وَيَتجِهُ: مِنه تَحرِيمُ لَعْنِ الحجَّاج وَيَزِيدَ وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِيهِ. ثُم رَأَيتُهُ نَصُّ أَحمدَ وَعَلَيهِ الأَصحَابُ خِلَافًا لابْنِ الجوْزِي وَجَمَاعَةٍ
الشروح عليها
(وَيَتَّجِهُ) أَنَّهُ يُؤْخَذُ (مِنْهُ) أَيْ: قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (تَحْرِيمُ لَعْنِ الْحَجَّاجِ) وَإِنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ الْقَبَائِحِ وَالْعَظَائِمِ وَارْتِكَابَاتِ التَّحْرِيمِ مِمَّا وَرَدَ فِي سِيرَتِهِ الْخَبِيثَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إلَّا التَّجَرُّؤُ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَكَفَى؛ فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْعَارِفُ بِاَللَّهِ الشَّعْرَانِيُّ فِي مِيزَانِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَفْعَالِهِ الشَّنِيعَةِ وَقَبَائِحِهِ الْفَظِيعَةِ (وَ) تَحْرِيمُ لَعْنِ (يَزِيدَ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لَعْنِ الْمُصَلِّينَ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِيه) أَيْ تَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ اللَّعْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ حَيٍّ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ كَافِرًا؛
لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِخَيْرٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ ثُمَّ (رَأَيْته) أَيْ: عَدَمَ جَوَازِ اللَّعْنِ (نَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ.
فَفِي " الْفُرُوعِ " مَا نَصُّهُ: مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَخْرَجَ الْحَجَّاجَ عَنْ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ أَخَاف الْمَدِينَةَ، وَانْتَهَكَ حَرَمَ اللَّهِ وَحَرَمَ رَسُولِهِ؛ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَزِيدُ وَنَحْوُهُ، ثُمَّ قَالَ وَنَصَّ أَحْمَدُ خِلَافَ ذَلِكَ (وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ) وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِاللَّعْنَةِ (خِلَافًا لِأَبِي الْحُسَيْنِ وَ) الْحَافِظِ (ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَجَمَاعَةٍ) مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ كَالْجَلَالِ السُّيُوطِيّ وَالسَّعْدِ التَّفْتَازَانِيُّ وَابْنِ مُحِبِّ الدِّينِ الْحَنَفِيِّ وَبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " السِّرِّ الْمَصُونِ " مِنْ الِاعْتِقَادَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ مُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ أَنْ يَقُولُوا إنَّ يَزِيدَ كَانَ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنَّ الْحُسَيْنَ أَخْطَأَ فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ،
وَلَوْ نَظَرُوا فِي السِّيَرِ لَعَلِمُوا كَيْفَ عُقِدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ، وَأُلْزِمَ النَّاسُ بِهَا وَلَقَدْ فَعَلَ فِي ذَلِكَ كُلَّ قَبِيحٍ؛ ثُمَّ لَوْ قَدَّرْنَا صِحَّةَ خِلَافَتِهِ فَقَدْ بَدَتْ مِنْهُ بَوَادِرُ كُلُّهَا تُوجِبُ فَسْخَ الْعَقْدِ مِنْ رَمْيِ الْمَدِينَةِ وَالْكَعْبَةِ بِالْمَجَانِيقِ، وَقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ،
وَضَرْبِهِ عَلَى ثَنِيَّتِهِ بِالْقَضِيبِ وَإِنْشَادِهِ حِينَئِذٍ:
نَفْلِقُ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةً ... عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا وَحَمْلِهِ الرَّأْسَ عَلَى خَشَبَةٍ، وَإِنَّمَا يَمِيلُ جَاهِلٌ بِالسِّيرَةِ عَامِّيُّ الْمَذْهَبِ يَظُنُّ أَنَّهُ يُغِيظُ بِذَلِكَ الرَّافِضَةَ. انْتَهَى.
وَقَدْ صَرَّحَ بِلَعْنِهِ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ،
وَقَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: نَحْنُ لَا نَتَوَقَّفُ فِي شَأْنِهِ بَلْ فِي إيمَانِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَعْوَانِهِ وَقَالَ ابْنُ مُحِبِّ الدِّينِ: نَحْنُ نَلْعَنُهُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، وَلَعْنَةُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ يَزِيدَ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَاعْتَدَى عَلَى أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَفَعَلَ فِيهِمْ الْأَفَاعِيلَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْحُسَيْنِ مِنْ إخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِ وَبَنِي أَخِيهِ الْحَسَنِ،
وَمِنْ أَوْلَادِ جَعْفَرٍ وَعَقِيلٍ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَحُمِلَ إلَيْهِ آلُ الْبَيْتِ عَلَى أَقْتَابِ الْجِمَالِ مُوثَقِينَ بِالْحِبَالِ، وَأَوْقَفَهُمْ وَحَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُكَشِّفَاتِ الرُّءُوسِ وَالْوُجُوهِ عَلَى دَرَجِ جَامِعِ دِمَشْقَ مَوْقِفَ الْأَسَارَى. وَزَادَ بِذَلِكَ عُجْبًا وَاسْتِكْبَارًا فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ أَفْعَالِهِ الْقَبِيحَةِ. قَالَ الْوَافِي فِي الْوَفِيَّاتِ ": إنَّ السَّبْيَ لَمَّا وَرَدَ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى يَزِيدَ خَرَجَ فَلَقِيَ الْأَطْفَالَ وَالنِّسَاءَ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ وَالْحُسَيْنِ وَالرُّءُوسِ عَلَى أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ، وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى ثَنِيَّةِ الْعِقَابِ،
فَلَمَّا رَآهُمْ الْخَبِيثُ أَنْشَأَ يَقُولُ:
لَمَّا بَدَتْ تِلْكَ الْحُمُولُ وَأَشْرَفَتْ ... تِلْكَ الرُّءُوسُ عَلَى شَفَا جَيْرُونِي نَعَقَ الْغُرَابُ فَقُلْت قُلْ أَوْ لَا تَقُلْ ... فَقَدْ اقْتَضَيْت مِنْ الرُّءُوسِ دُيُونِي يَعْنِي بِذَلِكَ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ الْكُفَّارِ مِثْلَ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ عُتْبَةُ وَخَالِدٍ وَلَدَ عُتْبَةُ وَنَحْوَهُمَا انْتَهَى.
قُلْت: فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ فَلَا رَيْبَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ لَعْنِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ الشَّافِعِيُّ: نَحْنُ نَبْرَأُ مِمَّنْ قَتَلَ الْحُسَيْنَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ أَشَارَ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَنَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ الْكَمَالُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ؛
وَأَمَّا نَحْنُ فَلَمْ يَخْرُجْ عِنْدَنَا يَعْنِي الْقَوْلُ بِكُفْرِهِ عَنْ حَدِّ الشُّهْرَةِ إلَى التَّوَاتُرِ، وَلَكِنْ إنْ ثَبَتَ عَنْهُ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ قَالَ: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلِّ فَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِالْكُفْرِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ قَطْعًا الْإِمْسَاكُ؛ إذْ لَا خَطَرَ فِي السُّكُوتِ عَنْ لَعْنَةِ إبْلِيسَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. انْتَهَى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.