وتصحّ بإيجابٍ كـ: وهبت ونحلت وأطعمتك هذا الطّعام وجعلته لك وأعمرتك هذا الشّيء وحملتك على هذه الدّابّة ناويًا به الهبة وكسوتك هذا الثّوب وداري لك هبةً تسكنها لا هبة سكنى أو سكنى هبةٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ كَقَوْلِهِ وَهَبْت وَنَحَلْت وَأَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ) لِأَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِيهَا أَطْلَقَهَا فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ فَإِنَّ الْهِبَةَ صَحِيحَةٌ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَشَمِلَ مَا إذَا أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى جُزْءٍ يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ كَمَا إذَا قَالَ وَهَبْت لَك فَرْجَهَا كَانَ هِبَةً كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ أَيْضًا وَشَمِلَ مَا لَوْ قَالَ لِقَوْمٍ قَدْ وَهَبْت جَارِيَتِي هَذِهِ لِأَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا مَنْ شَاءَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ مَلَكَهَا
وَكَذَا بِقَوْلِهِ أَذِنْت النَّاسَ جَمِيعًا فِي ثَمَرِ نَخْلِي مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَبَلَغَ النَّاس مَنْ أَخَذَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ مَقَالَةَ الْوَاهِبِ لَا يَكُونُ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى وَقَيَّدَ بِالطَّعَامِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَطْعَمْتُك أَرْضَى كَانَ عَارِيَّةً لِرَقَبَتِهَا وَإِطْعَامًا لِغَلَّتِهَا كَذَا فِي الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ وَجَعَلْته لَك) لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّمْلِيكِ وَلِهَذَا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْأَمَةُ لَك كَانَ هِبَةً
وَلَوْ قَالَ هِيَ لَك حَلَالٌ لَا تَكُونُ هِبَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ كَلَامٌ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْهِبَةَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ لَك لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ جَعَلْته بِاسْمِك لَا يَكُونُ هِبَةً وَلِهَذَا
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ غَرَسَ لِابْنِهِ كَرْمًا إنْ قَالَ جَعَلْته لِابْنِي تَكُونُ هِبَةً وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ ابْنِي لَا تَكُونُ هِبَةً
وَلَوْ قَالَ أَغْرِسُ بِاسْمِ ابْنِي فَالْأَمْرُ مُتَرَدِّدٌ وَهُوَ إلَى الصِّحَّةِ أَقْرَبُ اهـ. (قَوْلُهُ وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ) لِأَنَّ الْعُمْرَى تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ فَتَثْبُتُ الْهِبَةُ
وَيَبْطُلُ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ شَرْطِ الرُّجُوعِ
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ صَرِيحًا يَبْطُلُ شَرْطُهُ أَيْضًا لَوْ قَالَ وَهَبْتُك هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك وَحَيَاتَهُ أَوْ أَعْمَرْتُكَ دَارِي هَذِهِ حَيَاتَك أَوْ أَعْطَيْتهَا حَيَاتَك أَوْ وَهَبْت هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك فَإِذَا مَتَّ فَهُوَ لِي أَوْ إذَا مِتُّ فَهُوَ لِوَرَثَتِي فَهَذَا تَمْلِيكٌ صَحِيحٌ وَشَرْطٌ بَاطِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (قَوْلُهُ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ نَاوِيًا الْهِبَةَ) لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الدَّابَّةِ إرْكَابٌ وَهُوَ تَصَرُّفٌ فِي مَنَافِعِهَا لَا فِي عَيْنِهَا فَتَكُونُ عَارِيَّةً إلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُهَا أَرَدْت الْهِبَةَ لِأَنَّهُ نَوَى مُحْتَمَلُ كَلَامِهِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ
وَمِثْلُهُ أَخَدَمْتُك هَذِهِ الْجَارِيَةَ (قَوْلُهُ وَكَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ) لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ قَالَ تَعَالَى {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} وَيُقَالُ كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا ثَوْبًا إذَا مَلَّكَهُ
لَا إذَا أَعَارَهُ وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا وَقَالَ أَلْبِسْ نَفْسَك فَفَعَلَ يَكُونُ هِبَةً وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ وَقَالَ أَنْفِقْهَا تَكُونُ قَرْضًا. اهـ.
