وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَت بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ، وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا يُجْمَعُ فِيهِ إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا
الشروح عليها
مسألة: (ومَن بعضُه حُرٌّ، إن كان بينَهُما مُهايَأَةٌ (١) ، فله أن يَعْتَكِفَ في نَوْبَتِه) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنافِعَه غيرُ مَمْلُوكَةٍ لسَيِّدِه في ذلك الزَّمَنِ، وحُكْمُه في نَوْبَةِ سَيِّدِه حُكْمُ القِنِّ.
فإن لم يَكُنْ بَيْنَهُما مُهايَأَةٌ، فلسَيِّدِه مَنْعُه؛ لأَنَّ له مِلْكًا في منافِعِه في جَمِيعِ الأَوْقاتِ.
فصل: ولا يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ؛ لأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، أَشْبَهَ الصومَ.
وإن كان فَرضًا لَزِمَه نِيَّةُ الفَرْضِيَّةِ؛ ليَتَمَيَّزَ عن التَّطَوُّعِ،
فإن نَوَى الخُرُوجَ منه، ففيه وَجْهان؛ أَحَدُهما، يَبْطُلُ، كما لو قَطَع نِيَّةَ الصومِ. والثانى، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بمَكانٍ، فلا يَخْرُجُ منها بنِيَّةِ الخُرُوجِ، كالحَجِّ.
١١١٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه، إلَّا المَرْأَةَ لها الاعْتِكافُ في كلِّ مسجدٍ إلَّا مسجدَ بَيْتِها) لا يَجُوزُ للرجلِ الاعْتِكافُ في غيرِ مَسْجِدٍ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا بينَ أهْلِ العلمِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. فخَصَّها بذلك،
ولو صَحَّ الاعْتِكافُ في غيرِها، لم يَخْتَصَّ بتَحْرِيمِ المُباشَرَةِ فيها؛
فإنَّ المُباشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ في الاعْتِكافِ مُطْلَقًا.
وفي حَدِيثِ عائِشَةَ، قالت: إن كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليُدْخِلُ إِلىَّ رَأْسَه وهو في المَسْجِدِ، فأُرَجِّلُه، وكان لا يَدْخُلُ البَيْتَ إلَّا لحاجَةٍ إذا كان مُعْتَكِفًا . وقَوْلُه: إلَّا في مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فيه. أي تُقامُ فيه الجَماعَةُ. وإنَّما اشْتَرَطَ ذلك؛ لأنَّ الجَماعَةَ واجِبَةٌ، فاعْتِكافُ الرجلِ في مَسْجِدٍ لا تُقامُ فيه يُفْضِى إلى أحَدِ أمْرَيْن؛
إمّا تَرْكُ الجَماعَةِ الواجِبَةِ، وإمّا خُرُوجُه إليها، فيَتَكَرَّرُ ذلك منه كَثِيرًا، مع إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه، وذلك مُنافٍ للاعْتِكافِ، إذ هو لُزُومُ الإِقامَةِ في المَسْجِدِ على طاعَةِ اللهِ. فعلى هذا يجوزُ الاعْتِكافُ في كلِّ مَسْجِدٍ تُقامُ فيه الجَماعَةُ. ورُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، وعائِشَةَ، والزُّهْرِىِّ، ما يَدُلُّ على هذا. واعْتَكَفَ أبو قِلابَةَ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ في مَسْجِدِ حَيِّهما. ورُوِىَ عن عائِشَةَ، والزُّهْرِىِّ، أنَّه لا يَصِحُّ إلَّا في مَساجِدِ الجماعاتِ. وهو قَوْلُ الشافعىِّ، إذا كانتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُ اعْتِكافَه؛
لئَلَّا يَلْتَزِمَ الخُرُوجَ مِن مُعْتَكَفِهِ لِما يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن الخُرُوجِ إليه. ورُوِىَ عن حُذَيْفَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: لا يَجُوزُ الاعْتِكافُ إلَّا في مَسْجِدِ نَبِىٍّ . وحُكِىَ عن حُذَيْفَةَ، أنَّ الاعْتِكافَ لا يَصِحُّ إلَّا في أحَدِ المَساجِدِ الثَّلاثَةِ. قال سَعِيدٌ: ثَنَا مُغِيرَةُ، عن إبراهيمَ، قال: دَخَل حُذَيْفَةُ مَسْجِدَ الكُوفَةِ،
فإذا هو بِأبْنِيَةٍ مَضْرُوبَةٍ، فسَألَ عنها، فقيل: قَوْمٌ مُعْتَكِفُون. فانْطَلَقَ إلى ابنِ مسعودٍ، فقال: ألَا تَعْجَبُ مِن قَوْمٍ يَزْعُمُون أنَّهُم مُعْتَكِفُون بينَ دارِك ودارِ الأشْعَرِىِّ؟ فقال عبدُ اللهِ: لَعَلَّهُم أصابُوا وأخْطَأْتَ، وحَفِظُوا ونَسِيتَ. فقال حُذَيْفَةُ: لقد عَلِمْتُ ما الاعْتِكافُ إِلَّا في ثلاثَةِ مَساجِدَ؛ المَسْجِدِ الحرامِ، والمَسْجِدِ الأَقْصَى، ومَسْجِدِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - .
وقال مالكٌ: يَصِحُّ الاعْتِكافُ في كُلِّ مَسْجِدٍ؛ لعُمومِ قولِه:{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. وهو قَوْلُ الشافعىِّ إذا لم يَتَخَلَّلِ اعْتِكافَه جُمُعَةٌ. ولنا، ما روَى الدّارَقُطْنِىُّ بإسْنادِه، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عائِشَةَ، أنَّ السُّنَّةَ للمُعْتَكِفِ أن لا يَخْرُجَ إلَّا لحاجَةِ الِإنْسانِ، ولا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجِدِ جَماعَةٍ. وهو يَنْصَرِف إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وروَى سَعِيدٌ: ثَنَا هُشَيْمٌ، أنا جُوَيْبِرُ ، عن الضَّحّاكِ، عن حُذَيْفَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ مَسْجدٍ لَهُ إِمَامٌ وَمُؤذِّنٌ، فَالِاعْتِكَافُ فِيهِ يَصْلُحُ».
ولأنَّ قَوْلَه:{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}. يَقْتَضِى إباحَةَ الاعْتِكافِ في كلِّ مَسْجِدٍ، إلَّا أنَّه يُقَيَّدُ بما تُقامُ فيه الجَماعَةُ بالأخْبارِ والمَعْنَى الذى ذَكَرْناه، فيَبْقَى على العُمُومِ فيما عَداه. واشْتَرَطَ الشافعىُّ أن يكونَ المَسْجِدُ مِمّا تُقامُ فيه الجُمُعَةُ، وهذا مُخالِفٌ للأخْبارِ المَذْكُورةِ، والجُمُعَةُ لا تَتَكَرَّرُ، فلا يَصِحُّ قِياسُها على الجَماعَةِ، ولا يَضُرُّ الخُرُوجُ إليها، كاعْتِكافِ المرأةِ مُدَّةً يتَخَلَّلُها أيَّامُ حَيْضِها.
ولو كان الجامِعُ تُقامُ فيه الجُمُعَةُ وَحْدَها، لم يَجُزِ اعْتِكافُ الرجلِ فيه عندَنا.
ويَصِحُّ عند مالكٍ، والشافعىِّ. ومَبْنَى ذلك على أنَّ الجَماعَةَ واجِبَةٌ عندنا، فَيَلْزَمُ الخُروجُ إليها، وليست واجِبَةً عندَهم.
فصل: فإن كان اعْتِكافُه في مدَّةٍ غيرِ وَقْتِ الصلاةِ؛ كلَيْلَةٍ أو بَعْضِ يَوْمٍ، جاز في كلِّ مَسْجِدٍ؛ لعَدَمِ المانِعِ.
وإن كان تُقامُ فيه في بَعْض الزَّمانِ، جاز الاعْتِكافُ فيه في ذلك الزَّمَنِ دُونَ غيرِه.
