فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنَّرْجِسِ وَالْبَنَفْسِجِ وَالْوَرْدِ وَالْبَرَمِ وَنَحْوِهَا وَالِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ
الشروح عليها
مسألة: (وله شَمُّ العُودِ والفَواكِهِ والشِّيحِ والخُزامَى) للمُحْرِمِ شَمُّ العُودِ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لا يُتَطَيَّبُ به هكذا، إنَّما يُقصَدُ منه التَّبخِيرُ،
وكذلك الفَواكِهُ كلُّها؛ مِن الأُتْرُجِّ والتُّفّاحِ والسَّفَرْجَلِ وغيرِها،
وكذلك نَباتُ الصّحراءِ؛ كالشِّيحِ والقَيْصُومِ والخُزامَى الذى تُسْتَطابُ رائِحَتُه، وما يَشَمُّه الآدَمِيُّون لغيرِ قَصْدِ الطِّيبِ؛ كالحِنّاءِ والعُصْفُرِ، فمُباحٌ شَمُّه، ولا فِدْيَةَ في شئٍ مِن ذلك. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمِ أن يَشَمَّ شَيْئًا مِن نَبْتِ الأرْضِ مِن الشِّيحِ والقَيْصُومِ وغيرِهما. ولا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شَيْئًا؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه الطِّيبُ، أشْبَهَ سائِرَ نَبْتِ الأرْضَ. وقد رُوِىَ أنَّ أزْواجَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ .
١١٩٦ - مسألة: (وفى شَمِّ الريْحانِ والنَّرْجِسِ والوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والبَرَمِ ونحوِها، والادِّهانِ بدُهْنٍ غيرِ مُطِّيِّبٍ في رَأْسِه، روايَتان) المذكورُ في هذه المسألَةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، ما يُنْبِتُه الآدَمِيُّون للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالرَّيْحانِ الفارِسِىِّ والمَرْدَشوشِ والنَّرْجِسِ والبَرمِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُباحُ بغيرِ فِدْيَةٍ. وهو قولُ عثمانَ، وابنِ عباس، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه إذا يَبِس ذَهَبَت رائِحَتُه، أشْبَهَ نَبْتَ البَرِّيَّةِ، ولأنَّه لا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، أشْبَهَ العُصْفُرَ. والثّانِيَةُ، يَحْرُمُ شَمُّه،
فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَةُ. وهو قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يُتَّخَذُ للطِّبِ، أشْبَهَ الوَرْدَ. وكَرهَه مالكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولم يُوجِبُوا فيه شيئًا. وكَلامُ أحمدَ مُحْتَمِلٌ لهذا، فإنَّه
قال في الرَّيْحانِ: ليس مِن آلةِ المُحْرِمِ. ولم يَذْكُرْ فيه فِدْيَةً. الثّانِى، ما يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والياسَمِينِ والخِيرِىِّ، فهذا إذا اسْتَعْمَلَه وشَمَّه، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّ الفِدْيَةَ تَجِبُ فيما يُتخَذُ منه، كماءِ الوَرْدِ، فكذلك أصْلُه. وعن أحمدَ رِ وايَةٌ أُخْرَى في الوَرْدِ، لا شَئَ في شَمِّه؛ لأنَّه زَهْرٌ، أشْبَهَ سائِرَ الشَّجَرِ. وقد ذَكَر شيخُنا فيه ههُنا رِوايَتَيْن.
وكذلك ذَكَر أبو الخَطّابِ. والأوْلَى تَحْرِيمُه ووُجُوبُ الفِدْيَةِ فيه؛ لأنَّه يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه، أشْبَهَ الزَّعْفَرانَ والعَنْبَرَ. قال القاضى: يُقالُ، إنَّ العَنْبَرَ ثَمَرُ شَجَرَةٍ،
وكذلك الكافُورُ.
