وَتَكُونُ لِبَنِي فُلَانٍ اسْتِحْسَانًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ عِنْدَهُ وَلِلْبَيَانِ عِنْدَهُمَا وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُفَضِّلَ مَنْ شَاءَ فَلَهُ مَشِيئَةُ التَّفْضِيلِ دُونَ مَشِيئَةِ التَّخْصِيصِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ عَلَى أَنَّ لِي إخْرَاجَ مَنْ شِئْتُ مِنْهُمْ فَإِنْ أَخْرَجَ مُعَيَّنًا صَحَّ
ثُمَّ إنْ كَانَ فِي الْوَقْفِ غَلَّةٌ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ ذَكَرَ هِلَالٌ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا خَاصَّةً وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ فِي وَصَايَا الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْغَلَّةِ أَبَدًا فَإِنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِغَلَّةِ بُسْتَانِهِ وَفِي الْبُسْتَانِ غَلَّةٌ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي فَلَهُ الْغَلَّةُ الْمَوْجُودَةُ وَمَا يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَبَدًا وَعَلَى رِوَايَةِ هِلَالٍ لَهُ الْمَوْجُودُ فَقَطْ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَإِنْ أَخْرَجَ وَاحِدًا مُبْهَمًا بِأَنْ قَالَ أَخْرَجْتُ فُلَانًا أَوْ فُلَانًا جَازَ وَالْبَيَانُ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ حَتَّى مَاتَ فَالْغَلَّةُ تُقْسَمُ عَلَى رُءُوسِ الْبَاقِينَ وَيَضْرِبُ لِهَذَيْنِ بِسَهْمٍ فَإِنْ اصْطَلَحَا أَخَذَاهُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ أَبَيَا أَوْ أَبَى أَحَدُهُمَا وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا وَإِنْ أَخْرَجَهُمْ جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ مِنْ غَلَّةِ هَذِهِ السَّنَةِ صَحَّ وَكَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَبَعْدَهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْغَلَّةِ مُطْلَقًا لَمْ يَصِحَّ قِيَاسًا لِأَنَّ الشَّرْطَ لِلْبَعْضِ
وَيَصِحُّ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْإِيثَارُ فِي الْمُسْتَأْنَفِ وَمَا يَبْدُو لَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَتَكُونُ لِلْفُقَرَاءِ اهـ.
وَقَدْ وَقَعَتْ حَوَادِثُ الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَةِ الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ إلَى آخِرِهِ مِنْهَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَمَا أَدْخَلَ إنْسَانًا أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْ إخْرَاجِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ هَلْ يَخْرُجُ وَمِنْهَا لَوْ قَالَ مَنْ لَهُ ذَلِكَ أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْهُ هَلْ يَسْقُطُ وَلَيْسَ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ وَمِنْهَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِنَفْسِهِ الْإِدْخَالَ إلَى آخِرِهِ كُلَّمَا بَدَا لَهُ وَشَرَطَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ لِمَنْ شَاءَ فَشَرَطَهُ لِغَيْرِهِ وَشَرَطَ لَهُ مَا شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ فَشَرَطَهُ الْمَشْرُوطُ لَهُ لِآخَرَ فَأَرَادَ مَنْ شَرَطَهُ الْوَاقِفُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ جُعِلَ هَذَا الشَّرْطُ لَهُ وَأَرَادَ الْمَجْعُولُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْجَاعِلَ فَهَلْ هُوَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ ذَلِكَ إذَا جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ هَلْ يَبْطُلُ مَا كَانَ لَهُ أَوْ يَبْقَى لَهُ وَلِمَنْ جَعَلَهُ لَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ لَهُ وَلِفُلَانٍ فَهَلْ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ أَوْ لَا وَلَمْ أَرَ نَقْلًا صَرِيحًا فِيهَا وَظَاهِرُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الشُّرْبِ أَنَّ الْحَقَّ يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ حَقَّ الْغَانِمِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَحَقَّ الْمَسِيلِ الْمُجَرَّدِ وَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ بِالسُّكْنَى وَحَقَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَحَقَّ الْوَارِثِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يَسْقُطُ وَصَرَّحَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ لَوْ قَالَ وَارِثٌ تَرَكْتُ حَقِّي لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ إذْ الْمِلْكُ لَا يَبْطُلُ بِالتَّرْكِ وَالْحَقُّ يَبْطُلُ بِهِ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْغَانِمِينَ قَالَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ تَرَكْتُ حَقِّي بَطَلَ حَقُّهُ
وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ تَرَكْتُ حَقِّي فِي حَبْسِ الرَّهْنِ يَبْطُلُ اهـ.
فَقَوْلُهُ وَالْحَقُّ يَبْطُلُ بِهِ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَإِنْ قُلْتَ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْمَدْرَسَةِ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْوَقْفِ اسْتِحْقَاقًا لَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِهِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَبْطَلْتُ حَقِّي كَانَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ وَيَأْخُذَ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ.
قُلْتُ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ أَسْقَطَهُ
وَأَمَّا مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الشَّهَادَاتِ فَالْحَقُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ وَقْفٌ مُطْلَقٌ عَلَى فُقَرَاءِ الْمَدْرَسَةِ وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ لَا يَصِحُّ إبْطَالُهُ وَإِنَّمَا خَرَجَ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ
وَمِثْلُهُ فِي الْهِبَةِ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ قَالَ الْوَاهِبُ أَسْقَطْتُ حَقِّي فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ لَا يَسْقُطُ اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ إذَا قَالَ مَنْ لَهُ الشَّرْطُ لَا حَقَّ لِي فِيهَا وَلَا اسْتِحْقَاقَ وَلَا دَعْوَى فَهَلْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ مَعَ شَرْطِ الْوَاقِفِ قُلْتُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُقِرًّا بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ وَلِذَا قَالَ الْخَصَّافُ لَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى زَيْدٍ عُمِلَ بِإِقْرَارِهِ مَا دَامَ حَيًّا حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ رَجَعَ عَنْ اخْتِصَاصِهِ وَأَشْرَكَ مَعَهُ زَيْدًا إلَى آخِرِهِ وَعَلَى هَذَا سُئِلْتُ فِيمَنْ لَهُ الْإِدْخَالُ وَالْإِخْرَاجُ كُلَّمَا بَدَا لَهُ فَأَدْخَلَ إنْسَانًا فَمَا الْحِيلَةُ فِي عَدَمِ جَوَازِ إخْرَاجِهِ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُ يُقِرُّ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي إخْرَاجِهِ وَلَا تَمَسُّكَ لَهُ بِمَا فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ بَعْدَهُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ مَسْأَلَةَ شَرْطِ الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ إلَى آخِرِهِ عَلَى وِزَانِ مَسْأَلَةِ الِاسْتِبْدَالِ أَنَّ لِلْوَاقِفِ الِانْفِرَادَ وَلَيْسَ لِلْآخَرِ الِانْفِرَادُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ وَلِفُلَانٍ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الَّذِي شَرَطَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَمَا شَرَطَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَشْرُوطٌ لِنَفْسِهِ.
اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ لَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ فِي اشْتِرَاطِهِ مَعَهُ لِأَنَّ الْوَاقِفَ يَصِحُّ انْفِرَادُهُ فَكَانَ كَالْعَدَمِ وَظَاهِرُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِجَوَازِ عَزْلِ الْمُتَوَلِّي بِلَا شَرْطٍ
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالْوَاقِفُ كَالْأَجْنَبِيِّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ الْوَاقِفُ الِاسْتِبْدَالَ وَحْدَهُ
وَكَذَا الْإِدْخَالُ وَالْإِخْرَاجُ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الثَّالِثَةِ
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ أَعْنِي اشْتِرَاطَ الْوِلَايَةِ لِلْوَاقِفِ فَالْمَذْكُورُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ هِلَالٍ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقْفِهِ وَقَالَ أَقْوَامٌ إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ كَانَتْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ قَالَ مَشَايِخُنَا وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ التَّسْلِيمَ لِلْقَيِّمِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ فَإِذَا سَلَّمَ لَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ فِيهِ وَلَنَا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ فِيهِ الْوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ بِشَرْطِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ الْوِلَايَةُ وَغَيْرُهُ يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَى هَذَا الْوَقْفِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِوِلَايَتِهِ كَمَنْ اتَّخَذَ مَسْجِدًا يَكُونُ أَوْلَى بِعِمَارَتِهِ وَنَصْبِ الْمُؤَذِّنِ فِيهِ وَكَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ كَذَا فِي الْهِدَايَةِ وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ كِلَاهُمَا صَحِيحَانِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهِلَالٍ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ كِلَاهُمَا بَاطِلَانِ اهـ.
فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ هِلَالٍ وَفِي الْخُلَاصَةِ إذَا شَرَطَ فِي الْوَقْفِ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ فِي عَزْلِ الْقَيِّمِ وَاسْتِبْدَالِهِ لَهُمْ وَمَا هُوَ مِنْ نَوْعِ الْوِلَايَةِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدِ الْمُتَوَلِّي جَازَ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا وِلَايَةَ لِلْوَاقِفِ وَالْوِلَايَةُ لِلْقَيِّمِ
وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَلَهُ وَصِيٌّ لَا وِلَايَةَ لِوَصِيِّهِ وَالْوِلَايَةُ لِلْقَيِّمِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ الْوِلَايَةُ لِلْوَاقِفِ وَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ الْقَيِّمَ فِي حَيَاتِهِ وَإِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْقَيِّمِ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ يُفْتُونَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي جَازَ عِنْدَهُ ابْتِدَاءُ شَرْطِ التَّوْلِيَةِ إلَى نَفْسِهِ وَإِذَا وَلَّى غَيْرَهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فَلَهُ عَزْلُهُ وَإِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ ومُحَمَّدٌ لَمَّا شَرَطَهُ انْعَكَسَتْ الْأَحْكَامُ عِنْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَالْكَلَامُ هُنَا فِي النَّاظِرِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ فِي أَهْلِهِ وَفِيهِ بَيَانُ عَزْلِهِ وَعَزْلِ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ الثَّانِي فِي النَّاظِرِ بِالشَّرْطِ الثَّالِثُ فِي النَّاظِرِ مِنْ الْقَاضِي الرَّابِعُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَفِيهِ بَيَانُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ وَمَالَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الصَّالِحُ لِلنَّظَرِ مَنْ لَمْ يَسْأَلْ الْوِلَايَةَ لِلْوَقْفِ وَلَيْسَ فِيهِ فِسْقٌ يُعْرَفُ قَالَ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ مِمَّا يَخْرُجُ بِهِ النَّاظِرُ مَا إذَا ظَهَرَ بِهِ فِسْقٌ كَشُرْبِهِ الْخَمْرَ وَنَحْوِهِ. اهـ.
وَفِي الْإِسْعَافِ لَا يُوَلَّى إلَّا أَمِينٌ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ النَّظَرِ وَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ تَوْلِيَةُ الْخَائِنِ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ
وَكَذَا تَوْلِيَةُ الْعَاجِزِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى
وَكَذَا الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَكَذَا الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ إذَا تَابَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. رَجُلٌ طَلَبَ التَّوْلِيَةَ عَلَى الْوَقْفِ قَالُوا لَا يُعْطَى لَهُ وَهُوَ كَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ لَا يُقَلَّدُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا شَرَائِطُ الْأَوْلَوِيَّةِ لَا شَرَائِطُ الصِّحَّةِ وَأَنَّ النَّاظِرَ إذَا فَسَقَ اسْتَحَقَّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ أَشْرَفُ مِنْ التَّوْلِيَةِ وَيُحْتَاطُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ التَّوْلِيَةِ وَالْعَدَالَةُ فِيهِ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ حَتَّى يَصِحَّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ وَإِذَا فَسَقَ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُفْتَى بِهِ فَكَذَا النَّاظِرُ وَيُقِرُّ أَيُخْرَجُ فِي عِبَارَةِ ابْنِ الْهُمَامِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَلَا يَنْعَزِلُ
وَيُشْتَرَطُ لِلصِّحَّةِ بُلُوغُهُ وَعَقْلُهُ لِمَا فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ أَوْصَى إلَى صَبِيٍّ تَبْطُلُ فِي الْقِيَاسِ مُطْلَقًا وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هِيَ بَاطِلَةٌ مَا دَامَ صَغِيرًا فَإِذَا كَبِرَ تَكُونُ الْوِلَايَةُ لَهُ وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ فِي الْوِلَايَةِ كَحُكْمِ الصَّغِيرِ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا. اهـ.
وَلَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ لِلصِّحَّةِ لِمَا فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ كَانَ وَلَدُهُ عَبْدًا يَجُوزُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِأَهْلِيَّتِهِ فِي ذَاتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ تَصَرُّفَهُ الْمَوْقُوفَ لِحَقِّ الْمَوْلَى يَنْفُذُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ
بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي الْحُكْمِ كَالْعَبْدِ
فَلَوْ أَخْرَجَهُمَا الْقَاضِي ثُمَّ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ لَا تَعُودُ الْوِلَايَةُ إلَيْهِمَا اهـ.
وَأَمَّا عَزْلُهُ فَقَدَّمْنَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ جَوَّزَ عَزْلَهُ لِلْوَاقِفِ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ وَشَرْطٍ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ وَخَالَفَهُ مُحَمَّدٌ
وَأَمَّا عَزْلُ الْقَاضِي لَهُ فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ بِجُنْحَةٍ
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ جَعَلَهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا أَخْرَجَهُ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ وَوَلِيُّ عَيْنِهِ مَأْمُونًا لِأَنَّ مَرْجِعَ الْوَقْفِ لِلْمَسَاكِينِ وَغَيْرُ الْمَأْمُونِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ تَخْرِيبٍ أَوْ بَيْعٍ فَيَمْتَنِعُ وُصُولُهُ إلَيْهِمْ وَلَوْ أَوْصَى الْوَاقِفُ إلَى جَمَاعَةٍ وَكَانَ بَعْضُهُمْ غَيْرَ مَأْمُونٍ بَدَّلَهُ الْقَاضِي بِمَأْمُونٍ وَإِنْ رَأَى إقَامَةَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَقَامَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الثَّالِثَ عَشَرَ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ نَصْبَ وَصِيٍّ وَقَيِّمٍ مَعَ بَقَاءِ وَصِيِّ الْمَيِّتِ وَقَيِّمِهِ إلَّا عِنْدَ ظُهُورِ الْخِيَانَةِ مِنْهُمَا وَمِنْ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مَعْزِيًّا إلَى فَوَائِدِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بُرْهَانِ الدِّينِ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ بِلَا خِيَانَةٍ وَلَوْ وَلَّاهُ هَلْ يَصِيرُ مُتَوَلِّيًا قَالَ لَا. اهـ.
فَقَدْ أَفَادَ حُرْمَةَ تَوْلِيَةِ غَيْرِهِ وَعَدَمَ صِحَّتِهَا لَوْ فَعَلَ وَفِي الْقُنْيَةِ نَصَّبَ الْقَاضِي قَيِّمًا آخَرَ لَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَنْصُوبَ الْوَاقِفِ. اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي فِي الْأَوْقَافِ مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ لَا أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ كَيْفَ شَاءَ
فَلَوْ فَعَلَ مَا يُخَالِفُ شَرْطَ الْوَاقِفِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ ظَاهِرَةٍ وَلِذَا
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا الْقَاضِي إذَا قَرَّرَ فَرَّاشًا فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَجَعَلَ لَهُ مَعْلُومًا فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ وَلَا يَحِلُّ لِلْفَرَّاشِ تَنَاوُلُ الْمَعْلُومِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: فِي تَقْرِيرِ الْفَرَّاشِ مَصْلَحَةٌ
قُلْتُ: يُمْكِنُ خِدْمَةُ الْمَسْجِدِ بِدُونِ تَقْرِيرِهِ بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ الْمُتَوَلِّي فَرَّاشًا لَهُ وَالْمَمْنُوعُ تَقْرِيرُهُ فِي وَظِيفَةٍ تَكُونُ حَقًّا لَهُ وَلِذَا صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِأَنَّ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَأْجِرَ خَادِمًا لِلْمَسْجِدِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ تَقْرِيرِ الْقَاضِي فِي بَقِيَّةِ الْوَظَائِفِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَاقِفِ كَشَهَادَةٍ وَمُبَاشَرَةٍ وَطَلَبٍ بِالْأَوْلَى وَحُرْمَةِ الْمُرَتَّبَاتِ بِالْأَوْقَافِ بِالْأَوْلَى وَاسْتُفِيدَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ عَزْلِ النَّاظِرِ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ عَدَمُهَا لِصَاحِبِ وَظِيفَةٍ فِي وَقْفٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا غَابَ الْمُتَوَلِّي الْمُتَعَلِّمُ عَنْ الْبَلَدِ أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَ وَطَلَبَ وَظِيفَتَهُ فَإِنْ خَرَجَ مَسِيرَةَ سَفَرٍ لَيْسَ لَهُ طَلَبُ مَا مَضَى
وَكَذَا إذَا خَرَجَ وَأَقَامَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَإِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَطَلَبِ الْقُوتِ وَالرِّزْقِ فَهُوَ عَفْوٌ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرَتَهُ وَتَبْقَى حُجْرَتُهُ وَوَظِيفَتُهُ عَلَى حَالِهَا إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِقْدَارَ شَهْرٍ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا زَادَ كَانَ لِغَيْرِهِ أَخْذُ حُجْرَتِهِ وَوَظِيفَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَخْتَلِفُ لِلتَّعَلُّمِ فَإِنْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِتَابَةِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا كَالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ تَحِلُّ لَهُ الْوَظِيفَةُ وَإِنْ لِعَمَلٍ آخَرَ لَا تَحِلُّ لَهُ
وَيَجُوزُ أَنْ تُؤْخَذَ حُجْرَتُهُ وَوَظِيفَتُهُ. اهـ.
لِقَوْلِهِ وَلَا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ حُجْرَتَهُ وَوَظِيفَتَهُ فَإِذًا حَرُمْ الْأَخْذُ مَعَ الْغَيْبَةِ فَكَيْفَ مَعَ الْحَضْرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ فَلَا يَحِلُّ عَزْلُ الْقَاضِي لِصَاحِبِ وَظِيفَةٍ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ وَعَدَمِ أَهْلِيَّةٍ وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَصِحَّ وَاسْتُفِيدَ مِنْ الْبَزَّازِيَّةِ جَوَازُ إخْرَاجِ الْوَظَائِفِ بِحُكْمِ الشُّغُورِ لِقَوْلِهِ وَإِنْ لِعَمَلٍ آخَرَ لَا تَحِلُّ
وَيَجُوزُ أَخْذُ وَظِيفَتِهِ وَحُجْرَتِهِ وَإِنَّ الشُّغُورَ إنَّمَا هُوَ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْمِصْرِ وَإِقَامَتِهِ زَائِدًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ بِتَرْكِهِ الْمُبَاشِرَ وَهُوَ فِي الْمِصْرِ بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِعَمَلٍ آخَرَ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ أَنَّ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ الْوَظِيفَةَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ عَنْهَا وَفِي قَوْلِهِ لَا يُؤْخَذُ بَيْتُهُ إنْ غَابَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ
وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الْوَظِيفَةُ أَيْضًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُدَرِّسًا إذْ الْمَقْصُودُ يَقُومُ بِهِ
بِخِلَافِ الطَّالِبِ فَإِنَّ الدَّرْسَ يَقُومُ بِغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ الْوَظِيفَةِ مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ بَلْ الْمُرَادُ بِالْوَظِيفَةِ مَا يَخُصُّهُ مِنْ رِيعِ وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ فَإِنَّ أَصْلَ الْمَسْأَلَةِ فِي قَاضِي خَانْ فِي الْوَقْفِ عَلَى سَاكِنِي دَارِ الْمُخْتَلِفَةِ فَالْمُرَادُ سُقُوطُ سَهْمِهِ فَيُعْطَى لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ قَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْغَيْبَةُ الْمُسْقِطَةُ لِلْمَعْلُومِ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْعَزْلِ فِي غَيْرِ فَرْضٍ كَالْحَجِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ
وَأَمَّا فِيهِمَا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَلَا يَأْخُذُ الْمَعْلُومَ وَهَذَا كُلُّهُ مَفْهُومٌ مِنْ عِبَارَةِ قَاضِي خَانْ لَا يُقَالُ فِيهِ يَنْبَغِي بَلْ هُوَ مَفْهُومُ عِبَارَةِ الْأَصْحَابِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى سَاكِنِي دَارِ الْمُخْتَلِفَةِ
أَمَّا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ شُرُوطًا اُتُّبِعَتْ اهـ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِهَذَا ظَهَرَ غَلَطُ مَنْ يَسْتَدِلُّ مِنْ الْمُدَرِّسِينَ أَوْ الطَّلَبَةِ بِمَا فِي الْفَتَاوَى عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْمَعْلُومَ بِلَا حُضُورِ الدَّرْسِ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَدْرَسَةِ فَإِنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُدَرِّسِينَ وَالطَّلَبَةِ حُضُورَ الدَّرْسِ فِي الْمَدْرَسَةِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ إلَّا مَنْ بَاشَرَ خُصُوصًا إذَا قَالَ الْوَاقِفُ إنَّ مَنْ غَابَ عَنْ الْمَدْرَسَةِ يُقْطَعُ مَعْلُومُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ الصَّرْفُ إلَيْهِ زَمَنَ غَيْبَتِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ مَنْ زَادَتْ غَيْبَتُهُ عَلَى كَذَا أَخْرَجَهُ النَّاظِرُ وَقَرَّرَ غَيْرَهُ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ
فَلَوْ لَمْ يَعْزِلْهُ النَّاظِرُ وَبَاشَرَ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ فَإِنْ
قُلْتُ: إذَا كَانَ لَهُ دَرْسٌ فِي جَامِعٍ وَلَازَمَهُ بِنِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا عَلَيْهِ فِي مَدْرَسَةٍ هَلْ يَسْتَحِقُّ مَعْلُومَ الْمَدْرَسَةِ
قُلْتُ: لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا إذَا بَاشَرَ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ بِكِتَابِ الْوَقْفِ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ
أَمَّا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ فِي ذَلِكَ شُرُوطًا اُتُّبِعَتْ فَإِنْ
قُلْتُ: قَالَ فِي الْقُنْيَةِ وَقَفَ وَشَرَطَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَ قَبْرِهِ فَالتَّعْيِينُ بَاطِلٌ وَصَرَّحُوا فِي الْوَصَايَا بِأَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمَنْ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرِهِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَكَانَ لَا يَتَعَيَّنُ وَبِهِ تَمَسَّكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ.
قُلْتُ: لَا يَدُلُّ لِأَنَّ صَاحِبَ الِاخْتِيَارِ عَلَّلَهُ بِأَنَّ أَخْذَ شَيْءٍ لِلْقِرَاءَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ كَالْأُجْرَةِ فَأَفَادَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَيْرِ الْمُفْتَى بِهِ فَإِنَّ الْمُفْتَى بِهِ جَوَازُ الْأَخْذِ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَكَانُ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِكَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ فَلِذَا يَبْطُلُ التَّعْيِينُ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ مِنْ عَدَمِ كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ فَيَلْزَمُ التَّعْيِينُ وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ الْمُدَرِّسِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَتَمَسَّكُ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِ الْمَكَانِ بِقَوْلِهِمْ لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْحَرَمِ لَا يَتَعَيَّنُ الْمَكَانُ فَكَذَا إذَا عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَنَّ النَّاذِرَ لَوْ عَيَّنَ فَقِيرًا لَا يَتَعَيَّنُ وَالْوَاقِفُ لَوْ عَيَّنَ إنْسَانًا لِلصَّرْفِ تَعَيَّنَ حَتَّى لَوْ صَرَفَ النَّاظِرُ لِغَيْرِهِ كَانَ ضَامِنًا فَكَيْفَ يُقَاسُ الْوَقْفُ عَلَى النَّذْرِ.
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ قَدَّمْتَ عَنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ مُصْحَفًا عَلَى الْمَسْجِدِ جَازَ وَيُقْرَأُ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَعْيِينِ الْمَكَانِ قُلْتُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا أَطْلَقَ وَكَلَامُنَا عِنْدَ الِاشْتِرَاطِ وَفِي الْقُنْيَةِ سَبَّلَ مُصْحَفًا فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ لِلْقِرَاءَةِ لَيْسَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى آخَرَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ لِلْقِرَاءَةِ اهـ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحَلَّةِ وَأَهْلِهَا فَإِنْ قُلْتَ مَا يَأْخُذُهُ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ أُجْرَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ أَوْ صِلَةٌ قُلْتُ قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ إنَّ فِيهِ شَوْبَ الْأُجْرَةِ وَالصِّلَةِ وَالصَّدَقَةِ فَاعْتَبَرْنَا شَائِبَةَ الْأُجْرَةِ فِي اعْتِبَارِ زَمَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَعْلُومِ وَاعْتَبَرْنَا شَائِبَةَ الصِّلَةِ بِالنَّظَرِ إلَى الْمُدَرِّسِ إذَا قَبَضَ مَعْلُومَهُ وَمَاتَ أَوْ عُزِلَ فِي أَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ حِصَّةَ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ وَأَعْمَلْنَا شَائِبَةَ الصَّدَقَةِ فِي تَصْحِيحِ أَصْلِ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ قُرْبَةٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُلَاحَظَةُ جَانِبِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ قَالَ قَبْلَهُ إنَّ الْمَأْخُوذَ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ لِلْغَنِيِّ فَإِذَا مَاتَ الْمُدَرِّسُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَقَبْلَ ظُهُورِهَا مِنْ الْأَرْضِ وَقَدْ بَاشَرَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ وَقْتَ قِسْمَةِ الْغَلَّةِ إلَى مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ وَإِلَى مُبَاشَرَةِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَيَبْسُطَ الْمَعْلُومَ عَلَى الْمُدَرِّسِينَ وَيَنْظُرَ كَمْ يَكُونُ مِنْهُ لِلْمُدَرِّسِ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فَيُعْطَى بِحِسَابِهِ مُدَّتَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي اعْتِبَارِ زَمَنِ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَإِدْرَاكِهَا كَمَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهِمْ بَلْ يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُدَرِّسِ وَالْفَقِيهِ وَصَاحِبِ وَظِيفَةٍ مَا فِي جِهَاتِ الْبِرِّ.
وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَالْأَعْدَلُ إلَى آخِرِهِ وَقَدْ كَثُرَ وُقُوعُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ بِالْقَاهِرَةِ فَأَفْتَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِمَا قَالُوهُ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ مِنْ اعْتِبَارِ مَجِيءِ الْغَلَّةِ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ يَفْرُغُ عَنْ وَظِيفَتِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ بِشَهْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ وَقَدْ كَانَ بَاشَرَ غَالِبَ السَّنَةِ فَيُنَازِعُهُ الْمَنْزُولُ لَهُ وَيَتَمَسَّكُ بِمَا ذَكَرْنَا وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا عَلِمْتَهُ مِنْ كَلَامِ الطَّرَسُوسِيِّ مِنْ قِسْمَتِهِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الْمُبَاشَرَةِ وَلَكِنْ بِالْقَاهِرَةِ إنَّمَا تُعْتَبَرُ الْأَقْسَاطُ فَإِنَّهُمْ يُؤَجِّرُونَ الْأَوْقَافَ بِأُجْرَةٍ تُسْتَحَقُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَاطٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَيُقْسَمُ الْقِسْطُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ الْمُبَاشَرَةِ.