وإن كان المُعْتَكِفُ مِمَّنْ لا تَلْزَمُه الجماعَةُ؛ كالمَرِيضِ، والمَعْذُورِ،
ومَنْ هو في قَرْيَةٍ لا يُصَلِّى فيها غيرُه، جاز اعْتِكافُه في كُلِّ مَسْجِدٍ؛ لأنَّ الجَماعَةَ ساقِطَةٌ عنه، أشْبَهَ المرأةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ ذلك للمَرِيضِ، والمَعْذُورِ؛ لأنَّه مِن أهْلِ الجَماعَةِ، فأشْبَهَ مَن تَجِبُ عليه، ولأنَّه إذا الْتَزَمَ الاعْتِكافَ، وكَلَّفَه نَفْسَه، فيَنبَغِى أن يَجْعَلَه في مكانٍ تُصَلَّى فيه الجَماعَةُ، ولأن من الْتَزَمَ ما لا يَلْزَمُه، لا يَصِحُّ بدُونِ شَرْطِه، كالمُتَطَوِّعِ بالصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ مَن لا تَجِبُ عليه الجَماعَةُ لا يَجِبُ عليه الخُروجُ إليها، فلا يَفُوتُ شَرْطُ الاعْتِكافِ.
ولو اعْتَكَفَ اثْنان أو أكْثَرُ في مَسْجِدٍ لا تُقامُ فيه الجَماعَةُ، فأقَاما الجَماعَةَ، صَحَّ اعْتِكافُهُم، لأنَّهُما أقاما الجَماعَةَ، أشْبَهَ ما لو أقامَها غيرُهما.
فصل: فأمّا المرأةُ، فيَجُوزُ اعْتِكافُها في كلِّ مَسْجِدٍ؛ لأنَّ الجَماعَةَ لا تَجِبُ عليها. وبهذا قال الشافعىُّ. وليس لها الاعْتِكافُ في بَيْتِها.
وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لها الاعْتِكافُ في مَسْجِدِ بَيْتِها، وهو المَكانُ الذى جَعَلَتْه للصلاةِ منه . واعْتِكافُها فيه أفْضَلُ، كصلاِتها فيه. وحُكِىَ عن أبى حَنِيفَةَ، أنَّه لا يَصِحُّ اعْتِكافُها في مَسْجِدِ الجَماعَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - تَرَك الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ، لمّا رَأى أبنِيَةَ أزْواجِه فيه، وقال:«آلْبِرَّ أرَدْتُنَّ؟». ولأنَّ مَسْجِدَ بَيْتِها مَوْضِعُ فَضِيلَةِ صلاتِها، فكان مَوْضِعَ اعْتِكافِها، كالمَسْجدِ في حَقَّ الرجلِ. ولنا، قَوْلُه تعالى:{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}.
والمُرادُ بها المَواضِعُ التى بُنِيَتْ للصلاةِ فيها، ومَوْضِعُ صلاِتها في بَيْتِها ليس بمَسْجدٍ؛ لأنَّه لم يُبْنَ للصلاةِ فيه، وتَسْمِيَتُه مَسْجِدًا مَجازٌ، فلا يَثْبُتُ له أحْكاَمُ المَساجِدِ الحَقِيقِيَّةِ، بدَلِيل جَوازِ لُبْثِ الجُنُبِ فيه، وصار كقَوْلِه عليه السلامُ:«جُعِلَتْ لِىَ الأرْضُ مَسْجِدًا». ولأنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ اسْتَأْذَنَه أزْواجُه في الاعتِكافِ في المَسْجِدِ أذِن لهُنَّ،
ولو لم يَكُنْ مَوْضِعًا لاعْتِكافِهِنَّ، لَمَا أذِن فيه،
ولو كان الاعْتِكافُ في غيرِه أفْضَلَ، لنَبَّهَهُنَّ عليه، ولأنَّ الاعْتِكافَ قُرْبَة يُشْتَرَطُ لها المَسْجِدُ في حَقِّ الرَّجُلِ، فيُشْتَرَطُ في حَقِّ المرأةِ، كالطَّوافِ. وحَدِيثُ عائِشَةَ قد بَيَّنّا أنَّهُ حُجَّةٌ لنا، وإنَّما كَرِه اعْتِكافَهُنَّ في تلك الحالِ، حيث كثُرَتْ أبنِيَتُهُنَّ؛ لِما رَأى مِن مُنافَسَتِهِنَّ، فكَرِهَه لَهُنَّ؛ خَشْيَةً عَلَيْهِنَّ مِن فَسادِ نِيَّتهِنَّ، ولذلك قال:«آلْبِرَّ أردْتُنَّ؟» مُنْكِرًا لذلك، أى لم تَفْعَلْنَ ذلك تَبَرُّرًا،
ولو كان للمَعْنَى الذى ذَكَرُوه، لأمَرَهُنَّ بالاعْتِكافِ في بُيُوتِهِنَّ، ولم يَأْذَنْ لَهُنَّ في المَسْجِدِ.
