ويجوز افراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عَائِشَةَ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنا من اهل بالحج ومنا من اهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة) والافراد والتمتع افضل من القران وقال المزني القران افضل والدليل علي ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الافراد والتمتع أفضل وفى التمتع والافراد قولان (أحدهما) أن التمتع أَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (تَمَتَّعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ) (والثانى) أن الافراد افضل لما روى جابر قَالَ (أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يحج ليس معه عمرة) ولان التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الافراد أفضل منه كالقران
الشروح عليها
ويجوز افراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما لما روت عَائِشَةَ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فمنا من اهل بالحج ومنا من اهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة) والافراد والتمتع افضل من القران وقال المزني القران افضل والدليل علي ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله والقارن يقتصر على عمل الحج وحده فكان الافراد والتمتع أفضل وفى التمتع والافراد قولان (أحدهما) أن التمتع أَفْضَلُ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (تَمَتَّعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ) (والثانى) أن الافراد افضل لما روى جابر قَالَ (أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يحج ليس معه عمرة) ولان التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الافراد أفضل منه كالقران (وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فانه يحتمل انه أراد أمر بالتمتع كما روى أنه رجم ماعزا وأراد انه أمر برجمه والدليل عليه ان ابن عمر هو الراوى وقد رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افرد بالحج) (الشَّرْحُ) حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهَا كُلَّهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِهَا إلَّا حَدِيثَ جَابِرٍ فَلَفْظُهُمَا فِيهِ (أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ)
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُ عُمْرَةٌ فَلَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِمَا وَرَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ
(أَمَّا) الْأَحْكَامُ فَقَدْ أَتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ عَلَى خَمْسَةِ أَنْوَاعٍ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَالْإِطْلَاقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ مُطْلَقًا ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا وَالتَّعْلِيقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ (١) فَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ الْخَمْسَةُ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الثَّلَاثَةَ الْأَوْلَى
(وَأَمَّا) النَّوْعَانِ الآخر فَذَكَرَهُمَا فِي بَابِ الْإِحْرَامِ وَسَنُوَضِّحُهُمَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
(وَأَمَّا) الْأَفْضَلُ مِنْ هَذِهِ الانواع الثلاثة الاولى ففيه طرق وأقول مُنْتَشِرَةٌ (الصَّحِيحُ) مِنْهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ
وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ (وَالْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّ أَفْضَلَهَا التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْإِفْرَادُ وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الْكِتَابِ وَهَذَا الثَّانِي نَصَّهُ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ (وَالثَّالِثُ) أَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ ثُمَّ التَّمَتُّعُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَالسَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ قَالُوا نَصَّ عَلَيْهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَمِمَّنْ
اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُزَنِيّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ
* قَالَ أَصْحَابُنَا وَشَرْطُ تَقْدِيمِ الْإِفْرَادِ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ فِي سَنَةٍ فَإِنْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةَ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ
* هَكَذَا قَالَهُ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ سَوَاءٌ اعْتَمَرَ فِي سَنَتِهِ أَمْ فِي سَنَةٍ أُخْرَى وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ الثَّلَاثَةِ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وكافة الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِنْ غيرهم من العلماء في النهى عُمَرَ وَعُثْمَانَ تَأْوِيلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهُ تَنْزِيهًا وَحَمْلًا لِلنَّاسِ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْإِفْرَادُ لَا أَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ بُطْلَانَ التَّمَتُّعِ (١) هَذَا مَعَ عِلْمِهِمَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ من الهدى)
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُمَا كَانَا يَنْهَيَانِ عَنْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ فَسْخُ الحج الي العمرة لان ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا لَهُمْ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَاضِحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا التَّأْوِيلُ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا وَسِيَاقُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يَقْتَضِي خِلَافَهُ
* وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّ مَذْهَبَ عُمَرَ بُطْلَانُ التَّمَتُّعِ وهو ضعيف ولا ينبعى أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ بَلْ الْمُخْتَارُ فِي مَذْهَبِهِ مَا قَدِمْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ
* قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا
أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعَائِشَةُ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ أبو حنيفة وسفيان الثوري واسحق بن راهويه والمزني وابن المنذر وابو اسحق الْمَرْوَزِيُّ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَحْمَدُ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ
* وَحَكَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ
* وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ لَا أَفْضَلِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ يُفْهَمُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمِمَّا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ في اختلاف الحديث ليس شئ مِنْ الِاخْتِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ ثُمَّ السُّنَّةَ ثُمَّ مَا لَا علم فيه خلافا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَإِفْرَادُ الْحَجِّ وَالْقِرَانِ وَاسِعٌ كُلُّهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (خَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) قَالَ الشَّافِعِيُّ (فَإِنْ) قَالَ قَائِلٌ فَمِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ يَعْنِي رِوَايَتَهُمْ لِلْإِفْرَادِ دُونَ حَدِيثِ مَنْ قَالَ قَرَنَ (قِيلَ) لِتَقَدُّمِ صُحْبَةِ جَابِرٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُسْنِ سِيَاقِهِ لِابْتِدَاءِ الْحَدِيثِ وَآخِرِهِ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ وَفَضْلِ حِفْظِهَا عَنْهُ وَقُرْبِ ابْنِ عُمَرَ مِنْهُ هَذَا نَصُّهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ يَعْنِي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ ليس شئ مِنْ الْخِلَافِ أَيْسَرَ مِنْ هَذَا لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرُ حُكْمٍ لِأَنَّ الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ كُلَّهَا جَائِزَةٌ قَالَ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّهُ أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَى الرُّوَاةِ حَيْثُ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى نَقْلِهَا وَهِيَ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ
(وَالثَّانِي)
أَنَّهُ أَرَادَ الْإِنْكَارَ عَلَى مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بالاحاديث وَتَرْتِيبِ مُخْتَلَفِهَا وَالْجَمْعِ بَيْنَهَا وَأَنَّهَا غَيْرُ مُتَضَادَّةٍ بَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهَا
* هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِنَّمَا اسْتَيْسَرَ الْخِلَافُ فِيهِ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ وَكُلُّهَا مَنْقُولَةٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَةٌ عَنْهُ وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ
(أَمَّا) الْإِفْرَادُ فَبَيِّنٌ فِي قَوْله تَعَالَى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيت من استطاع إليه سبيلا)
(وَأَمَّا) التَّمَتُّعُ فَفِي قَوْله تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)
(وَأَمَّا) الْقِرَانُ فَفِي قَوْله تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ والعمرة لله) هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي
حُسَيْنٍ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَخِيرَةِ لِلْقِرَانِ نَظَرٌ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ لِمَذْهَبِهِمْ فِي تَرْجِيحِ الْقِرَانِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَقَالُوا لَا دَلَالَة فِي الْآيَةِ لِلْقِرَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَكْثَرُ مِنْ جَمْعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي الذِّكْرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَمْعُهُمَا فِي الْفِعْلِ نَظِيرُهُ قَوْله تعالي (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هَذَا وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْغَلَطُ فِيهِ قَبِيحًا يَعْنِي اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا قَبِيحٌ قَالَ ثُمَّ عَذَرَهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ كُلَّهَا جَائِزَةٌ لَمْ يَهْتَمُّوا بِمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَهُ عِلْمًا قَطْعِيًّا وَيَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بَلْ اقْتَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَمَا رواه وتسمعه مِنْهُ مَعَ أُمُورٍ فَوْقَ ظَنِّهِ فِي رِوَايَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ
(فَأَمَّا) جَوَازُهَا كُلُّهَا فَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ (مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا وَمِنَّا مَنْ قَرَنَ وَمِنَّا مَنْ تَمَتَّعَ)
(وَأَمَّا) تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ
(فَأَمَّا) حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ سَبَقَ الْآنَ فِي قَوْلِهَا (وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ)
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا عَنْهَا (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا)
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قالت (خرجنا مع رسول الله تعالي عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَذْكُرُ لَنَا الْحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمَثْت وَذَكَرَتْ تَمَامَ الْحَدِيثِ إلَى قَوْلِهَا ثُمَّ رَجَعُوا مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ يَعْنِي إلَى مِنًى)
(وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَنَسٌ مَا تَعُدُّونَنَا إلَّا صِبْيَانًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (أَنَّ رَجُلًا
أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ (بِمَ أَهَلَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَسَأَلَهُ فَقَالَ أَلَمْ تَأْتِنِي عَامَ أَوَّلٍ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّ أَنَسًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَرَنَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ إنَّ أَنَسًا كَانَ يدخل علي النساء وهن منكشفات الرؤوس وَإِنِّي كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحج مُنْفَرِدًا)
(وَأَمَّا) حَدِيثُ جَابِرٍ فَعَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَهْلَلْنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ فَقَدِمْنَا صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ (وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ) خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنَاسِكِ الْحَجِّ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَ حَتَّى إذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَتَحَلَّلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) (قَوْلُهُ) آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ يَعْنِي السَّعْيَ
(وَأَمَّا) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ قَالَ (أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ فَقَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَصَلَّى الصُّبْحَ وَقَالَ لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ دعى بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ وَسَلَتَ الدَّمَ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ (يَا بُنَيَّ أَفْرِدْ الْحَجَّ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ (وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أنه بِإِفْرَادِ الْحَجِّ
* (وَأَمَّا) تَرْجِيحُ التَّمَتُّعِ فَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (تَمَتَّعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الحج وأهدى فساق معه الهدى من دى الْحُلَيْفَةِ وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الْهَدْيَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ مَنْ كَانَ منكم أهدى فانه لا يحل من شئ حتى يقضي حجته وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شئ ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنْ السَّبْعِ وَمَشَى أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ ثم لم يحلل من شئ حرم منه حتى قضا حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَفَاضَ فَطَافَ بالبيت ثم حل من كل شئ حَرُمَ مِنْهُ وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ النَّاسِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
* وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ الزُّهْرِيُّ مِثْلُ الَّذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِيمَا سَبَقَ فِي إفْرَادِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ هَذَا قَالَ وَكَوْنُهُ
قَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَجِّهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا
* وَعَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ (سَأَلْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْمُتْعَةِ فَقَالَ فَعَلْنَاهَا وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَقَوْلُهُ) الْعُرُشُ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهِيَ بُيُوتُ مَكَّةَ (وَقَوْلُهُ) وَهَذَا كَافِرٌ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ
وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ (فَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا يَوْمئِذٍ كَافِرٌ بِالْعُرُشِ يَعْنِي مُعَاوِيَةَ) وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ (سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجِّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ وَالْعُمْرَةَ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ الضَّحَّاكُ لَا يَصْنَعُ مِثْلَ هَذَا إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ سَعْدٌ بِئْسَ مَا قلت يا بن أَخِي قَالَ الضَّحَّاكُ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَعْدٌ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَآخَرُونَ أَيْضًا وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ (بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ فَجِئْتُ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ بِمَ أهللت قلت أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ قُلْتُ لَا فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَالصَّفَّا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْت فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنْ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ هِيَ حَلَالٌ قَالَ الشَّامِيُّ إنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَبِي نَهَى
عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ (تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عليه وسلم تمتعنا مَعَهُ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ قَالَ (مُتِّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رجل برايه ما شاء) وعن أبى حمزة بِالْجِيمِ قَالَ (تَمَتَّعْتُ فَنَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَمَرَنِي بِهَا فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي حَجٌّ مَبْرُورٌ وَعُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
(وَأَمَّا) الْقِرَانُ فَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ (مِنْهَا) حَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ (اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وعثمان وهما بعسفان فكان عثمان ينهى عَنْ الْمُتْعَةِ أَوْ الْعُمْرَةِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَا تُرِيدُ إلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُثْمَانُ دَعْنَا مِنْكَ فَقَالَ إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَكَ فَلَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ (وَمِنْهَا) حَدِيثُ أَنَسٍ فَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا قَالَ بَكْرٌ فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ لَبَّى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فَلَقِيتُ أَنَسًا فَحَدَّثْتُهُ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَنَسٌ مَا تَعُدُّونَنَا إلَّا صِبْيَانًا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عن سليمان بن حارث وَهُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ قَالَ (سَمِعَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَبُو قِلَابَةَ مِنْ أَنَسٍ وَأَبُو قِلَابَةَ فَقِيهٌ) قال وقد روى حمية ويحيى بن ابى اسحق عَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ قَالَ سُلَيْمَانُ وَلَمْ يَحْفَظَا إنَّمَا الصَّحِيحُ مَا قَالَ أَبُو قِلَابَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)
فَأَمَّا سَمْعُ أَنَسٍ فَعَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَالِاشْتِبَاهُ وَقَعَ لِأَنَسٍ لَا لِمَنْ دُونَهُ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُ رَجُلًا كَيْفَ صُورَةُ الْقِرَانِ لَا أَنَّهُ قَرَنَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهَلَّ بِهِمَا لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بين حجة وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ)
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِوَادِي الْعَقِيقِ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقَالَ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ وَفِي بَعْضِهَا وَقُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَيَكُونُ ذَلِكَ إذْنًا فِي إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ فِي نفسه وعن العتبي بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ (كُنْتُ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْتُ فاهلكت بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَمَّا أَتَيْتُ الْعُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ وَأَنَا أُهِلُّ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَا هَذَا بِأَفْقَهَ مِنْ بَعِيرِهِ قَالَ فَكَأَنَّمَا أَلْقَى عَلَيَّ جَبَلٌ حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي كُنْتُ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا نَصْرَانِيًّا وَإِنِّي أَسْلَمْتُ وَأَنَا حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ وَإِنِّي وَجَدْتُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَقَالَ لِي اجْمَعْهُمَا وَاذْبَحْ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَإِنِّي أَهْلَلْتُ بِهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ عُمَرُ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم) واه أبو داود والنسائي باسناد صحيح قال الدارقطني فِي كِتَابِ الْعِلَلِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمُقْتَضَى هَذَا جَوَازُ الْقِرَانِ لَا تَفْضِيلُهُ وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بِالْإِفْرَادِ (قُلْتُ) وَهَذَا أَوَدُّ مَا قُلْتُهُ مِنْهُ فِي تَأْوِيلِ نَهْيِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنْ التَّمَتُّعِ وَأَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِتَفْضِيلِهِ أَمْرَ الْإِفْرَادِ لَا لِبُطْلَانِ التَّمَتُّعِ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ (إنَّمَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ بَعْدَهَا) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ (قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ إنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَوْلُهَا مِنْ عُمْرَتِكَ أَيْ مِنْ إحْرَامِكَ قَالَ إنِّي قَلَّدْتُ هَدْيِي وَلَبَّدْتُ رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ أَيْ حَتَّى يَحِلَّ الْحَاجُّ لِأَنَّ الْقَضَاءَ نَزَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ جَعَلَ إحْرَامَهُ حَجًّا (وَاعْلَمْ) أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ ذَكَرَ بَابًا فِي جَوَازِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ثُمَّ بَابًا فِي تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ ثُمَّ بَابَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَذَكَرَ فِي كُلٍّ نَحْوَ ما ذكرته من الاحاديث ثُمَّ قَالَ بَابُ كَرَاهَةِ مَنْ كَرِهَ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ وَبَيَانِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ كُنَّا اخْتَرْنَا الْإِفْرَادَ فَذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أتى عمر ابن الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولِ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُضِيَ فِيهِ يَنْهَى عَنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مِنْ عُمَرَ لَكِنَّهُ لَمْ يُرْوَ هُنَا عَنْ عُمَرَ بَلْ عَنْ صَحَابِيٍّ غَيْرِ مُسْمًى وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ.
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ) تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَلْيَقُلْ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى السَّابِقُ فِي الْقِرَانِ وَأَنَّ أَبَا مُوسَى قَالَ قُلْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِاَلَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّمَتُّعِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرِ خِلَافَةِ عُمَرَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِيهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى عَنْهَا
