ومن ادعى دعوى على رجل، وذكر أن بينته بالبعد منه فحلف المدعى عليه،
الشروح عليها
قال: ومن ادعى دعوى على رجل، وذكر أن بينته بالبعد منه فحلف المدعى عليه، ثم أحضر المدعي بينته حكم بها، ولم تكن اليمين مزيلة للحق. ش: لأن البينة تبين الحق وتظهره ولعموم قول: النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «البينة لمن ادعى» وهذا قد ادعى وأقام البينة، فيكون له، واليمين لا تزيل الحق، ولا تبطل الحكم بالبينة، لأن أثرها عند عدم البينة،
أما مع وجودها فالحكم لها.
والخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذكر المسألة في البعد، ولم يتعرض لحد البعد،
وكذا أبو محمد في المغني، وظاهر الإطلاق يقتضي مسافة القصر،
ومقتضاه أنها لو كانت قريبة لم يكن الحكم كذلك، فيحتمل أنه لا يملك تحليف المدعى عليه، ويحتمل أنه إذا أحلفه ثم أحضر بينة لم يحكم بها، وأبو الخطاب قال: إذا قال: لي بينة وأريد تحليفه. فهل يحلف له؟ يحتمل وجهين، وقيد في المغني الوجهين بما إذا كانت حاضرة، وفصل في الكافي فقال: إن قال مع الحضور: أحلفوه ثم أقيم بينتي، لم يستحلف،
وإن قال: ولا أقيمها. أحلف، ثم هل يمكن من إقامة البينة بعد؟ فيه وجهان، وفصل أبو البركات تفصيلا آخر فقال: إن كانت البينة غائبة عن البلد ملك تحليفه، ثم إقامة البينة،
وإن كانت حاضرة في مجلس الحكم لم يملك إلا أحدهما.
(إقامة) البينة من غير تحليف أو (تحليفه) ولا تسمع البينة،
وإن كانت غائبة عن المجلس حاضرة في غير مجلس الحكم فوجهان، الذي أورده مذهبا ملكهما، وحكى ابن حمدان فيما إذا كانت حاضرة ثلاثة أوجه، (يملكهما) (يملك) أحدهما فقط، (لا يملك) إلا إقامة البينة. [اليمين التي يبرأ بها المدعى عليه]
[مَسْأَلَة الْمُدَّعِيَ إذَا ذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهَا أَوْ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا فَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] (٨٤٢٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى، وَذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَتَهُ حُكِمَ بِهَا، وَلَمْ تَكُنْ الْيَمِينُ مُزِيلَةً لِلْحَقِّ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا ذَكَرَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بَعِيدَةٌ مِنْهُ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُهَا، أَوْ لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا، فَطَلَبَ الْيَمِينَ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أُحْلِفَ لَهُ،
فَإِذَا حَلَفَ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةِ، حُكِمَ لَهُ.
وَبِهَذَا قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَإِسْحَاقُ. وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَدَاوُد، أَنَّ بَيِّنَتَهُ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَا تُسْمَعُ بَعْدَهَا حُجَّة الْمُدَّعِي، كَمَا لَا تُسْمَعُ يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي. وَلَنَا، قَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْبَيِّنَةُ الصَّادِقَةُ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. وَظَاهِرُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ الصِّدْقُ،
وَيَلْزَمُ مِنْ صِدْقِهَا فُجُورُ الْيَمِينِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَكُونُ أَوْلَى، وَلِأَنَّ كُلَّ حَالَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيهَا بِإِقْرَارِهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ، كَمَا قَبْلَ الْيَمِينِ، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الْأَصْلُ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ عَنْهَا.
وَلِهَذَا لَا تُشْرَعُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهَا، وَالْبَدَلُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ، كَبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَا يَبْطُلُ الْأَصْلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَمَا، أَنَّهُمَا حَالَ اجْتِمَاعِهِمَا، وَإِمْكَانِ سَمَاعِهِمَا، تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ، وَيُحْكَمُ بِهَا، وَلَا تُسْمَعُ الْيَمِينُ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْهَا.
[فَصْل طَلَبَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ إقَامَةَ كَفِيلٍ بِهِ إلَى أَنْ تَحْضُرَ بَيِّنَتُهُ الْبَعِيدَةُ] (٨٤٢٨) فَصْلٌ: وَإِنْ طَلَبَ الْمُدَّعِي حَبْسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ إقَامَةَ كَفِيلٍ بِهِ إلَى أَنْ تَحْضُرَ بَيِّنَتُهُ الْبَعِيدَةُ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُلَازَمَةُ خَصْمِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ قِبَلَهُ حَقٌّ يُحْبَسُ بِهِ، وَلَا يُقِيمُ بِهِ كَفِيلًا، وَلِأَنَّ الْحَبْسَ عَذَابٌ، فَلَا يَلْزَمُ مَعْصُومًا لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَتَمَكَّنَ كُلُّ ظَالِمٍ مِنْ حَبْسٍ مَنْ شَاءَ مِنْ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَتُهُ قَرِيبَةً، فَلَهُ مُلَازَمَتُهُ حَتَّى يُحْضِرَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ إقَامَتِهَا، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مُلَازَمَتِهِ، لَذَهَبَ مِنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، وَلَا تُمْكِنُ إقَامَتُهَا إلَّا بِحَضْرَتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، تَمَكَّنَ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فِيهِ حَتَّى تَحْضُرَ الْبَيِّنَةُ. وَتُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ الْبَعِيدَةَ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حُضُورُهَا،
فَإِنَّ إلْزَامَهُ الْإِقَامَةَ إلَى حِينِ حُضُورِهَا يَحْتَاجُ إلَى حَبْسٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
[فَصْل قَالَ الْمُدَّعِي لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ وَأُرِيدُ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ] (٨٤٢٩) فَصْلٌ: وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ، وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أُحْلِفَ لَهُ،
ثُمَّ إنْ أَحْضَرَ شَاهِدًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَّلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَقُضِيَ بِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَإِنْ قَالَ الْمُدَّعِي: لِي بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ، وَأُرِيدُ إحْلَافَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَهُ ذَلِكَ، وَيَسْتَحْلِفُ خَصْمَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ إذَا كَانَتْ بَيِّنَتُهُ بَعِيدَةً، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ قَرِيبَةً؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا أُرِيدُ إقَامَةَ بَيِّنَتِي الْقَرِيبَةِ. مَلَكَ اسْتِحْلَافَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ إقَامَتَهَا.
الثَّانِي، لَا يَمْلِكُ اسْتِحْلَافَهُ؛ لِأَنَّ فِي الْبَيِّنَةِ غُنْيَةً عَنْ الْيَمِينِ، فَلَمْ تُشْرَعْ مَعَهَا؛ وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ أَصْلٌ، وَالْيَمِينَ بَدَلٌ، فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْأَصْلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْمَاءِ. وَفَارَقَ الْبَعِيدَةَ، فَإِنَّهَا فِي الْحَالِ كَالْمَعْدُومَةِ لِلْعَجْزِ عَنْهَا،
وَكَذَلِكَ الَّتِي لَا يُرِيدُ إقَامَتَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ فِي إحْضَارِهَا، أَوْ عَلَيْهِ فِي الْحُضُورِ مَشَقَّةٌ، فَيَسْقُطُ ذَلِكَ لِلْمَشَقَّةِ،
بِخِلَافِ الَّتِي يُرِيدُ إقَامَتَهَا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.