ولا يقيّد حاضرٌ بحجّته إذا أخوه غاب عن خصومته فإن يعد لا بدّ من إعادته ليقتلا
الشروح عليها
[بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ] (بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ) لَمَّا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْقَتْلِ أَمْرًا مُتَعَلِّقًا بِالْقَتْلِ أَوْرَدَهَا بَعْدَ ذِكْرِ حُكْمِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ يَكُونُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(وَلَا يُقَيَّدُ حَاضِرٌ بِحُجَّتِهِ إذَا أَخُوهُ غَابَ عَنْ خُصُومَتِهِ، فَإِنْ بَعُدَ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ لِيَقْتُلَا، وَلَوْ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا) يَعْنِي إذَا قُتِلَ رَجُلٌ وَلَهُ وَلِيَّانِ بَالِغَانِ عَاقِلَانِ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ بَيِّنَةً عَلَى الْقَتْلِ لَا يَقْتُلُ قِصَاصًا،
فَإِنْ عَادَ الْغَائِبُ فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَقْتُلَا بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ بَلْ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْقَتْلِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يُعِيدُ،
وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا يُعِيدُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ إذَا أَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِالْقَتْلِ وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِالْقِصَاصِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْقِصَاصُ وَالْحَاضِرُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَطَأً أَوْ دَيْنًا، فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِيفَاءِ نَصِيبِهِ فِي غَيْبَةِ الْآخَرِ فَلَمْ تَجِبُ إعَادَتُهَا بَعْدُ وَالْوَارِثُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ شُرَكَائِهِ فِيمَا يَدَّعِي لِلْمَيِّتِ، وَعَلَى الْمَيِّتِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ أَيْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فَيَسْتَحِقُّ بِهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ يَقَعُ الْمِلْكُ فِيهَا لِلْمَوْلَى ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكُ الْفِعْلِ فِي الْمَحِلِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مِنْ الْمَيِّتِ؛ وَلِهَذَا صَحَّ عَفْوُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ، وَإِنَّمَا صَحَّ عَفْوُ الْمَجْرُوحِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ انْعَقَدَ لَهُ.
وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً
بِخِلَافِ الدِّيَةِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِمِلْكِ الْمَالِ؛ وَلِهَذَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً وَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ يَمْلِكُهُ وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ حَقُّ الْوَرَثَةِ عِنْدَهُ، وَحَقُّ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ يَثْبُتُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً لَا يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ الْآخَرِينَ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِمْ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْهُمْ وَبِإِقَامَةِ الْحَاضِرِ الْبَيِّنَةَ لَا يَثْبُتُ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَيُفِيدُهَا بَعْدَ حُضُورِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا انْقَلَبَ مَالًا يَصِيرُ حَقًّا لِلْمَيِّتِ؛
لِأَنَّهُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا صَارَ صَالِحًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ، فَصَارَ مُفِيدًا
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمُوَرِّثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهُوَ الِاسْتِدْلَال مُعَارَضٌ بِعَفْوِ الْوَارِثِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بَعْدَ الْجَرْحِ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ السَّبَبِ فَلَوْلَا أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ فِيمَا لَهُ ابْتِدَاءٌ لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ مَا تَمَسَّكَا بِهِ لَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَا تَمَسَّكَ بِهِ يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَيْهِمَا فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ التَّدَافُعُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِصَاصَ،
وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِلْوَارِثِ عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِهِ لِلْوَارِثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ هَذَا الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ وَالْمَيِّتُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ لَكِنَّهُ حَقٌّ لِلْمُوَرِّثِ أَيْضًا عِنْدَهُ بِاعْتِبَارِ انْعِقَادِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الْجِنَايَةُ فِي حَقِّ الْمُوَرِّثِ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الشُّرُوحِ فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَاعَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ جِهَةَ كَوْنِ الْقِصَاصِ حَقًّا لِلْوَارِثِ، فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ وَقَالَ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْهُ أَيْضًا احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ أَيْضًا،
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْقِصَاصُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلْمُوَرِّثِ ابْتِدَاءً مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى الْوَارِثِ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ فَيُتَّجَهُ عَلَيْهِمَا الْمُؤَاخَذَةُ بِصِحَّةِ الْعَفْوِ مِنْ الْوَارِثِ حَالَ حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَدَبَّرْ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الْقَتْلِ) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(وَلَا يُقَيَّدُ حَاضِرٌ بِحُجَّتِهِ إذَا أَخُوهُ غَابَ عَنْ خُصُومَتِهِ فَإِنْ يَعُدْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ لَيَقْتُلَا، وَلَوْ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا) أَيْ إذَا قَتَلَ شَخْصٌ وَلَهُ وَلِيَّانِ حَاضِرٌ وَغَائِبٌ فَأَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ قِصَاصًا فَإِنْ عَادَ الْغَائِبُ، فَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَقْتُلَاهُ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُمَا مِنْ إعَادَةِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ لِيَقْتُلَاهُ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَالَا لَا يُعِيدُ،
وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ دَيْنًا لَا يُعِيدُهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ يُحْبَسُ إذَا أَقَامَ الْحَاضِرُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِالْقَتْلِ وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى بِالْقِصَاصِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْغَائِبُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِصَاصِ الِاسْتِيفَاءُ وَالْحَاضِرُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ بِالْإِجْمَاعِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَطَأً أَوْ دَيْنًا؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَهُمَا فِي الْخِلَافِيَّةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ مَتَى أَقَامَهَا مَنْ لَهُ الْخُصُومَةُ تَكُونُ مُعْتَبَرَةً مُلْزَمَةً فَلَمْ يَجِبْ إعَادَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَأَحَدُ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ شُرَكَائِهِ فِيمَا يَدَّعِي لِلْمَيِّتِ وَعَلَى الْمَيِّتِ كَمَا فِي دَعْوَى الْخَطَأِ وَدَعْوَى الْمَالِ وَالْقِصَاصِ مَوْرُوثٌ عَنْ الْمَيِّتِ حَتَّى تَجْرِيَ فِيهِ سِهَامُ الْوَرَثَةِ
وَيَصِحَّ عَفْوُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَتُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا،
وَكَذَا تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْهُ كَمَا فِي الدِّيَةِ،
فَإِذَا لَمْ تَجِبْ إعَادَةُ الْبَيِّنَةِ فِي أَحَدِ بَدَلَيْ الدَّمِ وَهُوَ الدِّيَةُ فَكَذَا فِي الْبَدَلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَالْمَيِّتُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بِسَبَبٍ انْعَقَدَ لِلْمَيِّتِ أَيْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فَيَسْتَحِقُّونَهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِلْمَيِّتِ كَالْعَبْدِ يَقْبَلُ الْهِبَةَ يَقَعُ الْمِلْكُ فِيهِمَا لِلْمَوْلَى ابْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛
لِأَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكُ الْفِعْلِ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ مِنْ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا صَحَّ عَفْوُ الْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ وَإِنَّمَا صَحَّ الْمَجْرُوحُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ انْعَقَدَ لَهُ وَفِي قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا}، نَصَّ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً
بِخِلَافِ الدِّيَةِ وَالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ أَهْلٌ لِمِلْكِ الْمَالِ وَلِهَذَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ يَمْلِكُهُ وَأَصْلُ الِاخْتِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ حَقُّ الْوَرَثَةِ عِنْدَهُ وَحَقُّ الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا،
فَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ يَثْبُتُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ عِنْدَهُ ابْتِدَاءً لَا يَنْتَصِبُ أَحَدُهُمْ خَصْمًا عَنْ الْآخَرِينَ فِي إثْبَاتِ حَقِّهِمْ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ مِنْهُ فَبِإِقَامَةِ الْحَاضِرِ الْبَيِّنَةَ لَا يَثْبُتُ الْقِصَاصُ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فَيُعِيدُهَا بَعْدَ حُضُورِهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ إذَا انْقَلَبَ مَالًا يَصِيرُ حَقًّا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَلَبَ مَالًا صَارَ صَالِحًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ فَصَارَ مُفِيدًا
بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِصِحَّةِ عَفْوِ الْمُوَرِّثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي جَوَابِ الِاسْتِحْسَانِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَهُوَ مُعَارَضٌ بِعَفْوِ الْوَارِثِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بَعْدَ الْجَرْحِ اسْتِحْسَانًا لِوُجُودِ السَّبَبِ فَلَوْلَا أَنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ لَهُ ابْتِدَاءً لَمَا صَحَّ عَفْوُهُ . قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً إلَخْ)
قَالَ فِي الْحَقَائِقِ، وَلَوْ كَانَتْ دَعْوَى فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ بِالدِّيَةِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا يُقْضَى بِالدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ،
وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ لَا يُكَلَّفُ إعَادَةَ بَيِّنَتِهِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَالْقِصَاصُ مَوْرُوثٌ) أَيْ يُثْبِتُ مِلْكَ الْقَوَدِ لِلْمُوَرِّثِ، ثُمَّ لِلْوَارِثِ اهـ.
(فَرْعٌ). قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِيخَانْ لِلْأَبِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ.
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الصُّلْحِ عَنْ النَّفْسِ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الصُّلْحِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ،
وَأَمَّا الْقَاضِي ذَكَرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْتَوْفِي الْقِصَاصَ لِلصَّغِيرِ لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ وَلَا أَنْ يُصَالِحَ، وَذَكَرَ فِي الصُّلْحِ إذَا قَتَلَ رَجُلًا لَا وَلِيَّ لَهُ عَمْدًا لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يُصَالِحَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ وَيَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ،
وَكَذَا الدِّيَةُ اهـ. وَقَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ؛ وَلِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقِصَاصِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ وَالْمُسْتَحِقُّ لِلْقِصَاصِ مَنْ يَسْتَحِقُّ مَالَ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ،
وَكَذَا الدِّيَةُ اهـ. قَوْلُهُ: وَيَصِحُّ عَفْوُهُ قَبْلَ الْمَوْتِ) قَالَ قَاضِيخَانْ فِي الْوَصَايَا جَرِيحٌ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُعْفَى عَنْ قَاتِلِهِ وَالْقَتْلُ عَمْدٌ كَانَ بَاطِلًا فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ غَيْرُ مَوْرُوثٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي وَدَرْكِ الثَّأْرِ، وَهَذَا حَقٌّ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَلُ النَّفْسِ حَقُّ الْمَيِّتِ وَلِهَذَا إذَا انْقَلَبَ مَالًا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ وَصَايَاهُ،
وَإِذَا كَانَ الْقِصَاصُ حَقًّا لِلْوَرَثَةِ مِنْ وَجْهٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَنْتَصِبَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْوَارِثِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ حَقَّ نَفْسِهِ لَا حَقَّ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ لِلْغَائِبِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْوَرَثَةِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ وَلِيٍّ آخَرَ، فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْقِصَاصَ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ وَحَقُّ الْوَرَثَةِ مِنْ وَجْهٍ ثَبَتَ الْقَتْلُ مِنْ وَجْهٍ أَيْضًا وَالثُّبُوتُ مِنْ وَجْهٍ أَوْرَثَ الشُّبْهَةَ وَالْمُتَّهَمُ يُحْبَسُ
بِخِلَافِ الدِّيَةِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْمَيِّتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا فَجَازَ أَنْ يَنْتَصِبَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ خَصْمًا عَنْ الْمَيِّتِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.