فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٦١٩ قبلها

المغنيابن قدامة

(٢٥٩٩) فَصْلٌ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا، وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ فِي الْجُمْلَةِ. وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَفَرَغَ مِنْهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إنْ وَجَدَ، وَإِلَّا فَالصِّيَامُ. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} الْآيَةَ.

١٠٬٥٣٦

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ:«تَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلنَّاسِ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَيُهْدِي، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

١٠٬٥٣٧

وَقَالَ جَابِرٌ:«كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، فَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا.» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ. فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْته عَنْ الْهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ شَاةٌ، أَوْ شِرْكٌ مِنْ دَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالدَّمُ الْوَاجِبُ شَاةٌ، أَوْ سُبْعُ بَقَرَةٍ، أَوْ سُبْعُ بَدَنَةٍ،

١٠٬٥٣٨

فَإِنْ نَحَرَ بَدَنَةً، أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

١٠٬٥٣٩

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُ إلَّا بَدَنَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا تَمَتَّعَ، سَاقَ بَدَنَةً. وَهَذَا تَرْكٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى:{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وَاطِّرَاحٌ لِلْآثَارِ الثَّابِتَةِ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ؛

١٠٬٥٤٠

فَإِنَّ إهْدَاءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْبَدَنَةِ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ مَا دُونَهَا،

١٠٬٥٤١

فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ،

١٠٬٥٤٢

وَلَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبَدَنَةُ الَّتِي يَذْبَحُهَا عَلَى صِفَةِ بُدْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُفْرِدًا فِي حَجَّتِهِ.

١٠٬٥٤٣

وَكَذَلِكَ ذَهَبُوا إلَى تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَوْقُهُ لِلْبُدْنِ دَلِيلًا لَهُمْ فِي التَّمَتُّعِ، وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الدَّمُ عَلَى الْمُتَمَتِّع] (٢٦٠٠) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي الشُّرُوطِ الَّتِي يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ؛ الْأَوَّلُ، أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ،

١٠٬٥٤٤

فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ، لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، سَوَاءٌ وَقَعَتْ أَفْعَالُهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَوْ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، سُئِلَ عَمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ قَدِمَ فِي شَوَّالٍ، أَيَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي شَوَّالٍ، أَوْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؟ فَقَالَ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ، وَذَكَرَ إسْنَادَهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدَ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ امْرَأَةٍ تَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا عُمْرَةً فِي شَهْرٍ مُسَمًّى، ثُمَّ تَحِلُّ إلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ تَحِيضُ؟ قَالَ: لِتَخْرُجْ، ثُمَّ لِتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ لِتَنْتَظِرْ حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ لِتَطُفْ بِالْبَيْتِ.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَجَعَلَ عُمْرَتَهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي أَهَلَّتْ فِيهِ، لَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عُمْرَةً، وَحَلَّ مِنْهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ طَاوُسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرْت فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَمْت حَتَّى الْحَجِّ، فَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ.

١٠٬٥٤٥

وَالثَّانِي عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَ النَّحْرِ، فَهِيَ مُتْعَةٌ.

قَالَ: ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.

١٠٬٥٤٦

فَأَمَّا إنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَذَهَبَ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَنُقِلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي عِيَاضٍ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.

١٠٬٥٤٧

وَقَالَ طَاوُسٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْحَرَمَ.

١٠٬٥٤٨

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَطُوفُ فِيهِ.

١٠٬٥٤٩

وَقَالَ عَطَاءٌ: عُمْرَتُهُ فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

١٠٬٥٥٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ طَافَ لِلْعُمْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ.

١٠٬٥٥١

وَإِنْ طَافَ الْأَرْبَعَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ صَحَّتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ أَفْسَدَهَا، أَشْبَهَ إذَا أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.

وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَا عَنْ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ أَتَى بِنُسُكٍ لَا تَتِمُّ الْعُمْرَةُ إلَّا بِهِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كَمَا لَوْ طَافَ. وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ. الثَّانِي، أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ،

١٠٬٥٥٢

فَإِنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَحُجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، بَلْ حَجَّ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا قَوْلًا شَاذًّا عَنْ الْحَسَنِ، فِي مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أَوْ لَمْ يَحُجَّ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِ هَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُوَالَاةَ بَيْنَهُمَا، وَلِأَنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ التَّبَاعُدِ بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ.

الثَّالِثُ، أَنْ لَا يُسَافِرَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ. نَصَّ عَلَيْهِ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْمُغِيرَةِ الْمَدِينِيِّ، وَإِسْحَاقَ.

١٠٬٥٥٣

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.

١٠٬٥٥٤

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: إنْ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.

١٠٬٥٥٥

وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ رَجَعَ إلَى مِصْرِهِ، أَوْ إلَى غَيْرِهِ أَبْعَدَ مِنْ مِصْرِهِ، بَطَلَتْ مُتْعَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.

١٠٬٥٥٦

وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} . وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ.