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى سَأَلَ عُمَرَ عَنْ نَهْيِهِ فَقَالَ عُمَرُ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الحج تقطر رؤسهم) رَوَاهُ مُسْلِمٌ إلَّا قَوْلَهُ وَأَصْحَابُهُ) وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ تَحْتَ الْأَرَاكِ ثُمَّ يروحون) (والاعراس) كناية عن وطئ السنام وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ فِي تَمَتُّعِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذى أخرني سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال الزهري فقلت لسالم فلم ينه عَنْ التَّمَتُّعِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ النَّاسُ مَعَهُ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِي ابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْأَتَمَّ للعمرة ان تفردوها من أشهر الحج (الحج أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ فَأَخْلِصُوا فِيهِنَّ الْحَجَّ وَاعْتَمِرُوا فِيمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الشُّهُورِ قَالَ وَإِنْ أَعْمَرَ بِذَلِكَ لَزِمَهُ إتْمَامُ الْعُمْرَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) وَذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ إنَّمَا يُتَمَتَّعُ بِهَا إلَى الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَالْعُمْرَةُ فِي غير اشهر الحج تتم لا هَدْيٍ وَلَا صِيَامٍ فَأَرَادَ عُمَرُ بِتَرْكِ التَّمَتُّعِ اتمام الْعُمْرَةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِإِتْمَامِهَا وَأَرَادَ أَيْضًا أَنْ تُكَرَّرَ زِيَارَةُ الْكَعْبَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ فَكَرِهَ التَّمَتُّعَ لِئَلَّا يَقْتَصِرُوا عَلَى زِيَارَةِ مَرَّةٍ فَتَرَدَّدَ الْأَئِمَّةُ فِي التَّمَتُّعِ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ يَرَوْنَ ذَلِكَ حَرَامًا قَالَ وَلَعَمْرِي لَمْ يَرَ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ حَرَامًا وَلَكِنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
إحْسَانًا لِلْخَيْرِ وَبِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ سَالِمٍ قَالَ (سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا فَقِيلَ إنَّك تُخَالِفُ أَبَاكَ فَقَالَ إنَّ أَبِي لَمْ يَقُلْ الَّذِي يَقُولُونَ إنَّمَا قَالَ أَفْرِدُوا الْحَجَّ مِنْ الْعُمْرَةِ أَيْ إنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا وَعَاقَبْتُمْ النَّاسَ عَلَيْهَا وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِهَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ فَكِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ عُمَرُ) وَعَنْ سَالِمٍ قَالَ (كَانَ ابن عمر يفنى بِاَلَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّخْصَةِ فِي التَّمَتُّعِ وَبَيَّنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ نَاسٌ لِابْنِ عُمَرَ كَيْفَ أَبَاكَ وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهُمْ ابْنُ عُمَرَ أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ أَرَأَيْتُمْ إنْ كان عمر نهي عن ذَلِكَ يَبْغِي فِيهِ الْخَيْرَ وَيَلْتَمِسُ فِيهِ تَمَامَ الْعُمْرَةِ فَلِمَ كَرِهْتُمُوهَا وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَمِلَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ عُمَرُ إنَّ عمر لم يقل ذلك لان الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَرَامٌ وَلَكِنَّهُ قَالَ ان اتمام العمرة أن تفردوها مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ) ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ (قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَهَيْتَ عَنْ الْمُتْعَةِ قَالَ لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ كَثْرَةَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ فَقَالَ عَلِيٌّ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَحَسَنٌ وَمَنْ تَمَتَّعَ فَقَدْ أَخَذَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم) وعن أَبِي نُصْرَةَ قَالَ (قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِهَا فَقَالَ جَابِرٌ عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ إنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله كما أمركم الله وابتوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةٍ (فَإِنَّهُ أَتَمُّ بِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ بِعُمْرَتِكُمْ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ
* وعن عبد الله ابن شَقِيقٍ (كَانَ عُثْمَانُ يَنْهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَكَانَ عَلِيٌّ يَأْمُرُ بِهَا فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ كَلِمَةً ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّا قَدْ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال أجل ولكنا كُنَّا خَائِفِينَ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَرَادَ بِكُنَّا خَائِفِينَ عُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَكَانَتْ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ (كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ
* قَالَ الْبَيْهَقِيُّ انما أراد فسخهم الحج إلى العمرة وهو أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ
أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ يَجْعَلُوهُ عُمْرَةً لِيُنْقَضَ بِذَلِكَ عَادَتُهُمْ فِي تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا لَا يَجُوزُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مَا دَلَّ عَلَى ذلك
* وعن محمد بن اسحق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ ابن الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كان يقول وفي حج ثم فسخها بعمرة ولم يكبر ذَلِكَ إلَّا الرَّكْبُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ صَاحِبَ الْمَغَازِي هَذَا مُدَلِّسٌ وَقَدْ قَالَ (عَنْ) وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ (عَنْ) لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ
* وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ لَيْسَ فِيهَا عُمْرَةٌ)
* قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَرَاهَةُ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ أَظُنُّهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ (أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (١) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَثَبَتَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَازُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ وَثَبَتَ بِمُضِيِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجٍّ مُفْرَدٍ ثُمَّ بِاخْتِلَافِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فِي كَرَاهَةِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ الْإِفْرَادِ كَوْنُ إفْرَادِ الْحَجِّ عن العمرة أفضل والله أعلم
* (فَرْعٌ)
فِي طَرِيقِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ طُرُقُهَا
* قَدْ سَبَقَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُفْرِدًا (وَمِنْهُمْ) مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا (وَمِنْهُمْ) مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ وَهِيَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَجِبُ تَأْوِيلُ جَمِيعِهَا بِبَعْضِهَا وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَصَنَّفَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ كِتَابًا فِيهَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْقِرَانَ وَتَأَوَّلَ بَاقِي الْأَحَادِيثِ وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيمَا قَالَهُ (وَالصَّوَابُ) الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قَارِنًا وَإِدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ جَائِزٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا وعلي الاصح لا يجوز لنا وحاز لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ السَّنَةَ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ بِهِ فِي قَوْلِهِ (لَبَّيْكَ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) كَمَا سَبَقَ