فصل: فأمّا الادِّهانُ بدُهْنٍ لا طِيبَ فيه، كالزَّيْتِ، والشَّيْرَجِ، والسَّمْنِ، والشَّحمِ، ودُهْنِ البانِ السّاذَجِ، فنَقَلَ الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن المُحْرِمِ يَدَّهِنُ بالزَّيْتِ والشَّيْرَجِ؟ فقالَ: نعم، يَدَّهِنُ به إذا احْتاجَ إليه، ويَتَداوَى المُحْرِمُ بما يأْكُلُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ للمُحْرِمِ أن يَدْهُنَ بَدَنه بالشَّحْمِ والزَّيْتِ والسَّمْنِ. ونُقِلَ جوازُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبِى ذَرٍّ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ. نَقَلَه الأثْرَمُ.
ونَقَل أبو داودَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الزَّيْتُ الذى يُؤْكَلُ لا يَدْهُنُ المُحْرِمُ به رَأْسَه. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْهُنُ رَأْسَه بشئٍ مِن الأدْهانِ. وهو قولُ عَطاء، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُزِيلُ الشَّعَثَ، ويُسَكِّنُ الشَّعَرَ.
فصل: فأمّا دَهْنُ سائِرِ البَدَنِ، فلا نَعْلَمُ عن أحمدَ فيه مَنْعًا، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إباحَتِه في اليَدَيْنِ، وإنَّما الكَراهَةُ في الرَّأْسِ خاصَّةً؛ فإنَّه مَحَلُّ الشَّعَرِ.
وقال القاضى: في إباحَتِه في جَمِيعِ البَدَنِ رِوايَتان.
فإن فعلَه فلا فِدْيَةَ فيه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، سَواءٌ دَهْنُ رَأْسِه وغيرِه، إلَّا أن يَكُونَ مُطَيِّبًا. وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صُدِعَ وهو مُحْرِمٌ، فقالُوا: ألا نَدهُنُك بالسَّمْنِ؟ قال: لا. قالُوا: أليس تَأْكُلُه؟ قال: ليس أكْلُه كالادِّهانِ به. وعن مُجاهِدٍ، أنَّه إن تَداوَى به فعليه الكَفّارَةُ.
وقال مَن مَنَع مِن دَهْنِ الرَّأْسِ: فيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه مُزِيلٌ للشَّعَثِ، أشْبَهَ ما لو كان مُطَيِّبًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الفِدْيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ فيه مِن نَصٍّ ولا إجْماعٍ،
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطِّيبِ،
فإنَّ الطَّيبَ يُوجِبُ الفِدْيَةَ وإن لم يُزِلْ شَعَثًا، ويَسْتَوِى فيه الرَّأْسُ وغيرُه، والدُّهْنُ بخِلافِه، ولأنَّه مانِعٌ لا تجِبُ الفِدْيَة باسْتِعْمالِه في البَدَنِ، فلم تجِبْ باسْتِعْمالِه في الرَّأْسَ، كالماءِ. ١١٩٧ -
(فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمِلٍ لِلطِّيبِ، وَشَمُّهُ سَبَقَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا عَلِقَ بِيَدِهِ كَالْغَالِيَةِ، وَالْمِسْكِ، وَالْمَسْحُوقِ، عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلطِّيبِ (وَلَهُ شَمُّ الْعُودِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّبْخِيرُ (وَالْفَوَاكِهِ) كُلُّهَا كَالْأُتْرُجِّ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَنَحْوِهِ، (وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى) مِنْ نَبَاتِ الصَّحْرَاءِ،
وَكَذَا مَا يُنْبِتُهُ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ كَحِنَّاءٍ، وَعُصْفُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، وَلَا يُسَمَّى مُتَطَيِّبًا عَادَةً،
وَكَذَا لَهُ شَمُّ قَرَنْفُلٍ وَدَارَ صِينِيٍّ وَنَحْوِهِمَا، (وَفِي شَمِّ الرَّيْحَانِ) هَذَا شُرُوعٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ لِقَصْدِ شَمِّهِ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَرَيْحَانٍ فَارِسِيٍّ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيهِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ،
وَأَمَّا عِنْدَ الْعَرَبِ فَالرَّيْحَانُ هُوَ الْآسُ، وَلَا فِدْيَةَ فِي شَمِّهِ قَطْعًا، (وَالنَّرْجِسِ) وَهُوَ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (وَالْبَنَفْسِجِ) وَهُوَ مُعَرَّبٌ أَيْضًا، (وَالْوَرْدِ وَالْبَرَمِ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ هُوَ الْعِضَاهُ، الْوَاحِدُ بَرَمَةٌ (وَنَحْوِهَا) كَنَمَامٍ، وَمَرْزُجَوْشَ،
وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: يُبَاحُ، اخْتَارَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا يَبِسَ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ أَشْبَهَ نَبْتَ الْبَرَمَةِ.