وَلَوْ قَالَ مَتَّعْتُك بِهَذَا الثَّوْبِ أَوْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ فَهِيَ هِبَةٌ كَذَا فِي الْمُحِيطِ. (قَوْلُهُ وَدَارِي لَك هِبَةٌ تَسْكُنُهَا) لِأَنَّ قَوْلَهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ بِضَمِّ الشِّينِ وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلِاسْمِ فَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ بِأَنْ يُسْكِنَهُ فَإِنْ شَاءَ قِبَلَ مَشُورَتَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ كَقَوْلِهِ هَذَا الطَّعَامُ لَك تَأْكُلُهُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ لَك تَلْبَسُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعُمْرَى كَالْهِبَةِ فَقَوْلُهُ هُنَا هِبَةٌ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ لَوْ قَالَ دَارِي لَك عُمْرَى تَسْكُنُهَا كَانَ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ (قَوْلُهُ لَا هِبَةَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةً) بِنَصَبِ هِبَةٍ فِيهِمَا عَلَى الْحَالِ وَيُحْتَمَلُ انْتِصَابُهُمَا عَلَى التَّمْيِيزِ لِمَا فِي قَوْلِهِ دَارِي لَك مِنْ الْإِبْهَامِ يَعْنِي أَنَّهَا عَارِيَّةٌ فِيهِمَا لِأَنَّ السُّكْنَى مُحْكَمٌ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَكَانَ عَارِيَّةً قَدَّمَ لَفْظَ الْهِبَةِ أَوْ أَخَّرَهُ وَلَوْ ذَكَرَ بَدَلَ سُكْنَى عَارِيَّةً كَانَ عَارِيَّةً بِالْأَوْلَى
وَلَوْ قَالَ هِيَ لَك هِبَةُ إجَارَةٍ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ أَوْ إجَارَةُ هِبَةٍ فَهِيَ إجَارَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ فَيَمْلِكُ كُلٌّ فَسْخَهَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَلَوْ سَكَنَ وَجَبَ الْأَجْرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ
(قَوْلُهُ فَشَمِلَ مَاذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمِزَاحِ إلَخْ) رَدَّهُ الْمَقْدِسِيَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخُلَاصَةِ مَا يُفِيدُ دَعْوَاهُ وَاَلَّذِي فِيهَا أَنَّهُ طَلَبَ الْهِبَةَ مِزَاحًا لَا جِدًّا فَوَهَبَهُ جِدًّا وَسَلَّمَ صَحَّتْ الْهِبَةُ لِأَنَّ الْوَاهِبَ غَيْرُ مَازِحٍ وَقَدْ قَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبُولًا صَحِيحًا كَذَا فِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ عَنْ الْحَمَوِيُّ قُلْت وَلَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمِزَاحَ وَقَعَ فِي الْإِيجَابِ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَطْلَقَهَا أَيْ أُطَلِّق الْهِبَةَ وَقَوْلُهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ أَيْ طَلَبُهُ لَهَا تَأَمَّلْ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَضْرِبُونَ الطُّنْبُورَ فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ هَبُوهُ مِنِّي حَتَّى تَرَوْا كَيْفَ أَضْرِبُ فَدَفَعُوا إلَيْهِ فَضَرَبَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَكَسَرَهُ فَقَالَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ أَضْرِبُ قَالُوا أَيُّهَا الشَّيْخُ خَدَعْتنَا وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّ عِنْدَهُ كَسْرُ الْمَلَاهِي يُوجِبُ الضَّمَانَ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الْمَازِحِ جَائِزَةٌ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَاَلَّذِي مَرَّ هُوَ قَوْلُهُ رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ هَبْ لِي هَذَا الشَّيْءَ مِزَاحًا فَقَالَ وَهَبْت وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو نَصْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَا غَرْسَ إلَخْ)
قَالَ فِي الْمِنَحِ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ جَعَلْته لِابْنِي فُلَانٍ يَكُونُ هِبَةَ لِأَنَّ الْجَعْلَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمْلِيكِ وَإِنْ قَالَ اغْرِسْهُ بِاسْمِ ابْنِي لَا يَكُونُ هِبَةَ وَإِنْ قَالَ جَعَلْته بِاسْمِ ابْنِي يَكُونُ هِبَةً لِأَنَّ النَّاسَ يُرِيدُونَ بِهِ التَّمْلِيكَ وَالْهِبَةَ. اهـ.
وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمَنْحِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَقْرَبُ لِعُرْفِ النَّاسِ. اهـ.
وَرَأَيْت فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَا نَصُّهُ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ فَغَرَسَ كَرْمًا لَهُ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَالَ اغْرِسْ هَذَا الْكَرْمَ بِاسْمِ ابْنِي فُلَانٍ أَوْ قَالَ جَعَلْته لِابْنِي فُلَانٍ هِبَةً لِأَنَّ الْجَعْلَ إثْبَاتٌ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا وَإِنْ قَالَ جَعَلْته بِاسْمِ ابْنِي فَالْأَمْرُ مُتَرَدِّدٌ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. اهـ. وَلْتُرَاجَعْ نُسْخَةٌ أُخْرَى
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ كَ) قَوْلِهِ (وَهَبْتُ وَنَحَلْتُ وَأَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ وَجَعَلْته لَك وَأَعْمَرْتُك هَذَا الشَّيْءَ وَحَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ نَاوِيًا بِهِ الْهِبَةَ وَكَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ وَدَارِي لَك هِبَةً تَسْكُنُهَا لَا هِبَةَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةٍ وَقَبُولٍ وَقَبْضٍ بِلَا إذْنٍ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ بِهِ فِي مَحُوزٍ مَقْسُومٍ وَمَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ لَا فِيمَا يُقْسَمُ) أَيْ تَصِحُّ الْهِبَةُ بِإِيجَابٍ كَقَوْلِهِ وَهَبْت إلَخْ وَبِقَبُولٍ وَقَبْضٍ فِي الْمَجْلِسِ وَفِيمَا بَعْدَ الْمَجْلِسِ يَمْلِكُهُ بِالْإِذْنِ صَرِيحًا لَا غَيْرُ، كُلُّ ذَلِكَ فِي مَحُوزٍ وَمَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ.
أَمَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَلِأَنَّهُ عَقْدٌ فَيَنْعَقِدُ بِهِمَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ،
وَأَمَّا الْقَبْضُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ،
وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الصَّدَقَةُ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْمِلْكِ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي مَرَضِهِ كُنْتُ نَحَلْتُك جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ وَإِنَّك لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ وَلَا حُزْتِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْوَرَثَةِ وَلَوْ كَانَتْ تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ وَلِأَنَّ فِيهِ إلْزَامَ الْمُتَبَرِّعِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ
بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَرِّعَ قَدْ مَاتَ وَالْوَرَثَةُ لَيْسُوا بِمُتَبَرِّعِينَ،
وَلَوْ قَالَ وَهَبْتُك هَذَا الشَّيْءَ فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ صَحَّ وَمَلَكَهُ لِوُجُودِ الْقَبْضِ وَقَوْلُهُ وَقَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ بِلَا إذْنِهِ أَيْ بِلَا إذْنِ الْوَاهِبِ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ إلَّا بِإِذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَ كَالْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ بِهَا قَبْلَهُ وَيُغْنِي عَنْ الْقَبُولِ كَمَا بَيَّنَّا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِيجَابِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ فَيَكُونُ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الْقَبْضِ دَلَالَةً إذْ مِلْكُهُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِهِ فَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ كَالْقَبُولِ؛
لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا
بِخِلَافِ مَا إذَا نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ يَفُوقُ الدَّلَالَةَ فَلَا تَعْمَلُ بِمُقَابَلَتِهِ شَيْئًا، وَلِهَذَا صَحَّ الْإِذْنُ بَعْدَ الْمَجْلِسِ لِكَوْنِهِ صَرِيحًا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ بِقَوْلِهِ وَهَبْت؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْهِبَةِ وَبِقَوْلِهِ نَحَلْت؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَكُلَّ أَوْلَادِك نَحَلْت مِثْلَ هَذَا»
وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كُنْت نَحَلْتُك عَلَى مَا بَيَّنَّا وَبِقَوْلِهِ أَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا تُؤْكَلُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَهُوَ الْهِبَةُ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَطْعَمْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ؛ لِأَنَّ عَيْنَهَا لَا تُؤْكَلُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَغَلُّ مِنْهَا فَأَمْكَنَ ذَلِكَ بِالْعَارِيَّةِ وَبِقَوْلِهِ جَعَلْته لَك؛ لِأَنَّ اللَّامَ لِلتَّمْلِيكِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ مَلَّكْتُك هَذَا الثَّوْبَ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ بِعِوَضٍ كَانَ تَمْلِيكًا فَكَذَا بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِقَوْلِهِ أَعَمَرْتُك لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ» وَلِأَنَّ مَعْنَى الْعُمْرَى هُوَ التَّمْلِيكُ لِلْحَالِ وَاشْتِرَاطُ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ لَهُ فَصَحَّ التَّمْلِيكُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ؛
لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَبِقَوْلِهِ حَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ نَاوِيًا بِهِ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّ الْإِرْكَابَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَنْفَعَةِ فَيَكُونُ عَارِيَّةً إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ الْهِبَةَ فَتَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِ يُقَالُ حَمَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا عَلَى الدَّابَّةِ يَعْنُونَ بِهِ التَّمْلِيكَ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ تَشْدِيدًا عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ كَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} وَالْمُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَتَأَدَّى بِالْمَنَافِعِ،
وَكَذَا يُقَالُ كَسَا فُلَانٌ فُلَانًا إذَا مَلَّكَهُ
لَا إذَا أَعَارَهُ وَبِقَوْلِهِ دَارِي لَك هِبَةً تَسْكُنُهَا؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّمْلِيكِ ظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ هَذَا الطَّعَامُ لَك تَأْكُلُهُ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ لَك تَلْبَسُهُ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ دَارِي لَك هِبَةَ سُكْنَى أَوْ سُكْنَى هِبَةٍ حَيْثُ تَكُونُ عَارِيَّةً عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْعَارِيَّةُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا هِبَةَ سُكْنَى أَيْ لَا تَكُونُ تَمْلِيكًا بِقَوْلِهِ دَارِي لَك هِبَةَ سُكْنَى. وَقَوْلُهُ فِي مَحُوزٍ مَقْسُومٍ وَمَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ لَا فِيمَا يُقْسَمُ أَيْ تَجُوزُ الْهِبَةُ فِي مَحُوزٍ مَقْسُومٍ وَفِي مَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ وَلَا تَجُوزُ فِي مَشَاعٍ يُقْسَمُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَحُوزٍ عَنْ الْمُتَّصِلِ كَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ وَبِقَوْلِهِ مَقْسُومٍ عَلَى الْمَشَاعِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَجُوزُ هِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ وَفِيمَا لَا يُقْسَمُ؛ لِأَنَّهَا عَقْدُ تَمْلِيكٍ وَالْمَحَلُّ قَابِلٌ لَهُ فَأَشْبَهَتْ الْبَيْعَ وَكَوْنُهُ تَبَرُّعًا لَا يُنَافِي الْمِلْكَ فِي الشُّيُوعِ كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ وَتَسْلِيمُهُ مُمْكِنٌ بِالتَّخْلِيَةِ أَوْ بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ إلَيْهِ كَالْمَشَاعِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَلَنَا أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - شَرَطُوا الْقِسْمَةَ لِصِحَّةِ الْهِبَةِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ كَمَا فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لَمَّا كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ عَلَى الْكَمَالِ حَتَّى لَوْ اسْتَقْبَلَ الْحَطِيمَ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ بِالسُّنَّةِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ ثَبَتَ مُطْلَقًا وَالْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ وَالْكَامِلُ هُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَالْقَبْضُ فِي الْمَشَاعِ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ؛
لِأَنَّ الْقَبْضَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ فِي حَيِّزِ الْقَابِضِ وَالْمَشَاعُ لَيْسَ فِي حَيِّزِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حَيِّزِهِ مِنْ وَجْهٍ وَفِي حَيِّزِ شَرِيكِهِ مِنْ وَجْهٍ وَتَمَامُهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّ الْأَنْصِبَاءَ بِهَا تَتَمَيَّزُ وَتَجْتَمِعُ وَمَا لَمْ يَجْتَمِعْ لَا يَصِيرُ مُحْرَزًا أَوْ يَكُونُ إحْرَازًا نَاقِصًا فَلَا يَنْهَضُ لِإِفَادَةِ الْمِلْكِ وَلِأَنَّ اشْتِرَاطَ أَصْلِ الْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ كَانَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ لِاحْتِمَالِ هَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ كَيْ لَا يَلْزَمُهُ الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ وَهَذَا الْمَعْنَى هُنَا؛
لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْقِسْمَةِ وَالْمُطَالَبَةُ بِالْقِسْمَةِ فَيَصِيرُ عَقْدُ التَّبَرُّعِ مُوجِبًا لِضَمَانِ الْقِسْمَةِ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ وَلِمُطَالَبَتِهِ بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَوْضُوعِ التَّبَرُّعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ}
بِخِلَافِ مَا لَا يُقْسَمُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أُجْرَةُ الْقِسْمَةِ فِيهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ النَّاقِصِ فَاكْتَفَى بِهِ وَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبِرْنَا كَمَالَ الْقَبْضِ فِيهِ لَانْسَدَّ بَابُ الْهِبَةِ فِيهِ وَفِيمَا يُقْسَمُ لَا يَنْسَدُّ وَلَا يُقَالُ يَسْتَوْجِبُ الْمُهَيَّأَةَ فِيمَا لَا يُقْسَمُ وَهُوَ إيجَابٌ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُهَايَأَةُ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ وَالتَّبَرُّعُ وَقَعَ فِي الْعَيْنِ فَيَكُونُ إيجَابًا فِي غَيْرِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فَلَا يُبَالِي، وَإِنَّمَا الْمَحْظُورُ الْإِيجَابُ فِي عَيْنِ مَا تَبَرَّعَ بِهِ وَالْقَبْضُ فِي الْوَصِيَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّتِهَا،
وَكَذَا فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَفِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالسَّلَمُ وَالصَّرْفُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَدًا بِيَدٍ» الْمُرَادُ بِهِ التَّعْيِينُ غَيْرَ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي الثَّمَنَيْنِ يَكُونُ بِالْقَبْضِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ شَرْطُ الْبَقَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ لَا شَرْطُ الصِّحَّةِ وَالْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ وَلِأَنَّ هَذِهِ عُقُودُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُبَالِي بِوُجُوبِ ضَمَانِ الْقِسْمَةِ أَوْ الْمُطَالَبَةِ وَالْقَرْضُ تَبَرُّعُ ابْتِدَاءٍ حَتَّى لَا يَمْلِكُهُ إلَّا مَنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ مُعَاوَضَةَ انْتِهَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ فَلِكَوْنِهِ تَبَرُّعًا مِنْ وَجْهٍ شَرَطْنَا الْقَبْضَ فِيهِ، وَلِكَوْنِهِ مُعَاوَضَةً مِنْ وَجْهٍ لَمْ نَشْتَرِطْ الْقِسْمَةَ عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْ الشَّبَهَيْنِ وَلِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ الْكَمَالُ وَلَوْ وَهَبَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ شَرِيكِهِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا؛
لِأَنَّ الْقَبْضَ الْكَامِلَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ وَهُوَ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِيهِ وَالْحُكْمُ بِدُونِ عِلَّتِهِ لَا يُوجَدُ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ يُرَاعَى وُجُودُهَا لَا غَيْرُ فَيَدُورُ الْحُكْمُ وَهُوَ الْفَسَادُ عَلَى نَفْسِ الشُّيُوعِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) قَالَ الْكَاكِيُّ أَيْ تَصِحُّ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَفِي حَقِّ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ يَتِمُّ بِالْمُتَبَرِّعِ فَصَارَ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَلَكِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ اهـ
(قَوْلُهُ فَيَنْعَقِدُ بِهِمَا) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ
أَمَّا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فَلِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدٌ وَالْعَقْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
وَأَمَّا الْقَبْضُ فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ حَتَّى يُمْلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَنَا هَذَا فِي حَقِّ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ
أَمَّا إذَا حَلَفَ، وَقَالَ لَا يَهَبُ لِفُلَانٍ فَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَحْنَثُ بِلَا قَبُولٍ وَقَبْضٍ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ فَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ إلَّا بِالْقَبُولِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَلَنَا أَنَّ الْهِبَةَ اسْمٌ لِإِيجَابِ مِلْكٍ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ يَتِمُّ بِالْمَالِكِ إلَّا أَنَّ الْقَبُولَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لَا شَرْطَ وُجُودِ الْهِبَةِ فَصَارَ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُقِرُّ لَهُ بِشَيْءٍ أَوْ لَا يُوصِي لَهُ بِشَيْءٍ فَأَقَرَّ أَوْ أَوْصَى هُوَ وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ يَحْنَثُ فَكَذَا هَذَا
بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ تَمْلِيكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا كَذَا فِي الْحَصْرِ وَالْمُخْتَلِفِ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. اهـ.
(قَوْلُهُ نَحَلْتُك جِدَادَ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْجِيمِ مَعَ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْجِدَادُ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ صِرَامُ النَّخْلِ وَهُوَ قَطْعُ ثَمَرَتِهَا يُقَالُ جَدَّ الثَّمَرَةَ يَجِدُّهَا جَدًّا وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إنِّي كُنْت نَحَلْتُك جِدَادَ عِشْرِينَ وَسْقًا اهـ
( قَوْلُهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ مِلْكَ الْوَاهِبِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بَاقٍ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِعْتَاقِ اهـ أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ) وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَيَكُونُ تَسْلِيطًا لَهُ عَلَى الْقَبْضِ) أَيْ اقْتِضَاءً اهـ أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ
فَأَمَّا إذَا نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ الْهِبَةِ بِأَنْ قَالَ لَهُ لَا تَقْبِضْ فَقَبَضَ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ،
أَمَّا بَعْدَ الْمَجْلِسِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ قَبْضُهُ فَبَعْدَ الْمَجْلِسِ أَوْلَى وَإِنْ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ نَهْيَ الْوَاهِبِ الْمَوْهُوبَ لَهُ عَنْ الْقَبْضِ رُجُوعٌ عَنْ الْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي بَابِ الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالْبَائِعُ لَوْ نَهَى الْمُشْتَرِي عَنْ الْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ كَانَ ذَلِكَ رُجُوعًا مِنْهُ عَنْ الْإِيجَابِ دَلَالَةً فَكَذَلِكَ هَذَا،
وَلَوْ رَجَعَ ثُمَّ قَبَضَ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فَكَذَلِكَ هَذَا. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ فَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ صَرِيحًا بَيَانُهُ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِبَقَاءِ الْإِيجَابِ عَلَى الصِّحَّةِ مِنْ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ مَتَى فَاتَ بِالْهَلَاكِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْقَى الْإِيجَابُ صَحِيحًا،
وَإِذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَاءِ الْإِيجَابِ مِنْ الْوَاهِبِ عَلَى الصِّحَّةِ وُجُودُ الْقَبْضِ لَا مَحَالَةَ كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْإِيجَابِ إذْنًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ اقْتِضَاءً كَمَا فِي الْبَيْعِ جَعَلْنَا إقْدَامَ الْبَائِعِ عَلَى الْإِيجَابِ إذْنًا لِلْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ مُقْتَضَى بَقَاءِ الْإِيجَابِ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا أَنَّ مَا ثَبَتَ اقْتِضَاءً يَثْبُتُ ضَرُورَةً، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِثُبُوتِ الْإِذْنِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَبْقَى صَحِيحًا مَتَى قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ فَلَا يُعْتَبَرُ ثَابِتًا فِيمَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ أُثْبِتَ نَصًّا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ نَصًّا ثَابِتٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَيَثْبُتُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ وَالْجَوَابُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْهِبَةِ،
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي،
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ حَاضِرًا فَقَالَ لَهُ الْوَاهِبُ قَدْ خَلَّيْت بَيْنَك وَبَيْنَ الْهِبَةِ فَاقْبِضْهَا وَانْصَرَفَ الْوَاهِبُ فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ إقْبَاضٌ مِنْهُ فَإِذَا قَبَضَ بِإِذْنِهِ تَمَّ الْعَقْدُ.