* فَإِذَا عَرَفْتَ مَا قُلْنَاهُ سَهُلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ (فَمَنْ) رَوَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا وهم الاكثرون كما سبق أراد أنه اعمر اول الاحرام (ومن) رَوَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا أَرَادَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ آخره وما بعد احراه (وَمَنْ) رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالِالْتِذَاذُ وَقَدْ انْتَفَعَ بِأَنْ كَفَاهُ عَنْ النُّسُكَيْنِ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَمَلٍ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ إفْرَادِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ عُمْرَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفْرَدَةً لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ اعْتَمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ وَعَلَى هَذَا الْجَمْعِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا فِي حَجَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ
(وَأَمَّا) الصَّحَابَةُ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ (قِسْمٌ) أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَمَعَهُمْ هَدْيٌ فَبَقُوا عَلَيْهِ حَتَّى تَحَلَّلُوا مِنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ (وَقِسْمٌ) بِعُمْرَةٍ فَبَقُوا فِي عُمْرَتِهِمْ حَتَّى تَحَلَّلُوا قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ (وَقِسْمٌ) بِحَجٍّ وَلَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فِيهَا وَلَا أَمَرَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْلِبُوا حَجَّهُمْ عُمْرَةً وَهُوَ مَعْنَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى هَذَا تَنْتَظِمُ الرِّوَايَاتُ فِي إحْرَامِ الصَّحَابَةِ (فَمَنْ) رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَارِنِينَ أَوْ مُتَمَتِّعِينَ أَوْ مُفْرِدِينَ أَرَادَ بعضهم وهم الطائفة الذين علم ذلك مِنْهُمْ وَظَنَّ أَنَّ الْبَاقِينَ مِثْلُهُمْ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ مِنْ الْجَمْعِ وَالتَّأْوِيلِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ
وَحَاصِلُهُ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَهُ أَوَّلًا وَإِنَّمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِتِلْكَ الْمُصْلِحَةِ السَّابِقَةِ وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُ أَنَّ ذلك من أفجر الفجور فاراد بَيَانَهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي جَمَعَتْ مِنْ الْخَلْقِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ قَبْلَهَا مِثْلُهَا لِيَظْهَرَ فِيهِمْ ذَلِكَ وَيَشْتَهِرَ جَوَازُهُ وَصِحَّتُهُ عِنْدَ جَمْعِهِمْ وَإِنْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَشْتَهِرْ اشْتِهَارَ هَذِهِ (١) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَا قَرِيبًا مِنْهَا وَكُلُّ هَذَا لَا يُخْرِجُ الْإِفْرَادَ عَنْ كَوْنِهِ الْأَفْضَلَ وَتَأَوَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْأَحَادِيثَ الَّتِي جَاءَتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَوْ قَارِنًا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ كَمَا قَالُوا رَجَمَ ما عزا أي امر برجمه وهذا ضعيف برده صَرِيحُ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ بَلْ الصَّوَابُ مَا قَدَّمْتُهُ قَرِيبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجُهَّالِ وَكَفَرَةٌ مِنْ الْمُلْحِدِينَ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرُّوَاةِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا أَوْ قارنا وهى حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَفْعَالِ وَلَوْ يُسِّرُوا لِلتَّوْفِيقِ واغتنوا يحسن الْمَعْرِفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَدْفَعُوهُ قَالَ وَقَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَيَانِ هَذَا فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَجَوَّدَ الْكَلَامَ فِيهِ وَفِي اقْتِصَاصِ كُلِّ مَا قَالَهُ تَطْوِيلٌ وَلَكِنَّ الْوَجِيزَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الْآمِرِ بِهِ لِجَوَازِ إضَافَتِهِ إلَى الْفَاعِلِ كَقَوْلِكَ بَنَى فُلَانٌ دَارًا إذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ
* وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ فَحَكَى أَنَّهُ أَفْرَدَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ فَلَمْ يَحْكِ إلَّا مَا سَمِعَ وَسَمِعَ أَنَسٌ وَغَيْرُهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَلَا يُنْكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التناقض لَوْ كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ
فَأَمَّا إذَا كَانَ مُثْبِتًا لَهُ وَزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُ لَهُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِينِ
* فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ فِيهَا تَكَاذُبٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا سَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا وَقَدْ رَوَى جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إحْرَامًا مَوْقُوفًا وَخَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحُجَّ هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ عُلَمَاءَ وَغَيْرِهِمْ فَمِنْ مُجِيدٍ مُنْصِفٍ وَمِنْ مُقَصِّرٍ مُتَكَلِّفِ وَمِنْ دَخِيلٍ مُكْرَهٍ وَمِنْ مُقْتَصِرٍ مُخْتَصِرٍ وَأَوْسَعُهُمْ نَفَسًا فِي ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ الْحَنَفِيُّ وَإِنْ كَانَ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ بْنِ الْمُهَلِّبِ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ القصار البغدادي والحافظ أبو عمرو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وأولي ما يقال في هذا علي ما لخصناه من كلامهم واخترناه من اختيار انهم مِمَّا هُوَ أَجْمَعُ لِلرِّوَايَاتِ وَأَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْأَحَادِيثِ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لِلنَّاسِ مِنْ فِعْلِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِيَدُلَّ عَلَى جواز جمعها إذْ لَوْ أَمَرَ بِوَاحِدٍ لَكَانَ غَيْرُهُ
يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَأُضِيفَ الْجَمِيعُ إلَيْهِ وَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَنَسَبَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إمَّا لِأَمْرِهِ بِهِ وَإِمَّا لِتَأْوِيلِهِ عَلَيْهِ
(وَأَمَّا) إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذنا الافضل فَأَحْرَمَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ وَبِهِ تَظَاهَرَتْ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ
وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهَا أَمَرَ بِهِ
وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا فَإِخْبَارٌ عَنْ حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ لَا عَنْ ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ بل إخبار عن حاله حين أمر صحابه بِالتَّحَلُّلِ مِنْ حَجِّهِمْ وَقَلَبَهُ إلَى عُمْرَةٍ لِمُخَالِفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْهَدْيِ فِي آخِرِ إحْرَامِهِمْ قَارِنِينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَرْدَفُوا الْحَجَّ بِالْعُمْرَةِ وَفَعَلَ ذَلِكَ مُوَاسَاةً لِأَصْحَابِهِ وَتَأْنِيسًا لَهُمْ فِي فِعْلِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُنْكَرَةً عِنْدَهُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَلُّلُ مَعَهُمْ لِسَبَبِ الْهَدْيِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي تَرْكِ مُوَاسَاتِهِمْ فَصَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا فِي آخِرِ أمره وقد اتفق جمهور العملاء عَلَى جَوَازِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَمَنَعَهُ وَقَالَ لَا يَدْخُلُ إحْرَامٌ عَلَى إحْرَامٍ كَمَا لَا يَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَجَعَلُوا هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِمَارِ حِينَئِذٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ
وَكَذَلِكَ يَتَأَوَّلُ قَوْلَ مَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَيْ تَمَتَّعَ بِفِعْلِهِ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَعَلَهَا مَعَ الْحَجِّ لِأَنَّ لفظ المتعة يلق عَلَى مَعَانٍ فَانْتَظَمَتْ الْأَحَادِيثُ وَاتَّفَقَتْ
* قَالَ وَلَا يَبْعُدُ رَدُّ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ فِعْلِ مِثْلِ ذَلِكَ إلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا فَيَكُونُ الْإِفْرَادُ إخْبَارًا عَنْ فِعْلِهِمْ أَوَّلًا وَالْقِرَانُ إخْبَارًا عَنْ إحْرَامِ الَّذِينَ مَعَهُمْ هَدْيٌ بِالْعُمْرَةِ ثَانِيًا وَالتَّمَتُّعُ لِفَسْخِهِمْ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ إهْلَالُهُمْ بِالْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا كَمَا فَعَلَهُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إنَّهُ أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا مُنْتَظِرًا مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ ثُمَّ أُمِرَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أُمِرَ بِالْعُمْرَةِ فِي وَادِي الْعَقِيقِ بِقَوْلِهِ (هل فِي هَذَا الْوَادِي وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) قَالَ الْقَاضِي وَاَلَّذِي سَبَقَ أَبْيَنُ وَأَحْسَنُ فِي التَّأْوِيلِ
* هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ثُمَّ قَالَ القاضى في موضع آخَرَ بَعْدَهُ لَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ أَحْرَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا مِنْهُمَا لِأَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَرُدُّهُ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بخلافه
* (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا مَا جَاءَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْإِطْلَاقِ وَاخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهَا وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَفِي الْجَوَابِ عَنْ اعْتِرَاضِ الْمُلْحِدِينَ عَلَيْهَا وَذَكَرْنَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْوَاعِ جَائِزَةٌ وَأَوْضَحْنَا الْجَوَابَ عَمَّا نُقِلَ مِنْ كَرَاهَةِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ وَذَكَرْنَا أَنَّ الاصح تفضيل الافراد ورجحه الشافعي والاصحاب وغيرها بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمِنْهَا) أَنَّ رُوَاتَهُ أَخَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ فَإِنَّ مِنْهُمْ جَابِرًا وَهُوَ أَحْسَنُهُمْ سِيَاقًا لِحَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم فانه ذكرها من أَوَّلَ خُرُوجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى فَرَاغِهِ وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِ لَهَا وَاعْتِنَائِهِ بِهَا (وَمِنْهُمْ) ابْنُ عُمَرَ وَقَدْ قَالَ كنت تَحْتَ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّنِي لُعَابُهَا أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا عَنْهُ وَمِنْهُمْ عَائِشَةُ وَقُرْبُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْرُوفٌ وَاطِّلَاعُهَا عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَانِيَتِهِ مَعَ فِقْهِهَا وَعِظَمِ فِطْنَتِهَا (وَمِنْهُمْ) ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ بِالْمَحِلِّ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْفِقْهِ وَالْفَهْمِ الثَّاقِبِ مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِ وَحِفْظِهِ أَحْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ يَخْفِهَا وَأَخْذِهِ إيَّاهَا مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَوَاظَبُوا عَلَيْهِ كَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَاخْتَلَفَ فِعْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ حَجَّ عُمَرُ بِالنَّاسِ عَشْرَ حِجَجٍ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ كلها مفردا لو ولم يَكُنْ هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ مُفْرِدًا لَمْ يُوَاظِبُوا عَلَى الْإِفْرَادِ مَعَ أَنَّهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ وَقَادَةُ الْإِسْلَامِ وَيُقْتَدَى بِهِمْ فِي عَصْرِهِمْ وَبَعْدَهُمْ وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى خِلَافِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَنَّهُمْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(وَأَمَّا) الْخِلَافُ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا فَعَلُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْهُمْ مَا يُوَضِّحُ هَذَا (وَمِنْهَا) أَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لِكَمَالِهِ
وَيَجِبُ الدَّمُ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَذَلِكَ الدَّمُ دَمُ جبران لسقوط الميقات وبعض الاعمال ولان مالا خلل فيه ولا يحتاج إلَى جَبْرٍ أَفْضَلُ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَكَرِهَ عمر وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قَبْلَ هَذَا التَّمَتُّعِ وَبَعْضُهُمْ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ وَإِنْ كَانُوا يُجَوِّزُونَهُ عَلَى مَا سَبَقَ تَأْوِيلُهُ فَكَانَ مَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ أَفْضَلُ
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ الْقِرَانِ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِيهِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَتِمُّوا الحج والعمرة لله) وَمَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ وَبِحَدِيثِ العتبى بْنِ مَعْبَدٍ السَّابِقِ وَقَوْلِ عُمَرَ لَهُ هُدِيتَ نسنة نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ وَادِي الْعَقِيقِ (وَقُلْ لَبَّيْكَ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ) قَالُوا وَلِأَنَّ الْمُفْرِدَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ وَلَيْسَ هُوَ دَمُ جُبْرَانٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا بَلْ دَمَ عِبَادَةٍ وَالْعِبَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُخْتَصَّةِ بِالْبَدَنِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَلِأَنَّ الْقَارِنَ مُسَارِعٌ إلَى الْعِبَادَةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا قَالُوا وَلِأَنَّ فِي الْقِرَانِ تَحْصِيلَ الْعُمْرَةِ فِي زَمَنِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْرَفُ (وَأَجَابَ) أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْقِرَانِ بِجَوَابَيْنِ
(أَحَدُهُمَا)
أَنَّ أَحَادِيثَ الْإِفْرَادِ أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا سَبَقَ
(وَالثَّانِي)
أَنَّ أَحَادِيثَ الْقِرَانِ مُؤَوَّلَةٌ كَمَا سَبَقَ وَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ الْجَمْعِ وَالتَّأْوِيلِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أنه ليس فيها الا الامر باتمامها وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ قَرْنُهُمَا فِي الْفِعْلِ كما قوله تعالي (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)