فَعَلَيْهَا: لَا فِدْيَةَ فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحْرُمُ لِقَوْلِ جَابِرٍ لَا يَشُمُّهُ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ كَالْوَرْدِ فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَلَكِنْ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّ تَارَةً يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ كَالْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالْيَاسَمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الزِّئْبَقُ فَالْأَشْهَرُ: يَحْرُمُ وَيَفْدِي، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالْمُؤَلِّفُ، وَغَيْرُهُمَا، كَمَاءِ الْوَرْدِ، وَتَارَةً لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالرَّيْحَانِ فَاخْتَارَ الْأَكْثَرُ إِبَاحَتَهُ، وَمَاءُ الرَّيْحَانِ كَهُوَ.
وَفِي " الْفُصُولِ " احْتِمَالٌ بِالْمَنْعِ كَمَاءِ وَرْدٍ،
وَقِيلَ: عَكْسُهُ (وَالِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ) كَزَيْتٍ، وَشَيْرَجَ (فِي رَأْسِهِ رِوَايَتَانِ) أَنَصُّهُمَا: لَهُ فِعْلُهُ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عندهم وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ، وَالثَّانِيَةُ الْمَنْعُ، وَيَفْدِي، ذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهَا اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، كَالْمُطَيَّبِ وَلِأَنَّهُمَا أَصْلُ الْأَدْهَانِ، وَلَمْ يَكْتَسِبِ الدُّهْنُ إِلَّا الرَّائِحَةَ، وَلَا أَثَرَ لَهَا مُنْفَرِدَةً، وَمَنَعَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَلِأَنَّهُ يُزِيلُ الشَّعَثَ، وَيُسْكِنُ الشَّعْرَ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِادِّهَانِ بِهِ فِي بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "
وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ مَنْعًا، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عَوَامَّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهِنَ بَدَنَهُ بِشَحْمٍ وَزَيْتٍ وَسَمْنٍ، وَإِنَّمَا خَصَّ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّعْرِ بِالْوَجْهِ كَذَلِكَ فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُمَا فِي دَهْنِ شَعْرِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْكَافِي " فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِي دَهْنِ بَدَنِهِ، كَرَأْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ.
تَنْبِيهٌ: يُقَدَّمُ غَسْلُ طِيبٍ عَلَى نَجَاسَةٍ يُتَيَمَّمُ لَهَا،
وَلَا يَحْرُمُ دَلَالَةٌ عَلَى طِيبٍ وَلِبَاسٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ شِهَابٍ لِعَدَمِ ضَمَانِهِ بِالسَّبَبِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمٌ مُخْتَصٌّ
بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ، وَهُوَ تَحْرِيمُ الْأَكْلِ وَالْإِثْمُ
وفى شَمِّ الرَّيْحانِ والنَّرْجِسِ والوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والبَرَمِ ونَحْوِها، وَالِادِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ فِى رَأْسِهِ، رِوَايَتَانِ.