قَالَ فُرِّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ إذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ نَزَلَ قَابِضًا وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَبْضَ
بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْقَبْضَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى إخْرَاجِ نَفْسِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ إذَا أَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا التَّخْلِيَةُ
بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّ التَّسْلِيمَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ فَإِذَا لَمْ يُسْلِمْهُ إلَيْهِ وَيُقْبِضْهُ لَا يُعَدُّ مُسَلِّمًا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَأَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ قَبْلَ إيصَالِ الْقَبْضِ بِهَا فَصَحَّ رُجُوعُهُ كَذَا فِي شَرْحِ الْكَافِي،
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَقَبَضَ الْهِبَةَ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ أَوْ بِغَيْرِ حَضَرَتْهُ جَازَ الْقَبْضُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ قَالَ قَاضِيخَانْ رَجُلٌ قَالَ لِآخَرَ وَهَبْت عَبْدِي هَذَا مِنْك وَالْعَبْدُ حَاضِرٌ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ نَالَهُ فَقَالَ قَبَضَتْهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ جَازَتْ الْهِبَةُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ وَيَصِيرُ قَابِضًا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِيرُ قَابِضًا مَا لَمْ يَقْبِضْ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ غَائِبًا فَقَالَ وَهَبْت مِنْك عَبْدِي فُلَانًا فَاذْهَبْ وَاقْبِضْهُ فَقَبَضَهُ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ قَبِلْت وَبِهِ نَأْخُذُ اهـ كَلَامُ قَاضِيخَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّخْلِيَةِ لَا يَكُونُ قَبْضًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلَا بُدَّ عِنْدَهُ مِنْ الْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ
قَالَ فِي الْمُحِيطِ فِي بَابِ قَبْضِ الْهِبَةِ مَا نَصُّهُ النَّوَادِرِ رَجُلٌ وُهِبَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا وَهُوَ حَاضِرٌ فَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَتْهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ صَارَ قَابِضًا؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ قَبْضِهِ فَأُقِيمَ تَمَكُّنُهُ مَقَامَ قَبْضِهِ كَالتَّخْلِيَةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يَصِيرُ قَابِضًا مَا لَمْ يَقْبِضْهُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِضٍ حَقِيقَةً اهـ وَعَلَى هَذَا فَمُحَمَّدٌ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَوْلُهُ الْحَقِيقِيُّ أَيْ وَهُوَ نَقْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ إذَا أُضِيفَ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلَنَا فِي تَقْرِيرِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إنَّ الْإِطْعَامَ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يَطْعَمُ عَيْنُهُ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ التَّمْلِيكُ لَا الْإِبَاحَةُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِطْعَامِ إطْعَامُ الطَّعَامِ وَالطَّعَامُ يُؤْكَلُ عَيْنُهُ فَكَانَ الْإِطْعَامُ فِي الْآيَةِ مُضَافًا إلَى مَا يَطْعَمُ عَيْنُهُ فَافْهَمْ اهـ
( قَوْلُهُ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ) أَيْ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ لَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ التَّمْلِيكُ) أَيْ وَأَلْفَاظُنَا تُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّرْعِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ دَارِي لَك هِبَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَشُورَةٌ) هِيَ بِتَسْكِينِ الشَّيْنِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَبِضَمِّ الشَّيْنِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بِمَعْنَى الشُّورَى وَهِيَ اسْتِخْرَاجُ رَأْيٍ عَلَى غَالِبِ الظَّنِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ قَالَ دَارِي لَك هِبَةً) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ أَوْ عَلَى التَّمْيِيزِ. اهـ.
(قَوْلُهُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَحُوزٍ عَلَى الْمُتَّصِلِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ، وَقَوْلُهُ مَحُوزَةٍ احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ مَشْغُولَةً بِمَا لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْهِبَةُ كَالثَّمَرِ فِي النَّخْلِ وَالزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ وَكَالظَّرْفِ فِيهِ مَتَاعٌ لِلْوَاهِبِ، وَقَوْلُهُ مَقْسُومَةٍ احْتِرَازٌ عَنْ الْمَشَاعِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا هِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تَتِمُّ وَلَا تُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهَا تَامَّةٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالُوا إنَّهَا فَاسِدَةٌ
وَالْأَصَحُّ مَا قُلْنَاهُ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا فَاسِدَةٌ بَلْ غَيْرُ تَامَّةٍ كَذَا هَذَا، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ كَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ تَامَّةٌ كَذَا قَالَ عَلَاءُ الدِّينِ الْعَالِمُ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ،
وَقَالَ فِي الطَّرِيقَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا هِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالتَّخْلِيَةِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هِبَةَ الشَّائِعِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالتَّخْلِيَةِ،
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَلَاءُ الدِّينِ الْإِسْبِيجَابِيُّ فِي شَرْحِ الْكَافِي،
وَإِذَا وَهَبَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ نَصِيبًا مُسَمًّى فِي دَارٍ غَيْرِ مَقْسُومٍ فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ أَوْ سَلَّمَ إلَيْهِ جَمِيعَ الدَّارِ لَمْ يَجُزْ،
وَكَذَا إنْ وَهَبَ لَهُ نَصِيبًا فِي بَيْتٍ كَبِيرٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ يُقْسَمُ وَكُلُّ شَيْءٍ يُقْسَمُ لَا يَجُوزُ وَهَذَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَنَعْنِي بِقَوْلِهِ إنَّهُ يُقْسَمُ أَنَّهُ يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ انْتِفَاعَ الْبَيْتِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ
أَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ مُنْتَفَعًا بِهِ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنْ الِانْتِفَاعِ مِثْلَ الْحَمَّامِ الصَّغِيرِ إذَا قُسِمَ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ هِبَتُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ اتِّفَاقًا وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِخُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا إذَا وَهَبَ مَشَاعًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ وُهِبَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ مِنْ شَرِيكِهِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَمِنْ الشَّرِيكِ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إنْ وُهِبَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ وُهِبَ مِنْ الشَّرِيكِ جَازَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا وُهِبَ مَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا إلَّا وَيَحْتَمِلُ التَّجَزِّيَ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَفُوتُ أَصْلًا بِالْقِسْمَةِ وَالتَّجَزِّي كَمَا فِي الْعَبْدِ مَتَى قُسِّمَ وَجُزِّئَ تَفُوتُ الْمَنْفَعَةُ أَصْلًا أَوْ تَفُوتُ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي الْحَمَّامِ وَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ.
إلَى هُنَا لَفْظُ خُوَاهَرْ زَادَهْ اهـ
(قَوْلُهُ كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ،
وَكَذَلِكَ قَرْضُ الْمَشَاعِ فِي الَّذِي يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ صَحِيحٌ وَالْقَرْضُ تَبَرُّعٌ وَالتَّبَرُّعُ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ بَيَانُهُ أَنَّهُ نَصَّ فِي كِتَابِ الْمُضَارَبَةِ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا نِصْفُهُ قَرْضًا وَنِصْفُهُ مُضَارَبَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ،
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ دَارِهِ شَائِعًا يَصِحُّ وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الْقَبْضِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ) أَيْ هِبَةُ الْمَشَاعِ فِيمَا يُقْسَمُ
وَظَاهِرُهُ كَمَا تَرَى يُشْعِرُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَقَدْ قَدَّمْت لَك قَرِيبًا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ لَا فَاسِدَةٍ كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّتِهَا) أَيْ بَلْ تَتِمُّ بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبْضِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.