فَإِنْ قُلْتَ قَالَ ابْنُ الشِّحْنَةِ مَعْزِيًّا إلَى التَّعْلِيقَةِ فِي الْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ لِابْنِ الصَّائِغِ وَهُوَ بِخَطِّهِ قَالَ وَمَا يَأْخُذُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْمَدَارِسِ لَيْسَ بِأُجْرَةٍ لِعَدَمِ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ وَلَا صَدَقَةٍ لِأَنَّ الْغَنِيَّ يَأْخُذُهَا بَلْ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى حَبْسِ أَنْفُسِهِمْ لِلِاشْتِغَالِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْضُرُوا الدَّرْسَ بِسَبَبِ اشْتِغَالٍ وَتَعْلِيقٍ جَازَ أَخْذُهُمْ الْجَامِكِيَّةَ وَلَمْ يَعْزُهَا إلَى كِتَابٍ لَكِنْ فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَنْ قَاضِي خَانْ مَا يَشْهَدُ لَهُ حَيْثُ عَلَّلَ بِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْلِيمِ قُلْتُ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْقَافِ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ حُضُورِ دَرْسٍ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ الشِّحْنَةِ وَلِذَا
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ الْأَوْقَافُ بِبُخَارَى عَلَى الْعُلَمَاءِ لَا يُعْرَفُ مِنْ الْوَاقِفِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ فَلِلْقَيِّمِ أَنْ يُفَضِّلَ الْبَعْضَ
وَيَحْرِمَ الْبَعْضَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَقْفُ عَلَى قَوْمٍ يُحْصَوْنَ
وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إلَى هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَوْ عَلَى مُتَعَلِّمِي هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ أَوْ عَلَى عُلَمَائِهَا يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُفَضِّلَ الْبَعْضَ
وَيَحْرِمَ الْبَعْضَ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْوَاقِفُ مَا يُعْطِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُمَّ رَقَمَ الْأَوْقَافَ الْمُطْلَقَةَ عَلَى الْفُقَهَاءِ قِيلَ التَّرْجِيحُ بِالْحَاجَةِ
وَقِيلَ بِالْفَضْلِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ فَرَّقَ الطَّرَسُوسِيُّ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ وَصَرِيحُ مَا فِي الْفَتَاوَى يُخَالِفُهُ
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ إمَامُ الْمَسْجِدِ رَفَعَ الْغَلَّةَ وَذَهَبَ قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ غَلَّةَ بَعْضِ السَّنَةِ وَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الْحَصَادِ فَإِنْ كَانَ يَؤُمُّ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ الْحَصَادِ يَسْتَحِقُّهُ وَصَارَ كَالْجِزْيَةِ وَمَوْتُ الْحَاكِمِ فِي خِلَالِ السَّنَةِ
وَكَذَا حُكْمُ الطَّلَبَةِ فِي الْمَدَارِسِ. اهـ.
قُلْتُ إنَّ قَوْلَهُ وَالْعِبْرَةُ لِوَقْتِ الْحَصَادِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا قَبَضَ مَعْلُومَ السَّنَةِ بِتَمَامِهَا وَذَهَبَ قَبْلَ مُضِيِّهَا لَا لِاسْتِحْقَاقِهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ مَعَ أَنَّهُ فِي الْقُنْيَةِ نَقَلَ عَنْ بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَرِدَّ مِنْ الْإِمَامِ حِصَّةً مَا لَمْ يَؤُمَّ فِيهِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي الْوَظَائِفِ مُطْلَقًا أَوْ بِعُذْرٍ أَمْ لَا مُطْلَقًا قُلْتُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا عَنْ أَصْحَابِنَا إلَّا مَا ذَكَرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ فَهُمَا مِنْ كَلَامِ الْخَصَّافِ فَإِنَّهُ قَالَ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ حَلَّتْ بِهَذَا الْقَيِّمِ آفَةٌ مِنْ الْآفَاتِ مِثْلُ الْخَرَسِ وَالْعَمَى وَذَهَابِ الْعَقْلِ وَالْفَالِجِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ هَلْ يَكُونُ لَهُ الْأَجْرُ الْقَيِّم عَلَى الْوَقْف قَائِمًا أَمْ لَا قَالَ إذَا حَلَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يُمْكِنُهُ مَعَهُ الْكَلَامُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَالْأَجْرُ لَهُ قَائِمٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الْكَلَامُ وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْأَخْذُ وَالْإِعْطَاءُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ هَذَا الْأَجْرِ شَيْءٌ.
اهـ.
قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ فَاسْتَنْبَطْنَا مِنْهُ جَوَابَ مَسْأَلَةٍ وَاقِعَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْمُدَرِّسَ أَوْ الْفَقِيهَ أَوْ الْمُعِيدَ أَوْ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ كَانَ مُبَاشِرًا شَيْئًا مِنْ وَظَائِفِ الْمَدَارِسِ إذَا مَرِضَ أَوْ حَجَّ وَحَصَلَ لَهُ مَا يُسَمُّونَهُ النَّاسُ عُذْرًا شَرْعِيًّا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ مَرْسُومَهُ الْمُعَيَّنَ بَلْ يُصْرَفُ إلَيْهِ وَلَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ مُدَّةَ ذَلِكَ الْعُذْرِ.
فَالْمُدَرِّسُ إذَا مَرِضَ أَوْ الْفَقِيهُ أَوْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ فَإِنَّهُ عَلَى مَا قَالَ الْخَصَّافُ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْمَعْلُومِ وَمَا جَعَلَ هَذِهِ الْعَوَارِضَ عُذْرًا فِي عَدَمِ مَنْعِهِ عَنْ مَعْلُومِهِ الْمُقَرَّرِ لَهُ بَلْ أَدَارَ الْحُكْمَ فِي الْمَعْلُومِ عَلَى نَفْسِ الْمُبَاشِرِ فَإِنْ وُجِدَتْ اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَا يَكُونُ لَهُ مَعْلُومٌ وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ وَاسْتَخْرَجْنَا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَحْثِ وَالتَّقْرِيرِ جَوَابَ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ لَا تَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّ الْخَصَّافَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَعَ قِيَامِ الْأَعْذَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَلَوْ كَانَتْ الِاسْتِنَابَةُ تَجُوزُ كَأَنْ قَالَ وَيَجْعَلُ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ إلَى أَنْ يَزُولَ عُذْرُهُ وَهَذَا أَيْضًا ظَاهِرُ الدَّلِيلِ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ اهـ.
وَقَدَّمْنَا عَنْ ابْن وَهْبَانَ أَنَّهُ إذَا سَافَرَ لِلْحَجِّ أَوْ صِلَةِ الرَّحِمِ لَا يَنْعَزِلُ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ مَعَ أَنَّهُمَا فَرْضَانِ عَلَيْهِ وَإِلَّا مَا ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ خَلِيفَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَؤُمَّ فِيهِ زَمَانَ غَيْبَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْخَلِيفَةُ مِنْ أَوْقَافِ الْإِمَامَةِ شَيْئًا إنْ كَانَ الْإِمَامُ أَمَّ أَكْثَرَ السَّنَةِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّائِبَ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ الْوَقْفِ شَيْئًا لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّقْرِيرِ لَمْ يُوجَدْ وَيَسْتَحِقُّ الْأَصِيلُ الْكُلَّ إنْ عَمِلَ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَسَكَتَ عَمَّا يُعَيِّنُهُ الْأَصِيلُ لِلنَّائِبِ كُلَّ شَهْرٍ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّهُ النَّائِبُ عَلَيْهِ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ وَقَدْ وَفَّى الْعَمَلَ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُفْتَى بِهِ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ يَعْمَلْ الْأَصِيلُ وَعَمِلَ النَّائِبُ كَانَتْ الْوَظِيفَةُ شَاغِرَةً وَلَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ الصَّرْفُ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا
وَيَجُوزُ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ وَعَمَلُ النَّاسِ بِالْقَاهِرَةِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِنَابَاتِ فِي الْوَظَائِفِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا شَاغِرَةً مَعَ وُجُودِ النِّيَابَةِ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ بِلَا إذْنٍ
بِخِلَافِ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ وَظِيفَتُهُ شَاغِرَةً وَتَصِحُّ النِّيَابَةُ وَمِمَّا يَرِدُ عَلَى الطَّرَسُوسِيِّ أَنَّ الْخَصَّافَ صَرَّحَ بِأَنَّ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا يَقُومُ مَقَامَهُ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مِنْ مَعْلُومِهِ شَيْئًا
وَكَذَا فِي الْإِسْعَافِ وَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ بِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ لِأَنَّ النَّائِبَ وَكِيلٌ بِالْأُجْرَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَاَلَّذِي تَحَرَّرَ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْوَظَائِفِ فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ لِلنَّاظِرِ قَطْعُ مَعْلُومِ صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ بِقَوْلِ كَاتِبِ الْغَيْبَةِ وَحْدَهُ مَعَ دَعْوَى الْمُسْتَحِقِّ حُضُورَهُ.
قُلْتُ: لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا لِأَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَطْعُ بِقَوْلِ كَاتِبِ الْغَيْبَةِ وَحْدَهُ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِكَاتِبِ الْغَيْبَةِ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ غَيْبَتَهُ كَانَتْ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَكِنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ الْغَيْبَةَ لِعُذْرٍ لَا تُوجِبُ الْحِرْمَانَ
وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا وَسَيَأْتِي شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوَظَائِفِ فِي بَيَانِ تَصَرُّفَاتِ النَّاظِرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي النَّاظِرِ بِالشَّرْطِ قَدَّمْنَا أَنَّ الْوِلَايَةَ لِلْوَاقِفِ ثَابِتَةٌ مُدَّةَ حَيَاتِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا وَأَنَّ لَهُ عَزْلَ الْمُتَوَلِّي وَأَنَّ مَنْ وَلَّاهُ لَا يَكُونُ لَهُ النَّظَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا بِالشَّرْطِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَوْ نَصَبَ الْوَاقِفُ عِنْدَ مَوْتِهِ وَصِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ أُمُورِ الْوَاقِفِ شَيْئًا تَكُونُ وِلَايَةُ الْوَقْفِ إلَى الْوَصِيِّ وَلَوْ جَعَلَهُ وَصِيًّا فِي أَمْرِ الْوَقْفِ فَقَطْ كَانَ وَصِيًّا فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَهِلَالٍ.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ النَّاظِرِينَ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ رَأْيِ الْآخَرِ وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ وَلَوْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عِنْدَ مَوْتِهِ وَكَانَ لِلْبَاقِي الِانْفِرَادُ وَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُوصِيَ بِهِ الْمُتَوَلِّي عِنْدَ مَوْتِهِ امْتَنَعَ الْإِيصَاءُ وَلَوْ جَعَلَهَا الرَّجُلَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ ضَمَّ الْقَاضِي إلَى مَنْ قَبِلَ رَجُلًا أَوْ فَوَّضَ لِلْقَابِلِ بِمُفْرَدِهِ وَلَوْ جَعَلَهَا لِفُلَانٍ إلَى أَنْ يُدْرِكَ وَلَدِي فَإِذَا أَدْرَكَ كَانَ شَرِيكًا لَهُ لَا يَجُوزُ مَا جَعَلَهُ لِابْنِهِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ وَلَوْ أَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالٍ سَمَّاهُ أَرْضًا وَيَجْعَلَهَا وَقْفًا سَمَّاهَا لَهُ وَأَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ جَازَ وَيَكُونُ مُتَوَلِّيًا وَلَهُ الْإِيصَاءُ بِهِ لِغَيْرِهِ وَلَوْ نَصَبَ مُتَوَلِّيًا عَلَى وَقْفِهِ ثُمَّ وَقَفَ وَقْفًا آخَرَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ مُتَوَلِّيًا لَا يَكُونُ مُتَوَلِّي الْأَوَّلِ مُتَوَلِّيًا عَلَى الثَّانِي إلَّا بِأَنْ يَقُولَ أَنْتَ وَصِيِّي وَلَوْ وَقَفَ أَرَضِينَ وَجَعَلَ لِكُلٍّ مُتَوَلِّيًا لَا يُشَارِكُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
وَلَوْ جَعَلَ وِلَايَةَ وَقْفِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ جَعَلَ رَجُلًا آخَرَ وَصِيَّهُ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْمُتَوَلِّي فِي أَمْرِ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يَقُولَ وَقَفْتُ أَرْضِي عَلَى كَذَا
وَكَذَا وَجَعَلْتُ وِلَايَتَهَا لِفُلَانٍ وَجَعَلْتُ فُلَانًا وَصِيًّا فِي تَرِكَاتِي وَجَمِيعِ أُمُورِي فَحِينَئِذٍ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ كَذَا فِي الْإِسْعَافِ وَمِنْهُ يُعْلَمُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وُجِدَ مَكْتُوبَانِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ فُلَانٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ رَجُلٌ غَيْرُهُ وَالثَّانِي مُتَأَخِّرُ التَّارِيخِ فَأَجَبْتُ بِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الثَّانِيَ نَاسِخٌ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخَصَّافِ فِي الشَّرَائِطِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ التَّوْلِيَةَ مِنْ الْوَاقِفِ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الشَّرَائِطِ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا التَّغْيِيرَ وَالتَّبْدِيلَ كُلَّمَا بَدَا لَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي عُقْدَةِ الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ
وَأَمَّا بَاقِي الشَّرَائِطِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ.
ثُمَّ قَالَ فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ جَعَلَ الْوِلَايَةَ لِأَفْضَلِ أَوْلَادِهِ وَكَانُوا فِي الْفَضْلِ سَوَاءً تَكُونُ لِأَكْبَرِهِمْ سِنًّا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى
وَلَوْ قَالَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ مِنْ أَوْلَادِي فَأَبَى أَفْضَلُهُمْ الْقَبُولَ أَوْ مَاتَ يَكُونُ لِمَنْ يَلِيهِ فِيهِ وَهَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ كَذَا ذَكَرَ الْخَصَّافُ وَقَالَ هِلَالٌ الْقِيَاسُ أَنْ يُدْخِلَ الْقَاضِي بَدَلَهُ رَجُلًا مَا كَانَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ صَارَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الَّذِي يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَ مَوْضِعٍ أَقَامَ الْقَاضِي رَجُلًا يَقُومُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ مَا دَامَ الْأَفْضَلُ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ يَنْتَقِلُ إلَى مَنْ يَلِيهِ فِيهِ فَإِذَا صَارَ أَهْلًا بَعْدَ ذَلِكَ تُرَدُّ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ أَهْلًا لَهَا.
فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُقِيمُ أَجْنَبِيًّا إلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْهُمْ أَحَدٌ أَهْلًا فَتُرَدُّ إلَيْهِ وَلَوْ صَارَ الْمَفْضُولُ مِنْ أَوْلَادِهِ أَفْضَلَ مِمَّنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ بِشَرْطِهِ إيَّاهَا لِأَفْضَلِهِمْ فَيَنْظُرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَى أَفْضَلِهِمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَفْقَرِ فَالْأَفْقَرِ مِنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يُعْطَى الْأَفْقَرُ مِنْهُمْ.
وَإِذَا صَارَ غَيْرُهُ أَفْقَرَ مِنْهُ يُعْطَى الثَّانِي
وَيُحْرَمُ الْأَوَّلُ وَلَوْ جَعَلَهَا لِاثْنَيْنِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَكَانَ فِيهِمْ ذَكَرٌ وَأُنْثَى صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ تُشَارِكُهُ فِيهَا لِصِدْقِ الْوَلَدِ عَلَيْهَا أَيْضًا
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ أَوْلَادِي فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا حِينَئِذٍ وَلَوْ جَعَلَهَا الرَّجُلَ ثُمَّ عِنْدَ وَفَاتِهِ قَالَ قَدْ أَوْصَيْتُ إلَى فُلَانٍ وَرَجَعْتُ عَنْ كُلِّ وَصِيَّةٍ لِي بَطَلَتْ وِلَايَةُ الْمُتَوَلِّي وَصَارَتْ لِلْوَصِيِّ
وَلَوْ قَالَ رَجَعْتُ عَمَّا أَوْصَيْت بِهِ وَلَمْ يُوصِ إلَى أَحَدٍ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ مَنْ يُوثَقُ بِهِ لِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِرُجُوعِهِ. اهـ.
مَا فِي الْإِسْعَافِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ إذَا شَرَطَهَا لِأَفْضَلِهِمْ وَاسْتَوَى اثْنَانِ فِي الدِّيَانَةِ وَالسَّدَادِ وَالْفَضْلِ وَالرَّشَادِ فَالْأَعْلَمُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ أَوْلَى وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَرَعًا وَصَلَاحًا وَالْآخَرُ أَوْفَرَ عِلْمًا بِأُمُورِ الْوَقْفِ فَالْأَوْفَرُ عِلْمًا أَوْلَى بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ تُؤْمَنُ خِيَانَتُهُ وَغَائِلَتُهُ وَلَوْ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ فَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِذَا قَدِمَ زَيْدٌ فَكِلَاهُمَا وَالِيَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الْمُتَوَلِّي إذَا أَرَادَ أَنْ يُفَوِّضَ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْوِلَايَةُ بِالْإِيصَاءِ يَجُوزُ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: لَوْ شَرَطَهُ لِلرَّشِيدِ الصَّالِحِ مِنْ وَلَدِهِ فَمَنْ يَسْتَحِقُّهُ قُلْتُ فَسَّرَ الْخَصَّافُ الصَّالِحَ بِمَنْ كَانَ مَسْتُورًا لَيْسَ بِمَهْتُوكٍ وَلَا صَاحِبِ رِيبَةٍ وَكَانَ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ سَلِيمَ النَّاحِيَةِ كَامِنَ الْأَذَى قَلِيلَ السُّوءِ لَيْسَ بِمُعَاقِرٍ لِلنَّبِيذِ وَلَا يُنَادِمُ عَلَيْهِ الرِّجَالَ وَلَيْسَ بِقَذَّافِ الْمُحْصَنَاتِ وَلَا مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ فَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ
وَكَذَا إذَا قَالَ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ أَوْ الْفَضْلِ أَوْ الْخَيْرِ فَالْكُلُّ سَوَاءٌ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّشْدَ صَلَاحُ الْمَالِ وَهُوَ حُسْنُ التَّصَرُّفِ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فِي النَّاظِرِ الْمَوْلَى مِنْ الْقَاضِي يَنْصِبُهُ الْقَاضِي فِي مَوَاضِعَ الْأَوَّلُ إذَا مَاتَ الْوَاقِفُ وَلَمْ يَجْعَلْ وِلَايَتَهُ إلَى أَحَدٍ وَلَا يَجْعَلُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ مَا دَامَ يَجِدُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْوَاقِفِ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ
إمَّا لِأَنَّهُ أَشْفَقُ أَوْ لِأَنَّ مِنْ قَصْدِ الْوَاقِفِ نِسْبَةَ الْوَقْفِ إلَيْهِ وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرْنَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَمَنْ يَصْلُحُ مِنْ الْأَجَانِبِ فَإِنْ أَقَامَ أَجْنَبِيًّا ثُمَّ صَارَ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ صَرَفَهُ إلَيْهِ كَذَا فِي الْإِسْعَافِ الثَّانِي إذَا مَاتَ الْمُتَوَلِّي الْمَشْرُوطُ لَهُ بَعْدَ الْوَاقِفِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْصِبُ غَيْرَهُ وَشَرَطَ فِي الْمُجْتَبَى أَنْ لَا يَكُونَ الْمُتَوَلِّي أَوْصَى بِهِ إلَى رَجُلٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ كَانَ أَوْصَى لَا يَنْصِبُ الْقَاضِي وَقَيَّدْنَا بِمَوْتِهِ بَعْدَ الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْوَاقِفِ
قَالَ فِي الْمُجْتَبَى وِلَايَةُ النَّصْبِ إلَى الْوَاقِفِ وَفِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ قَالَ مُحَمَّدٌ النَّصْبُ إلَى الْقَاضِي. اهـ.
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى إذَا مَاتَ الْمُتَوَلِّي وَالْوَاقِفُ حَيٌّ فَالرَّأْيُ فِي نَصْبِ قَيِّمٍ آخَرَ إلَى الْوَاقِفِ لَا إلَى الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مَيِّتًا فَوَصِيُّهُ أَوْلَى مِنْ الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْصَى إلَى أَحَدٍ فَالرَّأْيُ فِي ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي اهـ.
فَأَفَادَ أَنَّ وِلَايَةَ الْقَاضِي مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْمَشْرُوطِ لَهُ وَوَصِيِّهِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ تَقْرِيرِ الْقَاضِي فِي الْوَظَائِفِ فِي الْأَوْقَافِ إذَا كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ التَّقْرِيرَ لِلْمُتَوَلِّي وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ فِي الْقَاهِرَةِ فِي زَمَانِنَا وَقَبْلَهُ بِيَسِيرٍ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ
وَأَمَّا نَصْبُ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ فَقَالَ أَبُو نَصْرٍ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَلَيْسَ الْبَانِي لِلْمَسْجِدِ أَحَقَّ مِنْهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْكَافُ الْبَانِي أَحَقُّ بِنَصْبِهِمَا مِنْ غَيْرِهِ كَالْعِمَارَةِ قَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَبِهِ نَأْخُذُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إمَامًا وَمُؤَذِّنًا وَالْقَوْمُ يُرِيدُونَ الْأَصْلَحَ فَلَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة الْوَقْفُ إذَا كَانَ عَلَى أَرْبَابٍ مَعْلُومِينَ يُحْصَى عَدَدُهُمْ إذَا نَصَبُوا مُتَوَلِّيًا بِدُونِ اسْتِطْلَاعِ رَأْيِ الْقَاضِي يَصِحُّ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْمُتَقَدِّمُونَ قَالُوا الْأَوْلَى أَنْ يَرْفَعُوا إلَى الْقَاضِي وَمَشَايِخُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ قَالُوا الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْفَعُوا إلَى الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ فِيهَا أَيْضًا سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ أَهْلِ مَسْجِدٍ اتَّفَقُوا عَلَى نَصْبِ رَجُلٍ مُتَوَلِّيًا لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ فَتَوَلَّى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ هَلْ يَصِيرُ مُتَوَلِّيًا وَيُطْلَقُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ قَلَّدَهُ الْقَاضِي قَالَ نَعَمْ قَالَ وَمَشَايِخُنَا الْمُتَقَدِّمُونَ يُجِيبُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَيَقُولُونَ نَعَمْ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْقَاضِي ثُمَّ اتَّفَقَ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأُسْتَاذُونَا أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَنْصِبُوا مُتَوَلِّيًا وَلَا يُعْلِمُوا الْقَاضِيَ فِي زَمَانِنَا لِمَا عُرِفَ مِنْ طَمَعِ الْقُضَاةِ فِي أَمْوَالِ الْأَوْقَافِ.
اهـ.
وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْقَاضِي الَّذِي يَمْلِكُ نَصْبَ الْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَيَكُونُ لَهُ النَّظَرُ عَلَى الْأَوْقَافِ قُلْتُ وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ لَا كُلُّ قَاضٍ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ لَوْ كَانَ الْوَصِيُّ أَوْ الْمُتَوَلِّي مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ فَالْأَوْثَقُ أَنْ يَكْتُبَ فِي الصُّكُوكِ وَالسِّجِلَّاتِ وَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ جِهَةِ حَاكِمٍ لَهُ وِلَايَةُ نَصْبِ الْوَصِيِّ وَالتَّوْلِيَةُ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الْوَصِيُّ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ رُبَّمَا يَكُونُ مِنْ حَاكِمٍ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ نَصْبِ الْوَصِيِّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ نَصْبَ الْوَصِيِّ وَالْمُتَوَلِّي إلَّا إذَا كَانَ ذِكْرُ التَّصَرُّفِ فِي الْأَوْقَافِ وَالْأَيْتَامِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي مَنْشُورِهِ فَصَارَ كَحُكْمِ نَائِبِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَذْكُرُوا أَنَّ فُلَانًا الْقَاضِيَ مَأْذُونٌ بِالْإِنَابَةِ تَحَرُّزًا عَنْ هَذَا الْوَهْمِ.
اهـ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ السُّلْطَانِ جَعَلْتُكَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ كَالتَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الْمَنْشُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ فِي مَسْأَلَةِ اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ فِي الِاسْتِدَانَةِ بِأَمْرِ الْقَاضِي الْمُرَادُ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ وَالْقَاضِي فِي أُمُورِ الْأَوْقَافِ
بِخِلَافِ قَوْلِهِمْ وَإِذَا رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمُ قَاضٍ أَمْضَاهُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ كَمَا لَا يَخْفَى الثَّالِثُ إذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَعْزِلُهُ وَيَنْصِبُ أَمِينًا
قَالَ فِي آخِرِ أَوْقَافِ الْخَصَّافِ مَا تَقُولُ إنْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَانَةِ فَرَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ آخَرَ أَوْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ وَيُصَيِّرَهُ إلَى غَيْرِهِ قَالَ
أَمَّا إخْرَاجُهُ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إلَّا بِخِيَانَةٍ ظَاهِرَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِذَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَصِحُّ وَاسْتَحَقَّ إخْرَاجَ الْوَقْفِ مِنْ يَدِهِ قَطَعَ عَنْهُ مَا كَانَ أَجْرَى لَهُ الْوَاقِفُ.
وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ مَعَهُ رَجُلًا فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ فَالْأَجْرُ لَهُ قَائِمٌ فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْعَلَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَدْخَلَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ قَلِيلًا ضَيِّقًا فَرَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْعَلَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَدْخَلَهُ مَعَهُ رِزْقًا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْتَصِدَ فِيمَا يُجْرِيهِ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ مَا تَقُولُ إنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَخْرَجَهُ مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ وَقَطَعَ عَنْهُ مَا كَانَ أَجْرَاهُ لَهُ الْوَاقِفُ ثُمَّ جَاءَ حَاكِمٌ آخَرُ فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ وَقَالَ إنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي كَانَ قَبْلَكَ إنَّمَا أَخْرَجَنِي مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ بِتَحَامُلٍ مِنْ قَوْمٍ سَعَوْا بِهِ إلَيْهِ وَلَمْ يَصِحَّ عَلَيَّ شَيْءٌ اسْتَحَقَّ بِهِ إخْرَاجِي مِنْ الْقِيَامِ بِأَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ قَالَ أُمُورُ الْحَاكِمِ عِنْدَنَا إنَّمَا تَجْرِي عَلَى الصِّحَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَ هَذَا الرَّجُلِ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَكِنْ يَقُولُ صَحِّحْ أَنَّكَ مَوْضِعٌ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ هَذَا الْوَقْفِ أَرُدّكَ إلَى الْقِيَامِ بِذَلِكَ فَإِنْ صَحَّ عِنْدَ هَذَا الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ لِذَلِكَ رَدَّهُ وَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَالَ لَهُ
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْحَاكِمَ الَّذِي كَانَ أَخْرَجَهُ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَابَ وَرَجَعَ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ وَصَارَ مَوْضِعًا لِلْقِيَامِ بِهِ وَجَبَ أَنْ يَرُدَّهُ إلَى ذَلِكَ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ الَّذِي كَانَ الْوَاقِفُ جَعَلَهُ لَهُ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَوْ عَزَلَهُ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ لَا يَنْعَزِلُ فَإِنْ قُلْتَ كَيْفَ يُعِيدُ الطَّالِبَ لِلتَّوَلِّيَةِ بَعْدَ عَزْلِهِ إذَا أَنَابَ وَرَجَعَ مَعَ قَوْلِهِمْ طَالِبُ التَّوْلِيَةِ لَا يُوَلَّى قُلْتُ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِهَا ابْتِدَاءً
وَأَمَّا طَلَبُ الْعَوْدِ بَعْدَ الْعَزْلِ فَلَا جَمْعًا بَيْنَ كَلَامِهِمْ وَمِنْ الْخِيَانَةِ امْتِنَاعُهُ مِنْ الْعِمَارَةِ
قَالَ فِي الْخَصَّافِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْعِمَارَةِ وَلَهُ غَلَّةٌ أُجْبِرَ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ فِيهَا وَإِلَّا أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ وَمِنْ الْخِيَانَةِ الْمُجَوِّزَةِ لِعَزْلِهِ أَنْ يَبِيعَ الْوَقْفَ أَوْ بَعْضَهُ لَكِنْ ظَاهِرُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ هَدْمِ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ فَإِنَّهُ قَالَ وَإِذَا خَرِبَتْ أَرْضُ الْوَقْفِ وَأَرَادَ الْقَيِّمُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَهَا مِنْهَا لِيَرُمَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ بَاعَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ أَوْ صَرَمَ النَّخْلَ فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَ الْقَيِّمَ عَنْ هَذَا الْوَقْفِ لِأَنَّهُ صَارَ خَائِنًا وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمَنَ الْخَائِنَ بَلْ سَبِيلُهُ أَنْ يَعْزِلَهُ اهـ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ قَرْيَةٌ وَقْفٌ عَلَى أَرْبَابٍ مُسَمَّيْنَ فِي يَدِ الْمُتَوَلِّي بَاعَ الْمُتَوَلِّي وَرَقَ أَشْجَارِ التُّوتِ جَازَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَلَّةِ
فَلَوْ أَرَادَ الْمُشْتَرِي قَطْعَ قَوَائِمِ الشَّجَرِ يُمْنَعُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَبِيعَةٍ وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُتَوَلِّي مِنْ مَنْعِ الْمُشْتَرِي عَنْ قَطْعِ الْقَوَائِمِ كَانَ ذَلِكَ خِيَانَةً مِنْهُ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَنْ يُتْلِفُ شَيْئًا لِلْوَقْفِ كَانَ خَائِنًا وَيُعْزَلُ وَفِي الْقُنْيَةِ قَيِّمٌ يَخْلِطُ غَلَّةَ الدُّهْنِ بِغَلَّةِ الْبَوَارِي فَهُوَ سَارِقٌ خَائِنٌ اهـ.
فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ إذَا تَصَرَّفَ بِمَا لَا يَجُوزُ كَانَ خَائِنًا يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يَقُلْ فَإِنْ قُلْتَ إذَا ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ ثِقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْزِلَهُ قُلْتُ نَعَمْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَصَلَ بِضَمِّ الثِّقَةِ إلَيْهِ
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ بَاعَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ أَرْضِهِ فَهُوَ خِيَانَةٌ فَيُعْزَلُ أَوْ يُضَمُّ إلَيْهِ ثِقَةٌ. اهـ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْمُتَوَلِّي مِنْ الْقَاضِي مَا فِي الْقُنْيَةِ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا فُوِّضَ إلَيْهِ إنْ عَمَّمَ الْقَاضِي التَّفْوِيضَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ مَاتَ الْقَاضِي أَوْ عُزِلَ يَبْقَى مَا نَصَبَهُ عَلَى حَالِهِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ مَا حُكْمُ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي النَّاظِرَ حِسْبَةً مَعَ وُجُودِ النَّاظِرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ قُلْتُ صَحِيحَةٌ إذَا شَكَّ النَّاظِرُ أَوْ ارْتَابَ الْقَاضِي فِي أَمَانَتِهِ لِقَوْلِ الْخَصَّافِ كَمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ
وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ مَعَهُ رَجُلًا إلَخْ لَا يَأْخُذُ مِنْ مَعْلُومِ الْمُتَوَلِّي وَلَا مِنْ الْوَقْفِ شَيْئًا لِأَنَّهُ إنَّمَا وَلَّاهُ الْقَاضِي حِسْبَةً أَيْ بِغَيْرِ مَعْلُومٍ الرَّابِعُ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّهُ يَنْصِبُ غَيْرَهُ وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِ نَفْسِهِ فِي غَيْبَةِ الْقَاضِي الْجَوَابُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الْقَاضِيَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْوَصِيِّ وَالْقَاضِي وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ إذَا عَلِمَ الْقَاضِي سَوَاءٌ عَزَلَهُ الْقَاضِي أَوْ لَمْ يَعْزِلْهُ وَفِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَالَ الْمُتَوَلِّي مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ عَزَلْتُ نَفْسِي لَا يَنْعَزِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ أَوْ لِلْقَاضِي فَيُخْرِجَهُ.
اهـ.
وَمِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ الْفَرَاغُ عَنْ وَظِيفَةِ النَّظَرِ لِرَجُلٍ عِنْدَ الْقَاضِي وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ الْمَنْزُولَ لَهُ وَهَكَذَا فِي سَائِرِ الْوَظَائِفِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَنْزُولُ لَهُ أَهْلًا لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُقَرِّرُهُ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّ مَنْ فَرَغَ لِإِنْسَانٍ عَنْ وَظِيفَتِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا سَوَاءٌ قَرَّرَ النَّاظِرُ الْمَنْزُولَ لَهُ أَوْ لَا اهـ.
فَالْقَاضِي بِالْأَوْلَى وَقَدْ جَرَى التَّعَارُفُ بِمِصْرَ الْفَرَاغُ بِالدَّرَاهِمِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيَنْبَغِي الْإِبْرَاءُ الْعَامُّ بَعْدَهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمُتَوَلِّي مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ امْتَنَعَ مِنْ الْعَمَلِ وَلَمْ يَرْفَعْ الْأَمْرَ بِعَزْلِ نَفْسِهِ إلَى الْحَاكِمِ لَا يَخْرُجُ عَنْ التَّوْلِيَةِ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ هَلْ لِلْقَاضِي عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ بِغَيْرِ جُنْحَةٍ. قُلْتُ نَعَمْ
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ نَصَبَ الْقَاضِي قَيِّمًا آخَرَ لَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ مَنْصُوبَ الْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبَهُ وَيَعْلَمُهُ وَقْتَ نَصَبَ الثَّانِي يَنْعَزِلُ
بِخِلَافِ مَا إذَا نَصَبَ السُّلْطَانُ قَاضِيًا فِي بَلْدَةٍ لَا يَنْعَزِلُ الْأَوَّلُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكْثُرُ الْقُضَاةُ فِي بَلْدَةٍ دُونَ الْقُوَّامِ فِي الْوَقْفِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ. اهـ. وَسَيَأْتِي عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ.
الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ فِي تَصَرُّفَاتِ النَّاظِرِ وَفِيهِ بَيَانُ مَا عَلَيْهِ وَلَهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَوَّلُ مَا يَفْعَلُهُ الْقَيِّمُ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ الْبُدَاءَةُ بِالْعِمَارَةِ وَأُجْرَةِ الْقُوَّامِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا الْوَاقِفُ وَيَتَحَرَّى فِي تَصَرُّفَاتِهِ النَّظَرَ لِلْوَقْفِ وَالْغِبْطَةَ حَتَّى لَوْ آجَرَ الْوَقْفَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ سَكَنَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا يَجُوزُ
وَكَذَا إذَا آجَرَهُ مِنْ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ لِلتُّهْمَةِ وَلَا نَظَرَ مَعَهَا كَذَا فِي الْإِسْعَافِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمُتَوَلِّي لَوْ آجَرَ دَارَ الْوَقْفِ مِنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ أَوْ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ كَبَيْعِ الْوَصِيِّ لَوْ بِقِيمَتِهِ صَحَّ عِنْدَهُمَا وَلَوْ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ
وَكَذَا مُتَوَلٍّ أَجَّرَ مِنْ نَفْسِهِ لَوْ خَيْرٌ صَحَّ وَإِلَّا لَا وَمَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ مَرَّ فِي بَيْعِ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ.
فَعُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْإِسْعَافِ ضَعِيفٌ وَلَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ لِأَجْنَبِيٍّ إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّ مَا نَقَصَ يَكُونُ إضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْقُنْيَةِ فِي الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ الْمُسَبَّلَةِ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ يُمْسِكُهَا بِغَبَنٍ فَاحِشٍ نِصْفُ الْمِثْلِ أَوْ نَحْوُهُ لَا يُعْذَرُ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ فِي السُّكُوتِ عَنْهُ إذَا أَمْكَنَهُمْ دَفْعُهُ
وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِئْجَارِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ
وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَمَا لَمْ يَفْسَخْ كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى. اهـ.
وَشَرْطُ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْكُلِّ
أَمَّا لَوْ زَادَهَا وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ تَعَنُّتًا فَإِنَّهَا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِي الزِّيَادَةِ أَنَّ السَّاكِنَ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَأْجِرٍ أَوْ مُسْتَأْجِرًا إجَارَةً فَاسِدَةً فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ وَتُقْبَلُ الزِّيَادَةُ وَيُخْرَجُ وَيُسَلِّمُ الْمُتَوَلِّي الْعَيْنَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا صَحِيحَةً فَإِنْ كَانَ تَعَنُّتًا فَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ أَصْلًا وَإِنْ كَانَتْ لِزِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ عِنْدَ الْكُلِّ عَرَضَ الْمُتَوَلِّي الزِّيَادَةَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ الْأَحَقُّ وَإِلَّا آجَرَهَا مِنْ الثَّانِي فَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا فَهِيَ كَغَيْرِهَا لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ خَالِيَةً عَنْ الزِّرَاعَةِ أَجَّرَهَا لِلثَّانِي وَإِلَّا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ مِنْ وَقْتِهَا.
وَوَجَبَ تَسْلِيمُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسَمَّى بِحِسَابِهِ قَبْلَهَا لِأَنَّ الزَّرْعَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ حَيْثُ كَانَ مَزْرُوعًا بِحَقٍّ وَهَذَا كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَزْرُوعًا بِحَقٍّ كَالْغَاصِبِ وَالْمُسْتَأْجِرِ إجَارَةً فَاسِدَةً فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ كَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ وَالسِّرَاجِيَّةِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ فَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي سَاكِنًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الرَّفْعِ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ وَقَعَتْ حَوَادِثُ الْفَتْوَى مِنْهَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ الْوَقْفِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ ثُمَّ آجَرَهَا لِآخَرَ بِأَقَلَّ بِنُقْصَانٍ فَاحِشٍ فَأَجَبْتُ بِالصِّحَّةِ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمَمْلُوكَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَيْسَتْ كَالْوَقْفِ وَإِنَّمَا هِيَ كَالْمِلْكِ.
وَلِذَا مِلْكُ الْإِعَارَةِ وَمِنْهَا لَوْ زَادَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَعْدَمَا أَجَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ هَلْ يُعْرَضُ الْأَمْرُ عَلَى الْأَوَّلِ أَمْ الثَّانِي فَأَجَبْتُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْمُتَوَلِّي وَمِنْهَا لَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَنُقِضَتْ وَأَجَّرَهَا الْمُتَوَلِّي مِمَّنْ زَادَ هَلْ تَنْتَقِضُ الثَّانِيَةُ فَأَجَبْتُ تَنْتَقِضُ لِكَوْنِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْأُولَى فَإِذَا انْتَقَضَ الْأَصْلُ انْتَقَضَ مَا ابْتَنَى عَلَيْهِ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى مِنْ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ وَعَلَى هَذَا لَوْ فُسِخَتْ الْأُولَى بِخِيَارِ رُؤْيَةٍ أَوْ عَيْبٍ بِقَضَاءٍ بَطَلَتْ الثَّانِيَةُ وَمِنْهَا لَوْ أَجَّرَ الْمُتَوَلِّي جَمِيعَ جِهَاتِ الْوَقْفِ الْخَرَاجِيِّ وَالْهِلَالِيِّ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَزَادَ أَجْرَ مِثْلِ بَعْضِهَا وَزَادَ فِيهَا غَيْرُهُ هَلْ تُؤَجَّرُ مِنْ الْآخَرِ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ لَا فَأَجَبْتُ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ حَيْثُ اسْتَأْجَرَ الْجَمِيعَ إجَارَةً وَاحِدَةً إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى زِيَادَةِ أُجْرَةِ الْجَمِيعِ لَا كُلِّ وَاحِدَةٍ وَمِنْهَا أَنَّهُ كَيْفَ يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّ الزِّيَادَةَ بِسَبَبِ زِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ وَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: نَعَمْ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا وَصِيٌّ بَاعَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ إنْ أَخْبَرَهُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ أَنَّهُ بَاعَ بِقِيمَتِهِ وَأَنَّ قِيمَتَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ يَزِيدُ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُزَايَدَةِ يَشْتَرِي بِأَكْثَرَ وَفِي السُّوقِ بِأَقَلَّ لَا يَنْتَقِضُ بَيْعُ الْوَصِيِّ لِأَجْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْأَمَانَةِ وَإِنْ اجْتَمَعَ رَجُلَانِ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِمَا مَعًا وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدٍ
أَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا قَوْلُ الْوَاحِدِ يَكْفِي كَمَا فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا وَعَلَى هَذَا قَيِّمُ الْوَقْفِ إذَا أَجَّرَ مُسْتَغَلَّ الْوَقْفِ وَجَاءَ آخَرُ يَزِيدُ فِي الْأُجْرَةِ. اهـ.
وَصَرَّحَ قَاضِي خَانْ مِنْ كِتَابِ الْإِجَارَةِ بِأَنَّهُ إذَا أَجَّرَ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنْ كَانَ بِنُقْصَانٍ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَلَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي فَسْخُهَا وَإِنْ كَانَ بِنُقْصَانٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ وَلَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهَا إجَارَةً صَحِيحَةً
إمَّا مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ وَبِالزِّيَادَةِ عَلَى قَدْرِ مَا يَرْضَى بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنْ سَكَنَ الْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ وَجَبَ أَجْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ الْأُولَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ازْدَادَ أَجْرُ مِثْلِهِ كَانَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ وَمَا لَمْ يُفْسَخْ كَانَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأَجْرُ الْمُسَمَّى اهـ.
وَفِي الْحَاوِي وَيُفْتَى بِالضَّمَانِ فِي غَصْبِ عَقَارِ الْوَقْفِ وَغَصْبِ مَنَافِعِهِ
وَكَذَا كُلُّ مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ فِيمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ حَتَّى نُقِضَتْ الْإِجَارَةُ عِنْدَ الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ نَظَرًا لِلْوَقْفِ وَصِيَانَةً لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِبْقَاءً لِلْخَيْرَاتِ اهـ.
وَتَقْيِيدُهُ بِالْفَاحِشَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نَقْضِهَا بِالْيَسِيرِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَاحِشَةِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهَا كَمَا فِي طَرَفِ النُّقْصَانِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عَنْ أَجْرِ الْمِثْلِ إذَا كَانَ يَسِيرًا وَالْوَاحِدُ فِي الْعَشَرَةِ يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَهَذَا قَيْدٌ حَسَنٌ يَجِبُ حِفْظُهُ فَإِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ دَارٍ عَشَرَةً مَثَلًا وَزَادَ أَجْرُ مِثْلِهَا وَاحِدًا فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا الْمُتَوَلِّي بِتِسْعَةٍ فَإِنَّهَا لَا تُنْقَضُ
بِخِلَافِ الدِّرْهَمَيْنِ فِي الطَّرَفَيْنِ وَيَجُوزُ النُّقْصَانُ عَنْ أَجْرِ الْمِثْلِ نَقْصًا فَاحِشًا لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ حَانُوتٌ وَقْفٌ وَعِمَارَتُهُ مِلْكٌ لِرَجُلٍ أَبَى صَاحِبُ الْعِمَارَةِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِأَجْرِ مِثْلِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْعِمَارَةُ لَوْ رُفِعَتْ يُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ كُلِّفَ رَفْعَ الْعِمَارَةِ وَيُؤَجَّرُ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ النُّقْصَانَ عَنْ أَجْرِ الْمِثْلِ لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَأْجَرُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَأْجِرُهُ لَا يُكَلَّفُ وَيُتْرَكُ فِي يَدِهِ بِذَلِكَ الْأَجْرِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: إذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضَ الْوَقْفِ سِنِينَ عَلَى عُقُودٍ كَثِيرَةٍ لِلْبِنَاءِ وَحَكَمَ بِصِحَّتِهَا ثُمَّ بَنَى فَزَادَ إنْسَانٌ عَلَيْهِ هَلْ تَنْتَقِضُ الْإِجَارَةُ
قُلْتُ: قَالَ فِي الْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا مَوْقُوفَةً وَبَنَى فِيهَا حَانُوتًا وَسَكَنَهَا فَأَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يَزِيدَ فِي الْغَلَّةِ وَيُخْرِجَهُ مِنْ الْحَانُوتِ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ أُجْرَتُهُ مُشَاهَرَةً إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ كَانَ لِلْقَيِّمِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إذَا كَانَتْ مُشَاهَرَةً تَنْعَقِدُ فِي رَأْسِ كُلِّ شَهْرٍ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ رَفْعُ الْبِنَاءِ لَا يَضُرُّ بِالْوَقْفِ فَلَهُ رَفْعُهُ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَإِنْ كَانَ يَضُرُّ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ رَفْعُهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضُرَّ بِالْوَقْفِ.
ثُمَّ إنْ رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ الْقَيِّمُ لِلْوَقْفِ بِالْقِيمَةِ مَبْنِيًّا أَوْ مَنْزُوعًا أَيُّهُمَا مَا كَانَ أَخَفَّ يَتَمَلَّكُهُ الْقَيِّمُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَا يَتَمَلَّكُ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ بِغَيْرِ رِضَاهُ لَا يَجُوزُ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَخْلُصَ مِلْكُهُ. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ مَا إذَا كَانَ اسْتَأْجَرَهُ مُسَانَهَةً أَوْ مُدَّةً طَوِيلَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الْوَقْفِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْبِنَاءِ لَا لِزِيَادَةٍ فِي نَفْسِ الْأَرْضِ وَإِذَا عُلِمَ حُرْمَةُ إيجَارِ الْوَقْفِ بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ عُلِمَ حُرْمَةُ إعَارَتِهِ بِالْأَوْلَى
وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَانَةً مِنْ النَّاظِرِ
وَكَذَا إجَارَتُهُ بِالْأَقَلِّ عَالِمًا بِذَلِكَ وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّ الْوَاقِفَ أَيْضًا إذَا أَجَّرَ بِالْأَقَلِّ مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ فَإِنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ وَيُبْطِلُهَا الْقَاضِي فَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ مَأْمُونًا وَفَعَلَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ أَقَرَّهُ الْقَاضِي فِي يَدِهِ وَأَمَرَهُ بِإِجَارَتِهَا بِالْأَصْلَحِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَخْرَجَهَا مِنْ يَدِهِ وَجَعَلَهَا فِي يَدِ مَنْ يَثِقُ بِدِينِهِ
وَكَذَا إذَا أَجَّرَهَا الْوَاقِفُ سِنِينَ كَثِيرَةً مِمَّنْ يَخَافُ أَنْ تَتْلَفَ فِي يَدِهِ قَالَ يُبْطِلُ الْقَاضِي الْإِجَارَةَ وَيُخْرِجُهَا مِنْ يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ اهـ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْوَاقِفِ فَالْمُتَوَلِّي أَوْلَى وَفِي الْإِسْعَافِ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ الْمُتَوَلِّي الْوَقْفَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ وَأَنْ لَا يَدْفَعَهُ مُزَارَعَةً أَوْ عَلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْأَشْجَارِ أَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ إلَّا ثَلَاثَ سِنِينَ ثُمَّ لَا يَعْقِدُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ كَانَ شَرْطُهُ مُعْتَبَرًا وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ اهـ.
وَسَيَأْتِي فِي بَيَانِ الشُّرُوطِ مَا لَا يُعْتَبَرُ مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ بَيَانُ مُدَّتِهَا فِي الْأَوْقَافِ وَحُكْمُ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَكَرَ الْخَصَّافُ أَنَّهُ لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَخَافُ مِنْهُ عَلَى رَقَبَةِ الْوَقْفِ يَفْسَخُ الْقَاضِي الْإِجَارَةَ وَيُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ أَمِينَ الْقَاضِي ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ إذَا آجَرَ بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ بِنُقْصَانٍ فَاحِشٍ حَتَّى فَسَدَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ وَلَا دُرْبَةَ أَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا مَا نَقَصَ وَهُوَ غَلَطٌ صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي فَتَاوَاهُ مُسْتَنِدًا إلَى النُّقُولِ الصَّرِيحَةِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَلَوْ اسْتَبَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِأَلْفٍ وَآخَرَ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ وَالْأَوَّلُ أَمْلَأُ يَبِيعُ الْوَصِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ
وَكَذَا الْإِجَارَةُ تُؤَجَّرُ بِثَمَانِيَةٍ لِلْأَمْلَأِ لَا بِعَشَرَةٍ لِغَيْرِهِ
وَكَذَا مُتَوَلِّي الْوَقْفِ. اهـ.
فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ الْإِيجَارِ مَعَ وُجُودِ الْمُتَوَلِّي
قُلْتُ: نَعَمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ أَنَّ التَّمَكُّنَ فِي الْفَاسِدَةِ لَا يَكْفِي وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَتَنَاوَلُ الْوَقْفَ وَقَدْ صَرَّحَ الْخَصَّافُ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ إذَا أَجَّرَهُ إجَارَةً فَاسِدَةً وَتَمَكَّنَ الْمُسْتَأْجِرُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ وَتَجُوزُ إجَارَةُ الْقَيِّمِ الْوَقْفَ بِعَرَضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ إذَا أَجَّرَ دَارًا لِلْيَتِيمِ بِعَرَضٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَيِّمِ شِرَاءُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ لِنَفْسِهِ وَلَا الْبَيْعُ لَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَسْجِدِ.
اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: إذَا أَمَرَ الْقَاضِي بِشَيْءٍ فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْعِيٍّ أَوْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ هَلْ يَكُونُ الْقَيِّمُ ضَامِنًا
قُلْتُ: قَالَ فِي الْقُنْيَةِ طَالَبَ الْقَيِّمَ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَنْ يُقْرِضَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ لِلْإِمَامِ فَأَبَى فَأَمَرَهُ الْقَاضِي بِهِ فَأَقْرَضَهُ ثُمَّ مَاتَ الْإِمَامُ مُفْلِسًا لَا يَضْمَنُ الْقَيِّمُ. اهـ.
مَعَ أَنَّ الْقَيِّمَ لَيْسَ لَهُ إقْرَاضُ مَالِ الْمَسْجِدِ
قَالَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي إيدَاعُ مَالِ الْوَقْفِ وَالْمَسْجِدِ إلَّا مِمَّنْ فِي عِيَالِهِ وَلَا إقْرَاضُهُ
فَلَوْ أَقْرَضَهُ ضَمِنَ وَكَذَا الْمُسْتَقْرِضُ وَذَكَرَ أَنَّ الْقَيِّمَ لَوْ أَقْرَضَ مَالَ الْمَسْجِدِ لِيَأْخُذَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَهُوَ أَحْرَزُ مِنْ إمْسَاكِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَفِي الْعُدَّةِ يَسَعُ الْمُتَوَلِّيَ إقْرَاضُ مَا فَضَلَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لَوْ أَحْرَزَ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: إذَا قَصَّرَ الْمُتَوَلِّي فِي شَيْءٍ مِنْ مَصَالِحِ الْوَقْفِ هَلْ يَضْمَنُ
قُلْتُ: إنْ كَانَ فِي عَيْنٍ ضَمِنَهَا وَإِنْ كَانَ فِيمَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَضْمَنُ
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ فَلَمْ يَحْفَظْهُ الْقَيِّمُ حَتَّى ضَاعَتْ خَشَبَةٌ يَضْمَنُ اشْتَرَى الْقَيِّمُ مِنْ الدَّهَّانِ دُهْنًا وَدَفَعَ الثَّمَنَ ثُمَّ أَفْلَسَ الدَّهَّانُ بَعْدُ لَمْ يَضْمَنْ. اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ امْتَنَعَ الْمُتَوَلِّي عَنْ تَقَاضِي مَا عَلَى الْمُتَقَبِّلِينَ لَا يَأْثَمُ فَإِنْ هَرَبَ بَعْضُ الْمُتَقَبِّلِينَ بَعْدَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَالٌ كَثِيرٌ بِحَقِّ الْقَبَالَةِ لَا يَضْمَنُ الْمُتَوَلِّي. اهـ.
وَفِي الْقُنْيَةِ أَجَّرَ الْقَيِّمُ ثُمَّ عُزِلَ وَنُصِّبَ قَيِّمٌ آخَرُ فَقِيلَ أَخْذُ الْأَجْرِ لِلْمَعْزُولِ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لِلْمَنْصُوبِ لِأَنَّ الْمَعْزُولَ أَجَّرَهَا لِلْوَقْفِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَوْ بَاعَ الْقَيِّمُ دَارًا اشْتَرَاهَا بِمَالِ الْوَقْفِ فَلَهُ أَنْ يُقِيلَ الْبَيْعَ مَعَ الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ
وَكَذَا إذَا عُزِلَ وَنُصِبَ غَيْرُهُ فَلِلْمَنْصُوبِ إقَالَتُهُ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ أَذِنَ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ فِي خَلْطِ مَالِ الْوَقْفِ بِمَالِهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ جَازَ وَلَا يَضْمَنُ
وَكَذَا الْقَاضِي إذَا خَلَطَ مَالَ الصَّغِيرِ بِمَالِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْوَصِيُّ إذَا خَلَطَ مَالَ الصَّغِيرِ بِمَالِهِ لَا يَضْمَنُ وَلِلْقَيِّمِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ قَبْلَ قَبْضِ الْأَجْرِ وَيَنْفُذُ فَسْخُهُ عَلَى الْوَقْفِ وَبَعْدَ الْقَبْضِ لَا وَلَوْ أَبْرَأَ الْقَيِّمُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ الْأُجْرَةِ بَعْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَيَضْمَنُ لِلْقَيِّمِ صَرْفَ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ إلَى كَتَبَةِ الْفَتْوَى وَمَحَاضِرِ الدَّعْوَى لِاسْتِخْلَاصِ الْوَقْفِ وَالْمُتَوَلِّي إذَا أَجَّرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ الْمَسْجِدِ وَأَخَذَ الْأُجْرَةَ لَمْ يَجُزْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِهِ يُفْتَى.
اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ إذْ لَا يَصْلُحُ مُؤَاجِرًا وَمُسْتَأْجِرًا وَصَحَّ لَوْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِعَمَلٍ فِيهِ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْقُنْيَةِ الْقَيِّمُ ضَمِنَ مَالَ الْوَقْفِ بِالِاسْتِهْلَاكِ ثُمَّ صَرَفَ قَدْرَ الضَّمَانِ إلَى الْمَصْرِفِ بِدُونِ إذْنِ الْقَاضِي يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ. اهـ.
وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَحْتَالَ بِمَالِ الْوَقْفِ عَلَى إنْسَانٍ إذَا كَانَ مَلِيًّا وَإِنْ أَخَذَ كَفِيلًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمُتَوَلِّي يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ لَوْ خَيْرًا لِلْوَقْفِ فَإِنْ
قُلْتُ: حَلَّ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَصْرِفَ غَلَّةَ سَنَةٍ عَنْ سَنَةٍ قَبْلَهَا
قُلْتُ: لَا لِمَا فِي الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ وَغَيْرِهِ سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ قَيِّمٍ جَمَعَ الْغَلَّةَ فَقَسَمَهَا عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ وَحَرَمَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَلَمْ يُعْطِهِ وَصَرَفَ نَصِيبَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ فَلَمَّا خَرَجَتْ الْغَلَّةُ الثَّانِيَةُ طَلَبَ الْمَحْرُومُ نَصِيبَهُ هَلْ لَهُ ذَلِكَ قَالَ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَيِّمَ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ شُرَكَاءَهُ فَشَارَكَهُمْ فِيمَا أَخَذُوا فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْقَيِّمِ سَلِمَ لَهُمْ مَا أَخَذُوا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ غَلَّةِ هَذَا الْعَامِ أَكْثَرَ مِنْ نَصِيبِهِ اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ اتِّبَاعَ الشُّرَكَاءِ فَإِنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَى الْمُتَوَلِّي وَإِنَّ الْمُتَوَلِّي لَا يَدْفَعُ لِلْمَحْرُومِ مِنْ غَلَّةِ الثَّانِيَةِ شَيْئًا سَوَاءٌ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ أَوْ اتِّبَاعَ الشُّرَكَاءِ لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ وَإِنْ اخْتَارَ اتِّبَاعَ الشُّرَكَاءِ وَالشَّرِكَةَ فِيمَا أَخَذُوا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ نَصِيبِ الشُّرَكَاءِ مِنْ الْغَلَّةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ اتِّبَاعَ الشُّرَكَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَخَذُوا نَصِيبَهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جِنْسُ حَقِّهِ فَمَتَى أَخَذَ رَجَعُوا جَمِيعًا عَلَى الْقَيِّمِ بِمَا اسْتَهْلَكَ الْقَيِّمُ مِنْ حِصَّةِ الْمَحْرُومِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ بَقِيَ ذَلِكَ حَقًّا لِلْجَمِيعِ اهـ.
فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَدْفَعُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الثَّانِيَةِ شَاءُوا أَوْ أَبَوْا حَيْثُ اخْتَارَ اتِّبَاعَهُمْ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَصْرِفْ حِصَّةَ الْمَحْرُومِ إلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا صَرَفَ الْغَلَّةَ إلَيْهِمْ وَحَرَمَ وَاحِدًا
إمَّا لِعَدَمِ حُضُورِهِ وَقْتَ الْقِسْمَةِ أَوْ عِنَادًا أَنَّهُ يُشَارِكُهُمْ وَلَا يَضْمَنُ الْمُتَوَلِّي وَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ غَلَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ وَظَاهِرُ مَا فِي الْحَاوِي أَنَّهُ يَتَّبِعُهُمْ فِيمَا أَخَذُوا وَلَا يُعْطَى مِنْ الثَّانِيَةِ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّتِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ حَقَّهُ صَارَ فِي ذِمَّتِهِمْ وَالْمُتَوَلِّي لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ قَضَاءِ دُيُونِهِمْ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمَحْرُومَ فِي صُورَةِ صَرْفِ الْجَمِيعِ إلَيْهِمْ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُتَوَلِّي لِكَوْنِهِ مُتَعَدِّيًا كَمَا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ لِلْمُتَوَلِّي تَفْضِيلُ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ قَدْرًا وَتَعْجِيلًا
قُلْتُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ فَالتَّفْضِيلُ فِي الْقَدْرِ رَاجِعٌ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ أَوْ فُقَرَاءِ قَرْيَتِهِ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ جَازَ يُحْصَوْنَ أَوْ لَا وَإِنْ أَرَادَ الْقَيِّمُ تَفْضِيلَ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ إنَّ الْوَقْفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ وَقَرْيَتِهِ وَهُمْ يُحْصَوْنَ أَوْ لَا يُحْصَوْنَ أَوْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ يُحْصَوْنَ وَالْآخَرُ لَا فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لِلْقَيِّمِ أَنْ يَجْعَلَ نِصْفَ الْغَلَّةِ لِفُقَرَاءِ الْقَرَابَةِ وَنِصْفَهَا لِفُقَرَاءِ الْقَرْيَةِ ثُمَّ يُعْطَى كُلُّ فَرِيقٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُفَضِّلُ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ كَمَا شَاءَ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْقُرْبَةُ وَفِي الصَّدَقَةِ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي تُصْرَفُ الْغَلَّةُ إلَى الْفَرِيقَيْنِ بِعَدَدِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْوَصِيَّةُ وَفِي الْوَصِيَّةِ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَفِي الثَّالِثِ تُجْعَلُ الْغَلَّةُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَوَّلًا فَتُصْرَفُ إلَى الَّذِينَ يُحْصَوْنَ بِعَدَدِهِمْ وَإِلَى الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ سَهْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ مَنْ يُحْصَى لَهُمْ وَصِيَّةٌ وَلِمَنْ لَا يُحْصَى صَدَقَةٌ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلصَّدَقَةِ وَاحِدٌ ثُمَّ يُعْطِي هَذَا السَّهْمَ مِنْ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ مَنْ شَاءَ وَيُفَضِّلُ الْبَعْضَ عَلَى الْبَعْضِ فِي هَذَا السَّهْمِ.
اهـ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْأَوْقَافَ الْمُطْلَقَةَ عَلَى الْفُقَهَاءِ لِلْمُتَوَلِّي التَّفْضِيلُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ بِالْحَاجَةِ أَوْ بِالْفَضِيلَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ
وَأَمَّا التَّعْجِيلُ لِلْبَعْضِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا صَرِيحًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ اسْتِنْبَاطًا مِمَّا فِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمُصَدِّقُ إذَا أَخَذَ عِمَالَتَهُ قَبْلَ الْوُجُوبِ أَوْ الْقَاضِي اسْتَوْفَى رِزْقَهُ قَبْلَ الْمُدَّةِ جَازَ وَالْأَفْضَلُ عَدَمُ التَّعْجِيلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَعِيشَ إلَى الْمُدَّةِ. اهـ.
فَإِنْ قِيلَ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَالَ الْوَقْفِ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّينَ عَلَى الْخُصُوصِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَصِّصَ أَحَدًا وَمَالُ بَيْتِ الْمَالِ حَقُّ الْعَامَّةِ
قُلْتُ: غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ كَدَيْنٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَجَبَ لَهُمَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ وَالدَّائِنُ إذَا دَفَعَ لِأَحَدِهِمَا نَصِيبَهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ غَايَتُهُ أَنَّ الشَّرِيكَ الْغَائِبَ إذَا حَضَرَ خُيِّرَ إنْ شَاءَ اتَّبَعَهُ شَرِيكُهُ وَشَارَكَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْمَدْيُونِ فَكَذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُخَيَّرُ الْمُسْتَحِقُّ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْرُومِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي الْقُنْيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ إمَامٌ وَلَا مُؤَذِّنٌ وَاجْتُمِعَتْ غَلَّاتُ الْإِمَامَةِ وَالتَّأْذِينِ سِنِينَ ثُمَّ نُصِبَ إمَامٌ وَمُؤَذِّنٌ لَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْغَلَّاتِ إلَيْهِمَا وَقَالَ بُرْهَانُ الدِّينِ صَاحِبُ الْمُحِيطِ لَوْ عَجَّلُوهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ كَانَ حَسَنًا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ الْمُتَوَلِّي لَوْ أُمِّيًّا فَاسْتَأْجَرَ الْكَاتِبَ لِحِسَابِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ إعْطَاءُ الْأُجْرَةِ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ وَفَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ بِمَالِ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ اهـ.
وَلَيْسَ لِأَحَدِ النَّاظِرَيْنِ التَّصَرُّفُ دُونَ الْآخَرِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ أَنَّ قَيِّمَيْنِ فِي وَقْفٍ أَقَامَ كُلَّ قَيِّمٍ قَاضِي بَلْدَةٍ غَيْرُ قَاضِي بَلْدَةٍ أُخْرَى هَلْ يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَرَّفَ بِدُونِ الْآخَرِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَصَرُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ الْقَاضِيَيْنِ أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَ الْقَيِّمَ الَّذِي أَقَامَهُ الْقَاضِي الْآخَرُ فَإِنْ رَأَى الْقَاضِي الْمَصْلَحَةَ فِي عَزْلِ الْآخَرِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. اهـ.
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي عَزْلَ مَنْصُوبِ قَاضٍ آخَرَ بِغَيْرِ خِيَانَةٍ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ. اهـ.
فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ لِأَحَدِ النَّاظِرَيْنِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْآخَرَ
قُلْتُ: لَا يَجُوزُ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا لَوْ بَاعَ أَحَدُ الْوَصِيِّينَ لِصَاحِبِهِ شَيْئًا مِنْ التَّرِكَةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُ الْوَصِيِّينَ بِالتَّصَرُّفِ. اهـ.
وَالنَّاظِرُ إمَّا وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَخْذُ مَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً وَلَا لِلْقَيِّمِ أَنْ يَزْرَعَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ. اهـ.
فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ زَرَعَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَانَةً يَسْتَحِقُّ بِهَا الْعَزْلَ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَلَوْ أَذِنَ قَيِّمٌ مُؤَذِّنًا لِيَخْدُمَ مَسْجِدًا وَقَطَعَ لَهُ الْأَجْرَ وَجَعَلَ ذَلِكَ أُجْرَةَ الْمَنْزِلِ وَهُوَ أَجْرُ الْمِثْلِ جَازَ وَفِي الْخَانِيَّةِ الْمُتَوَلِّي إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ وَأَجْرُ مِثْلِهِ دِرْهَمٌ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَنَقَدَ الْأَجْرَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ قَالُوا يَكُونُ ضَامِنًا جَمِيعَ مَا نُقِدَ لِأَنَّهُ لَمَّا زَادَ فِي الْأَجْرِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا لِنَفْسِهِ دُونَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا نَقَدَ الْأَجْرَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ كَانَ ضَامِنًا الْمُتَوَلِّي إذَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يَخْدُمَ الْمَسْجِدَ وَسَمَّى لَهُ أَجْرًا مَعْلُومًا لِكُلِّ سَنَةٍ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَصِحُّ الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِئْجَارَ لِخِدْمَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَنْظُرُ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَجْرَ عَمَلِهِ أَوْ زِيَادَةً يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِلْمَسْجِدِ فَإِذَا نَقَدَ الْأَجْرَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ حَلَّ لِلْمُؤَذِّنِ أَخْذُهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَجْرِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ فِيهِ النَّاسُ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لِلْمُتَوَلِّي لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاسْتِئْجَارَ لِلْمَسْجِدِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فَإِذَا أَدَّى الْأَجْرَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ كَانَ ضَامِنًا وَإِنْ عَلِمَ الْمُؤَذِّنُ بِذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْمَسْجِدِ اهـ.
ثُمَّ قَالَ فَقِيرٌ سَكَنَ دَارًا مَوْقُوفَةً عَلَى الْفُقَرَاءِ بِأَجْرٍ وَتَرَكَ الْمُتَوَلِّي مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَجْرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ جَازَ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ خَرَاجَ الْأَرْضِ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ بِحِصَّتِهِ. اهـ.
وَذَكَرَ فِيهَا ثَلَاثَ مَسَائِلَ فِي غَصْبِ الْوَقْفِ مُنَاسِبَةً لِتَصَرُّفِ الْمُتَوَلِّي الْأُولَى لَوْ غُصِبَ الْوَقْفُ وَاسْتَرَدَّهُ الْقَيِّمُ وَكَانَ الْغَاصِبُ زَادَ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا بِأَنْ كَرَبَ الْأَرْضَ أَوْ حَفَرَ النَّهْرَ أَوْ أَلْقَى فِي ذَلِكَ السِّرْقِينَ وَاخْتَلَطَ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ اسْتَرَدَّهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ مَالًا مُتَقَوِّمًا كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ أَمَرَ الْغَاصِبَ بِرَفْعِهِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ وَإِنْ أَضَرَّ بِأَنْ خَرَّبَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الرَّفْعُ وَيَضْمَنُ الْقَيِّمُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ مَقْلُوعًا وَقِيمَةَ الْبِنَاءِ مَرْفُوعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ أَجَّرَ الْوَقْفَ وَأَعْطَى الضَّمَانَ مِنْ الْأُجْرَةِ وَإِنْ اخْتَارَ الْغَاصِبُ قَلْعَ الْأَشْجَارِ مِنْ أَقْصَى مَوْضِعٍ لَا تَخْرَبُ الْأَرْضُ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ ثُمَّ يَضْمَنُ الْقَيِّمُ مَا بَقِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الشَّجَرِ إنْ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ الثَّانِيَةُ لَوْ اسْتَوْلَى عَلَى الْوَقْفِ غَاصِبٌ وَعَجَزَ الْمُتَوَلِّي عَنْ اسْتِرْدَادِهِ وَأَرَادَ الْغَاصِبُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهَا كَانَ لِلْمُتَوَلِّي أَخْذَ الْقِيمَةِ أَوْ الصُّلْحُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ يَشْتَرِي بِالْمَأْخُوذِ مِنْ الْغَاصِبِ أَرْضًا أُخْرَى فَيَجْعَلُهُ وَقْفًا عَلَى شَرَائِطِ الْأُولَى لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَهْلِكِ فَيَجُوزُ أَخْذُ الْقِيمَةِ الثَّالِثَةُ رَجُلٌ غَصَبَ أَرْضًا مَوْقُوفَةً قِيمَتُهَا أَلْفٌ ثُمَّ غَصَبَ مِنْ الْغَاصِبِ رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَمَا زَادَتْ قِيمَةُ الْأَرْضِ وَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَإِنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَتَّبِعُ الْغَاصِبَ الثَّانِيَ إنْ كَانَ مَلِيًّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَعْلَ الْعَقَارِ مَضْمُونًا بِالْغَصْبِ لِأَنَّ تَضْمِينَ الثَّانِي أَنْفَعُ لِلْوَقْفِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَمْلَأَ مِنْ الثَّانِي يَتَّبِعُ الْأَوَّلَ لِأَنَّ تَضْمِينَ الْأَوَّلِ يَكُونُ أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ وَإِذَا اتَّبَعَ الْقَيِّمُ أَحَدَهُمَا بَرِئَ الْآخَرُ عَنْ الضَّمَانِ كَالْمَالِكِ إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي بَرِئَ الْآخَرُ.
اهـ.
وَمِنْهَا أَكَّارٌ تَنَاوَلَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فَصَالَحَهُ الْمُتَوَلِّي عَلَى شَيْءٍ وَالْأَكَّارُ غَنِيٌّ لَا يَجُوزُ الْحَطُّ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَإِنْ كَانَ الْأَكَّارُ فَقِيرًا جَازَ ذَلِكَ. اهـ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا قَيَّدَهُ بِهِ فِيمَا إذَا سَكَنَ الْفَقِيرُ دَارَ الْوَقْفِ وَسَامَحَهُ الْمُتَوَلِّي بِالْأَجْرِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى أَرْبَابٍ مَعْلُومِينَ وَمُسْتَحِقِّينَ مَخْصُوصِينَ لَا تَجُوزُ الْمُسَامَحَةُ وَالْحَطُّ بِالصُّلْحِ مُطْلَقًا وَعَلَى هَذَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرٍ الْمِثْلِ بِغَبَنٍ فَاحِشٍ مِنْ فَقِيرٍ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنِينَ وَإِنْ كَانَ وَقْفَ الْفُقَرَاءِ جَازَ وَفِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ اشْتَرَى بِغَلَّتِهِ ثَوْبًا وَدَفَعَهُ إلَى الْمَسَاكِينِ يَضْمَنُ مَا نَقَدَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ لِوُقُوعِ الشِّرَاءِ لَهُ حَائِطٌ بَيْنَ دَارَيْنِ إحْدَاهُمَا وَقْفٌ وَالْأُخْرَى مِلْكٌ فَانْهَدَمَ وَبَنَاهُ صَاحِبُ الْمِلْكِ فِي حَدِّ دَارِ الْوَقْفِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ يَرْفَعُ الْقَيِّمُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيُجْبِرَهُ عَلَى نَقْضِهِ ثُمَّ يَبْنِيهِ حَيْثُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ
وَلَوْ قَالَ الْقَيِّمُ لَلَبَّانِي أَنَا أُعْطِيكَ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَأُقِرُّهُ حَيْثُ بَنَيْتَ وَابْنِ أَنْت لِنَفْسِكَ حَائِطًا آخَرَ فِي حَدِّكَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلْقَيِّمِ ذَلِكَ بَلْ يَأْمُرُهُ بِنَقْضِهِ وَبِنَائِهِ حَيْثُ كَانَ فِي الْقَدِيمِ. اهـ.
وَلَوْ أَخَذَ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ مِنْ غَلَّتِهِ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ بِلَا بَيَانٍ لَا يَكُونُ ضَامِنًا هَكَذَا قَالُوا وَقَيَّدَهُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ بَحْثًا بِمَا إذَا لَمْ يُطَالِبْ الْمُسْتَحِقُّ
أَمَّا إذَا طَالَبَهُ الْمُسْتَحِقُّ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ ثُمَّ مَاتَ بِلَا بَيَانٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا. اهـ.
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى فِي حَيَاتِهِ الْهَلَاكَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ صَارَ ضَامِنًا بِمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ بَعْدَ الطَّلَبِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُحَاسِبَ أُمَنَاءَهُ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى لِيَعْرِفَ الْخَائِنَ فَيَسْتَبْدِلَهُ
وَكَذَا الْقُوَّامُ عَلَى الْأَوْقَافِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَلَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ مِقْدَارِ الْغَلَّاتِ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ فِيهِ سَوَاءٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْقَابِضِ فِي مِقْدَارِ الْمَقْبُوضِ وَفِيمَا يُخْبِرُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ أَوْ عَلَى الضَّيْعَةِ وَمُؤْنَاتِ الْأَرَاضِيِ وَفِي أَدَبِ الْقَاضِي لِلْخَصَّافِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِي الْمُحْتَمَلِ دُونَ الْقَيِّمِ لِأَنَّ الْوَصِيَّ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ وَالتَّصَرُّفُ وَالْقَيِّمُ مَنْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْحِفْظُ دُونَ التَّصَرُّفِ وَكَثِيرٌ مِنْ مَشَايِخِنَا سَوَّوْا بَيْنَ الْوَصِيِّ وَالْقَيِّمِ فِيمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ وَقَالُوا يُقْبَلُ قَوْلُهُمَا فِيهِ وَقَاسُوهُ عَلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ أَوْ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ إذَا اشْتَرَى لِلْمَسْجِدِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْحَصِيرِ وَالْحَشِيشِ وَالدُّهْنِ وَأَجَّرَ الْخَادِمَ وَنَحْوَهُ لَا يَضْمَنُ لِلْأُذُنِ دَلَالَةً وَلَا يَتَعَطَّلُ الْمَسْجِدُ كَذَا هَذَا وَبِهِ يُفْتَى فِي زَمَانِنَا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
وَالصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ فِي عُرْفِنَا بِخُوَارِزْمَ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (ط) وَإِنْ اتَّهَمَهُ الْقَاضِي يُحَلِّفُهُ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا كَالْمُودَعِ يَدَّعِي هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ أَوْ رَدَّهَا قِيلَ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مَعْلُومًا
وَقِيلَ يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ أَنْفَقُوا عَلَى الْيَتِيمِ وَالضَّيْعَةِ مِنْ إنْزَالِ الْأَرْضِ كَذَا وَبَقِيَ فِي أَيْدِينَا كَذَا فَإِنْ عُرِفَ بِالْأَمَانَةِ يَقْبَلُ الْقَاضِي الْإِجْمَالَ وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى التَّفْسِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا يُجْبِرُهُ الْقَاضِي عَلَى التَّفْسِيرِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَا يَحْبِسُهُ وَلَكِنْ يُحْضِرُهُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ يُخَوِّفُهُ وَيُهَدِّدُهُ إنْ لَمْ يُفَسِّرْهُ فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ وَلَوْ عُزِلَ الْقَاضِي وَنُصِّبَ غَيْرُهُ فَقَالَ الْوَصِيُّ لِلْمَنْصُوبِ حَاسَبَنِي الْمَعْزُولُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَفِي وَقْفِ النَّاصِحِي إذَا أَجَّرَ الْوَاقِفُ أَوْ قَيِّمُهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ أَمِينُهُ ثُمَّ قَالَ قَبَضْتُ الْغَلَّةَ فَضَاعَتْ أَوْ فَرَّقْتُهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَنْكَرُوا فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
اهـ.
مَا فِي الْقُنْيَةِ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْمُحَاسَبَاتِ لِلنُّظَّارِ إنَّمَا هِيَ لِيَعْرِفَ الْقَاضِي الْخَائِنَ مِنْ الْأَمِينِ لَا لِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ النُّظَّارِ لِلْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ وَالْوَاقِعُ بِالْقَاهِرَةِ فِي زَمَانِنَا الثَّانِي وَقَدْ شَاهَدْنَا فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ لِلْأَوْقَافِ كَثِيرًا بِحَيْثُ يُقَدِّمُ كُلْفَةَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَى الْعِمَارَةِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ الْمُصَدِّقَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِلْمِ «إذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ» فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ يُبَاحُ لِلْقَاضِي أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَى الْمُحَاسَبَاتِ مِنْ مَالِ الْأَوْقَافِ
قُلْتُ: قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَتَبَ الْقَاضِي سِجِلًّا أَوْ تَوَلَّى قِسْمَةً وَأَخَذَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ تَوَلَّى نِكَاحَ صَغِيرَةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَكُلَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَجْرِ وَذَكَرَ عَنْ الْبَقَّالِيِّ فِي الْقَاضِي يَقُولُ إذَا عَقَدْتُ عَقْدَ الْبِكْرِ فَلِي دِينَارٌ وَإِنْ ثَيِّبًا فَلِي نِصْفُهُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ
فَلَوْ كَانَ وَلِيٌّ غَيْرُهُ يَحِلُّ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرُوا وَلَوْ بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا وَلَوْ أَخَذَ وَأَذِنَ فِي الْبَيْعِ لَا يَنْفُذُ بَيْعُهُ. اهـ.
فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ عَلَى نَفْسِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ عَلَى نَفْسِ الْمُحَاسَبَاتِ لِأَنَّ الْحِسَابَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَوَلَّى نِكَاحَ يَتِيمَةٍ أَوْ بَيْعَ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَوْ اسْتَأْجَرَ كَاتِبًا لِلْحِسَابِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ أُجْرَتَهُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ أَبْرَأَ صَاحِبُ الْحَقِّ الْقَيِّمَ عَنْ نَصِيبِهِ بَعْدَمَا اسْتَهْلَكَهُ لَا يَصِحُّ. اهـ.
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَقْفٌ لَهُ مُتَوَلٍّ وَمُشْرِفٌ لَيْسَ لِلْمُشْرِفِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ الْوَاقِفِ لِأَنَّ ذَاكَ مُفَوَّضٌ إلَى الْمُتَوَلِّي وَالْمُشْرِفُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ لَا غَيْرُ اهـ.
وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِي مَعْنَى الْمُشْرِفِ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ
وَأَمَّا بَيَانُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ أَنَّ مَا يَجْعَلُهُ الْوَاقِفُ لِلْمُتَوَلِّي لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ مِنْ الْجُعْلِ عِنْدَ عُقْدَةِ الْوَاقِفِ لِيَقُومَ بِمَصَالِحِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَاسْتِغْلَالٍ وَبَيْعِ غَلَّاتٍ وَصَرْفِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ فِيمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنْ الْعَمَلِ بِنَفْسِهِ إلَّا مِثْلَ مَا يَفْعَلُهُ أَمْثَالُهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ عَنْهُ
وَأَمَّا مَا تَفْعَلُهُ الْأُجَرَاءُ وَالْوُكَلَاءُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَى امْرَأَةٍ وَجَعَلَ لَهَا أَجْرًا مَعْلُومًا لَا تُكَلَّفُ إلَّا مِثْلَ مَا يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ عُرْفًا وَلَوْ نَازَعَ أَهْلُ الْوَقْفِ الْقَيِّمَ وَقَالُوا لِلْحَاكِمِ إنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا جُعِلَ لَهُ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لَا يُكَلِّفُهُ الْحَاكِمُ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا تَفْعَلُهُ الْوُلَاةُ فَإِنْ
قُلْتُ: إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ نَاظِرًا وَجَابِيًا وَصَيْرَفِيًّا فَمَا عَمَلُ كُلٍّ مِنْهُمْ
قُلْتُ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْعُقُودُ وَقَبْضُ الْمَالِ وَظِيفَةُ النَّاظِرِ وَجَمْعُ الْمَالِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِينَ هِلَالِيًّا وَخَرَاجِيًّا وَظِيفَةُ الْجَابِي وَنَقْدُ الْمَالِ وَوَزْنُهُ وَظِيفَةُ الصَّيْرَفِيِّ فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ لِلْجَابِي الدَّعْوَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَهَلْ لَهُ إجَارَةُ الْمُسَقَّفِ
قُلْتُ: لَا إلَّا بِتَوْكِيلِ النَّاظِرِ وَهَذِهِ الْوَظَائِفُ إنَّمَا يَبْتَنِي حُكْمُهَا عَلَى الْعُرْفِ فِيهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فِي الْمُشْرِفِ
وَأَمَّا بَيَانُ مَا لَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَاقِفِ فَلَهُ الْمَشْرُوطُ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَ مَنْصُوبَ الْقَاضِي فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَسْتَحِقُّهُ بِلَا تَعْيِينِ الْقَاضِي فَنَقَلَ فِي الْقُنْيَةِ أَوَّلًا أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ نَصَبَ قَيِّمًا مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أَجْرًا فَسَعَى فِيهِ سَنَةً فَلَا شَيْءَ لَهُ وَثَانِيًا أَنَّ الْقَيِّمَ يَسْتَحِقُّ أَجْرَ مِثْلِ سَعْيِهِ سَوَاءٌ شَرَطَ لَهُ الْقَاضِي أَوْ أَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَجْرًا أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقِوَامَةَ ظَاهِرًا إلَّا بِأَجْرٍ وَالْمَعْهُودُ كَالْمَشْرُوطِ قَالَ وَقَالُوا إذَا عَمِلَ الْقَيِّمُ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَالْوَقْفِ كَعَمَلِ الْأَجِيرِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لَهُ أَجْرَ الْقِوَامَةِ وَأَجْرَ الْعَمَلِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْقِوَامَةِ أَجْرًا اهـ.
وَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ النَّاظِرُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ وَقَفَ أَرْضَهُ عَلَى مَوَالِيهِ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَ فَجَعَلَ الْقَاضِي لِلْوَقْفِ قَيِّمًا وَجَعَلَ لَهُ عُشْرَ الْغَلَّةِ فِي الْوَقْفِ وَلِلْوَقْفِ طَاحُونَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ بِالْمُقَاطَعَةِ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْقَيِّمِ وَأَصْحَابُ الْوَقْفِ يَقْبِضُونَ غَلَّتَهَا مِنْهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَيِّمُ عُشْرَ غَلَّتِهَا لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ بِطَرِيقِ الْأُجْرَةِ وَلَا أُجْرَةَ بِدُونِ الْعَمَلِ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بَعْدَ نَقْلِهِ فَهَذَا عِنْدَنَا فِيمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ
أَمَّا إذَا شَرَطَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى قَطْعِ الْمَعْلُومِ فِي زَمَنِ التَّعْمِيرِ
وَأَمَّا عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَمَلِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ نَاظِرٍ وَنَاظِرٍ وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِقَوْلِ قَاضِي خَانْ وَجَعَلَ لَهُ عُشْرَ الْغَلَّةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَجْعَلَ لِلْمُتَوَلِّي عُشْرَ الْغَلَّاتِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَهُوَ غَلَطٌ
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ عُزِلَ الْقَاضِي فَادَّعَى الْقَيِّمُ أَنَّهُ قَدْ أَجْرَى لَهُ كَذَا مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً وَصَدَّقَهُ الْمَعْزُولُ فِيهِ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ
ثُمَّ إنْ كَانَ مَا عَيَّنَهُ أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ أَوْ دُونَهُ يُعْطِيهِ الثَّانِي وَإِلَّا يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَيُعْطِيهِ الْبَاقِيَ. اهـ.
فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْقَاضِيَ الثَّانِيَ يَحُطُّ مَا زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ فَأَفَادَ عَدَمَ صِحَّةِ تَقْرِيرِ الْقَاضِي لِلنَّاظِرِ مَعْلُومًا أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ فَإِنْ
قُلْتُ: إذَا كَانَ الْوَقْفُ هِلَالِيًّا وَقَدْ أَحَالَ النَّاظِرُ الْمُسْتَحِقِّينَ عَلَى الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ وَهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْ السُّكَّانِ هَلْ يَسْتَحِقُّ النَّاظِرُ مَعْلُومًا
قُلْتُ: لَا يَسْتَحِقُّ مَعْلُومًا لِأَجْلِ الْهِلَالِيِّ لِعَدَمِ عَمَلِهِ فِيهِ إلَّا لِأَجْلِ التَّعْمِيرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ قَاضِي خَانْ فِي مَسْأَلَةِ الطَّاحُونَةِ وَلِلْقَيِّمِ التَّوْكِيلُ وَعَزْلُ وَكِيلِهِ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَكِيلِ مِنْ مَعْلُومِهِ شَيْئًا وَلَهُ قَطْعُهُ عَنْهُ.