والادِّهانِ بُدهْنٍ غيرِ مُطَيِّبٍ فِى رَأسِه، رِوايتَان. شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ شَيْئَيْن؛ أحدُهما، الادِّهانُ بدُهْنٍ غيرِ مُطَيِّبٍ. والثَّانِى، شَمُّ ماعدَا ذلك، ممَّا ذكَرَه ومخوِه، وهو ينْقَسِمُ إلى قِسْمَيْن؛ أخدُهما، ما يُنْبتُه الآدَمِىُّ للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالرَّيْحانِ الفارِسِىِّ، والنَّمَّام ، والبَرَمِ، والنَّرْجِسِ، والمَرْزَجُوشِ، ونحوِها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُباحُ شَمُّه، ولا فِدْيَةَ فيه. قال فى «الفُروعِ»: اخْتارَه الأصحابُ. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ، و «إدْرَاكِ الغَايَةِ». وجزَم به فى «الإفادَاتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرِهم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والروايةُ الثَّانيةُ، يَحْرُمُ شَمُّه، وفيه الفِدْيَةُ وصحَّحَه فى «النَّظْمِ». وصحَّحَ فى «التَّصْحِيحِ»، أنَّه لا شئَ فى شَمِّ الرَّيْحانِ، وأوْجبَ الفِدْيَةَ فى شَمِّ النَّرْجِسِ، والبَرَمِ، وهو غريبٌ، أعْنِى التَّفْرِقَةَ بينَ الرَّيْحانِ وغيرِه، وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «عُقُودِ ابنِ البَنَّا»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الهَادِى»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، و «المَذْهَبِ الأَحْمَدِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وذكَر القاضى وغيرُه، أنَّه يَحْتمِلُ أنَّ المذهبَ رِوايَةً وأحِدَةً، لا فِدْيَةَ فيه،
وأنَّ قوْلَ أحمدَ: ليسَ مِن آلةِ المُحْرِمِ. للكراهِيَةِ. وذكَر القاضى أيضًا رِوايَةً أُخْرَى؛ أنَّه يَحْرُمُ شَمُّ ما نبَت بنَفْسِه فقط. القِسْمُ الثَّاني، ما يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والخِيرِىِّ، وهو المنْثُورُ، واللَّيْنُوفَرُ، واليَاسَمِينُ؛ وهو الذى يُتَّخَذُ منه الزَّنْبَقُ. فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَحْرُمُ شَمُّه، وعليه الفِدْيَةُ إنْ شَمَّه. اخْتارَه القاضى. والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ.
قال في «الفُروعِ»: وهو أظْهَرُ، كماءِ الوَرْدِ. وصحَّحَه فى «النَّظْمِ»، و «التَّصْحِيحِ»، و «الكَافِى». وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، وابنُ البَنَّا فى «عُقُودِه». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّه يُباحُ شَمُّه، ولا فدْيَةَ فيه. وجزَم به فى «الإفادَاتِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الهَادِى»، . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «التَّلْخِيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «المَذهَبِ الأحْمَدِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
تنبيهان؛ الأوَّلُ، مُرادُه بالرَّيْحانِ، الرَّيْحانُ الفارِسِىُّ. صرَّح به الأصحابُ. قال فى «إدْرَاكِ الغَايَةِ»: وله شَمُّ رَيْحانٍ.
وعنه، بَرىٍّ. الثانى، تابعَ المُصَنِّفُ أبا الخَطَّابِ فى حِكايَةِ الرِّوايتَيْن فى جميعِ ذلك، وتابعَ أبا الخَطَّابِ أيضًا صاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «المَذْهَبِ الأَحْمَدِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرُهم. وحكَى المُصَنِّفُ فى «الكَافِى»، فى الرَّيْحانِ الفارِسِىِّ، الرِّوايتَيْن، ثم قال: وفى سائرِ النَّباتِ الطيِّبِ الرَّائحَةِ، الذى لا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، وَجْهان، قِياسًا على الرَّيْحانِ. وقدَّم ابنُ رَزِينٍ، أنَ جميعَ القِسْمَيْن فيه وَجْهان؛ الرَّيْحانُ وغيرُه،
ثم قال: وقيل: فى الجميعِ رِوايتان. انتهى. فتَلَخَّصَ للأصحابِ فى حِكايَةِ الخِلافِ، ثَلاثُ طُرُقٍ.