(وَأَمَّا) مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فَمَعْنَاهُ الْإِحْرَامُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ كَرَاهَتُهُ للتمتع وأمره بالافراد (والجواب) عن حديث العتبي بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْقِرَانَ سُنَّةٌ أَيْ جَائِزٌ قَدْ أَذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ بَلْ الْمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ كَمَا سَبَقَ (وَالْجَوَابُ) عَنْ حَدِيثِ وَادِي الْعَقِيقِ مِنْ وَجْهَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ ذِكْرِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ الْقِرَانِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لَا فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ هَذَا (وَالْجَوَابُ) عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْقَارِنَ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ دَمُ نُسُكٍ قَالَ أَصْحَابُنَا بَلْ هُوَ عِنْدَنَا دَمُ جُبْرَانٍ عَلَى الصَّحِيحِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصِّيَامَ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَوْ كَانَ دَمَ نُسُكٍ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ
(وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ إنَّ الْقَارِنَ لَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا فَلَيْسَ شَرْطَ وُجُوبِ دَمِ الْجُبْرَانِ أَنْ يَكُونَ فِي ارْتِكَابِ حَرَامٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ فِي مَأْذُونٍ كَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِلْأَذَى أَوْ لَبِسَ لِلْمَرَضِ أَوْ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ أَكَلَ صَيْدًا لِمَجَاعَتِهِ أَوْ احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي بِطَيِّبٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ الدَّمُ وَلَمْ يَفْعَلْ حَرَامًا (وَالْجَوَابُ) عَمَّا قَالَ الْمُزَنِيّ إنَّ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ لِمَعْنًى كَمَنْ عدم الماء في السفر وعلم وجوده في أَوَاخِرَ الْوَقْتِ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ وَكَتَأْخِيرِ
صَلَاةِ عيد الفطر وتأخير صلاة الاضحى إلَى امْتِدَادِ النَّهَارِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَلِأَنَّ الْإِفْرَادَ فِعْلُ كُلِّ عِبَادَةٍ وحدها وافرادها بوقت فكان أفضل من جمعها كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
(وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ لِأَنَّ فِي الْقِرَانِ تَحْصُلُ الْعُمْرَةُ فِي زَمَنِ الْحَجِّ وَهُوَ أَشْرَفُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَ هُوَ أَشْرَفُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمْرَةِ بَلْ رُخْصَةٌ فِي فِعْلِهَا فِيهِ وَإِنَّمَا شَرَفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى لحج وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِتَرْجِيحِ التَّمَتُّعِ بِالْأَحَادِيثِ السابقة وبقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً) فَتَأَسَّفَ عَلَى فَوَاتِ الْعُمْرَةِ وَالتَّمَتُّعِ فَدَلَّ عَلَى رُجْحَانِهِ
* وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِمْ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَمَنْ الدَّلَائِلِ عَلَى تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ
(وَأَمَّا) تَأَسُّفُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَبُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ هَدْيٌ أُمِرُوا بِجَعْلِهَا عُمْرَةً فَحُصِلَ لَهُمْ حُزْنٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ هَدْيٌ وَيُوَافِقُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَتَأَسَّفَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وَرَغْبَةً فِيمَا يَكُونُ فِي مُوَافَقَتِهِمْ
لَا أَنَّ التَّمَتُّعَ دَائِمًا أَفْضَلُ
* قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَلِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعُمْرَةِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ والله أعلم
* (فَرْعٌ)
ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي آخِرِ بَابِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَقَلَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مُطْلَقًا وَكَانَ ينظر الْقَضَاءَ وَهُوَ نُزُولُ جِبْرِيلَ بِبَيَانِ مَا يَصْرِفُ إحْرَامَهُ الْمُطْلَقَ إلَيْهِ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَمَرَهُ بِصَرْفِهِ إلَى الْحَجِّ الْمُفْرَدِ
* وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ فِي هَذَا بَابًا قَالَ بَابُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ ثُمَّ أُمِرَ بِإِفْرَادِ الْحَجِّ وَمَضَى فِيهِ واستدل له البيهقى عَنْ طَاوُوسٍ قَالَ (خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ لَا يُسَمِّي حَجًّا وَلَا عُمْرَةً يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهُوَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَقَالَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ)
* وَذَكَرَ فِي الْبَابِ
أَيْضًا حَدِيثَ جَابِرٍ الطَّوِيلَ بِكَمَالِهِ قَالَ فِيهِ فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الحمد لله وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَأَهَلَّ الناس بهذا الذى يهلون به فم يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم تلبيته قال جابر لسنانوى إلَّا الْحَجَّ لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ حَتَّى إذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وَذَكَرَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ
* قَالَ فَلَمَّا كَانَ آخِرَ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ قَالَ لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذِهِ الْحُرُوفِ (قُلْتُ) ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كُلِّهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُحْرِمْ إحْرَامًا مُطْلَقًا بَلْ مُعَيَّنًا وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمَشْهُورُ فِي الْأَحَادِيثِ خِلَافُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَسَخَهُ إلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهُ وَقَلْبُهُ عُمْرَةً وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا حَجًّا لَا لِعُذْرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ سَاقَ الْهَدْيَ أَمْ لَا هَذَا مَذْهَبُنَا قَالَ ابْنُ الصباغ والعبد رى وآخرون وبه قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ
* وَقَالَ أَحْمَدُ يَجُوزُ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ
* وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا لِلصَّحَابَةِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ هُوَ جَائِزٌ الْآنَ
* وَاحْتُجَّ لِأَحْمَدَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ (وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً) وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانُوا يَرَوْنَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ إذَا بَرَأَ الدَّبَرْ وَعَفَّى الْأَثَرْ وَانْسَلَخَ صَفَرْ حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ
* فَقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحِلِّ قَالَ (حِلٌّ كُلُّهُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْحِلُّ كُلُّهُ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ (قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً الا من كان مع هَدْيٌ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَهَذَا
