وكره إحضار المبيع
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَكُرِهَ إلَّا بِخَيْرٍ) أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا وَلِهَذَا قَالُوا لَا يَجُوزُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ فِيهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَحْرِيمِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ إطْلَاقِهِمْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَوَّلَ الزَّكَاةِ وَدَلَّ تَعْلِيلُهُمْ أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ لَا يَشْغَلُ الْبُقْعَةَ لَا يُكْرَهُ إحْضَارُهُ كَدَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ يَسِيرَةٍ، أَوْ كِتَابٍ وَنَحْوِهِ وَأَفَادَ الْإِطْلَاقُ أَنَّ إحْضَارَ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ لِيَأْكُلَهُ مَكْرُوهٌ وَيَنْبَغِي عَدَمُ كَرَاهَتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ الصَّمْتُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَرْكُ التَّحَدُّثِ مَعَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ وَقَالُوا إنَّ صَوْمَ الصَّمْتِ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ لَعَنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَخَصَّهُ الْإِمَامُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ بِمَا إذَا اعْتَقَدَهُ قُرْبَةً
أَمَّا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْهُ قُرْبَةً فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَدِيثِ «مَنْ صَمَتَ نَجَا»
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِخَيْرٍ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} وَهُوَ بِعُمُومِهِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا بِخَيْرٍ فَالْمَسْجِدُ أَوْلَى كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَفِي التَّبْيِينِ
وَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ خَيْرٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَمَا ظَنُّك لِلْمُعْتَكِفِ. اهـ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ هُنَا مَا لَا إثْمَ فِيهِ فَيَشْمَلُ الْمُبَاحَ وَبِغَيْرِ الْخَيْرِ مَا فِيهِ إثْمٌ وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَا فِيهِ ثَوَابٌ يَعْنِي أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِالْمُبَاحِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلِهَذَا قَالُوا الْكَلَامُ الْمُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قُبَيْلَ بَابِ الْوِتْرِ لَكِنْ قَالَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِمَا لَا إثْمَ فِيهِ
وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ لَكِنَّهُ يَتَجَانَبُ مَا يَكُونُ مَأْثَمًا وَالظَّاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى قَالُوا وَيُلَازِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْعِلْمَ وَالتَّدْرِيسَ وَسِيَرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَكِتَابَةَ أُمُورِ الدِّينِ.
(قَوْلُهُ: وَدَلَّ تَعْلِيلُهُمْ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ الْكَرَاهَةُ وَإِنْ لَمْ يَشْغَلْ وَقَوْلُهُ وَأَفَادَ إطْلَاقُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كَلَامَهُ مُتَنَاوِلٌ لِغَيْرِ مَا يَأْكُلُهُ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ مِنْ إطْلَاقِ الْمُبَايَعَةِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا مُقَيَّدَةٌ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُكْرَهُ لَهُ إحْضَارُ السِّلْعَةِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَا فِيهِ ثَوَابٌ)
قَالَ فِي الْعِنَايَةِ مَا لَيْسَ بِمَأْثَمٍ فَهُوَ خَيْرٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَشْيِ الْحَاصِلِ لِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا لَهُ إذَا كَانَ مُؤَثِّرًا وَالتَّكَلُّمُ بِالْمُبَاحِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَذَلِكَ اسْتَظْهَرَهُ فِي النَّهْرِ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِخَيْرٍ عِنْدَ عَدَمِهَا وَهُوَ مَحْمَلُ مَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي الْمَسْجِدِ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ إلَخْ قَالَ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ اهـ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ قُبَيْلَ الْوِتْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ تَقْيِيدَ الْكَرَاهَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ لِأَجْلِهِ وَقَالَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا فِي الْفَتْحِ بِهِ وَفِي الْمِعْرَاجِ عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَا بَأْسَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ قَلِيلًا
فَأَمَّا أَنْ يُقْصَدَ الْمَسْجِدُ لِلْحَدِيثِ فِيهِ فَلَا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَكُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ وَالصَّمْتُ وَالتَّكَلُّمُ إلَّا بِخَيْرٍ)
أَمَّا إحْضَارُ الْمَبِيعِ وَهِيَ السِّلَعُ لِلْبَيْعِ فَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُحْرَزٌ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ وَفِيهِ شَغْلُهُ بِهَا وَجَعْلُهُ كَالدُّكَّانِ وَقَوْلُهُ وَكُرِهَ إحْضَارُ الْمَبِيعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ مَا بَدَا لَهُ مِنْ التِّجَارَاتِ مِنْ غَيْرِ إحْضَارِ السِّلْعَةِ وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ
وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ مَتْجَرًا يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَهَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَغِلَ فِيهِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَلِهَذَا تُكْرَهُ الْخِيَاطَةُ وَالْخَرَزُ فِيهِ وَلِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ يُكْرَهُ الْبَيْعُ مُطْلَقًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك» الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ يُكْرَهُ التَّعْلِيمُ فِيهِ بِأَجْرٍ
وَكَذَا كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ فِيهِ بِأَجْرٍ
وَقِيلَ إنْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَحْفَظُ الْمَسْجِدَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخِيطَ فِيهِ وَلَا يَسْتَطْرِقَهُ إلَّا لِعُذْرٍ وَكُلُّ مَا يُكْرَهُ فِيهِ يُكْرَهُ فِي سَطْحِهِ
وَأَمَّا الصَّمْتُ فَالْمُرَادُ بِهِ صَمْتٌ يَعْتَقِدُهُ عِبَادَةً وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «لَا يَتِمُّ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتِ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَهُوَ صَوْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنُسِخَ وَيُلَازِمُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالتَّدْرِيسِ وَسَيْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَصَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ وَكِتَابَةَ أُمُورِ الدِّينِ
وَأَمَّا التَّكَلُّمُ بِغَيْرِ الْخَيْرِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِغَيْرِ الْمُعْتَكِفِ فَمَا ظَنُّك بِالْمُعْتَكِفِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْخَيَّاطُ يَحْفَظُ الْمَسْجِدَ إلَى آخِرِهِ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَصْلِ الْمَسْجِدِ
وَيُكْرَهُ أَنْ يَخِيطَ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ الِاكْتِسَاب
وَكَذَا الْوَرَّاقُ وَالْفَقِيهُ إذَا كَتَبَ بِأَجْرٍ أَوْ الْمُعَلِّمُ إذَا عَلَّمَ الصِّبْيَانَ بِأَجْرٍ وَإِنْ فَعَلُوا بِغَيْرِ أَجْرٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ إذَا قَعَدَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ خَيَّاطًا يَخِيطُ فِيهِ وَيَحْفَظُ الْمَسْجِدَ عَنْ الصِّبْيَانِ وَالدَّوَابِّ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.