[فائدة: الرَّيْحانُ وغيرُه نحوُه كأَصْلِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ». وفى «الفُصُولِ» احْتِمالٌ بالمَنْعِ، كماءِ وَرْدٍ.
وقال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ عَكسُه . انتهى] .
وأمَّا الادِّهانُ بدُهْنٍ لا طِيبَ فيه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالزَّيْتِ والشَيْرَجِ، ودُهْنِ البَانِ السَّاذَجِ ونحوِها، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ والرِّوايتَيْن، جَوازُ ذلك، ولا فِدْيَةَ فيه. نصَّ عليه. وصحَّحَه فى «التَّصْحِيحِ»، و «الرِّعايَة الكُبْرَى». وجزَم به فى «المُبْهِجِ»، و «الإِفَادَاتِ»، و «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «نَظْمِ المُفْرَداتِ»، وغيرِهم.
قال ناظِمُ المُفْرَداتِ:
أو يَدَّهِنْ فى رَأسِه بالشَّيْرَجْ ... أو زَيْتٍ المَنْصُوصُ لا مَنْ خرَّجْ وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ». وصحَّحَه ابنُ البَنَّا فى «عُقُودِه». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، عدَمُ الجَوازِ،
فإنْ فعَل، فعليه الفِدْيَةُ. قال فى «الفُروعِ»: ذكَر القاضى، أنَّه اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ.
قلتُ: قال الخِرَقِىُّ فى «مُخْتَصَرِه»: ولا يدَّهِنُ بما فيه طِيبٌ، ولا ما لا طِيبَ فيه. فعطَفَه على مافيه الفِدْيَةُ، والظَّاهِرُ التَّساوِى. ويأْتِى فى التَّنْبِيهِ الثَّالثِ. قال القاضى: هذه الرِّوايَةُ أَنَصُّ الرِّوايتَيْن. وأطْلَقهما فى «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الهادِى»، و «التَّلْخِيصِ»، و «التَّرْغِيبِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
و «الرَّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وابنُ مُنَجَّى فى «شَرْحِه»، و «الشَّرْحِ». ولكنْ إنَّما حكَى الخِلافَ فى التَّحْرِيم وعدَمِه، لا فى وُجوبِ الفِدْيَةِ.
تنبيهات؛ الأَوَّلُ، شَمِلَ قوْلُ المُصَنِّفِ: والادِّهانُ بدُهْنٍ غيرِ مُطَيِّبٍ. الزَّيْتَ، والشَّيْرَجَ، والسَّمْنَ، والشَّحْمَ، والبَانَ السَّاذَجَ. وذكَرَه جماعَةٌ كثيرةٌ. واقْتَصرَ القاضى، وابنُ عَقِيلٍ على الزَّيْتِ والشَّيْرَجِ. وذكَر جماعَةٌ، أنَّ السَّمْنَ كالزَّيْتِ. الثَّافى، ظاهِرُ قوْلِه: فى رَأْسِه. أنَّ الخِلافَ مَخْصُوصٌ بالرَّأْسِ فقط. وفى غيرِه، يجوزُ. وهو اخْتِيارُ المُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»، و «الشَّارِحِ»، وتَبِعَهُما ابنُ مُنَجَّى، وناظِمُ المُفْرَداتِ، كما تقدَّم. قال فى «الفُروعِ»: فكانَ يَنْبَغِى أنْ يقولَ: والوَجْهِ. ولهذا قال بعضُ أصحابِنا: فى دَهْنِ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَعَرِه. فلم يَخُصَّ الرَّأْسَ. وقال القاضى وغيرُه: الرِّوايتَان فى رَأْسِه وبَدَنِه.