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لِلْقَيِّمِ تَفْوِيضَ أَمْرِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ مِثْلَ مَا شَرَطَهُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ فَجَعَلَ الْقَيِّمُ بَعْضَ مَعْلُومِهِ لِرَجُلٍ أَقَامَهُ قَيِّمًا وَسَكَتَ عَنْ الْبَاقِي ثُمَّ مَاتَ يَكُونُ لِوَصِيِّهِ مَا سُمِّيَ لَهُ فَقَطْ وَيَرْجِعُ الْبَاقِي إلَى أَصْلِ الْغَلَّةِ وَلَوْ شَرَطَ الْمَعْلُومَ وَلَمْ يُشْرَطْ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِغَيْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهُ لِأَحَدٍ
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِأَمْرِ الْوَقْفِ وَيَنْقَطِعُ الْمَعْلُومُ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَلَوْ وَكَّلَ هَذَا الْقَيِّمُ وَكِيلًا فِي الْوَقْفِ أَوْ أَوْصَى بِهِ إلَى رَجُلٍ وَجَعَلَ لَهُ كُلَّ الْمَعْلُومِ أَوْ بَعْضَهُ ثُمَّ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا يَبْطُلُ تَوْكِيلُهُ وَوِصَايَتُهُ وَمَا جُعِلَ لِلْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ مِنْ الْمَالِ وَيَرْجِعُ إلَى غَلَّةِ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ عَيَّنَهُ لِجِهَةٍ أُخْرَى عِنْدَ انْقِطَاعِهِ عَنْ الْقَيِّمِ فَيَنْفُذُ فِيهَا حِينَئِذٍ وَقُدِّرَ الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ بِمَا يَبْقَى حَوْلًا لِسُقُوطِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا عَنْهُ وَلَوْ عَادَ عَقْلُهُ عَادَتْ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ لِأَنَّهَا زَالَتْ بِعَارِضٍ فَإِذَا زَالَ عَادَ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْإِسْعَافِ.
قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ وَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ جَزَمَ بِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: كَيْفَ يُتَّجَهُ لَهُ الْقَطْعُ بِكَوْنِهِ ضَعِيفًا وَقَدْ قَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَلَا يَتِمُّ أَنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَخَذُوا بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَيْهِ فَالْعَجَبُ مِمَّنْ وَصَفَهُ بِالضَّعْفِ مَعَ مَا يَقْضِي بِوَصْفِ الْقُوَّةِ تَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إفْتَائِهِمْ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ بِلُزُومِ الْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ إفْتَاؤُهُمْ بِقَوْلِهِ بِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَلَا سِيَّمَا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ وَالْإِفْرَازِ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ وَلَعَلَّهُ جَعَلَ التَّصْحِيحَ الْمَنْقُولَ فِي اشْتِرَاطِ الْغَلَّةِ لِنَفْسِهِ تَصْحِيحًا لِهَذَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ إلَخْ) مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ مِنْ تَفْرِيعِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ رَأَيْت فِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قنلي زَادَهُ فِي الِاسْتِبْدَالِ مَا نَصُّهُ
وَأَمَّا قَوْلُنَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَلِأَنَّ فِيهِ خِلَافَ أَبِي يُوسُفَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ بِهَذَا الْوَجْهِ صَحِيحًا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْوَقْفَ وَالشَّرْطَ كِلَاهُمَا بَاطِلَانِ كَمَا نَقَلَهُ قَاضِي خَانْ وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ دَعْوَاهُ الْإِجْمَاعَ فِي الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا خِلَافٌ لَكِنْ الصَّحِيحُ رِوَايَةً وَدِرَايَةً جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ. اهـ.
وَرَأَيْتُ فِي رِسَالَةِ تَحْرِيرِ الْمَقَالِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِبْدَالِ لِلشَّيْخِ الْمُؤَلِّفِ ذَكَرَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُخَالَفَةً ظَاهِرًا ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّهُ أَيْ قَاضِي خَانْ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا بِمَا إذَا قَالَ أَرْضِي هَذِهِ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنْ أَبِيعَهَا وَأَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا أَرْضًا أُخْرَى فَتَكُونَ وَقْفًا عَلَى شُرُوطِ الْأُولَى فَقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ مَا إذَا قَالَ عَلَى أَنْ أَسْتَبْدِلَهَا بِأَرْضٍ أَوْ دَارٍ وَصَرَّحَ بِالِاسْتِبْدَالِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَلَى أَنْ أَبِيعَهَا وَأَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا أَرْضًا إلَخْ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ وَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِمَّا يَتَرَاءَى أَنَّهُ تَوْفِيقٌ فَبَعِيدٌ لِلْمُتَأَمِّلِ
(قَوْلُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ الثَّانِيَةَ بِأَرْضٍ ثَالِثَةٍ إلَخْ)
قَالَ فِي الْفَتْحِ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ عِبَارَةً تُفِيدُ لَهُ ذَلِكَ. اهـ.
(قَوْلُهُ بِأَرْضِ الْحَوْزِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَرْضُ الْحَوْزِ مَا حَازَهُ السُّلْطَانُ عِنْدَ عَجْزِ أَصْحَابِهَا عَنْ زِرَاعَتِهَا وَأَدَاءِ مُؤَنِهَا بِدَفْعِهِمْ إيَّاهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ مَنْفَعَتُهَا لِلْمُسْلِمِينَ مَقَامَ الْخَرَاجِ وَرَقَبَةِ الْأَرْضِ عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهَا
فَلَوْ وَقَفَهَا مَنْ أَدْخَلَهُ السُّلْطَانُ لِعِمَارَتِهَا لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ مُزَارِعًا اهـ.
كَذَا فِي الْإِسْعَافِ لِلطَّرَابُلُسِيِّ وَقَدَّمَ هَذَا الشَّارِحُ أَوَّلَ كِتَابِ الْوَقْفِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ وَلَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بَعْدَ بَيْعِهَا إلَخْ)
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ بَاعَ مَا شَرَطَ اسْتِبْدَالَهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ إنْ عَادَ بِمَا هُوَ فَسْخٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا وَبَعْدَهُ بِقَضَاءٍ أَوْ بِفَسَادِ الْبَيْعِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَوْ الرُّؤْيَةِ جَازَ لَهُ بَيْعُهَا ثَانِيًا لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَإِنْ عَادَ بِمَا هُوَ كَعَقْدٍ جَدِيدٍ كَالْإِقَالَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهَا ثَانِيًا لِأَنَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهَا جَدِيدًا فَيَصِيرُ وَقْفًا فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا أُخْرَى بَدَلَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. اهـ.
(قَوْلُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا لِجَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ وَفِي الْخَامِسِ كَلَامٌ سَتَعْرِفُهُ وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ زِيَادَةُ شَرْطٍ آخَرَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ كَوْنُهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ قنلي زَادَهُ فِي رِسَالَتِهِ فِي شَرَائِطِ الِاسْتِبْدَالِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَهَذَا ذَكَرُوهُ فِيمَا شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ لِنَفْسِهِ فَلَمَّا كَانَ شَرْطًا فِيهِ فَلَأَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِيمَا لَمْ يَشْتَرِطْ بِكِتَابِ الْوَقْفِ أَوْلَى
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْخَانِيَّةِ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ اسْتِبْدَالَهَا بِأَرْضٍ وَبِالْعَكْسِ أَوْ بِأَرْضِ الْبَصْرَةِ تُفِيدُ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا كَانَتْ مَوْقُوفَةً لِلِاسْتِغْلَالِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ عَلَى الْمَنْظُورِ فِيهَا كَثْرَةُ الرِّيعِ وَقِلَّةُ الْمَرَمَّةِ وَالْمُؤْنَةِ وَقَابِلِيَّةُ الْبَقَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَبْدَلَ الْحَانُوتَ أَوْ الدَّارَ الْمَوْقُوفَةَ لِلِاسْتِغْلَالِ بِأَرْضٍ تُزْرَعُ وَتَحْصُلُ مِنْهَا الْغَلَّةُ قَدْرَ إجَارَةِ الْأُولَى كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْلَى لِاحْتِمَالِ الْمُسَقَّفَاتِ لِلْفِنَاءِ بِالْحَرِيقِ وَانْهِدَامِ الْبِنَاءِ وَاحْتِيَاجِهَا إلَى التَّرْمِيمِ وَالتَّعْمِيرِ فِي الْبَقَاءِ
بِخِلَافِ الْأَرَاضِيِ الْمَزْرُوعَةِ فَإِنَّهَا أَدْوَمُ وَأَبْقَى وَأَغْنَى عَنْ الْكُلْفَةِ وَالْخَرَاجُ عَلَيْهَا اهـ.
قُلْتُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَوْقُوفَةَ لِلِاسْتِغْلَالِ مُرَادُ الْوَاقِفِ مِنْهَا انْتِفَاعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِغَلَّتِهَا وَإِذَا جَازَ الِاسْتِبْدَالُ لِلْقَاضِي لَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْأُولَى فَيَكُونُ نَظِيرَ مَا لَوْ شَرَطَ الِاسْتِبْدَالَ وَأَطْلَقَ وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهَا بِثَمَنٍ يَسْتَبْدِلُهَا بِجِنْسِ الْعَقَارِ مِنْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ فِي أَيِّ بَلَدٍ شَاءَ
أَمَّا الْمَوْقُوفَةُ لِلسَّكَنِ إذَا جَازَ لِلْقَاضِي اسْتِبْدَالُهَا يَكُونُ نَظِيرَ مَا لَوْ شَرَطَ اسْتِبْدَالَ الدَّارِ بِدَارٍ لِظُهُورِ أَنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ الْمَنْفَعَةُ بِالسُّكْنَى فَيَظْهَرُ اشْتِرَاطُ كَوْنِ مَا اسْتَبْدَلَهُ الْقَاضِي مِمَّا فِيهِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ الْمُرَادَةُ لِلْوَاقِفِ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ اشْتِرَاطُ شَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَحَلَّةِ أَوْ كَوْنُ الثَّانِيَةِ أَحْسَنَ كَمَا يُسْتَفَادُ مِمَّا يَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا عَنْ الْقُنْيَةِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَالْمَنْقُولُ السَّابِقُ بِرَدِّهِ إلَى قَوْلِهِ. اهـ.) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَيْفَ يُخَالِفُ قَاضِي خَانْ مَعَ صَرَاحَتِهِ بِالْجَوَازِ بِمَا فِي السِّرَاجِيَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلِاسْتِبْدَالِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مُدَّعَاكَ أَصْلًا وَالْمَنْقُولُ السَّابِقُ عَنْ قَاضِي خَانْ قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَهِلَالٌ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالنَّقْدِ كَالْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ. اهـ.
قُلْتُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ لَمْ يُنْكِرْ مُخَالَفَتَهُ لِقَاضِي خَانْ وَإِنَّمَا مَنَعَ الِاسْتِبْدَالَ بِالدَّرَاهِمِ فِي زَمَانِهِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعِلَّةِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ قَاضِي خَانْ وَمَنْ قَبْلَهُ لَوْ عَلِمُوا بِمَا حَدَثَ مِنْ أَكْلِ مَالِ الْبَدَلِ لَمَنَعُوهُ أَشَدَّ الْمَنْعِ
(قَوْلُهُ فَقَدْ عَيَّنَ الْعَقَارَ لِلْبَدَلِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كَأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى التَّمْثِيلِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلَامِ قَاضِي خَانْ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا كَثُرَ إيرَادُهُ وَنَقَلَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ عَنْ نَوَادِرِ هِشَامٍ الْوَقْفُ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَسَاكِينُ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَهُ وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ آخَرَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا لِلْقَاضِي. اهـ.
فَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِالدَّرَاهِمِ
وَكَذَا مَا فِي الْمُحِيطِ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ ضَاعَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُسْتَبْدِلِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ
وَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ
قَالَ فِي النَّهْرِ وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْمَوَالِي يَمِيلُ إلَى هَذَا أَيْ تَعْيِينِ الْعَقَارِ لِلْبَدَلِ وَيَعْتَمِدُهُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُسْتَبْدِلَ إذَا كَانَ هُوَ قَاضِي الْجَنَّةِ فَالنَّفْسُ بِهِ مُطْمَئِنَّةٌ وَلَا يُخْشَى الضَّيَاعُ مَعَهُ وَلَوْ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُوَفِّقُ وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْمَسْأَلَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي كِتَابِنَا إجَابَةِ السَّائِلِ بِاخْتِصَارِ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ فَعَلَيْكَ بِهِ مُسْتَغْفِرًا لِمُؤَلِّفِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَهَذَا شَرْطٌ إلَى قَوْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ كَذَلِكَ لَا يُقْبَلُ وَنَرَى كَثِيرًا مِنْ هَذَا فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ فَيُحْكَمُ بِعَدَمِ قَبُولِهِ
(قَوْلُهُ كَانَ ذَلِكَ مُطْلَقًا لَهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَبِدُونِ هَذَا الشَّرْطِ لَا يُطْلَقُ لَهُ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ وَظَاهِرُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ مِنْ الشُّرْبِ إلَخْ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ الرَّابِعَةِ وَبَقِيَ التَّوَقُّفُ فِي الثَّالِثَةِ.
وَلِذَا قَالَ بَعْدَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الثَّالِثَةِ
(قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ تَرَكْت حَقِّي إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي فِي هَذَا الشَّرْحِ فِي بَابِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ كَلَامٍ فَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ فِي وَظِيفَةٍ تَقَرَّرَ فِيهَا أَنَّهُ يَسْقُطُ حَقُّهُ فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت
(قَوْلُهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَقُّ لِمُعَيَّنٍ أَسْقَطَهُ) .
ظَاهِرُ هَذَا بَلْ صَرِيحُهُ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ كَالْأَوْلَادِ مَثَلًا إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ يَسْقُطُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّارِحَ لَهُ رِسَالَةٌ صَرَّحَ فِيهَا بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمَدْرَسَةِ وَبَيْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ فَتَدَبَّرْ
وَكَذَا الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ فِي فَتْوَاهُ مَشَى عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَذَا بِخَطِّ شَيْخِ شَيْخِنَا عَبْدِ الْحَيِّ ثُمَّ رَأَيْت لِلْعَلَّامَةِ الطُّورِيِّ رِسَالَةً مَشَى فِيهَا أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ لِمُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ فَرَاجِعْهُ يَقُولُ الْفَقِيرُ جَامِعُ هَذِهِ الْحَوَاشِي كَذَا بِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ فِي هَامِشِ الْبَحْرِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَرَأَيْت بَعْدَهُ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْمُحَشِّي مَا نَصُّهُ
قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ تَحْقِيقًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَمَنْ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَالشَّرِيكُ لِشَرِيكِهِ فَرَاجِعْهُ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا وَلَّى غَيْرَهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَصِحُّ عَزْلُهُ بِجُنْحَةٍ وَغَيْرِ جُنْحَةٍ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُ وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مُطْلَقًا وَسَيَذْكُرُهُ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ بَطَلَتْ وِلَايَتُهُ) إلَّا إذَا جَعَلَهُ قَيِّمًا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ كَمَا مَرَّ قَبْلَ عِشْرِينَ وَرَقَةً
(قَوْلُهُ وَمُحَمَّدٌ لَمَّا شَرَطَهُ انْعَكَسَتْ الْأَحْكَامُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ التَّوْلِيَةِ لِنَفْسِهِ وَإِذَا وَلَّى غَيْرَهُ لَا يَكُونُ وَكِيلًا عَنْهُ فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهُ وَلَا تَبْطُلُ وِلَايَتُهُ بِمَوْتِهِ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ الْعَدَالَةَ فِي النَّاظِرِ. اهـ.
وَالظَّاهِرُ عَوْدُهُ لِجَمِيعِ مَا مَرَّ بِقَرِينَةِ جَمْعِهِ الشَّرَائِطَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ لِلنَّظَرِ بُلُوغُهُ إلَخْ) أَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْحَلَبِيِّ فَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ
وَأَمَّا الْإِسْنَادُ لِلصَّغِيرِ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ بِالنَّظَرِ وَلَا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَكَةِ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ النَّظَرَ عَلَى الْوَقْفِ مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ وَالصَّغِيرُ يُوَلَّى عَلَيْهِ لِقُصُورِهِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى عَلَى غَيْرِهِ. اهـ.
لَكِنْ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي أَحْكَامِ الصِّبْيَانِ وَيَصْلُحُ وَصِيًّا وَنَاظِرًا وَيُقِيمُ الْقَاضِي مَكَانَهُ بَالِغًا إلَى بُلُوغِهِ كَمَا فِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ مِنْ الْوَصَايَا. اهـ.
أَقُولُ: وَرَأَيْتُ فِي أَحْكَامِ الصِّغَارِ لِلْإِمَامِ الْأُسْرُوشَنِيُّ مَا نَصُّهُ وَفِي فَتَاوَى رَشِيدِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْقَاضِي إذَا فَوَّضَ التَّوْلِيَةَ إلَى صَبِيٍّ يَجُوزُ إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْحِفْظِ وَيَكُونُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ كَمَا أَنَّ الْقَاضِيَ يَمْلِكُ إذْنَ الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ لَا يَأْذَنُ
وَكَذَلِكَ التَّوْلِيَةُ وَتَجُوزُ التَّوْلِيَةُ إلَى الْعَبْدِ الْغَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ. اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّوْفِيقُ بِحَمْلِ مَا فِي الْإِسْعَافِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْحِفْظِ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ وَمَا فِي الْأَشْبَاهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ أَهْلًا فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا عَزْلُهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَيَأْتِي أَنَّ لِلْقَاضِي عَزْلَ مَنْصُوبِ قَاضٍ آخَرَ بِلَا جُنْحَةٍ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ. اهـ.
فَانْظُرْهُ قَرِيبًا فِي كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا عَزْلُ الْقَاضِي لَهُ إلَخْ) سَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ قُبَيْلَ الْمَوْضِعِ الرَّابِعِ
(قَوْلُهُ إذَا قَرَّرَ فَرَّاشًا فِي الْمَسْجِدِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ وَقَفْتُ عَلَى مَصَالِحِهِ فَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِ يَفْعَلُهُ الْقَاضِي وَلَنَا كِتَابَةٌ حَسَنَةٌ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرَاجِعْهَا إنْ شِئْتَ
(قَوْلُهُ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ إلَخْ) فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ لِلسَّيِّدِ أَبِي السُّعُودِ وَاعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْإِحْدَاثِ يَعْنِي فِي الْأَوْقَافِ الْحَقِيقَةِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ
أَمَّا مَا دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ وَاقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ كَخِدَامَةِ الرَّبْعَةِ الشَّرِيفَةِ وَقِرَاءَةِ الْعَشْرِ وَالْجِبَايَةِ وَشَهَادَةِ الدِّيوَانِ فَيَرْفَعُ إلَى الْقَاضِي وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ الْحَاجَةَ فَيُقَرِّرُ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَيُقَدِّرُ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ أَوْ يَأْذَنُ لِلنَّاظِرِ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ وَالنَّصُّ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْفَتَاوَى الْوَلْوَالِجيَّةِ كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَاسْتُفِيدَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ عَزْلِ النَّاظِرِ إلَخْ) أَيْ الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ
بِخِلَافِ النَّاظِرِ الَّذِي وَلَّاهُ الْقَاضِي فَإِنَّ لَهُ عَزْلَهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ وَيَأْتِي تَقْيِيدُهُ أَيْضًا بِمَا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ وَإِنَّ لَهُ عَزْلَ مَنْ وَلَّاهُ قَاضٍ آخَرُ لِلْمَصْلَحَةِ
(قَوْلُهُ فَإِذَا زَادَ كَانَ لِغَيْرِهِ أَخْذُ حُجْرَتِهِ وَوَظِيفَتِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ كُلُّ هَذَا إذَا لَمْ يَنْصِبْ نَائِبًا يَنُوبُ عَنْهُ
أَمَّا إذَا نَصَّبَ نَائِبًا يُبَاشِرُ عَنْهُ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُ حُجْرَتِهِ وَوَظِيفَتِهِ
(قَوْلُهُ قُلْتُ لَا يَدُلُّ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: الْمُفْتَى بِهِ جَوَازُ الْأَخْذِ اسْتِحْسَانًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ قَالَ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَلِصِلَةِ الْقَارِئِ بِقِرَاءَتِهِ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأُجْرَةِ وَالْإِجَارَةُ فِي ذَلِكَ بَاطِلَةٌ وَهِيَ بِدْعَةٌ وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَسْأَلَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى اسْتِحْسَانٍ. اهـ.
يَعْنِي لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ وَفِي الزَّيْلَعِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ لَوْ لَمْ يُفْتَحْ لَهُمْ بَابُ التَّعْلِيمِ بِالْأَجْرِ لَذَهَبَ الْقُرْآنُ فَأَفْتَوْا بِجَوَازِهِ لِذَلِكَ وَرَأَوْهُ حَسَنًا فَتَنَبَّهْ. اهـ.
قُلْتُ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِتَعْلِيلِ الِاخْتِيَارِ فَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُفْتَى بِهِ جَوَازُ الْأَخْذِ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ لِأَنَّ الْمُفْتَى بِهِ جَوَازُهُ عَلَى التَّعْلِيمِ لَا عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمُجَرَّدَةِ كَمَا مَرَّ وَبِهَذَا تَعْلَمُ حُكْمَ مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا مِمَّا يَأْخُذُونَهُ عَلَى الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ فِي التَّهَالِيلِ وَالْخُتُومَةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ فِي بَيْتِ الْيَتَامَى وَمِنْ مَالِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصِيَّةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ فِي وَصَايَا فَتَاوَاهُ الْمَشْهُورَةِ حَيْثُ أَفْتَى بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ يَقْرَأُ وَيُهْدِي ثَوَابَ ذَلِكَ إلَى رُوحِ الْمُوصِي
وَكَذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْكَوِيُّ صَرَّحَ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ فِي آخِرِ الطَّرِيقَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ
(قَوْلُهُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ مَا قَدَّمْنَاهُ إلَخْ) يُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ سُئِلَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُدَرِّسُ بَعْدَ تَمَامِ سَنَةٍ مُدَرِّسًا هَلْ يَسْتَحِقُّ مَا هُوَ الْمَشْرُوطُ فِي وَظِيفَةِ التَّدْرِيسِ أَمْ لَا أَجَابَ نَعَمْ يَسْتَحِقُّ الْمَشْرُوطَ بِعَمَلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَتَبِعَهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ
قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ بَعْدَ نُقُولٍ رَمَزَ لَهَا صَاحِبُ الْقُنْيَةِ فَهَذِهِ الْفُرُوعُ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْقُنْيَةِ فِيهَا مَا هُوَ صَرِيحٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُدَرِّسَ وَالْإِمَامَ وَالْمُؤَذِّنَ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ وَقْتُ خُرُوجِ الْغَلَّةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ لِهَذِهِ الْوَظَائِفِ شَوْبَ الْإِجَارَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُدَرِّسَ يَتَرَدَّدُ إلَى مَكَان مُعَيَّنٍ وَيَقْرَأُ وَيُفِيدُ الطَّلَبَةَ وَيُهْدِي ثَوَابَ قِرَاءَتِهِ إلَى الْوَاقِفِ
وَكَذَا الْفَقِيهُ وَالْإِمَامُ وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَكَانَ الْقَدْرُ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْوَقْفِ الَّذِي هُوَ فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْعَمَلِ فِي مَعْنَى الْأُجْرَةِ
وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فَإِذَا مَاتَ الْمُدَرِّسُ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ مَثَلًا قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَقَبْلَ ظُهُورِهَا وَقَدْ بَاشَرَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ أَوْ عُزِلَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ وَقْتَ قِسْمَةِ الْغَلَّةِ إلَى مُدَّةِ مُبَاشَرَتِهِ وَإِلَى مُبَاشَرَةِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَيَبْسُطَ الْمَعْلُومَ عَلَى الْمُدَرِّسِينَ وَيَنْظُرَ كَمْ يَكُونُ لِلْمُدَرِّسِ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ فَيُعْطِي بِحِسَابِهِ مُدَّتَهُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ زَمَانُ الْغَلَّةِ وَإِدْرَاكُهَا كَمَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ بَلْ يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُدَرِّسِ وَالْفَقِيهِ وَصَاحِبِ وَظِيفَةٍ مَا وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَهُ بِالْفِقْهِ وَالْأَعْدَلُ كَذَا حَرَّرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
اهـ.
مَا فِي الْخَيْرِيَّةِ وَفِيهَا سُئِلَ فِي كَرْمٍ مَوْقُوفٍ عَلَى أَوْلَادِ الْوَاقِفِ مَاتَ وَلَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ زَهْرِهِ وَصَيْرُورَتِهِ حِصْرِمًا هَلْ حِصَّتُهُ مِيرَاثٌ عَنْهُ أَمْ لِمَنْ آلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ بَعْدَهُ أَجَابَ هِيَ مِيرَاثٌ عَنْهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِطُلُوعِ الْغَلَّةِ أَوْ خُرُوجِهَا أَوْ مَجِيئِهَا فِي كَلَامِهِمْ صَيْرُورَتُهَا ذَاتَ قِيمَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحِصْرِمَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا مَاتَ بَعْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ فَحِصَّتُهُ مِيرَاثٌ عَنْهُ بَلْ صَرِيحُ كَلَامِهِ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ مِيرَاثٌ وَلَوْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ قَالَهُ بَعْدَ كَلَامٍ كَثِيرٍ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ هِلَالٍ يَوْمَ تَجِيءُ الْغَلَّةِ وَتَأْتِي الْغَلَّةُ عَلَى ظُهُورِ الزَّرْعِ مِنْ الْأَرْضِ وَالزَّهْرِ مِنْ الْغُصُونِ لِأَنَّ لَهُ قِيمَةً فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قَالُوا فِي جَوَازِ بَيْعِ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ.
اهـ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قُلْتُ وَبِهَذَا تَعْلَمُ عَدَمَ صِحَّةِ مَا بَحَثَ الْمُؤَلِّفُ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ الْغَنَائِمِ مِنْ أَنَّهُ إنْ خَرَجَتْ الْغَلَّةُ وَأَحْرَزَهَا النَّاظِرُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ يُورَثُ نَصِيبُ الْمُسْتَحِقِّ لِتَأَكُّدِ الْحَقِّ فِيهِ وَإِنْ قَبْلَ الْإِحْرَازِ فِي يَدِ الْمُتَوَلِّي لَا يُورَثُ قِيَاسًا عَلَى الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا إذَا أُخْرِجَتْ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَمَاتَ أَحَدُ الْمُقَاتِلِينَ يُورَثُ نَصِيبُهُ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُورَثُ
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَحِقِّ مِثْلَ الْمُدَرِّسِ وَالْإِمَامِ أَوْ مِنْ الْأَوْلَادِ وَقَدْ عَلِمْتَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا
(قَوْلُهُ قُلْتُ إنَّ قَوْلَهُ إلَخْ) أَقُولُ: فِي حَوَاشِي الْأَشْبَاهِ لِلْحَمَوِيِّ مَا قَالَهُ الطَّرَسُوسِيُّ قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ فَالْمُعْتَبَرُ وَقْتُ الْحَصَادِ فَمَنْ كَانَ يُبَاشِرُ الْوَظِيفَةَ وَقْتَ الْحَصَادِ اسْتَحَقَّ وَمَنْ لَا فَلَا وَقَدْ كَتَبَ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي السَّلْطَنَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ رِسَالَةً فِي هَذَا وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ يَعْتَبِرُونَ وَقْتَ الْحَصَادِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ يَعْتَبِرُونَ زَمَنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّوْزِيعِ
(قَوْلُهُ قُلْتُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ رَأَيْتُ بِخَطِّ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ بَدْرِ الدِّينِ الشَّهَاوِيِّ الْحَنَفِيِّ الْمِصْرِيِّ وَتَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ وَبِذَلِكَ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ «وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى الصَّيْرَفِيَّةِ وَغَيْرِهَا
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ خَلِيفَةً لِيَؤُمَّ فِي زَمَانِ غَيْبَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْخَلِيفَةُ مِنْ أَوْقَافِ الْإِمَامِ شَيْئًا إنْ كَانَ الْإِمَامُ أَمَّ أَكْثَرَ السَّنَةِ اهـ.
وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ إمَامُ الْجَامِعِ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الِاسْتِخْلَافِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الصَّيْرَفِيَّةِ فِي الْكَرَاهِيَةِ مَا نَصُّهُ حَانُوتٌ وُقِفَ عَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ وَغَابَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَلَّفَ خَلِيفَةً يَؤُمُّهُمْ ثُمَّ حَضَرَ فَأُجْرَةُ الْحَانُوتِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي غَابَ يَجُوزُ أَخْذُهَا أَمْ لَا قَالَ يَجُوزُ إنْ كَانَ هُوَ أَوْ رَجُلٌ آخَرَ أَجَّرَ الْحَانُوتَ بِأَمْرِهِ وَلَكِنْ سَبِيلُهُ التَّصَدُّقُ احْتِيَاطًا اهـ.
فَاسْتَفَدْنَا مِنْ مَنْطُوقِ الْقُنْيَةِ أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ جَائِزَةٌ وَمِنْ مَفْهُومِهِ أَنَّ الْغَائِبَ يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَنِيبُ أَمَّ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَمِنْ عِبَارَةِ الْخُلَاصَةِ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ مُطْلَقًا وَمِنْ عِبَارَةِ الصَّيْرَفِيَّةِ جَوَازُهَا وَأَخْذُ الْأُجْرَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنِيبُ أَوْ رَجُلٌ آجَرَ الْحَانُوتَ بِأَمْرِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَإِلَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الْقُنْيَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي الْقُنْيَةِ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ إمَامٌ يَتْرُكُ الْإِمَامَةَ لِزِيَارَةِ أَقْرِبَائِهِ فِي الرَّسَاتِيقِ أُسْبُوعًا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ لِمُصِيبَةٍ أَوْ لِاسْتِرَاحَةٍ لَا بَأْسَ بِهِ
وَمِثْلُهُ عَفْوٌ فِي الْعَادَةِ وَالشَّرْعِ. اهـ.
وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّارِحُ فِي الْأَشْبَاهِ فِي بَحْثِ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخَصَّافِ يُخَالِفُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْقُنْيَةِ وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ أَنَّ كَلَامَهُ لَا يُصَادِمُ كَلَامَ الْخَصَّافِ وَلِذَلِكَ نَصَّ ابْنُ وَهْبَانَ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَعْلُومُ مَنْ حَجَّ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ تَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ إنَّ كَلَامَ الْخَصَّافِ فِي الْقَيِّمِ إذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْآفَاتِ الَّتِي تَمْنَعُهُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَا نُصِبَ لِأَجْلِهِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَا فِي الْقُنْيَةِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ تَأَمَّلْ
ثُمَّ إنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَشْبَاهِ حَمَلَهُ الشَّيْخُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي عَلَى مَا إذَا كَانَ التَّرْكُ الْمَذْكُورُ فِي سَنَةٍ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ قَوْلِهِ يُسَامَحُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أُسْبُوعًا إلَخْ إذْ لَيْسَ فِي الْقُنْيَةِ مَا يُفِيدُهُ
(قَوْلُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّائِبَ لَا يَسْتَحِقُّ إلَخْ) أَقُولُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ بَعْدَ الْعِبَارَةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا عَنْهُ آنِفًا مَا نَصُّهُ وَسُئِلَ مُفْتِي الرُّومِ مَوْلَانَا الْعَلَّامَةُ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الِاسْتِنَابَةِ فَأَجَابَ الِاسْتِنَابَةُ إنْ كَانَتْ فِيمَا لَا يَقْبَلُهَا أَصْلًا كَطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِقْرَائِهِ فَلَا يُشْتَبَهُ بُطْلَانُهَا عَلَى أَحَدٍ وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا يَقْبَلُهَا كَالتَّدْرِيسِ وَالْإِفْتَاءِ وَنَظَائِرِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ وَكَانَ النَّائِبُ فِي إقَامَةِ الْخَدَمِ مِثْلَ الْأَصْلِ وَخَيْرًا مِنْهُ فَهِيَ جَائِزَةٌ إلَى أَنْ يَزُولَ مَا اعْتَرَاهُ مِنْ الْعُذْرِ خَلَا أَنَّ الْمَعْلُومَ بِتَمَامِهِ يَكُونُ لِلنَّائِبِ لَيْسَ لِلْأَصِيلِ مَعَهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَتَبَرَّعَ بِهِ النَّائِبُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَرِضًا كَامِلٍ لَا يَحُومُ حَوْلُهُ شَيْءٌ مِنْ الْخَوْفِ وَالْحَيَاءِ وَهَيْهَاتَ اهـ.
وَأَفْتَى شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْقَاضِي عَلِيُّ بْنُ جَارِ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ بِشَرْطِ الْعُذْرِ الشَّرْعِيِّ أَقُولُ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ مَوْلَانَا أَبُو السُّعُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ.
كَلَامُ الْبِيرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَتَأَمَّلْ وَقَدْ أَفْتَى الشَّيْخُ خَيْرُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا
(قَوْلُهُ وَعَلَى هَذَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ عَلَى عَدَمِ الْقَوْلِ بِعَدَمِ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ
(قَوْلُهُ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ سَتَأْتِي أَيْضًا مَسْأَلَةُ تَوْكِيلِ الْقَيِّمِ فِي آخِرِ شَرْحِ هَذِهِ الْمَقُولَةِ. اهـ.
وَقَالَ فِي فَتَاوَاهُ الْخَيْرِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِ حَاصِلِ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا وَالْمَسْأَلَةُ وُضِعَ فِيهَا رَسَائِلُ
وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ وَخُصُوصًا مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ وَعَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْمَعْلُومِ لِلْمُسْتَنِيبِ وَلَيْسَ لِلنَّائِبِ إلَّا الْأُجْرَةُ الَّتِي اسْتَأْجَرَهُ بِهَا فِي مُدَّةِ إنَابَتِهِ عَنْهُ لَا غَيْرُ وَاسْتِحْقَاقُهُ الْأُجْرَةَ لِكَوْنِهِ وَفَّى الْعَمَلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ فِيهَا وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَائِزٌ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا لِأَصْحَابِنَا إلَخْ) تَقَدَّمَ أَنَّ النَّاظِرَ لَوْ أَنْكَرَ مُلَازَمَتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَرِّسِ بِيَمِينِهِ
وَكَذَا لَوْ مَاتَ وَاخْتَلَفَ مَعَ وَرَثَتِهِ فَالْقَوْلُ لِلْوَرَثَةِ مَعَ يَمِينِهِمْ
وَكَذَا كُلُّ وَظِيفَةٍ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي الْمُبَاشَرَةِ إلَى آخِرِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الرَّمْلِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْعِشْرِينَ.
[النَّاظِرِ بِالشَّرْطِ فِي الْوَقْف]
(قَوْلُهُ قَدَّمْنَا) أَيْ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَوْرَاقٍ
(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُف يَجُوزُ)
قَالَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْفَتْوَى عَلَيْهِ
إمَّا لِأَنَّهُ أَخَذَ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ إلَّا فِي مَسَائِلَ لَيْسَ هَذِهِ مِنْهَا
وَإِمَّا لِأَنَّ الْفَتْوَى فِي الْوَقْفِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ بَحَثَ أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ كَذَلِكَ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ فَحِينَئِذٍ يَنْفَرِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ) لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ أَمْرَ الْوَقْفِ لَيْسَ مِنْ أُمُورِ الْوَاقِفِ فَلَا يَشْمَلُهُ قَوْلُهُ فِي تَرِكَاتِي وَجَمِيعِ أُمُورِي فَكَانَ تَخْصِيصًا بِمَا عَدَا الْوَقْفَ فَلَا يُشَارِكُ الْأَوَّلَ
بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْوِصَايَةَ فِيهَا مُطْلَقَةٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخَصَّافِ) أَيْ قَبْلَ هَذَا بِخَمْسَةِ أَوْرَاقٍ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا تُبَاعَ ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِبْدَالَ كَانَ لَهُ لِأَنَّ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَ مَوْضِعٍ) أَيْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْوَقْفِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ الْمُتَوَلِّي إذَا أَرَادَ أَنْ يُفَوِّضَ إلَى غَيْرِهِ إلَخْ) قَالَ الطَّرَسُوسِيُّ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَبْقَى فِي حَيَاةِ الْوَاقِفِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا وَلَّاهُ النَّظَرَ بَقِيَ بِالنَّظَرِ إلَى أَنَّهُ اسْتَفَادَ الْوِلَايَةَ مِنْ الْوَاقِفِ كَالْوَكِيلِ عَنْهُ فَيَبْطُلُ بِمَوْتِهِ وَلَهُ عَزْلُهُ كُلَّمَا بَدَا لَهُ وَبِالنَّظَرِ إلَى بَقَاءِ الَّذِي وَكَّلَهُ لِأَجْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَهُوَ الْمَوْقُوفُ جُعِلَ كَالْوَصِيِّ حَتَّى كَانَ لَهُ أَنْ يُسْنِدَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَعَلِمْنَا بِالشَّبَهَيْنِ وَقُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَوِّضَ النَّظَرَ فِي حَيَاتِهِ كَالْوَكِيلِ وَعِنْدَ مَوْتِهِ قُلْنَا لَهُ ذَلِكَ كَالْوَصِيِّ لِمُشَابِهَتِهِ الْوَكِيلَ مِنْ وَجْهٍ وَالْوَصِيَّ مِنْ وَجْهٍ
وَأَمَّا قَوْلُهُ إلَّا إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ هَذَا الِاسْتِنَابُ مَخْصُوصٌ بِالْأَخِيرِ وَهُوَ التَّفْوِيضُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَلَّاهُ وَأَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ وَجَعَلَ لَهُ أَنْ يُسْنِدَهُ وَيُوصِيَ بِهِ إلَى مَنْ شَاءَ فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجُوزُ التَّفْوِيضُ مِنْهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَفِي حَالَةِ الْمَرَضِ الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَجْعَلُهُ مِنْ الْأَجَانِبِ إلَخْ) هَذَا عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ لِمَا فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنْ التَّهْذِيبِ الْوَاقِفُ جَعَلَ لِلْوَقْفِ قَيِّمًا
فَلَوْ مَاتَ الْقَيِّمُ لَهُ أَنْ يَنْصِبَ آخَرَ وَبَعْدَ مَوْتِهِ لِلْقَاضِي أَنْ يَنْصِبَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْصِبَ مِنْ أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ أَقَارِبِهِ مَا دَامَ يُوجَدُ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَصْلُحُ لِذَلِكَ. اهـ.
تَأَمَّلْ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَوَائِلِ الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ كَوْنَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُمْ بِلَا خِيَانَةٍ وَلَوْ فَعَلَ لَا يَصِيرُ مُتَوَلِّيًا. اهـ.
لِأَنَّهُ فِيمَا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ وَهُنَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى الرَّمْلِيِّ فِي فَتَاوَاهُ
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ التَّقْرِيرَ لِلْمُتَوَلِّي) قَالَ الرَّمْلِيُّ
بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ الشَّرْطِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِمَفَاهِيمِ التَّصَانِيفِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ شَرْطٍ لَهُ فَلَا يَمْلِكُهُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِمْ الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَغَيْرِهِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَانَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ وَعَشِيرَتِهِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ قَرِيبًا فَأَهْلُ الْمَحَلَّةِ أَوْلَى بِنَصْبِهِمَا
(قَوْلُهُ وَهَاهُنَا تَنْبِيهٌ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَخْ)
قَالَ الرَّمْلِيُّ أَقُولُ: وَفِي فَتَاوَى شَيْخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ سِرَاجِ الدِّينِ الْحَانُوتِيِّ سُؤَالٌ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الِاسْتِبْدَالَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْقَاضِي حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَرْطُ وَاقِفٍ هَلْ الْمُرَادُ قَاضِي الْقُضَاةِ أَمْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ فِي مَنْشُورِهِ ذَلِكَ أَمْ لَا.
الْجَوَابُ لَمْ نَرَ مَنْ قَيَّدَ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ فِي مَنْشُورِهِ كَمَا قَيَّدُوا بِهِ فِي وِلَايَةِ إنْكَاحِ الصَّغَائِرِ وَفِي الِاسْتِخْلَافِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ بِالْإِطْلَاقِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ قَاضِي الْقُضَاةِ بِالِاسْتِبْدَالِ بَلْ كَمَا يَكُونُ مِنْهُ يَكُونُ مِنْ نَائِبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِخْلَافُهُ لِنَائِبِهِ إلَّا إنْ فُوِّضَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ السُّلْطَانِ وَحَيْثُ فُوِّضَ إلَيْهِ ذَلِكَ كَانَتْ وِلَايَةُ نَائِبِهِ مُسْتَنِدَةً إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ فَيَكُونُ قَائِمًا مَقَامَ مُسْتَنِيبِهِ الَّذِي هُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِخْلَافِ وَلِذَا كَانَ مَفْهُومُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا شَرَطَ فِي مَنْشُورِهِ تَزْوِيجَ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ ذَلِكَ ثُمَّ لِمَنْصُوبِهِ فَجَلَعُوا إذْنَ السُّلْطَانِ لِلْقَاضِي فِي التَّزْوِيجِ كَافِيًا فِي مُبَاشَرَتِهِ وَمَنْصُوبُهُ كَذَلِكَ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ.
وَإِذَا جَازَ لِلنَّائِبِ مُبَاشَرَةُ الْأَنْكِحَةِ مَعَ تَنْصِيصِهِمْ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ لِلْقَاضِي فِي مَنْشُورِهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ وَعِبَارَةُ ابْنِ الْهُمَامِ فِي تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ هَكَذَا ثُمَّ السُّلْطَانُ ثُمَّ الْقَاضِي إذَا شَرَطَ فِي عُهْدَةِ تَزْوِيجِ الصَّغَائِرِ وَالصِّغَارِ ثُمَّ مَنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي فَجَعَلَ الشَّرْطَ أَعْنِي قَوْلَهُ الَّذِي شَرَطَ فِي عُهْدَةٍ إلَخْ رَاجِعًا إلَى الْقَاضِي فَقَطْ وَلَمْ يَجْعَلْ رَاجِعًا لَهُ وَلِمَنْصُوبِهِ حَيْثُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ عَنْهُمَا نَعَمْ قَدْ وَقَعَ فِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَخَّرَ الشَّرْطَ عَنْ الْقَاضِي وَمَنْ نَصَّبَهُ فَكَانَتْ عِبَارَتُهُ مُحْتَمَلَةً لِرُجُوعِهِ إلَى الْقَاضِي لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ أَوْ لَهُمَا.
اهـ.
لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْخَيْرِيَّةُ أَوَّلَ الْوَقْفِ عِبَارَةَ الْبَحْرِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا ثُمَّ قَالَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ نَائِبَ الْقَاضِي لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ الْوَقْفِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي مَنْشُورِهِ نَصْبَ الْوُلَاةِ وَالْأَوْصِيَاءِ وَفَوَّضَ لَهُ أُمُورَ الْأَوْقَافِ وَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سِرَاجِ الدِّينِ الْحَانُوتِيُّ لِمَا فِي إطْلَاقِ مِثْلِهِ لِلنُّوَّابِ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الِاخْتِلَالِ وَالْمَسْأَلَةُ لَا نَصَّ فِيهَا بِخُصُوصِهَا فِيمَا اطَّلَعْنَا عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ فِيمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ شَيْخُنَا الْمَذْكُورُ وَالشَّيْخُ زَيْنٌ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَإِنَّمَا اسْتَخْرَجَهَا تَفَقُّهًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ قُلْتُ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِهَا ابْتِدَاءً)
قَالَ فِي النَّهْرِ الْحَقُّ أَنَّ مَا فِي الْخَصَّافِ فِي الْمَشْرُوطِ لَهُ التَّوْلِيَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُ وَقَوْلُهُمْ طَالِبُ التَّوْلِيَةِ لَا يُوَلَّى فِي غَيْرِهِ وَبِهِ عُرِفَ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ النَّظَرُ لَوْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي تَقْرِيرَهُ فِيهِ إجَابَةً فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ التَّنْفِيذَ لَا أَصْلَ التَّوْلِيَةِ لِأَنَّهُ مُوَلًّى وَهَذَا فِقْهٌ حَسَنٌ فَاحْفَظْهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ لَكِنْ ظَاهِرُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ لِمَا فِي الْقُنْيَةِ بَاعَ شَيْئًا مِنْهُ أَوْ رَهَنَهُ فَهُوَ خِيَانَةٌ
(قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ قَيِّمٌ يَخْلِطُ غَلَّةَ الدُّهْنِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ يَعْنِي الْغَلَّةَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى شِرَاءِ الدُّهْنِ بِالْغَلَّةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى شِرَاءِ الْبَوَارِي أَيْ الْحُصْرِ اهـ.
قُلْتُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مَسْجِدٌ لَهُ أَوْقَافٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا بَأْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يَخْلِطَ غَلَّتَهَا كُلَّهَا
(قَوْلُهُ قُلْتُ: نَعَمْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَصَلَ إلَخْ) سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَيُنْزَعُ لَوْ خَائِنًا إنَّ عَزْلَ الْخَائِنِ وَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي فَيُنَافِي مَا هُنَا وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَزْلِهِ إزَالَةُ ضَرَرِهِ عَنْ الْوَقْفِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِضَمِّ ثِقَةٍ إلَيْهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَصَلَ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ مَعَهُ رَجُلًا إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ مَعَهُ رَجُلًا وَرَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَمَنْ عَزَلَ نَفْسَهُ الْفَرَاغَ عَنْ وَظِيفَتِهِ لِرَجُلٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
فَائِدَةٌ أَخَذَ السُّبْكِيُّ مِنْ صِحَّةِ خَلْعِ الْأَجْنَبِيِّ جَوَازُ بَذْلِ مَالٍ لِمَنْ بِيَدِهِ وَظِيفَةٌ يَسْتَنْزِلُهُ عَنْهَا لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَيَحِلُّ لَهُ حِينَئِذٍ أَخْذُ الْعِوَضِ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْهَا وَيَبْقَى الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ لِنَاظِرِ الْوَظِيفَةِ يَفْعَلُ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا كَذَا فِي شَرْحِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْهَاجِ أَقُولُ: وَقَوْلُ هَذَا الشَّارِحِ هُنَا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَيَنْبَغِي الْإِبْرَاءُ الْعَامُّ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ وَحُرْمَةِ الْأَخْذِ وَهُوَ مَحَلٌّ يَحْتَاجُ إلَى التَّحْرِيرِ وَفِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فِي الْفَنِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْعُرْفِ الْخَاصِّ أَقُولُ: عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْخَاصِّ قَدْ تَعَارَفَ الْفُقَهَاءُ بِالْقَاهِرَةِ النُّزُولَ عَنْ الْوَظَائِفِ بِمَالٍ يُعْطَى لِصَاحِبِهَا وَتَعَارَفُوا ذَلِكَ فَيَنْبَغِي الْجَوَازُ وَأَنَّهُ لَوْ نَزَلَ لَهُ وَقَبَضَ الْمَبْلَغَ مِنْهُ ثُمَّ أَرَادَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
اهـ.
وَرَأَيْت بَعْضَ الْفُضَلَاءِ كَتَبَ عَلَى هَذَا الْمَحَلِّ الْفَتْوَى عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنْ الْوَظَائِفِ وَمَا قَالَهُ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ مِمَّا سَيَأْتِي الْحُقُوقُ الْمُجَرَّدَةُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا كَالِاعْتِيَاضِ عَنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ وَمَسَائِلَ أُخَرَ سَرَدَهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ تَرُدُّ هَذَا. اهـ. تَأَمَّلْ. اهـ. كَلَامُ الرَّمْلِيِّ.
أَقُولُ: بَقِيَ هُنَا شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ مِنْ صِحَّةِ الْفَرَاغِ عَنْ وَظِيفَةِ النَّظَرِ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ قَبْلَ وَرَقَةٍ وَنِصْفٍ نَقْلًا عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ بِقَوْلِهِ الْمُتَوَلِّي إذَا أَرَادَ أَنْ يُفَوِّضَ إلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ إنْ كَانَ الْوِلَايَةُ بِالْإِيصَاءِ يَجُوزُ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ. اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَيِّمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ وَظِيفَةِ النَّظَرِ إلَّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِيصَاءِ
وَأَمَّا فِي صِحَّتِهِ فَلَا إلَّا إذَا كَانَ الْوَاقِفُ أَذِنَ لَهُ بِذَلِكَ وَمَرَّ بَيَانُهُ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الطَّرَسُوسِيِّ وَعَنْ هَذَا
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْعَلَائِيِّ أَيْضًا مَا نَصُّهُ الْفِعْلُ فِي الْمَرَضِ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْفِعْلِ فِي الصِّحَّةِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ إسْنَادِ النَّاظِرِ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ بِلَا شَرْطٍ فَإِنَّهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ صَحِيحٌ لَا فِي الصِّحَّةِ كَمَا فِي التَّتِمَّةِ وَغَيْرِهَا. اهـ.
فَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ فِي مَسْأَلَةِ النَّاظِرِ فَلْيُحْمَلْ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا مِنْ جَوَازِ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ عَلَى غَيْرِ وَظِيفَةِ النَّظَرِ كَوَظِيفَةِ تَدْرِيسٍ وَإِمَامَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنَّ حَمْلَ جَوَازِ النُّزُولِ عَنْ النَّظَرِ عَلَى مَا إذَا كَانَ عِنْدَ الْقَاضِي يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ يُخَصَّصُ بِهِ كَلَامُهُمْ وَالْمُؤَلِّفُ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ هُنَا تَأَمَّلْ هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْأَشْبَاهِ أَوَائِلَ كِتَابِ الْوَقْفِ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ عَزْلَ النَّاظِرِ حَالَ الْوَقْفِ صَحَّ اتِّفَاقًا وَإِلَّا لَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ
وَيَصِحُّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ عَزْلِهِ لِلْمُدَرِّسِ وَالْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُمَا وَلَا يُمْكِنُ الْإِلْحَاقُ بِالنَّاظِرِ لِتَعْلِيلِهِمْ لِصِحَّةِ عَزْلِهِ عِنْدَ الثَّانِي بِكَوْنِهِ وَكِيلًا عَنْهُ وَلَيْسَ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ وَكِيلًا عَنْ الْوَاقِفِ إلَخْ فَهَذَا يُفِيدُ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّاظِرِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْوَظَائِفِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَأَفْتَى الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ بِأَنَّ مَنْ فَرَّغَ لِإِنْسَانٍ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ هَذَا صَرِيحٌ فِي صِحَّةِ تَقْرِيرِ النَّاظِرِ لِغَيْرِهِ سَوَاءٌ عَلِمَ بِفَرَاغِهِ لَدَى الْقَاضِي أَمْ لَا لِأَنَّهُ عَزَلَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْرِيرُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ ذُو وَظِيفَةٍ فَقَرَّرَ النَّاظِرُ آخَرَ فَبَانَ أَنَّهُ نَزَلَ عَنْهَا الْآخَرُ لَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيرِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بَلْ لَوْ قَرَّرَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَكَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ حَيْثُ كَانَ عَزْلًا فَقَدْ شَغَرَتْ الْوَظِيفَةُ لِعَدَمِ تَقْرِيرِ الْقَاضِي فَيَجِبُ التَّقْيِيدُ بِمَا إذَا لَمْ يُقَرِّرْ الْقَاضِي الْمَنْزُولَ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ التَّقْرِيرُ الثَّانِي كَانَ عَزْلًا بِغَيْرِ جُنْحَةٍ عَنْ وَظِيفَةٍ صَارَتْ حَقَّهُ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ إذْ هُوَ حَقٌّ مُجَرَّدٌ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ فَلَا طَرِيقَ لِجَوَازِهِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الْخُلْعِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ إذْ الْمَالُ فِي الْخُلْعِ مُقَابَلٌ بِإِزَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْخُلْعِ صَرَّحَ بِهِ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا مِلْكَ لِلْفَارِغِ عَنْ الْوَظِيفَةِ حَتَّى يَكُونَ أَخْذُهُ لَهُ مُقَابَلًا بِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ فِي الْقُنْيَةِ إلَخْ) سَيَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ فَإِنْ
قُلْتُ: هَلْ لِأَحَدِ النَّاظِرَيْنِ أَنْ يُؤَاجِرَ الْآخَرَ أَنَّ لِلْقَاضِي عَزْلَ مَنْصُوبِ قَاضٍ آخَرَ بِلَا خِيَانَةٍ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا عَنْ الْقُنْيَةِ قَالَ أَبُو السُّعُودِ تَعَقَّبَهُ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ شَاهِينُ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْفَصْلِ الْأَخِيرِ مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَنَصُّهُ إذَا كَانَ لِلْوَقْفِ مُتَوَلٍّ مِنْ جِهَةِ الْوَاقِفِ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ لَا يَمْلِكُ الْقَاضِي نَصْبَ مُتَوَلٍّ آخَرَ بِلَا سَبَبٍ مُوجِبٍ لِذَلِكَ وَهُوَ ظُهُورُ خِيَانَةِ الْأَوَّلِ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ.
اهـ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ فَلْيَكُنْ مَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي الْقُنْيَةِ. اهـ.
قُلْتُ: التَّعَقُّبُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا وَسَيَأْتِي عَنْ الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ وَقَوْلُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ يَشْمَلُ مَا إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فَلَا مُنَافَاةَ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَا فِي الْقُنْيَةِ مُقَيَّدٌ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ فَتَدَبَّرْ لَكِنْ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مَا يُخَالِفُ هَذَا حَيْثُ
قَالَ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاسْتِبْدَالِ مَعَ شَرْطِ الْوَاقِفِ عَدَمَهُ وَنَصُّهُ وَلِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ لَا يَكُونُ أَبْلَغَ مِمَّا قَالُوا فِي أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَزَلَ الْوَصِيَّ الْعَدْلَ الْكَافِيَ يَصِحُّ وَلَهُ أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِيَانَةٌ فِي الظَّاهِرِ اهـ.
إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ كَلَامَهُ بِالْمَصْلَحَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ تَأَمَّلْ [تَصَرُّفَاتِ النَّاظِرِ فِي الْوَقْف]
(قَوْلُهُ وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالِاسْتِئْجَارِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) يُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَعْدَ هَذَا وَلَوْ كَانَ الْقَيِّمُ سَاكِتًا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الدَّفْعِ لَا غَرَامَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ وَقَعَتْ حَوَادِثُ الْفَتْوَى إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْحَاوِي ثُمَّ بَعْدَ هَذَا وَشَرْطُ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْكُلِّ إلَى قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ بَعْدَهُ وَفِي الْحَاوِي وَيُفْتَى بِالضَّمَانِ إلَخْ
(قَوْلُهُ فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ الْأَحَقُّ) .