وأمّا الصلاةُ، فلا يَصِحُّ اعْتِبارُ الاعْتِكافِ بها،
فإنَّ صلاةَ النّافِلَةِ للرَّجُلِ في بَيْتِه أفْضَل،
ولا يَصِحُّ اعْتِكافُه فيه بالاتِّفاقِ. فصل: إذا اعْتَكَفَتِ المرأةُ في المَسْجِدِ، اسْتُحِبَّ لها أن تَسْتَتِرَ بشَئٍ؛ لأنَّ أزْواجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أرَدْنَ الاعْتِكافَ أمَرْنَ بأبْنِيَتهِنَّ فَضُرِبَتْ في المَسْجِدِ، ولأنَّ المَسْجِدَ يَحْضُرُه الرِّجالُ، وخَيْرٌ لهم وللنِّساءِ أن لا يَرَى بَعْضُهم بَعْضًا.
وإذا ضَرَبَتْ بِناءً جَعَلَتْه في مكانٍ لا يُصَلِّى فيه الرِّجالُ، لِئَلَّا تَقْطَعَ صُفُوفَهم، وتُضَيِّقَ عليهم. ولا بَأْسَ أنْ يَسْتَتِرَ الرجلُ أيضًا؛
فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر ببِنائِه فضُرِبَ، ولأنَّه أَسْتَرُ لها وأخْفَى لعَمَلِه. وروَى ابنُ ماجه ، عن أبى سَعِيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَكَفَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، على سُدَّتِها قِطْعَةُ حَصِيرٍ. قال: فأخَذَ الحَصِيرَ بِيدِه، فنَحَّاها في ناحِيَةِ القُبَّةِ، ثم أطْلَعَ رَأْسَه، فكَلَّمَ النّاسَ. ١١١٤ -
(وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِنْ كَانَت بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ) وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ هُوَ، وَمَالِكُ بَعْضِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُدَّةٌ، وَلِمَالِكِ بَعْضِهِ أُخْرَى (فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ، وَيَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ بَلْ هِيَ كَالْحُرِّ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ؛ لِأَنَّ لَهُ مُلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ فَتَجْوِيزُهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِجَائِزٍ.
[الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ] وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} ،
فَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ إِذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَلِأَنَّهُ «كَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يُدْخِلُ رَأْسَهُ إِلَى عَائِشَةَ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ (يُجْمَعُ فِيهِ) أَيْ: تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ،
وَلَوْ مِنْ مُعْتَكِفِينَ حِذَارًا إِمَّا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ،
فَإِذَا قِيلَ: بِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ،
وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ،
وَمَنِ اعْتِكَافُهُ فِي مدة غير وَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَسْقُطَ عَنِ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ (إِلَّا الْمَرْأَةَ لَهَا الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) لِلْآيَةِ، وَالْجَمَاعَةُ لَا تَلْزَمُهَا،
وَفِي " الِانْتِصَارِ ": فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ وَالْخِرَقِيِّ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا فَقَالَ: بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الْبِدَعُ فَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ (إِلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا) وَهُوَ مَا اتَّخَذَتْهُ لِصَلَاتِهَا،
وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ،
وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ، وَهَذَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا. وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " صِحَّتُهُ فِيهِ قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِظْ بِخِبَاءٍ نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَضْرِبْنَ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمَ.
قُلْتُ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرَّجُلُ كَهِيَ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ لَا إِلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ.
مَسْأَلَةٌ: رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ لَيْسَتْ مِنْهُ فِي رِوَايَةٍ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ،
وَعَنْهُ: بَلَى جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي كَظَهْرِهِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِطٌ وَبَابٌ فَهِيَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَمَنَارَتُهُ إِنْ كَانَتْ فِيهِ أَوْ بَابُهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ،
وَإِنْ كَانَتْ خَارِجَةً عَنْهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ قَرِيبَةٌ فَخَرَجَ لِلْأَذَانِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ الْبَنَّا وَالْمَجْدُ خِلَافَهُ.
