ثُمَّ الْأَقْصَى لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرِهِ
الشروح عليها
(الأقْصَى) وقال قوْمٌ: مَسْجدُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أفْضَلُ مِن المَسْجِدِ الحرامِ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما دُفِنَ في خَيْرِ البقاعِ، وقد نَقَلَه اللهُ تعالى مِن مَكَّةَ إلى المَدِينةِ، فَدَلَّ على أنَّها أفْضَلُ. ولَنا، قَوْلُه عليه السلامُ:«صَلَاةٌ في مَسْجِدِى هذا أفْضَلُ مِنْ ألْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إلَاّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ». وروَى ابنُ ماجَه ، بإِسْنادِه عن النَّبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«صلَاةٌ فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أفْضَلُ مِن مِائَةِ ألْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» فيَدْخُلُ في عُمُومِه مَسْجِدُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.
١١١٧ - مسألة: (فإن نَذَرَه في الأَفْضَلِ، لم) يكُنْ له فِعْلُه (في غَيْرِه، وإن نَذَرَه في غيرِه، فله فِعْلُه فيه) إذا نَذَر الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ الحَرامِ لَزِمَه، ولم يكُنْ له الاعْتِكافُ فيما سِواهُ؛ لأَنَّ عُمَرَ نَذَر أن يَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرامِ، فسَألَ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال:«أوْفِ بنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عليه .
وإن نَذَر أن يَعْتَكِف في مَسْجِدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، جاز أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه أفْضَلُ، ولم يَجُزْ له أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدِ الأقْصَى؛ لأَنَّ مَسْجِدَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أفْضَلُ منه، فلم يَجُز له تَفْوِيتُ فَضِيلَتِه،
وإن نَذَر الاعْتِكافَ في المَسْجِدِ الأقْصَى، جاز به أن يَعْتَكِفَ في المَسْجِدَيْن الآخَرَيْن؛ لأنَّهُما أفْضَلُ منه. وروَى الإِمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه»، عن رجالٍ مِن الأنْصارِ، مِن أصحابِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ رجلًا جاء إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، يومَ الفَتْحِ، والنبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في مَجْلِسٍ قَرِيبًا مِن المَقامِ، فسَلَّمَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثم قال: يا نَبِىَّ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ إن فَتَح اللهُ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - والمُؤْمِنِين مَكَّةَ، لأُصَلِّيَنَّ فِى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإنِّى وَجَدْتُ رجلًا مِن أهلِ الشام ههُنا في قُرَيْشٍ، مُقْبِلًا مَعِى ومُدْبِرًا.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههُنا فَصَلِّ». فقال الرجلُ قَوْلَه هذا ثَلاثَ مَرّاتٍ، كلُّ ذلك يقُولُ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «ههُنَا فَصَلِّ». ثم قال الرّابِعَةَ مَقالَتَه هذه، فقال النبىُّ:«اذْهَبْ، فَصَلِّ فِيهِ، فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ ههُنَا لَقَضَى عَنْكَ ذلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ».
فصل: وإن نَذَر الاعْتِكافَ في غيرِ هذه المَساجِدِ، فدَخَلَ فيه، ثم انْهَدَم مُعْتَكَفُه، ولم يُمْكِنِ المُقامُ فيه، لَزِمَه إتْمامُ الاعْتِكافِ في غيرِه، ولم يَبْطُلِ اعْتِكافُه.
١١١٨ -
(ثُمَّ الْأَقْصَى) لِمَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا قَالَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى بِخَمْسِمِائَةِ صَلَاةٍ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْمُهَاجِرِ نَحْوُهُ فَإِذَا نَذَرَهُ فِي الْأَفْضَلِ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) فِي (غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُهَا احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ،
وَإِنْ نَذَرَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَهُ فِعْلُهُ فِيهِ أَيْ: إِذَا نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَوِ الْأَقْصَى فَلَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ لِأَفْضَلِيَّتِهِ،
وَإِنْ نَذَرَهُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ لَمْ يُجْزِئْهُ غَيْرُهُ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ،
وَإِذَا عَيَّنَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ الْمَسْجِدَانِ فَقَطْ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَفْضَلِيَّتِهِمَا عَلَيْهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ فَدَخَلَ فِيهِ، ثُمَّ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ، وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَقَامُ فِيهِ، أَتَمَّهُ فِي غَيْرِهِ لُزُومًا، وَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.