قلتُ: وعلى هذا الأكثرُ، كالمُصَنِّفِ فى «الكَافِى»، وصاحِبِ «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، وغيرهم. قال الزَّرْكَشِىُّ: هذه طَرِيقَةُ الأكْثَرِين.
قلتُ: ورَدَ النَّصُّ عن أحمدَ بالمَنْعِ فى الرَّأْسِ، فكذلك اقْتَصرَ عليه المُصَنِّفُ.
ومَنْ أجْرَى الخِلافَ فى جميعِ البَدَنِ، نظَر إلى تَعْليلِ الِإمامِ أحمدَ بالشَّعَثِ، وهو موْجُودٌ فى البَدَنِ، وفى الرَّأْسِ أكثرُ. الثَّالثُ، حيثُ قُلْنا بالتَّحْريمِ،
فإنَّ الفِدْيَةَ تجِبُ، على ظاهرِ كلامِ الأصحابِ. قالَه الزَّرْكَشِىُّ.
قال: وكذلك قال القاضى فى «تَعْلِيقِه»: إنَّه ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه منَع منه، واخْتِيارُ الخِرَقِىِّ. انتهى.
قلتُ: وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِى مَوْضِعٍ لِيَشَمَّ الطِّيبَ.، فَشَمَّهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا.
جزَم به فى «الفُروعِ». ولم يُوجِبِ المُصَنِّفُ الفِدْيَةَ على كِلا الرِّوايتَيْن.
وقال: هو ظاهِرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ. وجزَم به فى «الشَّرْحِ»، و «الحاوِيَيْن». وقد ذكَر ذلك القاضى أيضًا فى «تَعْلِيقِه»، لكِنَّه جعَل المَنْعَ مِن أحمدَ بمَعْنَى الكَراهَةِ مِن غيرِ فِدْيَةٍ.
قال رحمه الله: (وله شم العود والفواكه والشيح والخزامى. وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان) .
أما جواز شم العود للمحرم فلأنه لا يُتطيب به هكذا.
وأما جواز شم الفواكه والشيح والخزامى فلأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه طيب.
وأما شم الريحان وما بعده ففيه روايتان:
أحدهما: يجوز؛ «لأن عثمان رضي الله عنه سئل عن المحرم يدخل البساتين ويشم الريحان فقال: نعم».
ولأن الاعتبار يما يقصد منه الطيب، ولا نظر إلى الرائحة المستطابة دليله شم القرنفل والدارصيني فإنهما لما كان المقصود منهما التداوي لا التطيب لم يحرم استعمالهما.
ولأنه شيء لا يعلق باليد فلم يحرم استعمالها كالقطع من العنبر.
فعلى هذا لا فدية عليه؛ لأنه مباح الشم. والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه شم يحصل به طيب وترفه فلم يبح كشم الغالية والمسك.
فعلى هذه عليه الفدية إذا فعل ذلك؛ لأنه فعلٌ محرم يقصد به الترفه أشبه الحلق.
وفرق المصنف رحمه الله في الكافي بين الريحان وبين الورد والبنفسج، وصحح كون الورد والبنفسج طيباً، وقاسه على الزعفران.
وأما الادهان بدهن غير مطيب كالشيرج والزيت ودهن اللبان ففيه روايتان:
أحدهما: يجوز؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم ادهن في إحرامه بزيت غير مقتت» أي غير مطيب رواه الإمام أحمد والأثرم في السنن.
ولأنه قول ابن عباس وابن عمر والأسود بن يزيد رضي الله عنهم.
والرواية الثانية: لا يجوز؛ لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر فمنع منه قياساً على المطيب.
وأما قول المصنف رحمه الله: في شعره مشعر بأنه لا يحرم عليه الادهان بذلك في بدنه وهو صحيح صرح به في المغني.
ونقل عن ابن المنذر أنه قال: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن.
وقال القاضي وغيره من الأصحاب: الخلاف جار في دهن البدن كدهن الرأس لأن البدن كالرأس في إزالة الشعث وتسكين الشعر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.