وإنْ كانتْ عليه صَلاةٌ مَنْذُورَةٌ، فعلى رِوايتَيْن. وأطْلقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الهَادِى»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، والمَجْدُ فى «شَرْحِه»، و «مُحَرَّرِه»، والشَّارِحُ، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحَاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»؛ إحْداهما، تُفْعَلُ عنه. وهو المذهبُ، ونقَلَه حَرْبٌ. وجزَم به فى «الإِفادَاتِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . .
و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «العُمْدَةِ»، وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ»، وقدَّمه فى «المُغْنِى». قال القاضِى: اخْتارَها أبو بَكْرٍ، والخِرَقِىُّ، وهى الصَّحيحَةُ. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأكثرُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ فى «تَذْكِرَتِه». قال الزَّرْكَشِىُّ: اخْتارَه أبو بَكْرٍ، والقاضِى فى «التَّعْليقِ»، وغيرُهما. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا تُفْعَلُ عنه. نقَلَها الجماعَةُ عن أحمدَ. قال ابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»: وهى أصحُّ. قال فى «إدْرَاكِ الغَايَةِ»: لا تُفْعَلُ فى الأشْهَرِ.
قال فى «نَظْمِ النِّهَايَةِ»: لا تُفْعَلُ فى الأظْهَرِ، فعلى المذهبِ، تصِحُّ وَصِيَّتُه بها.
تنبيهات؛ أحدُها، قال فى «القاعِدَةِ الرَّابعَةِ والأرْبَعين بعدَ المِائَةِ»: كثيرٌ مِنَ الأصحابِ يُطْلِقُ ذِكْرَ الوارِثِ هنا.
وقال ابنُ عَقيلٍ وغيرُه: هو الأقْرَبُ فالأَقْرَبُ.
وكذلك قال الخِرَقِىُّ: هو الوارِثُ مِنَ العَصَبَةِ. الثَّانى، هذه الأحْكامُ كلُّها، وهو القَضاءُ، إذا كان النَّاذِرُ قد تمَكَّنَ مِنَ الأداءِ،
فأمَّا إذا لم يتَمَكَّنْ مِنَ الأداءِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه كذلك، فلا يُشْترَطُ التَّمَكُّنُ.
وقيل: يُشْترَطُ. الثَّالثُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُفْعَلُ غيرُ ما ذُكِرَ مِنَ الطَّاعاتِ المَنْذُورَةِ عنِ المَيِّتِ. وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ؛ لاقْتِصارِهم على ذلك.
وقال فى «الإِيضاحِ»: مَن نذَر طاعَةً فماتَ، فُعِلَتْ.
وقال الخِرَقِىُّ: ومَن نذَر أنْ يصُومَ، فماتَ قبلَ أنْ يأْتِىَ به، صامَ عنه ورَثَتُه مِن أقارِبِه،
وكذلك كلُّ ما كان مِن نَذْرِ طاعَةٍ.
وكذا قال فى «العُمْدَةِ». وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»: يصِحُّ أنْ يُفْعَلَ عنه كلُّ ما كان عليه مِن نَذْرِ طاعَةٍ، إلَّا الصَّلاةَ، فإنَّها على رِوايتَيْن.
وقال المَجْدُ فى «شَرْحِه»: قِصَّةُ سَعْدِ بنِ عُبادَةَ تدُلُّ على أنَّ كلَّ نَذْرٍ يُقْضَى.
وكذا ترْجمَ عليها فى كِتابِه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُنْتَقَى»، بقَضاءِ كُلِّ المَنْذُوراتِ عنِ المَيِّتِ.
وقال ابنُ عَقيلٍ وغيرُه: لا تُفْعَلُ طهارَةٌ مَنْذُورَةٌ عنه مع لُزُومِها بالنَّذْرِ. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ فى فِعْلِها عنِ المَيِّتِ ولُزومِها بالنَّذْرِ ما سبَق فى صَوْمِ يوْمِ الغَيْمِ، هل هى مَقْصُودَةٌ فى نفْسِها أم لا؟ مع أنَّ قِياسَ عدَمِ فِعْلِ الوَلِىِّ لها، أنْ لا تُفْعَلَ بالنَّذْرِ،
وإنْ لَزِمَتِ الطَّهارَةُ، لَزِمَ فِعْلُ صَلاةٍ ونحوِها بها، كنَذْرِ المَشْىِ إلى المَسْجِدِ، يلْزَمُ تَحِيَّةٌ؛ صلاةُ رَكْعَتَيْن، على ما يأْتِى فى النَّذْرِ. انتهى.