١٠٬٥٥٧

فَإِنْ خَرَجَ وَرَجَعَ، فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ ذَلِكَ. وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ، أَوْ مَا دُونَهُ، لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ،

١٠٬٥٥٨

فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَقَدْ أَنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فَلَمْ يَتَرَفَّهْ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَوْضِعِ الْوِفَاقِ. وَالْآيَةُ تَنَاوَلَتْ الْمُتَمَتِّعَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عُمَرَ.

الرَّابِعُ، أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ،

١٠٬٥٥٩

فَإِنْ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ حِلِّهِ مِنْهَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِينَ كَانَ مَعَهُمْ الْهَدْيُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَهَذَا يَصِيرُ قَارِنًا، وَلَا يَلْزَمُهُ دَمُ الْمُتْعَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ:«خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ. قَالَتْ: فَفَعَلْت، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْت مَعَهُ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِك. قَالَ عُرْوَةُ: فَقَضَى اللَّهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ قَارِنًا، وَتَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.

وَقَوْلُ عُرْوَةَ: لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ. يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ هَدْيٌ لِلْمُتْعَةِ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ. الْخَامِسُ، أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِي أَنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ عَلَى حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إذْ قَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وَلِأَنَّ حَاضِرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ، فَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ التَّرَفُّهُ بِأَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُفْرِدَ.

[فَصْل حَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَهْلُ الْحَرَمِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ] (٢٦٠١) فَصْلٌ: (وَحَاضِرُوا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أَهْلُ الْحَرَمِ،

١٠٬٥٦٠

وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.

١٠٬٥٦١

وَقَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ مَكَّةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَهْلُ الْحَرَمِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ طَاوُسٍ.

١٠٬٥٦٢

وَقَالَ مَكْحُولٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: مَنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ شُرِعَ فِيهِ النُّسُكُ، فَأَشْبَهَ الْحَرَمَ.

وَلَنَا، أَنَّ حَاضِرَ الشَّيْءِ مَنْ دَنَا مِنْهُ،

١٠٬٥٦٣

وَمَنْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَرِيبٌ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا قَصَدَهُ لَا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ السَّفَرِ، فَيَكُونُ مِنْ حَاضِرِيهِ. وَتَحْدِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعِيدًا، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ السَّفَرِ الْبَعِيدِ إذَا قَصَدَهُ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى جَعْلِ الْبَعِيدِ مِنْ حَاضِرِيهِ، وَالْقَرِيبِ مِنْ غَيْرِ حَاضِرِيهِ، فِي الْمَوَاقِيتِ قَرِيبًا وَبَعِيدًا. وَاعْتِبَارُنَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ حَدَّ الْحَاضِرَ بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، بِنَفْيِ أَحْكَامِ الْمُسَافِرِينَ عَنْهُ، فَالِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الِاعْتِبَارِ بِالنُّسُكِ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ الْحُضُورِ فِي الْآيَةِ.

[فَصْل إذَا كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتَانِ قَرِيبَةٌ وَبَعِيدَةٌ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] (٢٦٠٢) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتَانِ؛ قَرِيبَةٌ، وَبَعِيدَةٌ، فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ قَرِيبًا فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ الشَّرْطُ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَلِأَنَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْقَرِيبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ بِالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.

١٠٬٥٦٤

وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ حُكْمُ الْقَرْيَةِ الَّتِي يُقِيمُ بِهَا أَكْثَرِ،

١٠٬٥٦٥

فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي مَالُهُ بِهَا أَكْثَرُ،

١٠٬٥٦٦

فَإِنْ اسْتَوَيَا فَمِنْ الَّتِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهَا أَكْثَرَ،

١٠٬٥٦٧

فَإِنْ اسْتَوَيَا حُكِمَ لِلْقَرْيَةِ الَّتِي أَحْرَمَ مِنْهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ لِمَا قُلْنَاهُ.

١٠٬٥٦٨

[فَصْل دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا بَعْد تَمَتُّعِهِ] (٢٦٠٣) فَصْلٌ: فَإِذَا دَخَلَ الْآفَاقِيُّ مَكَّةَ، مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا بَعْدَ تَمَتُّعِهِ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

١٠٬٥٦٩

وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مَنْشَؤُهُ وَمَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ عَنْهَا مُتَنَقِّلًا مُقِيمًا بِغَيْرِهَا، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقَامَةِ بِهَا، أَوْ غَيْرَ نَاوٍ لِذَلِكَ، فَعَلَيْهِ دَمُ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَفِعْلِهَا، وَهَذَا إنَّمَا نَوَى الْإِقَامَةَ إذَا فَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَهُوَ نَاوٍ لِلْخُرُوجِ إلَى الْحَجِّ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا نَوَى أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الدَّمُ.