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلْحَةَ وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنْ الْيَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ فَقَالَ أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا وَيُقَصِّرُوا وَيُحِلُّوا إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَقَالُوا نَنْطَلِقُ إلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمرى ما استدبرت ما أهديت ولولا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ لَقِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ وَهُوَ يَرْمِيهَا فَقَالَ أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَلْ لِلْأَبَدِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمث فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ اجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَأَحَلَّ النَّاسُ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ قَالَتْ فَكَانَ الْهَدْيُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَوِي اليسارة ثم أهلوا حين راحوا إلى منا) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ وَعَنْ أَبِي سعيد قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا فَلَمَّا قَدِمْنَا مكة أمرنا أن نجعلها أعمرة إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ التروية ورحنا إلي منا أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَوْلُهُ رُحْنَا أَيْ ردنا الرَّوَاحَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ (أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجعلوا اهلا لكم بِالْحَجِّ عُمْرَةً إلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَتَّابٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَمْ أَرَهُ عِنْدَ أَحَدٍ إلَّا عِنْدَ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مَنْ أخذ عِكْرِمَةَ وَعِنْدِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَهُ عَنْ مُسْلِمٍ قُلْتُ يُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ أَبُو مَسْعُودٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي كَامِلٍ بِلَا وَاسِطَةٍ
* قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْبُخَارِيُّ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِيمَا أَخَذَهُ عَرَضًا وَمُنَاوَلَةً لَا سَمَاعًا وَالْعَرَضُ وَالْمُنَاوَلَةُ صَحِيحَانِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِمَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ هَذَا الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِالصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ ليحرم كما بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ
وَيُخَالِفُوا مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا أَفْجَرُ الْفُجُورِ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وموافقوهم للتخصيص بحديث الحرث بن بلال بن الحرث عَنْ أَبِيهِ قَالَ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ إلا الحرث بن بلال ولم أر في الحرث جَرْحًا وَلَا تَعْدِيلًا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَرَّاتٍ أَنَّ مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي ضَعْفَهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ عِنْدِي وَلَا أَقُولُ بِهِ قال وقد روى الفسخ فأحد عشر صحابيا أين يقع الحرث بْنُ بِلَالٍ مِنْهُمْ قُلْتُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ حَتَّى يُقَدَّمُوا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا الْفَسْخَ لِلصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرُوا حُكْمَ غَيْرِهِمْ وَقَدْ وَافَقَهُمْ الحرث بْنُ بِلَالٍ فِي إثْبَاتِ الْفَسْخِ لِلصَّحَابَةِ لَكِنَّهُ زاد زيادة لا تخالفهم وهى اختصاص الْفَسْخِ بِهِمْ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي ذَرٍّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَرَادَ بِالْمُتْعَةِ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَدْ زَالَتْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَحَدٍ
* وَاحْتَجَّ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا في ذلك برواية محمد بن اسحق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَقُولُ في من حَجَّ ثُمَّ فَسَخَهَا بِعُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِسْنَادُهُ هَذَا لَا يحتج به لان محمد بن اسحق مُدَلِّسٌ وَقَدْ قَالَ عَنْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ عَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ (وَأَجَابَ) أَصْحَابُنَا عَنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسُرَاقَةَ (بَلْ لِلْأَبَدِ) أَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ دُخُولُ أَفْعَالِهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَهُوَ الْقِرَانُ وَحَمَلَهُ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ انْدَرَجَتْ فِي الْحَجِّ فَلَا تَجِبُ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ دُونَ الْعُمْرَةِ
* (فَرْعٌ)
مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يُكْرَهُ لَهُ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَإِنْ تَمَتَّعَ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يكره له التمتع والقران وإن تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ فَعَلَيْهِ دَمٌ
* وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الحرام) فَأَبَاحَ التَّمَتُّعَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خاصه ولان المتمتع شرع له أن لا يلم بأهله وَالْمَكِّيُّ مُلِمٌّ بِأَهْلِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ قَالُوا وَلِأَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَمَتَّعَ لَزِمَهُ دَمٌ وَقُلْتُمْ إذَا تَمَتَّعَ مَكِّيٌّ فَلَا دَمَ وَهَذَا يدل على أن نكسه نَاقِصٌ عَنْ نُسُكِ الْغَرِيبِ فَكُرِهَ لَهُ فِعْلُهُ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ النُّسُكِ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَكِّيِّ كَانَ قُرْبَةً وَطَاعَةً فِي حَقِّ الْمَكِّيِّ كَالْإِفْرَادِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَاهَا فَمَنْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فَلَا دَمَ فَهَذَا ظَاهِرُ الْآيَةِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ (فَإِنْ قِيلَ) فَقَوْلُهُ تَعَالَى (ذلك لمن لم يكن أهله) ولم يقيل عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ (قُلْنَا) اللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) أَيْ فَعَلَيْهَا وقَوْله تَعَالَى (أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ) أَيْ عَلَيْهِمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى (فَمَنْ تَمَتَّعَ) شرط وقوله تعالى (فما استيسر من الهدى) جَزَاءُ الشَّرْطِ وقَوْله تَعَالَى (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد) بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ عَائِدٌ إلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَلَهُ دِرْهَمٌ إلَّا بَنِي تَمِيمٍ أَوْ قَالَ ذلك لمن يكن من نبي تَمِيمٍ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجَزَاءِ دُونَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ دُخُولُ الدَّارِ كَذَا هَهُنَا
(وَأَمَّا) قَوْلُهُمْ الْمُتَمَتِّعُ شُرِعَ لَهُ أَنْ لَا يَلُمَّ بِأَهْلِهِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِلْمَامِ بِأَهْلِهِ فِي التَّمَتُّعِ وَلِهَذَا لَوْ تَمَتَّعَ غَرِيبٌ عَنْ أَهْلِهِ فَأَلَمَّ بِأَهْلِهِ يَصِحُّ تَمَتُّعُهُ
وَكَذَا لَوْ تَمَتَّعَ مِنْ غَيْرِ إلْمَامٍ بِأَهْلِهِ فَتَمَتُّعُهُ عِنْدَهُمْ مَكْرُوهٌ
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ إنَّ نُسُكَهُ نَاقِصٌ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْغَرِيبِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنَّمَا لَزِمَ الْغَرِيبَ الدَّمُ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِالتَّمَتُّعِ فَيَلْزَمُهُ الدَّمُ وَالْمَكِّيُّ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مِنْ مِيقَاتِهِ الْأَصْلِيِّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ لِعَدَمِ التَّرَفُّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* (فَرْعٌ)
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ سَوَاءٌ حَجَّ فِي سَنَتِهِ أَمْ لَا
وَكَذَا الْحَجُّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرَ قَبْلَ حَجَّتِهِ وَكَانَ
أَصْحَابُهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَقْسَامًا مِنْهُمْ مَنْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَمِنْهُمْ مَنْ حَجَّ قَبْلَ الْعُمْرَةِ) كما سبق
*
*
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.