قلتُ: فيُعايَى بها. وقال فى «الفُروعِ»: ظاهِرُ كلامِ الأصحابِ، أنَّ الطَوافَ المَنْذُورَ كالصَّلاةِ المَنْذُورَةِ.
إلَّا المرأةَ لها الاعْتِكافُ فى كُلِّ مَسْجِدٍ إلاَّ مَسْجِدَ بَيْتِها. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ومَسْجِدُ بَيْتِها ليس مَسْجِدًا، لا حَقِيقَةً ولا حُكْمًا. قال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «الفُروعِ»: وقال فى «الانْتِصارِ»: لا بُدَّ أنْ يكونَ فى مَسْجِدٍ تُقامُ فيه الجماعةُ. وهو ظاهِرُ رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، والخِرَقىِّ, كما تقدَّم ذلك فى الرَّجُلِ.
فوائد؛ إحداها، رَحْبَةُ المَسْجدِ ليست منه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ والرِّوَايتَيْن، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقىِّ؛ و «الحاوِيَيْن»، و «الرعايتَيْن» فى مَوْضِعٍ. وقدَّمه المَجْدُ فى «شَرْحِه»، ونصَّ عليه فى رِوايَةِ إسْحاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الحَارِثِىُّ فى إحياء المَواتِ: اخْتارَه الخِرَقِىُّ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ». وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، أنَّها منه. جزَم به بعضُ الأصحابِ، منهم القاضى فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه، وجزَم به فى «الحاوِيَيْن»، و «الرِّعايَةِ الصُّغرَى» فى مَوْضِعٍ؛ فقالَا: ورَحْبَةُ المَسْجِدِ كَهُوَ. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ»، و «الفَائقِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وجمَع القاضى بينَهما فى مَوْضِعٍ مِن كلامِه؛ فقال: إنْ كانت مَحُوطَةً، فهى منه، وإلاَّ فلا. قال المَجْدُ: ونقلَ محمدُ بنُ الحَكَمِ ما يدُلُّ على صِحَّةِ هذا الجَمْعِ، وهو أنه كان إذا سَمِعَ أذانَ العَصْرِ وهو فى رَحْبَةِ المَسْجِدِ، انْصرَفَ ولم يُصَلِّ فيه.
وقال: ليس هو بمَنْزِلَةِ المَسْجِدِ، حَدُّ المَسْجِدِ هو الذى عليه حائِطٌ وبابٌ. وقدَّم هذا الجمعَ فى «المُسْتَوْعِبِ»،
وقال: ومِن أصحابِنا مَن جعَل المسْألَةَ على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِوايتَيْن. والصَّحيحُ أنَّها رِوايَةٌ واحدَةٌ، على اخْتِلافِ الحالَيْن. وقدَّمه أيضًا فى «الرَّعايَةِ الكُبْرَى» فى مَوْضِعٍ، و «الآدَابِ الكُبْرَى». الثَّانيةُ، المَنارَةُ التى للمَسْجِدِ إنْ كانت فيه، أو بابُها فيه، فهى مِنَ المَسْجِدِ بدَليلِ مَنْعِ جُنُبٍ.
وإنْ كانَ بابُها خارِجًا منه، بحيثُ لا يُسْتَطْرَقُ إليها إلَّا خارِجَ المَسْجِدِ، أو كانت خارِجَ المَسْجِدِ - قال فى «الفُروعِ»: والمُرادُ، واللهُ أعلمُ، وهى قَرِيبةٌ منه، جزَم به بعضُهم - فخرَجَ للأَذانِ، بطَل اعْتِكافُه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ؛ لأنَّه مشَى حيثُ يُمْشَى لأمْرٍ منه بُدُّ، كخُروجه إليها لغير الأَذانِ.
وقيلَ: لا يَبْطُلُ. اخْتارَه ابنُ البَنَّا، والمَجْدُ. قال القاضى: لأنَّها بُنيَت له، فكأنَّها فيه.
وقال أبو الخطَّابِ: لأنَّها كالمُتَّصِلَةِ به.