١٠٬٥٧٠

فَأَمَّا إنْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ مُسَافِرًا غَيْرَ مُتَنَقِّلٍ، ثُمَّ عَادَ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَوْ قَصَّرَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهَذَا السَّفَرِ عَنْ كَوْنِ أَهْلِهِ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. (٢٦٠٤) فَصْلٌ: وَهَذَا الشَّرْطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِكَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا؛

١٠٬٥٧١

فَإِنَّ مُتْعَةَ الْمَكِّيِّ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ أَحَدُ الْأَنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ، فَصَحَّ مِنْ الْمَكِّيِّ، كَالنُّسُكَيْنِ الْآخَرَيْنِ. وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ هُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجَّ، ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْمَكِّيِّ.

وَقَدْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ. وَمَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ دَمُ مُتْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُتْعَةَ لَهُ لَا عَلَيْهِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

[فَصْل تَرَكَ الْآفَاقِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ] (٢٦٠٥) فَصْلٌ: إذَا تَرَكَ الْآفَاقِيُّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ، أَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِهِ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ حَلَّ مِنْهَا، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ عَامِهِ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمَانِ؛ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَدَمٌ لِإِحْرَامِهِ مِنْ دُونِ مِيقَاتِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرَّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وَحَلَّ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَلَالًا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ.

١٠٬٥٧٢

وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ، حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَأَحْرَمَ مِنْهُ، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَامِ. وَلَيْسَ هَذَا بِجَيِّدٍ؛

١٠٬٥٧٣

فَإِنَّ حُضُورَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِقَامَةِ بِهِ، وَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْإِقَامَةُ، وَلَا نِيَّتُهَا، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} .

وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَانِعُ مِنْ الدَّمِ السُّكْنَى بِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَاكِنٍ؛

١٠٬٥٧٤

وَإِنْ أَحْرَمَ الْآفَاقِيُّ بِعُمْرَةٍ، فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ، فَاعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.

١٠٬٥٧٥

وَفِي تَنْصِيصِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ

١٠٬٥٧٦

تَنْبِيهٌ عَلَى إيجَابِ الدَّمِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ، أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. وَظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُشْتَرَطٍ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ،

١٠٬٥٧٧

وَكَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْقَوْلِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ لَهُ التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَنْ لَمْ يَنْوِ.

[الْفَصْل الثَّالِث فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَوَقْتِ ذَبْحِهِ] (٢٦٠٦) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْهَدْيِ، وَوَقْتِ ذَبْحِهِ.

١٠٬٥٧٨

أَمَّا وَقْتُ وُجُوبِهِ، فَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} .

وَهَذَا قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ مَا جُعِلَ غَايَةً، فَوُجُودُ أَوَّلِهِ كَافٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} . وَلِأَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كَمَا لَوْ وَقَفَ أَوْ تَحَلَّلَ.

١٠٬٥٧٩

وَعَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ وُجُودِ الْحَجِّ مِنْهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْوُقُوفِ،

١٠٬٥٨٠

فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْحَجُّ عَرَفَةَ» . وَلِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَعْرِضُ الْفَوَاتُ، فَلَا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أُحْصِرَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ الْمُتْعَةِ، وَلَا كَانَ مُتَمَتِّعًا،

١٠٬٥٨١

وَلَوْ وَجَبَ الدَّمُ لَمَا سَقَطَ.

١٠٬٥٨٢

وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجِبُ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ، قَالَ: يَجِبُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ ذَبْحِهِ، فَكَانَ وَقْتَ وُجُوبِهِ.

١٠٬٥٨٣

فَأَمَّا وَقْتُ إخْرَاجِهِ فَيَوْمُ النَّحْرِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ الْأُضْحِيَّةَ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ ذَبْحُ هَدْيِ التَّمَتُّعِ، كَقَبْلِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْعُمْرَةِ.

١٠٬٥٨٤

وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: سَمِعْت أَحْمَدْ،

١٠٬٥٨٥

قَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ فِي شَوَّالٍ وَمَعَهُ هَدْيٌ. قَالَ: يَنْحَرُ بِمَكَّةَ،

١٠٬٥٨٦

وَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الْعَشْرِ نَحَرَهُ، لَا يَضِيعُ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسْرَقُ.

١٠٬٥٨٧

وَكَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ.

وَإِنْ قَدِمَ فِي الْعَشْرِ، لَمْ يَنْحَرْهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ بِمِنًى؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ قَدِمُوا فِي الْعَشْرِ، فَلَمْ يَنْحَرُوا حَتَّى نَحَرُوا بِمِنًى.

١٠٬٥٨٨

وَمَنْ جَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ نَحَرَهُ عَنْ عُمْرَتِهِ، وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ، وَكَانَ قَارِنًا.

١٠٬٥٨٩

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ نَحْرُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ. قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِيمَا قَبْلَ ذَلِكَ، بَعْدَ حِلِّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ، احْتِمَالَانِ؛ وَوَجْهُ جَوَازِهِ أَنَّهُ دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِحْرَامِ، وَيَنُوبُ عَنْهُ الصِّيَامُ، فَجَازَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، كَدَمِ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَجَازَ أَدَاؤُهُ قَبْلَهُ، كَسَائِرِ الْفِدْيَاتِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.