أَقُولُ: وَجْهُ كَوْنِهِ أَحَقَّ أَنَّهُ بِزِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ يُثْبِتُ لِلْمُتَوَلِّي فَسْخَ الْإِجَارَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فَإِذَا رَضِيَ الْمُسْتَأْجِرُ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ لِلْمُتَوَلِّي زَالَتْ عِلَّةُ الْفَسْخِ فَيَبْقَى عَقْدُ الْإِجَارَةِ بِحَالِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُتَوَلِّي الْفَسْخُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ إلَّا لِعِلَّةِ الزِّيَادَةِ وَبِالْتِزَامِ الْمُسْتَأْجِرِ الزِّيَادَةَ تَزُولُ الْعِلَّةُ وَبِهَذَا ظَهَرَ غَلَطُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَوَّلَ أَحَقُّ بِالْإِيجَارِ مُطْلَقًا كَمَا أَدْرَكْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ زَمَانِنَا حَتَّى إنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ إذَا فَرَغَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَأَرَادَ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِآخَرَ يُفْتُونَهُ بِالْمَنْعِ.
وَيَقُولُونَ إنَّ الْمُسْتَأْجِرَ الْأَوَّلَ أَحَقُّ أَخْذًا مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ أَحَقَّ هُنَا لِبَقَاءِ مُدَّتِهِ وَلِالْتِزَامِهِ مَا هُوَ عِلَّةُ الْفَسْخِ أَعْنِي الزِّيَادَةَ الْعَارِضَةَ فَإِذَا رَضِيَ بِدَفْعِ الزِّيَادَةِ تَزُولُ الْعِلَّةُ فَيَبْقَى الْمَأْجُورُ بِيَدِهِ إلَى انْتِهَاءِ مُدَّتِهِ
أَمَّا إذَا فَرَغَتْ مُدَّتُهُ فَمَا وَجْهُ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْإِيجَارِ مِنْ غَيْرِهِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ أَحَقَّ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَأْجُورُ أَرْضًا لَهُ عَلَيْهَا بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَكَانَ يَرْضَى بِدَفْعِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِتِلْكَ الْأَرْضِ خَالِيَةً عَنْ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ لِأَنَّ فِي إبْقَائِهَا بِيَدِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ ضَرَرِ الْوَقْفِ عَلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَلَامًا فَإِنَّ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُتُونِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فَإِنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ وَصَحَّ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فَإِنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ قَلَعَهُمَا وَسَلَّمَهَا فَارِغَةً إلَّا أَنْ يَغْرَمَ لَهُ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا وَيَتَمَلَّكَهُ أَوْ يَرْضَى بِتَرْكِهِ فَيَكُونَ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ لِهَذَا وَالْأَرْضُ لِهَذَا اهـ.
وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ وَتَارَةً أَفْتَى بِالْأَوَّلِ نَظَرًا لِلْمُسْتَأْجِرِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْإِجَارَةُ الْأُولَى بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ ازْدَادَ أَجْرَ مِثْلِهِ إلَخْ) أَقُولُ: فِي التَّجْنِيسِ وَالْمَزِيدِ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضَ وَقْفٍ ثَلَاثَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ هِيَ أَجْرُ الْمِثْلِ فَلَمَّا دَخَلَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ كَثُرَتْ الرَّغَبَاتُ فَزَادَتْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَنْقُضَ هَذِهِ الْإِجَارَةَ لِنُقْصَانِ أَجْرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَوَقْتُ الْعَقْدِ الْمُسَمَّى أَجْرُ الْمِثْلِ. اهـ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قنلي زَادَهُ أَنَّ فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ أَجْرِ الْمِثْلِ زِيَادَةً فَاحِشَةً بِزِيَادَةِ الرَّغَبَاتِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَفِي رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ السَّابِقَةُ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَالْوَقْفُ يَجِبُ لَهُ النَّظَرُ
وَفِي رِوَايَةِ فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ لَا تُفْسَخُ قَالَ وَالنُّقُولُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَثِيرَةٌ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ سَرْدِ النُّقُولِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذِهِ النُّقُولِ أَنَّ إجَارَةَ الْوَقْفِ إنْ كَانَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً وَإِنْ كَانَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ صَحَّتْ.
فَإِنْ لَمْ تَزْدَدْ الْأُجْرَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ جَاءَ رَجُلٌ وَقَبِلَ الْوَقْفَ بِأُجْرَةٍ زَائِدَةٍ لَا تُفْسَخُ الْأُولَى بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَزْدَادَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِزِيَادَةِ الرَّغَبَاتِ وَيَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي بِخَبَرِ عَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَفْسَخُ الْقَاضِي الْإِجَارَةَ وَإِلَى وَقْتِ الْفَسْخِ يَجِبُ الْمُسَمَّى الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَأْجُورِ مَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ كَزَرْعٍ لَمْ يُسْتَحْصَدْ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ تَبْقَى الْإِجَارَةُ إلَى أَنْ يَزُولَ لَكِنْ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ مِنْ وَقْتِ الزِّيَادَةِ إلَى أَنْ يَزُولَ هَذَا فِي رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ لَا تُفْسَخُ بِالزِّيَادَةِ الْعَارِضَةِ إنْ وَقَعَتْ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ ابْتِدَاءً وَالرِّوَايَتَانِ قَرِيبَتَانِ مِنْ التَّسَاوِي فِي الْقُوَّةِ وَالرُّجْحَانِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ التَّرْجِيحَ الصَّرِيحَ إلَّا فِيمَا نُقِلَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ عَنْ فَتَاوَى بُرْهَانِ الدِّينِ أَنَّهُ يُفْتَى بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ لَكِنْ إذَا تَرَافَعَ الْمُتَوَلِّي وَالْمُسْتَأْجِرُ الْأَوَّلُ وَأَثْبَتَ زِيَادَةَ الْأَجْرِ بِزِيَادَةِ الرَّغَبَاتِ لَكِنْ إنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ الْحَنَفِيُّ بِرِوَايَةِ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ أَوْ تَرَافَعَا إلَى غَيْرِ الْحَنَفِيِّ فَحَكَمَ بِإِلْغَاءِ اعْتِبَارِ الزِّيَادَةِ الْعَارِضَةِ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِحَنَفِيٍّ آخَرَ الْفَسْخُ ذَاهِبًا إلَى رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ إذَا زَادَتْ الرَّغَبَاتُ أَنَّهُ يَفْسَخُهَا الْقَاضِي بِنَفْسِهِ أَوْ الْمُتَوَلِّي عِنْدَ الْقَاضِي وَبِإِذْنِهِ وَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَمْ يُحَرِّرْهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لَهُ الطَّرَسُوسِيُّ وَجَزَمَ بِالْأَوَّلِ وَإِنَّمَا يَفْسَخُ الْقَاضِي إذَا امْتَنَعَ النَّاظِرُ عَنْهُ اهـ. مُلَخَّصًا.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي قَرِيبًا عَنْ الْحَاوِي تَرْجِيحُ رِوَايَةِ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ
(قَوْلُهُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْفَاحِشَةِ إلَخْ) ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ قنلي زَادَهُ عَنْ الْحَاوِي الْحَصِيرِيِّ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْفَاحِشَةَ مُقَدَّرَةٌ بِضَعْفِ الَّذِي أَجَّرَهُ أَوَّلًا ثُمَّ قَالَ وَهَذَا قَوْلٌ لَمْ نَرَهُ لِغَيْرِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَهُوَ زِيَادَةٌ فَاحِشَةٌ نِصْفًا كَانَتْ أَوْ رُبْعًا وَهُوَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُتَقَوِّمَيْنِ فِي الْمُخْتَارِ ثُمَّ رَدَّدَ أَنَّهُ هَلْ هَذَا رِوَايَتَانِ أَوْ مُرَادُ الْعَامَّةِ أَيْضًا بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ مَا ذُكِرَ لَمْ يُحَرِّرْهُ أَحَدٌ قَبْلَنَا وَعَزَا إلَى الذَّخِيرَةِ مِثْلَ مَا فِي الْحَاوِي اهـ.
وَيُؤَيِّدُ مَا فِي الْحَاوِي مَا قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ قَبْلَ صَفْحَةٍ عَنْ الْقُنْيَةِ مِنْ قَوْلِهِ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ نِصْفُ الْمِثْلِ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ الْغَبْنَ مُقَابِلُ الزِّيَادَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصْفُ وَنَحْوُهُ فَكَذَا فِي الزِّيَادَةِ
(قَوْلُهُ ثُمَّ يُنْظَرُ إنْ كَانَ رَفَعَ الْبِنَاءَ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ قنلي زَادَهْ فِي رِسَالَتِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ نَحْوَ ذَلِكَ وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ الْبَانِي بِغَيْرِ إذْنِ الْمُتَوَلِّي
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْبِنَاءُ بِأَمْرِ الْمُتَوَلِّي كَانَ الْبِنَاءُ لِلْوَقْفِ وَيَرْجِعُ الْبَانِي عَلَى الْمُتَوَلِّي بِمَا أَنْفَقَ. اهـ.
قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ إذْنَ الْمُتَوَلِّي بِالْبِنَاءِ لِأَجْلِ الْوَقْفِ
أَمَّا إذَا أَذِنَ لَهُ بِالْبِنَاءِ لِنَفْسِهِ فَبَنَى لِنَفْسِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْبِنَاءُ لِلْوَقْفِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَا يَتَمَلَّكُهُ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
وَكَذَلِكَ لَوْ رَضِيَ وَلَمْ يَرْضَ الْقَيِّمُ لَا يُجْبَرُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ وَتَمَلُّكٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَرْضَ الْقَيِّمُ هَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ لِبِنَائِهِ الظَّاهِرُ لَا لِأَنَّهُ إنَّمَا بَقِيَ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ لَا لِمَصْلَحَتِهِ
وَكَذَلِكَ لَوْ رَضِيَ الْقَيِّمُ وَلَمْ يَرْضَ هُوَ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِ مِلْكِهِ وَإِبْقَاءِ الْبِنَاءِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ لَا لِمَصْلَحَتِهِ بَلْ لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ جَبْرًا عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أُلْزِمَ بِالْأُجْرَةِ لَزِمَ عَلَيْهِ ضَرَرَانِ ضَرَرُ إجْبَارِهِ عَلَى التَّرَبُّصِ إلَى وَقْتِ التَّخَلُّصِ وَإِلْزَامِهِ بِالْأُجْرَةِ وَلَمْ يُعْهَدْ نَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ وَلِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بِالْأُجْرَةِ أَخَذَ بِرَفْعِ مِلْكِهِ وَتَخْلِيصِهِ عَنْ الْوَقْفِ هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا فِي حَانُوتٍ وُقِفَ وَعِمَارَتُهُ لِغَيْرِهِ أَبَى صَاحِبُ الْعِمَارَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَرْصَةَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا إنْ كَانَتْ بِحَالٍ لَوْ رُفِعَتْ الْعِمَارَةُ تُسْتَأْجَرُ يُكَلَّفُ لِرَفْعِ الْعِمَارَةِ وَلَوْ أَجَّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ مَعَ الْعِمَارَةِ لَا يَجُوزُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ الْإِجَارَةُ هُنَا أَيْضًا إلَّا إذَا أَجَّرَ الْعَرْصَةَ مَعَ الْعِمَارَةِ فَأَجَازَ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ فَيَجُوزُ وَيَنْقَسِمُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهِمَا
قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ مِلْكًا وَالْعَرْصَةُ وَقْفًا وَأَجَّرَ الْمُتَوَلِّي بِإِذْنِ مَالِكِ الْبِنَاءِ فَالْأَجْرُ يَنْقَسِمُ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْعَرْصَةِ وَيُنْظَرُ بِكَمْ يُسْتَأْجَرُ كُلٌّ فَمَا أَصَابَ الْبِنَاءَ فَهُوَ لِمَالِكِ الْبِنَاءِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ. اهـ. كَلَامُ الرَّمْلِيِّ.
قُلْتُ: وَفِي إجَارَاتِ مِنَحِ الْغَفَّارِ أَنَّ الْبِنَاءَ يَتَمَلَّكُهُ النَّاظِرُ لِجِهَةِ الْوَاقِفِ قَهْرًا عَلَى صَاحِبِهِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَنْقُصُ بِالْقَلْعِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ عَامَّةُ الشَّارِحُونَ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ مَوْلَانَا صَاحِبُ الْبَحْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَى مَا فِي الشُّرُوحِ الْمَوْضُوعَةِ لِنَقْلِ الْمَذْهَبِ
بِخِلَافِ نَقْلِ الْفَتَاوَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ خِلَافُ هَذَا الظَّاهِرِ وَهُوَ إلْحَاقُهَا بِالْمُشَاهَرَةِ فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ السَّنَةِ كَانَ لِلْقَيِّمِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الِانْعِقَادِ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِالْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ حُكْمُهُ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ فِي كُلِّ الصُّوَرِ حَيْثُ لَمْ تَزِدْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي ذَاتِهَا لِلُزُومِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ مُوجِبِ الْفَسْخِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ إلَخْ أَنَّهَا مِثْلَ الْمُشَاهَرَةِ فِي عَدَمِ قَبُولِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهَا فِي الْمُشَاهَرَةِ لَا تُقْبَلُ بَلْ يَصِيرُ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ وَبِهِ يَصِحُّ كَلَامُهُ وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُسَانَهَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَذَلِكَ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى تَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْفَهْمُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ بَلْ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهَا فِي الْمُسَانَهَةِ لَا تُنْزَعُ مِنْ يَدِهِ وَلَوْ تَمَّتْ السَّنَةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إلَخْ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْمُشَاهَرَةِ وَالْمُسَانَهَةِ وَفِي رِسَالَةِ الْعَلَّامَةِ قنلي زَادَهْ مَسَائِلُ الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضِ الْوَقْفِ وَالْغِرَاسِ عَلَيْهَا كَثِيرُ الْوُقُوعِ فِي الْبُلْدَانِ خُصُوصًا فِي دِمَشْقَ فَإِنَّ بَسَاتِينَهَا كَثِيرَةٌ وَأَكْثَرُهَا أَرَاضِي أَوْقَافٍ غَرَسَ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرُونَ وَجَعَلُوهَا أَمْلَاكًا وَأَكْثَرُ إجَارَاتِهَا بِأَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ
إمَّا ابْتِدَاءً وَإِمَّا بِزِيَادَةِ الرَّغَبَاتِ
وَكَذَلِكَ حَوَانِيتُ الْبُلْدَانِ فَإِذَا طَلَبَ الْمُتَوَلِّي أَوْ الْقَاضِي رَفْعَ إجَارَاتِهَا إلَى أَجْرِ الْمِثْلِ يَتَظَلَّمُ سُكَّانُهَا وَمُسْتَأْجِرُوهَا وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ ظُلْمٌ عَلَيْهِمْ وَهُمْ ظَالِمُونَ.
وَبَعْضُ الصُّدُورِ وَالْأَكَابِرِ أَيْضًا قَدْ يُعَاوِنُونَهُمْ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا تَحْرِيكَ فِتْنَةٍ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَاضٍ عَادِلٍ عَالِمٍ وَكُلِّ قَيِّمٍ أَمِينٍ غَيْرِ ظَالِمٍ أَنْ يَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ إذَا رَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِنَاءَهُ وَغَرْسَهُ لَا يَسْتَأْجِرُهُ النَّاسُ بِأَكْثَرَ فَلْيُبْقِهَا وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ وَتَبْقَى الْأَرْضُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً يَسْتَأْجِرُهَا الْمُسْتَأْجِرُونَ بِأَكْثَرَ بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ فِيهَا النَّاسُ وَثَبَتَ هَذَا بِخَبَرِ اثْنَيْنِ خَبِيرَيْنِ نَقُولُ لِصَاحِبِ الْبِنَاءِ
إمَّا أَنْ تَفْسَخَ وَتَرْفَعَ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ أَوْ تَقْبَلَهَا بِهَذِهِ الْإِجَارَةِ فَإِنْ قَبِلَهَا تَبْقَى الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ وَلَا يَرْفَعُ بِنَاءَهُ وَغَرْسَهُ.
وَقَلَّمَا يَضُرُّ رَفْعُهُ بِالْأَرْضِ فَلَا يُبَالِي بِهِ وَإِنْ ضَرَّ بِهَا ضَرَرًا بَيِّنًا يَأْذَنُ الْقَاضِي لِلْمُسْتَأْجِرِ بِرَفْعِ بِنَائِهِ صِيَانَةً لِلْوَقْفِ عَنْ الضَّرَرِ فَيَأْمُرُ الْمُتَوَلِّيَ بِتَمَلُّكِهِ مَقْلُوعًا إنْ رَضِيَ صَاحِبُ الْبِنَاءِ وَإِلَّا فَيُؤَجِّرُ الْمُتَوَلِّي الْأَرْضَ مِنْ الْغَيْرِ وَيَبْقَى الْبَانِي إلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِلْكُهُ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَلَبَّانِي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ رَفْعَهُ فَكَأَنَّهَا غَيْرُ مَشْغُولَةٍ هَكَذَا قَالُوا وَلَكِنْ مَنْ يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ مَعَ بِنَاءِ الْحَانُوتِ فِيهَا إذْ لَا يُمْكِنُهُ التَّمَتُّعُ فِيهَا.
فَالْوَجْهُ أَنْ يَرْضَى بِضَرَرِ الْقَلْعِ وَيُؤْمَرُ بِهِ وَهُوَ يَسِيرٌ غَالِبًا فَيُؤْخَذُ الْبِنَاءُ غَيْرَ مَقْلُوعٍ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا وَيَحْصُلُ لِلْوَقْفِ غِبْطَةٌ عَظِيمَةٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ ابْتِدَاءً أَوْ الْآنَ وَإِلَّا فَلَا تُفْسَخُ بِزِيَادَةِ أَحَدٍ وَإِنْ زَادَ ضَعْفَ الْأُجْرَةِ إلَّا أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَيُعْطِيَهَا لِلطَّالِبِ بِالزِّيَادَةِ
أَمَّا إذَا زَادَ أُجْرَةُ الْأَرْضِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَفْسَخُهَا فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا بِحَالٍ. اهـ.
مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْتُ: إلَخْ) سُئِلَ هَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يُؤَجِّرَ مَعَ بَقَاءِ النَّاظِرِ فَأَجَابَ نَصَّ الْأُسْرُوشَنِيُّ عَلَى أَنَّ إجَارَةَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ الْمُتَوَلِّي أَوْ الْقَاضِي وَهَذَا بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لِلْوَقْفِ مُتَوَلٍّ لَكِنْ نَصُّهُمْ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ مَحْجُورٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ عِنْدَ وَصِيِّ الْمَيِّتِ وَعِنْدَ مَنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي عَنْ الْمَيِّتِ يَقْتَضِي بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُؤَجِّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَقْفِ مُتَوَلٍّ أَوْ كَانَ لَهُ مُتَوَلٍّ لَكِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِيجَارِ وَيَكُونُ هَذَا مَحْمَلَ كَلَامِ الْأُسْرُوشَنِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَاوَى حَانُوتِيٍّ.
(قَوْلُهُ قُلْتُ: نَعَمْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الَّذِي قَدَّمَهُ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْحُكْمِ بَلْ التَّرَدُّدَ فِيهِ وَأَقُولُ: الظَّاهِرُ لَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ الْوِلَايَةُ الْخَاصَّةُ أَقْوَى مِنْ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ فَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا أَبَى الْمُتَوَلِّي إجَارَتَهَا فَتَأَمَّلْ وَقَدْ
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَمَا فَرَّعَ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى هَذَا لَا يَمْلِكُ الْقَاضِي التَّصَرُّفَ فِي الْوَقْفِ مَعَ وُجُودِ نَاظِرٍ وَلَوْ مِنْ قِبَلِهِ وَالْإِجَارَةُ تَصَرُّفٌ فِي تَوَقُّفٍ
بِخِلَافِ تَقْرِيرِ الْوَظَائِفِ لِغَيْرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ تَأَمَّلْ وَفِي أَوْقَافِ هِلَالٍ أَرَأَيْت الْقَاضِيَ إذَا أَجَّرَ الدَّارَ الْوَقْفَ.
قَالَ الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَّرَهَا وَكِيلُ الْقَاضِي بِأَمْرِهِ قَالَ نَعَمْ
وَظَاهِرُهُ إطْلَاقُ الْجَوَازِ مَعَ وُجُودِ الْمُتَوَلِّي وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ اهـ.
كَلَامُ الرَّمْلِيِّ مُلَخَّصًا قُلْتُ: وَجَدْتُ فِي التَّجْنِيسِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ وَنَصُّهُ أَرْضُ وَقْفٍ بِدِرْعَمَ وَهِيَ نَاحِيَةٌ مِنْ نَوَاحِي سَمَرْقَنْدَ وَلَهَا مُتَوَلٍّ مِنْ جِهَةِ قَاضِي سَمَرْقَنْدَ فَاسْتَأْجَرَهَا رَجُلٌ مِنْ حَاكِمٍ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ فَزَرَعَهَا فَلَمَّا حَصَلَتْ الْغَلَّةُ طَلَبَ الْمُتَوَلِّي الْحِصَّةَ مِنْ الْغَلَّةِ كَمَا جَرَى الْعُرْفُ فِي الْمُزَارَعَةِ بِدِرْعَمَ فَقَالَ الرَّجُلُ عَلَى الْأُجْرَةِ كَانَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَأْخُذَ الْحِصَّةَ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْحَاكِمِ لِأَنَّ تَوْلِيَةَ الْقَاضِي لِهَذَا الْمُتَوَلِّي إنْ كَانَ قَبْلَ تَقْلِيدِ الْحَاكِمِ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ فِي تَقْلِيدِهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ خَرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ وِلَايَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ فَلَمْ تَصِحَّ إجَارَتُهُ فَإِذَا زَرَعَهَا.
وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ بِالْمُزَارَعَةِ عَلَى النِّصْفِ أَوْ عَلَى الثُّلُثِ صَارَ كَأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ دَفَعَهَا إلَيْهِ مُزَارَعَةً عَلَى ذَلِكَ اهـ.
وَنَحْوُهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَدْ ذَكَرَهَا فِي الْإِسْعَافِ أَيْضًا فِي فَصْلِ إجَارَةِ الْوَقْفِ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ مِنْ جِهَةِ قَاضِي الْبَلْدَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ أَوْ مَأْمُورَهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ الْإِيجَارِ مَعَ حُضُورِ الْمُتَوَلِّي إلَى التَّعْلِيلِ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي تَعْلِيلِهِ أَوْ خَارِجٌ عَنْهُ يُفِيدُ مِلْكَ الْقَاضِي لِذَلِكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي الْقُنْيَةِ أَجَّرَ الْقَيِّمُ ثُمَّ عُزِلَ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَدْ أَفْتَى الشَّارِحُ بِأَنَّ أَخْذَهَا لِلْمَعْزُولِ وَهِيَ فِي فَتَاوَاهُ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ وَقَدْ عُلِمَ بِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ إفْتَاءٌ بِخِلَافِ الْأَصَحِّ
(قَوْلُهُ لِلْقَيِّمِ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ إلَى كَتَبَةِ الْفَتْوَى) قَالَ الرَّمْلِيُّ
وَمِثْلُهُ لَوْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ ظَالِمٌ وَلَمْ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ عَنْهُ إلَّا بِصَرْفِ مَالِهِ فَصَرَفَ لَا يَضْمَنُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصِيِّ إذَا طَمَعَ السُّلْطَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ عَنْهُ إلَّا بِدَفْعِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ
وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَعَرَضَ لَهُ مِثْلُ هَذَا الْأَمْرِ فَاسْتَدَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي أَوْ اسْتَأْذَنَ الْقَاضِيَ فِي بَذْلِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ بِهِ فِي مَالِ الْوَقْفِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا أَيْضًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْقَيِّمَ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ لِصَرْفِهِ نَصِيبَ الْغَيْرِ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ فَصَارَ مُتَعَدِّيًا وَقَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ اتَّبَعَ شُرَكَاءَهُ أَيْ لِأَخْذِهِمْ نَصِيبَهُ
(قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَدْفَعُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الثَّانِيَةِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ إنْ أَرَادَ مِنْ أَنْصِبَائِهِمْ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَيَرْجِعُوا جَمِيعًا عَلَى الْقَيِّمِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ وَإِنْ أَرَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْصِبَائِهِمْ فَالظَّاهِرُ خِلَافُ هَذَا الظَّاهِرِ وَلَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ أَيْ كَلَامِ الْحَاوِي وَكَلَامِ الْخَانِيَّةِ مُخَالَفَةٌ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَلَا يَضْمَنُ الْمُتَوَلِّي) .
قَالَ الرَّمْلِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ تَضْمِينَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُمْ فَكَانَ مُتَعَدِّيًا فَيَضْمَنُ فَقَوْلُهُ وَصُرِفَ نَصِيبُهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ اتِّفَاقِيٌّ لَا احْتِرَازِيٌّ تَأَمَّلْ.
[وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ أَوْ فُقَرَاءِ قَرْيَتِهِ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ]
(قَوْلُهُ وَهُمْ يُحْصَوْنَ أَوْ لَا يُحْصَوْنَ) هَكَذَا فِي النُّسَخِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالصَّوَابُ الْعَكْسُ كَمَا فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ التَّتَارْخَانِيَّة حَيْثُ قَالَ وَهُمْ لَا يُحْصَوْنَ أَوْ يُحْصَوْنَ وَعَلَى هَذَا يَصِحُّ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ تُقْسَمُ الْغَلَّةُ إلَى الْفَرِيقَيْنِ بِعَدَدِهِمْ) أَيْ تُقْسَمُ عَلَى الرُّءُوسِ
فَلَوْ كَانَ فُقَرَاءُ الْقَرَابَةِ عِشْرِينَ مَثَلًا وَفُقَرَاءُ الْقَرْيَةِ عَشَرَةً تُقْسَمُ عَلَى ثَلَاثِينَ مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ
بِخِلَافِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ نِصْفَيْنِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ لَا عَلَى الرُّءُوسِ لِكَوْنِهِمْ لَا يُحْصَوْنَ
وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَتُقْسَمُ الْغَلَّةُ نِصْفَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ يُقْسَمُ نِصْفُ مَنْ يُحْصَوْنَ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ بِلَا تَفْضِيلٍ وَنِصْفُ مَنْ لَا يُحْصَوْنَ يُعْطَى لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَبِهِ يَتَّضِحُ مَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْرُومِ) .
قَالَ الرَّمْلِيُّ قُدِّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْرُومِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَتَّبِعَ الْمُتَوَلِّيَ فَيُضَمِّنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَتَّبِعَهُمْ لَكِنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِمَا إذَا حَرَمَهُ وَصَرَفَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ لَا مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ خِلَافُ الْفِقْهِ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ دَفَعَ مَالَ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِ الْغَيْرِ وَالدَّافِعُ مُتَعَدٍّ بِالدَّفْعِ وَالْآخِذُ بِالْأَخْذِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قُلْتُ: هَلْ لِأَحَدِ النَّاظِرَيْنِ أَنْ يُؤَجِّرَ الْآخَرَ احْتِرَازٌ عَنْ النَّاظِرِ وَالْقَاضِي)
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ وَلَوْ تَقَبَّلَ الْمُتَوَلِّي الْوَقْفَ لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ إلَّا إذَا تَقَبَّلَهُ مِنْ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ لِقِيَامِهِ بِاثْنَيْنِ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَحَدِ النَّاظِرَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَانَةً) أَقُولُ: صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ الْخَصَّافُ فِي بَابِ الرَّجُلِ يَجْعَلُ أَرْضًا صَدَقَةً مَوْقُوفَةً ثُمَّ يَزْرَعُهَا وَنَصُّهُ
قُلْتُ: فَمَا تَقُولُ فِي وَالِي هَذِهِ الصَّدْقَةِ إنْ زَرَعَ أَرْضَ الْوَقْفِ ثُمَّ اخْتَلَفَ هُوَ وَأَهْلُ الْوَقْفِ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ وَالِيهَا إنَّمَا زَرَعْتُهَا لِنَفْسِي بِبَذْرِي وَنَفَقَتِي وَقَالَ أَهْلُ الْوَقْفِ بَلْ زَرَعْتَهَا لَنَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْبَذْرَ لَهُ فَمَا حَدَثَ مِنْ الزَّرْعِ مِنْ هَذَا الْبَذْرِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَهُوَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ فِيمَا يُزْرَعُ لَهُ
قُلْتُ: فَتَرَى إخْرَاجَهُ مِنْ يَدِهِ بِمَا فَعَلَ قَالَ نَعَمْ وَيَضْمَنُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَقَيَّدَهُ الطَّرَسُوسِيُّ إلَخْ) نَصُّ عِبَارَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ فِيهَا أَنَّهُ إنْ حَصَلَ طَلَبُ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْهُ الْمَالَ وَأَخَّرَ ثُمَّ مَاتَ مُجْهَلًا أَنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ طَلَبٌ مِنْهُمْ وَمَاتَ مُجْهَلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ أَيْضًا إنْ كَانَ مَحْمُودًا بَيْنَ النَّاسِ مَعْرُوفًا بِالدِّيَانَةِ وَالْأَمَانَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَمَضَى زَمَنٌ وَالْمَالُ بِيَدِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَنَّهُ يَضْمَنُ. اهـ.