وقال المَجْدُ: لأنَّها بُنِيَتْ للمَسْجِدِ لمَصْلحَةِ الأَذانِ، وكانت منه وَالْأفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِى الْجَامِعِ إذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ.
وَمَن نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أوِ الصَّلَاةَ فِى مَسْجِدٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِى غَيْرِه، فيما بُنِيَتْ له،
ولا يَلْزَمُ ثُبوتُ بَقِيَّةِ أحْكامِ المَسْجِدِ لأنَّها لم تُبْنَ له. وأطْلقَهما فى «المُحَرَّرِ». الثَّالثةُ، ظَهْرُ المَسْجِدِ منه، بلا نِزاعٍ أعْلَمُه. الرَّابعةُ، لما ذكَر فى «الآدَابِ» الثَّوابَ الحاصِلَ بالصَّلاةِ فى مَسْجِدَى مَكَّةَ والمدِينةِ، قال: وهذه المُضاعفَةُ تَخْتَصُّ المَسْجِدَ, على ظاهرِ الخَبَرِ، وظاهِرِ قوْلِ العُلَماءِ مِن أصحابِنا وغيرِهم. قال ابنُ عَقِيلٍ: الأحْكامُ المُتعلِّقَةُ بمَسْجِدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، لِمَا كان فى زَمانِه، لا ما زِيدَ فيه؛ لقَوْلِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:«فِى مَسْجِدِى هَذا».
واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، أن حُكْمَ الزَّائدِ حُكْمُ المَزِيدِ عليه. قلتُ: وهو الصَّوابُ.
قال: (ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يُجَمّع فيه، إلا المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد إلا مسجد بيتها (١) . والأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله).
أما كون الاعتكاف لا يصح في غير مسجد فلقوله تعالى:{وأنتم عاكفون في المساجد} خصه بذلك ولو صح في غيرها لم يخص تحريم الاعتكاف بالمباشرة في المساجد.
وفي حديث عائشة:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُدْخل عليّ رأسه وهو في المسجد فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً» متفق عليه.
ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة «لأن زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يعتكفن في المسجد» ولو صح في غيره لفعلنه ولو مرة تبييناً للصحة.
وأما كونه لا يصح من غير المرأة إلا في مسجد يُجَمَّع فيه -أي تقام فيه الجماعة- فلما روي عن عائشة أنها قالت:«لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة».
وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم:«كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصح» فالتخصيص بهذا يدل على عدم الصحة عند عدمه.
ولأن الجماعة واجبة على الرجال والاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة مفض إلى الخروج إلى الصلوات الخمس وذلك ينافي الاعتكاف لأنه عبارة عن لزوم المسجد والخروج في النهار خمس مرات ينافي اللزوم.
وأما كون المرأة لها الاعتكاف في كل مسجد غير مسجد بيتها فلأن اشتراط مسجد الجماعة في حق الرجل لأجل وجوب الجماعة عليه وذلك مفقود في المرأة.
وأما كونها ليس لها الاعتكاف في مسجد بيتها وهو الموضع الذي جعلته للصلاة من بيتها فلأنه لو جاز ذلك لاعتكف أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن ولو مرة واحدة تبييناً للجواز.
وأما كون الأفضل الاعتكاف في الجامع إذا كانت الجمعة تتخلله فلأنه لا يحتاج إلى الخروج إلى الجمعة.
وتقييد المصنف رحمه الله الأفضلية بتخلل الجمعة الاعتكاف مشعر بأنه إذا لم يتخلله لم يكن الجامع أفضل من غيره لأن مدة الاعتكاف إذا كانت لا يتخللها الجمعة لا يحتاج إلى الخروج فاستوى الجامع وغيره إذن، وكونه أفضل يتضمن جواز الاعتكاف في غيره من المساجد لأنه مسجد تقام فيه الجمعة فيصح الاعتكاف فيه كمسجد الجامع.
فعلى هذا إذا فعل وجب عليه الخروج إلى الجمعة لأنها فرض عين فتقدم على الاعتكاف،
ولو كان الاعتكاف منذوراً لم يبطل لأنه خروج لواجب فلم يبطل بذلك كالمعتدة تخرج لقضاء العدة.
ولأنه لو ندر أياماً فيها جمعة خرج إليها وصار كأنه استثنى الجمعة أشبه ما لو استثنى بلفظ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.