وللكلّ لفظة الشّهادة، والعدالة
الشروح عليها
(قَوْلُهُ لِلْكُلِّ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَالْعَدَالَةِ) أَيْ وَشَرَطَ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لَفْظَ أَشْهَدُ بِالْمُضَارِعِ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَهَا وَقَدَّمْنَا أَنَّ لَفْظَهَا رُكْنٌ فَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَشْمَلَ الرُّكْنَ وَالشَّرْطَ وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِهَا فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلْعِرَاقِيِّينَ لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَهَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَا الشَّهَادَةِ
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ يُشْتَرَطُ لَهَا الْحُرِّيَّةُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطٍ آخَرَ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَهُوَ التَّفْسِيرُ حَتَّى لَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ لَا تُقْبَلُ
وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ مِثْلَ شَهَادَةِ صَاحِبِي لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْخَصَّافِ وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا تُقْبَلُ وَقَيَّدَهُ الْأُوزْجَنْدِيُّ بِمَا إذَا قَالَ لِهَذَا الْمُدَّعِي عَلَى هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبِهِ يُفْتَى كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ إنْ كَانَ فَصِيحًا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ وَإِنْ كَانَ عَجَمِيًّا يُقْبَلُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ إنْ اُسْتُفْسِرَ بَيَّنَ وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ إنْ أَحَسَّ الْقَاضِي بِخِيَانَتِهِ كَلَّفَهُ التَّفْسِيرَ وَإِلَّا لَا وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ لَوْ أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَوْ وَكِيلُهُ فَقَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ بِمَا ادَّعَاهُ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ قَالَ الْمُدَّعِي فِي يَدِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ يَصِحُّ عِنْدَنَا اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَغَيْرَهُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ كَلَفْظِ الشَّهَادَةِ تَسْوِيَةً مِنْهُمْ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الشَّهَادَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْأَدَاءِ بَلْ رُكْنُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ،
وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَإِنَّمَا ظُهُورُهَا شَرْطُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْقَاضِي كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَدَائِعِ وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ صَحَّ عِنْدَنَا زَادَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَكَانَ الْقَاضِي عَاصِيًا قَالَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ كَمُبَاشِرِي السُّلْطَانِ وَالْمَكَسَةِ وَغَيْرِهِمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَأْجَرُ لِشَهَادَةِ الزُّورِ لِوَجَاهَتِهِ وَيَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ لِمُرُوءَتِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ لِمُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ اهـ.
وَفَسَّرَ فِي الْعِنَايَةِ الْوَجِيهَ بِأَنْ يَكُونَ ذَا قَدْرٍ وَشَرَفٍ وَفَسَّرَ الْمُرُوءَةَ بِالْإِنْسَانِيَّةِ قَالَ وَالْهَمْزَةُ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ فِيهِمَا لُغَتَانِ اهـ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْقُنْيَةِ شَارِبُ الْخَمْرِ يَسْتَحْيِ وَيَرْتَدِعُ إذَا زُجِرَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ شَهَادَتَهُ إنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ وَتَحَرَّى فِي مَقَالَتِهِ فَوَجَدَهُ صَادِقًا اهـ. مَحْمُولٌ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
(قَوْلُهُ لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ صَحَّ عِنْدَنَا) قَالَ الرَّمْلِيُّ وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى
وَأَمَّا شَهَادَةُ الْفَاسِقِ فَإِنْ تَحَرَّى الْقَاضِي الصِّدْقَ فِي شَهَادَتِهِ تُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَلِلْكُلِّ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ، وَالْعَدَالَةِ) أَيْ يُشْتَرَطُ لِجَمِيعِ مَرَاتِبِ الشَّهَادَةِ وَهِيَ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ عَلَى مَا بَيَّنَّا لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ، وَالْعَدَالَةِ لِكَيْ تُقْبَلَ حَتَّى لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ أَعْلَمُ أَوْ أَتَيَقَّنُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ نَاطِقَةٌ بِالِاسْتِشْهَادِ فَلَا يَقُومُ مَقَامَهَا غَيْرُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ تَوْكِيدٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْيَمِينِ مُلَاحَظًا فِيهَا وَامْتِنَاعُهُ عَنْ الْكَذِبِ بِهَذَا اللَّفْظِ أَشَدُّ إذْ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ
بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَوَامِرِ حَيْثُ لَا يُرَاعَى فِيهِ اللَّفْظُ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَمْرُ بَلْ يَتَأَتَّى بِكُلِّ لَفْظٍ يُعْطِي ذَلِكَ الْمَعْنَى كَالتَّكْبِيرِ، وَالْأَيْمَانِ حَتَّى صَحَّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ
وَكَذَلِكَ الْأَيْمَانُ يَجُوزُ بِأَيِّ لَفْظٍ كَانَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَلِأَنَّ فِي الشَّهَادَةِ إلْزَامَ الْحَاكِمِ الْحُكْمَ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ، وَالْعِرَاقِيُّونَ لَا يَشْتَرِطُونَ لَفْظَةَ الشَّهَادَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَيَجْعَلُونَهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ،
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرَائِطُ الشَّهَادَةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْعَدَالَةُ هِيَ الْمُعَيِّنَةُ لِلصِّدْقِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}، وَالْعَدْلُ هُوَ الْمَرَضِيُّ وَلِأَنَّ مَنْ يُبَاشِرُ غَيْرَ الْكَذِبِ مِنْ الْمَعَاصِي قَدْ يُبَاشِرُ الْكَذِبَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ وَبِالْعَدَالَةِ تَتَرَجَّحُ جِهَةُ الصِّدْقِ وَهِيَ الِانْزِجَارُ عَمَّا يُعْتَقَدُ حُرْمَتُهُ، وَالْحُجَّةُ هُوَ الْخَبَرُ الصِّدْقُ وَلَا يَلْزَمُ حُجَّةٌ دُونَهَا وَهِيَ شَرْطُ لُزُومِ الْعَمَلِ بِالشَّهَادَةِ لَا شَرْطُ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ إذْ الْفَاسِقُ أَهْلٌ لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ، وَالسَّلْطَنَةِ فَيَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّ فِسْقَهُ أَوْجَبَ التَّوَقُّفَ فِي خَبَرِهِ لِتُهْمَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} أَمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، وَالتَّثَبُّتِ لَا بِالرَّدِّ حَتَّى إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الشَّهَادَةِ جَازَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ ذَا مُرُوءَةٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ تُهْمَةِ الْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِ؛
لِأَنَّهُ لِوَجَاهَتِهِ لَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِئْجَارِهِ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَلِمُرُوءَتِهِ يَمْتَنِعُ عَنْ الْكَذِبِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا ذَكَرْنَا وَلِأَنَّ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إكْرَامًا لَهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَكْرِمُوا الشُّهُودَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي الْحُقُوقَ بِهِمْ» وَفِي حَقِّ الْفَاسِقِ أَمَرْنَا بِخِلَافِهِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا لَقِيت الْفَاسِقَ فَالْقَهُ بِوَجْهٍ مُكْفَهِرٍّ» وَمَنْ يَكُونُ مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَلَا مُرُوءَةَ لَهُ شَرْعًا فَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ حَتْمًا عَلَى وَجْهٍ لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَالْعَدَالَةُ هِيَ الْمُعِينَةُ لِلصِّدْقِ) ،
فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إخْبَارٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ عَلَى السَّوَاءِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْمَفْهُومِ فَبِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ صِدْقًا حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: إذْ الْفَاسِقُ أَهْلٌ لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَالسَّلْطَنَةِ) قَالَ الْكَمَالُ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا وَيَكُونُ الْقَاضِي عَاصِيًا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا كَانَ وَجِيهًا فِي النَّاسِ إلَخْ) كَمُبَاشِرِي السُّلْطَانِ وَالْمَكَسَةِ وَغَيْرِهِمْ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ مُكْفَهِرٌّ) أَيْ شَدِيدُ الْعُبُوسَةِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.