وَكَانَ قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ إلَخْ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ الرَّمْلِيِّ فَاعْتَرَضَ عَلَى الْمُؤَلِّفِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ وَالْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِمْ مُتَعَيِّنٌ وَلَا نَظَرَ لِمَا قَالَهُ الطَّرَسُوسِيُّ بَحْثًا وَيَكْفِي الْمَانِعَ احْتِمَالُهُ وَقَدْ قِيلَ فِي حَقِّ الطَّرَسُوسِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْقَائِلُ فِيهِ ذَلِكَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ.
تَأَمَّلْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْبِيرِيَّ فِي شَرْحِ الْأَشْبَاهِ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ غَلَّاتُ الْوَقْفِ وَقَعَ هَكَذَا مُطْلَقًا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَقَيَّدَهُ قَاضِي خَانْ بِمُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ إذَا أَخَذَ غَلَّاتِ الْمَسْجِدِ وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ اهـ.
أَقُولُ: أَمَّا إذَا كَانَتْ الْغَلَّةُ مُسْتَحَقَّةً لِقَوْمٍ بِالشَّرْطِ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا
ثُمَّ ذَكَرَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ فَرَاجِعْهُ
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ إنَّ غَلَّةَ الْوَقْفِ يَمْلِكُهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ دَعْوَى الرَّجُلَيْنِ مِنْ أَنَّ دَعْوَى الْغَلَّةِ مِنْ قَبِيلِ دَعْوَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَحِينَئِذٍ فَتَكُونُ فِي حُكْمِ سَائِرِ الْأَمَانَاتِ فَتَنْقَلِبُ مَضْمُونَةً بِالْمَوْتِ عَنْ تَجْهِيلٍ كَشَرِيكٍ وَمُفَاوَضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ وَفِي وَقْفِ النَّاصِحِيِّ إلَخْ) .
قَالَ الرَّمْلِيُّ سُئِلَ مَوْلَانَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْغَزِّيِّ عَنْ الْمُتَوَلِّي إذَا قَبَضَ غَلَّاتِ الْوَقْفِ وَصَرَفَهَا فِي مَصَالِحِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ يَحْلِفُ أَمْ لَا فَأَجَابَ نَعَمْ الْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا صَرَفَهُ فِي مَصَالِحِ الْوَقْفِ مِنْ النَّفَقَةِ إذَا وَافَقَ الظَّاهِرَ
وَكَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الصَّرْفِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِلَا بَيِّنَةٍ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ فِي الْوَقْفِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْلِيفِهِ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا فِي الْفَوَائِدِ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ثُمَّ بَعْدَ كِتَابَةِ هَذَا الْجَوَابِ وَقَفْتُ عَلَى جَوَابِ فَتْوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي السُّعُودِ الْعِمَادِيِّ مُفْتِي الدِّيَارِ الرُّومِيَّةِ صُورَتُهَا إذَا ادَّعَى الْمُتَوَلِّي دَفْعَ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا شَرْعًا هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا فَكَتَبَ جَوَابَهُ إنْ ادَّعَى الدَّفْعَ لِمَنْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ فِي وَقْفِهِ كَأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى الْإِمَامِ بِالْجَامِعِ وَالْبَوَّابِ وَنَحْوِهِمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِلْبِنَاءِ فِي الْجَامِعِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْأُجْرَةِ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهُوَ تَفْصِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَلْيُعْمَلْ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ فِي تُحْفَةِ الْأَقْرَانِ غَيْرَ أَنَّ عُلَمَاءَنَا عَلَى الْإِفْتَاءِ بِخِلَافِهِ أَقُولُ: وَالْجَوَابُ عَمَّا تَمَسَّكَ بِهِ الْعِمَادِيُّ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْأُجْرَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِيهَا شَوْبُ الْأُجْرَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالصِّلَةِ وَمُقْتَضَى مَا قَالَهُ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ بَرَاءَةِ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيَلْزَمُ الضَّمَانُ فِي الْوَقْفِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْوَقْفِ فَالْإِفْتَاءُ بِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مُتَعَيِّنٌ وَقَوْلُ الْغَزِّيِّ هُوَ تَفْصِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَلْيُعْمَلْ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَضْمِينُ النَّاظِرِ لَهُ إذَا دَفَعَ لَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ لِتَعَدِّيهِ فَافْهَمْ وَقَوْلُهُ آنِفًا وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا إلَخْ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ.
(قَوْلُهُ هَلْ لِلْجَابِي الدَّعْوَى إلَخْ) .
قَالَ الرَّمْلِيُّ صَرَّحَ مَوْلَانَا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ سِرَاجِ الدِّينِ فِي فَتَاوَاهُ أَنَّ الْجَابِيَ الْمَنْصُوبَ مِنْ جَانِبِ النَّاظِرِ وَكِيلٌ عَنْ النَّاظِرِ فِي الْقَبْضِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ فِي دَعْوَى الِاسْتِيفَاءِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ وَكِيلَ الْقَبْضِ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ فَمَا هُنَا مُقَيَّدٌ بِالْجَابِي الْمَنْصُوبِ مِنْ جَانِبِ الْوَاقِفِ مَعَ النَّاظِرِ كَمَا إذَا شَرَطَ نَاظِرًا وَجَابِيًا فَلَيْسَ لِلْجَابِي الدَّعْوَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَفِي كَلَامِ هَذَا الشَّارِحِ إشَارَةٌ إلَيْهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا بَيَانُ مَا لَهُ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ
فَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ شَيْئًا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا إذَا جَعَلَ لَهُ الْقَاضِي أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ فِي الْوَقْفِ فَيَأْخُذُهُ عَلَى أَنَّهُ أُجْرَةٌ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا كَتَبْنَا فِيمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ وَالْمَعْهُودُ كَالْمَشْرُوطِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ فَيُحْمَلُ مَا نَقَلَهُ أَوَّلًا عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا
(قَوْلُهُ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْقِوَامَةِ أَجْرًا) قَالَ الرَّمْلِيُّ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا شُرِطَ لَهُ شَيْءٌ أَوْ كَانَ مَعْهُودًا تَوْفِيقًا
(قَوْلُهُ وَجَعَلَ لَهُ عُشْرَ الْغَلَّةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي الْوَقْفِ
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَائِدٌ إلَى قَطْعِ الْمَعْلُومِ إلَخْ) قَالَ الرَّمْلِيُّ الْمُتَعَيِّنُ خِلَافُ هَذَا الظَّاهِرِ إذْ لَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى إذْ يَرْجِعُ وَالْحَالُ هَذِهِ إلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ إذَا شَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ لَا فِي غَيْرِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ تَأَمَّلْ وَأَقُولُ: أَيْضًا كَيْفَ يُقَالُ هَذَا وَقَدْ قَدَّمَ أَوَّلًا قَوْلَهُ فِيهِ وَلَا تُؤَخَّرُ الْعِمَارَةُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا وَتُقْطَعُ الْجِهَاتُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا لَهَا إنْ لَمْ يُخَفْ ضَرَرٌ بَيِّنٌ فَإِنْ خِيفَ قُدِّمَ.
وَأَمَّا النَّاظِرُ فَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ مِنْ الْوَاقِفِ فَهُوَ كَأَحَدِ الْمُسْتَحِقِّينَ فَإِذَا قَطَعُوا لِلْعِمَارَةِ قَطَعَ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ فَيَأْخُذَ قَدْرَ أُجْرَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا. اهـ.
ثُمَّ نَقَلَ مَسْأَلَةَ الطَّاحُونِ بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِقَوْلِهِ فَهَذَا عِنْدَنَا فِيمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ إلَخْ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ يَقْطَعُ فِي زَمَنِ التَّعْمِيرِ مُطْلَقًا اشْتَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ إلَّا أَنْ يَعْمَلَ فَيَأْخُذَ قَدْرَ أُجْرَتِهِ وَلَا تَعَرُّضَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّاحُونِ لِلتَّعْمِيرِ فَعَوْدُهُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُتَّجَهٍ بَلْ الْمُتَّجَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ نَاظِرٍ وَنَاظِرٍ فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ إنْ عَيَّنَ لَهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَهُ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ حَيْثُ لَمْ يَشْرِطْهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِنَا عَلَى حَسَبِ مَا شَرَطَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْوَاقِفُ وَعَيَّنَ لَهُ الْقَاضِي أُجْرَةَ مِثْلِهِ جَازَ وَإِنْ عَيَّنَ أَكْثَرَ يُمْنَعُ عَنْهُ الزَّائِدُ عَنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.
هَذَا إنْ عَمِلَ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ لَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً وَبِمِثْلِهِ صَرَّحَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَإِنْ نَصَّبَهُ الْقَاضِي وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ شَيْئًا يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمَعْهُودُ أَنْ لَا يَعْمَلَ إلَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْمَعْهُودَ كَالْمَشْرُوطِ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ فَإِنَّهُ يَجِبُ إلَيْهِ الْمَصِيرُ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلِمَاتِهِمْ وَقَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْحُكْم الْمَذْكُورِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّاحُونِ وَقَوْلُهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَيْ فَيَسْتَحِقُّ الرِّيعَ بِالشَّرْطِ لَا بِالْعَمَلِ كَاسْتِحْقَاقِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ بِالشَّرْطِ لَا بِالْعَمَلِ وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ فِي فَهْمِ عِبَارَتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(ولو جعل الواقف غلة الوقف لنفسه) وعرف منه صحة اشتراط بعضها بالأولى ولا فرق أو جعل الولاية إليه صح بين كونه معيناً كالنصف والربع أو لا كقوله على أن تقضى منه ديوني وما فضل بعد ذلك يكون للفقراء (وجعل الولاية) أي: ولاية الوقف (إليه صح)
أما الأول فهو قول أبي يوسف وعليه الفتوى لما رواه المشايخ (أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل من وقفه) ولا يحل ذلك إلا بشرط للإجماع على أنه إذا لم يشترط ذلك لا يحل له وإنما الاختلاف مع الشرط فقال أبو يوسف: يحل ومحمد لا يحل قيل: الخلاف مبني على اشتراط التسليم إلى المتولي شرطه محمد فمنع اشتراط الغلة لنفسه لأنه حينئذ لا ينقطع حقه منه وما شرط القبض إلا لينقطع حقه ولم يشترطه أبو يوسف فجوزه
وقيل: بل مسألة مبتدأة.
قال في (الفتح) : وهذا أوجه ولو شرط الغلة لأمهات أولاده ومدبريه ما داموا أحياء فإذا ماتوا كان للفقراء رجح في (الهداية) (والمجتبى) أنه على الخلاف أيضاً ورجح غيره أنه صحيح بالاتفاق وهو المذكور في عامة الكتب والفرق لمحمد بين هذا واشتراط الغلة لنفسه أن حريتهم ثبتت بموته فكيف يكون الوقف عليهم كالوقف على الأجانب؟.
قال الخصاف: ولو شرط أن ينفق على نفسه وولده وحشمه وعياله من غلة هذا الوقف فلما جاءت الغلة باعها وقبض الثمن ثم مات قبل أن ينفق ذلك يكون لورثته وفرع في (الهداية) على الخلاف ما لو شرط الاستبدال لنفسه جوزه أبو يوسف وأبطل محمد الشرط
والصحيح قول أبي يوسف، وأجمعوا أنه لو شرطه في أصل الوقف صح الشرط كذا في (الخانية) بقي ما لو شرط عدمه ويكون الناظر إذا هم به معزولاً بعمله.
قال الطرسوسي: لم أقف عليه وقواعد المذهب تقتضي أن للقاضي ذلك وقد أوضحناه في الإجابة وحذفنا كثيراً من أحكام الوقف من هذا الشرح استغناء بما فيها من الإشباع والله الموفق،
وأما الثاني وهو اشتراط الولاية لنفسه فجائز بالإجماع لأن شرط الواقف معتبر فيراعى كالنصوص غير أن عند محمد يسلمه ثم تكون له الولاية لأن التسليم شرط عنده وذكر هلال في وقفه
فقال: وقال أقوام شرط الواقف الولاية لنفسه كانت له وإن لم يشترط لا تكون له ولاية يعني بعض المشايخ.
قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد لا يقال: كيف يكون هذا قول محمد والتسليم شرط عنده لأنا نقول هذا لا ينافي التسليم لأنه يمكنه أن يسلمه ثم يأخذه منه وذكر في (الهداية) أنه يحتمل أن يسقط التسليم عنده إذا شرط الولاية . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
لنفسه لأن شرطه يراعى كذا في (الشرح) وتعقبه الشيخ قاسم في بعض رسائله بأن دعوى الإجماع لا تصح لأن المنقول أن اشتراطها يفسد الوقف عند محمد كما في (الذخيرة) .
وقوله: إن شرط الواقف يراعى كالنصوص مراده أنه يجب العمل به كالنصوص وهو خلاف ما قاله العلماء، قال شيخ الإسلام: قولهم شرط الواقف كنص الشارع أي: في الولاية والفهم لا في وجوب العمل به وقوله غير أن عند محمد ... ممنوع مما نقله في شرح (السير) وغيره أنه بعدما سلمه له ولاية عزله ويستبدل به وقوله يعني بعض المشايخ معرضاً بأن هلال أدرك بعض أصحاب أبي حنيفة مات سنة خمس وأربعين ومائتين والمشايخ بالاصطلاح يقال: على من دونه ثم من الشراح من فسر قول هلال كما ذكر في (الذخيرة) بأن المراد بالولاية ولاية الملك الثابتة قبل الوقف فإن شرطها لنفسه كانت له ولا يصح الوقف كما قال محمد وإن لم يشترط لم يكن له، وعن هذا قال مشايخنا: الأشبه أن يكون هذا قول محمد وبهذا لا يرد الإشكال الذي أورده في (الهداية) ولحظه الشارح وأجاب عنه بقوله لأنا نقول حينئذ على أنه مردود بما قدمناه عن (السير) .
ولفظ محمد في (السير) أنه لو دفعه إلى قيم وشرط أنه إن مات القيم قبله فله أن يقيم فيه من أحب جاز الشرط فيراعى بشرط آخر ولم يمنع هذا الشرط إخراجه من يده فتم الحبس ولا يبطل بعوده إلى يده كيد غيره فقول صاحب (الهداية) في حل الإشكال: تأويل هذا فيما إذا سلمه إلى المتولي وقد كان شرط الولاية لنفسه حين وقفه كان له الولاية بعدما سلمه إلى المتولي فيه سقط وهو موت القيم كما قدمته من لفظ محمد والسغناقي لم يقف على لفظ محمد في كتابه ولا في شروح كتابه وما في (النهاية) لا صحة له ولا لتعليله
أما الأول فلما/ تقدم أن اشتراط الولاية مبطل للحبس
وأما الثاني فقد قالوا: إنه ليس كل شرط يراعى انتهى ملخصاً.
وأقول: في (فتاوى قاضي خان) ذكر محمد في (السير) أنه إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا يكون له ولاية بعد ذلك، وأراد شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية الحنبلي فإنه في موضع آخر عزى هذا إلى أبي عبد الله الدمشقي عن شيخه شيخ الإسلام وأبو عبد الله هو ابن مفلح الحنبلي وشيخه هو ابن تيمية وهذا كما ترى لا يلزم أن يكون رأياً للحنفية فالاستدلال به غير قادح وأي مانع من أنه كنص الشارع في وجوب العمل به فإذا شرط عليه أداء خدمة كقراءة أو تدريس وجب عليه
إما وينزع لو خائناً كالوصي وإن شرط أن لا ينزع.
العمل أو الترك لمن يعمل حتى لو لم يترك ينبغي أن لا يتردد في إثمه ولا سيما إذا كانت الخدمة مما يلزم بتركها تعطيل شعيرة من شعائر الإسلام كالأذان ونحوه فتدبره، إلا إذا كان شرط الولاية لنفسه
وأما إذا لم يشترط فليس له ولاية بعد التسليم.
قال: وهذه المسألة بناء على أن عند محمد التسليم إلى المتولي شرط الوقف فلا يبقى له ولاية بعد التسليم إلا إن شرط الولاية لنفسه ذكره في (الفتح) وقال: أو لا وبنى على الخلاف أي: في اشتراط التسليم وعدمه ما ذكر من أن الواقف إذا شرط الولاية في عزل القيم والاستبدال لنفسه ولأولاده وأخرجه من يده وسلمه إلى متولٍ فهذا جائز نص عليه في (السير الكبير) .
وفي (الإسعاف) ذكر هلال والناطفي في ذكر محمد في (السير) أن الواقف إذا وقف ضيعة له وأخرجها إلى القيم لا تكون له الولاية بعد ذلك إلا أن يشترط لنفسه انتهى، وهذا كما ترى صريح في أن اشتراطها صحيح بالإجماع وكون الولاية ولاية الملك بعيد جداً وبه عرف أن مسند المنع محمول على ما إذا لم يشترطها لنفسه فلا يصح الاستناد إليه وما ادعاه في قدح المشايخ كصاحب (النهاية) ، وتبعه في (العناية) وفي (فتح القدير) وغاية الأمر أن المشايخ اختلفوا في تأويل ما نقل عن محمد والله الموفق.
وما في (الخلاصة) إذا شرط الواقف أن يكون هو المتولي فعند أبي يوسف الوقف والشرط صحيحان وعند محمد الوقف والشرط باطلان يوافق ما حكاه عن (الذخيرة) لكنه محمول على أنه رواية عن محمد، قيد باشتراطه لأنه لو لم يشترطها كان لو الولاية أيضاً عند أبي يوسف وهو ظاهر المذهب خلافاً لمحمد بناء على اشتراط التسليم
(وَإِنْ جَعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ أَوْ جَعَلَ الْوِلَايَةَ إلَيْهِ صَحَّ)
أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا إذَا جَعَلَ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ فَالْمَذْكُورُ هُنَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ لِأَبِي يُوسُفَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ يَأْكُلُ مِنْ وَقْفِهِ» وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا بِالشَّرْطِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ وَلِأَنَّ الْوَقْفَ إزَالَةُ الْمِلْكِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أَصْلِهِمَا فَإِذَا شَرَطَ الْبَعْضَ أَوْ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ فَقَدْ شَرَطَ مَا صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَهُوَ جَائِزٌ
لَا أَنْ يَجْعَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ فَصَارَ نَظِيرَ مَا إذَا بَنَى خَانًا أَوْ سِقَايَةً أَوْ جَعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَشَرَطَ أَنْ يَنْزِلَهُ أَوْ يَشْرَبَ مِنْهَا أَوْ يُدْفَنَ فِيهَا وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْقُرْبَةُ وَفِي الصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَفَقَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ صَدَقَةٌ» وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ التَّقَرُّبَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَاشْتِرَاطِ الْغَلَّةِ أَوْ بَعْضِهَا لِنَفْسِهِ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَكَانَ بَاطِلًا كَالصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ لَيْسَ فِي هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ رِوَايَةٌ ظَاهِرَةٌ إلَّا شَيْءٌ ذَكَرَهُ فِي الْوَقْفِ فَقَالَ إذَا وَقَفَ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ جَازَ فَقَالَ هَذَا الْوَقْفُ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا يَكُونُ لِأُمِّ الْوَلَدِ حَالَ حَيَاةِ الْمَوْلَى يَكُونُ لِلْمَوْلَى
وَقِيلَ إنَّهُ فِي الصَّحِيحِ عَلَى الْخِلَافِ ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقِيلَ يَجُوزُ لَهُنَّ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُنَّ يُعْتَقْنَ بِمَوْتِهِ فَيَصِرْنَ أَجْنَبِيَّاتٍ فَيَصِيرُ اشْتِرَاطُهُ لَهُنَّ كَاشْتِرَاطِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ ثُمَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ يَجُوزُ أَيْضًا تَبَعًا لِمَا بَعْدَ مَمَاتِهِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهِ أَرْضًا أُخْرَى إذَا شَاءَ وَتَكُونُ وَقْفًا مَكَانَهُ أَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّقَرُّبَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ وَاشْتِرَاطِ مَا ذُكِرَ يُمْنَعُ مِنْهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لَهُ
بِخِلَافِ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ لَهُ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ أَصْلًا
وَكَذَا إذَا شَرَطَ الْخِيَارَ وَهُوَ مَجْهُولٌ فِي رِوَايَةٍ
وَفِي رِوَايَةٍ يَجُوزُ الْوَقْفُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ فَصْلُ اشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ لِنَفْسِهِ فَجَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ مُعْتَبَرٌ فَيُرَاعَى كَالنُّصُوصِ غَيْرَ أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يُسَلِّمُهُ ثُمَّ تَكُونُ لَهُ الْوِلَايَةُ لِأَنَّ التَّسْلِيمَ شَرْطٌ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهَا لِأَحَدٍ فَالْوِلَايَةُ لَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَكُونُ لَهُ الْوِلَايَةُ لِأَنَّهُ لَمَّا تَرَكَ الشَّرْطَ فِي ابْتِدَاءِ الْوَقْفِ خَرَجَ الْأَمْرُ مِنْ يَدِهِ فَصَارَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ الْوِلَايَةَ مِنْ جِهَتِهِ بِشَرْطِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ الْوِلَايَةُ وَغَيْرُهُ يَسْتَفِيدُهَا مِنْهُ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِوِلَايَتِهِ كَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَكُونُ أَوْلَى بِعِمَارَتِهِ وَنَصَّبَ الْقَيِّمَ فِيهِ وَكَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهِ وَذَكَرَ هِلَالٌ فِي وَقْفِهِ فَقَالَ قَالَ أَقْوَامٌ إنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ كَانَتْ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَا تَكُونُ لَهُ وِلَايَةٌ يَعْنِي بَعْضَ الْمَشَايِخِ قَالُوا ذَلِكَ.
قَالَ مَشَايِخُنَا الْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ وَالتَّسْلِيمُ شَرْطٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَا يُنَافِي التَّسْلِيمَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ثُمَّ يَأْخُذَهُ مِنْهُ وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَسْقُطَ التَّسْلِيمُ عِنْدَهُ إذَا شَرَطَ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّ شَرْطَهُ يُرَاعَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَإِنْ جَعَلَ الْوَاقِفُ غَلَّةَ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْأَجْنَاسِ قَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ لِعِيسَى بْنِ أَبَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَجُوزُ وَنَقَلَ فِي الْأَجْنَاسِ أَيْضًا عَنْ وَقْفِ هِلَالِ بْنِ يَحْيَى الْبَصْرِيِّ لَوْ قَالَ أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى نَفْسِي كَانَ الْوَقْفُ بَاطِلًا
وَكَذَا لَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَنَّ غَلَّتَهَا إلَى مَا عِشْت لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ
وَكَذَا لَوْ قَالَ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَيَّ وَعَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَنَسْلِي الْوَقْفُ بَاطِلٌ وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ فِي فَتَاوَاهُ وَمَشَايِخُ بَلْخٍ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَالصَّدْرُ الشَّهِيدُ كَانَ يُفْتِي بِهِ أَيْضًا تَرْغِيبًا لِلنَّاسِ فِي الْوَقْفِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَجُوزُ) فِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِاشْتِرَاطِهِ التَّسْلِيمَ إلَى الْمُتَوَلِّي اهـ قَالَ الْكَمَالُ ثُمَّ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا بِنَاءٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَيْ قَبْضِ الْمُتَوَلِّي فَلَمَّا شَرَطَهُ مُحَمَّدٌ مَنَعَ اشْتِرَاطَ الْغَلَّةِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَنْقَطِعُ حَقُّهُ فِيهِ وَمَا شَرَطَ الْقَبْضَ إلَّا لِيَنْقَطِعَ حَقُّهُ
وَلَمَّا لَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو يُوسُفَ لَمْ يَمْنَعْهُ
وَقِيلَ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ وَهَذَا أَوْجَهُ اهـ قَوْلُهُ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوَقْفَ تَبَرُّعٌ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِلْغَلَّةِ أَوْ السُّكْنَى فَاشْتِرَاطُ الْبَعْضِ أَوْ الْكُلِّ لِنَفْسِهِ يُبْطِلُهُ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْ نَفْسِهِ لَا يَتَحَقَّقُ فَصَارَ كَالصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ بِأَنْ تَصَدَّقَ عَلَى فَقِيرٍ بِمَالٍ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُ لِي لَمْ يَجُزْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ إذْ لَمْ يَكُنْ مُمَلَّكًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إلَّا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْقَدْرِ فَكَذَا فِي الصَّدَقَةِ الْمَوْقُوفَةِ وَكَشَرْطِ بَعْضِ بُقْعَةِ الْمَسْجِدِ لِنَفْسِهِ بَيْتًا اهـ.
(قَوْلُهُ ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ) وَهُوَ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ وَالتَّتِمَّةِ وَالذَّخِيرَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ فَإِنَّ فِي تِلْكَ الرِّوَايَاتِ جَعَلَ جَوَازَ الْوَقْفِ عَلَيْهِنَّ بِالِاتِّفَاقِ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا الثَّانِي إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ شَرْطُ الْوِلَايَةِ لِنَفْسِهِ فَقَدْ نَصَّ الْقُدُورِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ عَلَى جَوَازِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَهُوَ قَوْلُ هِلَالٍ أَيْضًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَ النَّاطِفِيُّ فِي الْأَجْنَاسِ عَنْ وَقْفِ هِلَالٍ إذَا جَعَلَ أَرْضَهُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً لِلَّهِ أَبَدًا وَلَمْ يَشْرِطْ الْوِلَايَةَ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ فَالْوِلَايَةُ لِلْوَاقِفِ اشْتَرَطَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ثُمَّ قَالَ النَّاطِفِيُّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ لَا وِلَايَةَ لِلْوَاقِفِ إلَّا أَنْ يَشْرِطَهُ لِنَفْسِهِ إلَى هُنَا لَفْظُ كِتَابِ النَّاطِفِيِّ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ التَّسْلِيمَ إلَى الْقَيِّمِ شَرْطُ صِحَّةِ الْوَقْفِ فَبَعْدَ التَّسْلِيمِ إلَيْهِ لَا يَبْقَى لَهُ وِلَايَةٌ إلَّا بِالشَّرْطِ السَّابِقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ شَرْطَهُ يُرَاعَى) وَمِنْ ضَرُورَتِهِ سُقُوطُ التَّسْلِيمِ اهـ كَمَالٌ (فَصْلٌ) لَمَّا اخْتَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَحْكَامٍ تُخَالِفُ أَحْكَامُ مُطْلَقِ الْوَقْفِ عِنْدَ الثَّلَاثَةِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشْتَرَطُ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْ الْمَسْجِدِ حُكْمُ الْحَاكِمِ وَلَا الْإِيصَاءُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ مُشَاعًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسْلِيمُ إلَى الْمُتَوَلِّي عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَفْرَدَهُ بِفَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَّرَهُ. اهـ. قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحْتَهُ سِرْدَابٌ)
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ جَعَلَ مَسْجِدًا تَحْتَهُ سِرْدَابٌ أَوْ فَوْقَهُ بَيْتٌ وَجَعَلَ بَابَ الْمَسْجِدِ إلَى الطَّرِيقِ وَعَزَلَهُ فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ مَاتَ يُورَثُ عَنْهُ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَهُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.