وَإِنْ جَرَحَهُ فَغَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإن جَرَحَه فغابَ ولم يَعْلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نَقَصَه، وكذلك إن وَجَدَه مَيتا ولم يَعلم مَوْتَه بجِنايته. وإنِ انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنعٍ، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه) إذا جَرَح صَيْدًا فغابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، والجِراحَةُ مُوجِبَةٌ لا تَبْقَى الحَياةُ معها غالِبًا، فعليه جَزاءُ جَمِيعِه، كما لو قَتَلَه،
وإن كانت غيرَ مُوجِبةٍ، فعليه ضَمانُ ما نَقَص؛ لأَّنا لا نَعلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بفِعلِه، إلَّا أنَه يُقَوِّمُه صَحِيحًا وجَرِيحًا جِراحَةً غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، فيَعتَبِرُ ما بينَهما؛ لأنَّا لا نَعلَمُ هل يَنْدَمِلُ أم لا؟
وكذلك إن وجَدَه مَيِّتًا، ولم يَعْلَمْ أمات مِن الجِنايَة أم مِن غيرها؟ لِما ذَكرنا. ويَحتَمِلُ أن يَلْزَمَه ضَمانُ جَمِيعِه ههُنا؛ لأنَّه وُجِد سَبَبُ إتْلافِه منه، ولم نَعلم له سَبَبًا آخَرَ، فوَجَبَ إحالَتُه على السَّبَبَ المَعلُوم، كما لو وَقَع في الماءِ نجَاسَةٌ، فوجَدَه مُتَغَيرا تَغَيًّرا يَصْلُحُ أن يَكُونَ منها، فإنَّا نَحْكُمُ بنَجاسَتِه.
وكذلك لو رَمَى صَيْدًا، فغابَ عن عَيْنه، ثم وَجَده مَيِّتًا لا أثَرَ به غيرَ سَهْمِه، حَلَّ أكْلُه. وهذا أقْيَسُ.
فصل: وإنِ انْدَمَلَ الصَّيْدُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَه جَمِيعَه؛ لأنَّه عَطَّلَه، فصارَ كالتّالِفِ، ولأنَّه يُفْضِي إلى تَلَفِه، فصار كما لو جَرَحَه جُرْحًا يَتَيَقَّنُ مَوْتَه به. وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بما نَقَص؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ إلَّا ما أتْلَفَ، ولم يُتْلِفْ جَمِيعَه؛ بدَلِيلِ ما لو قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ لَزِمَه الجَزاءُ.
والصَّحِيحُ أنَّ على المُشْتَرِكِين جَزاءً واحِدًا، وضَمانُه بجَزاءٍ كامِل يُفْضِي إلى إيجابِ جَزاءَيْن.
وإن صَيَّرَتْه الجِنايَةُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فلم يَعْلَمْ أصارَ مُمْتَنِعًا أم لا، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الامْتِناعِ.
فصل: وكلُّ ما يَضْمَنُ به الآدَمِيَّ يَضْمَنُ به الصَّيْدَ؛ مِن مُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ،
وكذلك ما جَنَتْ دابَّتُه بيَدِها أو فَمِها، فأتْلَفَتْ صَيْدًا، فالضَّمانُ على راكِبها، أو قائِدِها، أو سائِقِها، وما جَنَتْ برِجْلِها فلا ضَمانَ فيه.
وقال القاضى: يَضْمَنُ السّائِقُ جَمِيعَ جِنايتِها؛ لأنَّ يَدَه عليها ويُشاهِدُ رِجْلَها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا ضَمان في الرِّجْلِ؛ لقولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الرِّجْلُ جُبَارٌ».
وإنِ انْفَلَتَتْ فأتْلَفَتْ صَيْدًا، لم يَضْمَنْه؛ لأَنَّه لا يَدَ له عليها. وقد قال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ». ولذلك لو أتْلَفَتْ آدَمِيًّا لم يَضْمَنْه،
ولو نَصَب شَبَكَةً، أو حَفَر بئْرًا، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ، ضَمِنَه؛ لأنَّه بسَبَبِه، كما يَضْمَنُ الآدَمِيَّ، إلَّا أن يَكُونَ حَفَر البِئْرَ بحَقٍّ، كحَفْرِه في دارِه، أو في طرِيقٍ واسِعٍ يَنْتَفِعُ بها المُسْلِمُون، فيَنْبَغِي أن لا يَضْمَنَ، كالآدَمِيِّ.
وإن نَصَب شَبَكَةً قبلَ إحْرامِه، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعدَ إحْرامِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه بعدَ إحْرامِه تَسَبُّبٌ إلى إتْلافِه، أشْبَهَ ما لو صادَه قبلَ إحْرامِه وتَرَكَه في مَنْنرلِه، فتَلِفَ بعدَ إحْرامِه.
١٢٤٤ -
(وَإِنْ جَرَحَهُ فَغَابَ، وَلَمْ يَعْلَمْ خَبَرَهُ فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَهُ) إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ فَنُقَوَّمَهُ صَحِيحًا، وَجَرِيحًا جِرَاحَةً غَيْرَ مُنْدَمِلَةٍ، فَيَجِبُ مَا بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ سُدْسَهُ، وَهُوَ مِثْلِيٌّ فَقِيلَ: يَجِبُ سدس مِثْلُهُ،
وَقِيلَ: قِيمَةُ سُدْسِ مِثْلِهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ كُلَّهُ،
فَلَوْ كَانَ مُوحِيًا وَغَابَ غَيْرَ مُنْدَمِلٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ كَقَتْلِهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ: إِذَا جَرَحَهُ وَغَابَ وَجَهِلَ خَبَرَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَوْتِ
وإنْ جرَحَه فَغابَ ولم يَعلَمْ خَبَرَه، فعليه ما نقَص. يعنِى، إذا كان الجُرْحُ غيرَ مُوحٍ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ عليه أرْشَ ما نقَص بالجَرْحِ. كما قال المُصَنِّفُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيلَ: يضْمَنُه كلَّه. وهو ظاهِرُ إطْلاق كلامِ القاضى وأصحابِه، على ما يأْتِى بعدَ ذلك. فعلى المذهبِ، يُقَوِّمُه صَحِيحًا أو جَرِيحًا غيرَ مُنْدَمِلٍ، لعَدَمِ معْرِفَةِ انْدِمالِه، فيَجِبُ ما بينَهما،
فإنْ كان سُدسَه، فقيلَ: يجِبُ سُدسُ مِثْلِه.
قلتُ: وهو الصَّحيحُ. [وقدمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»] ، قِياسًا على ما إذا أتْلَفَ جُزْءًا مِنَ الصَّيْدِ، على ما تقدم قربيا. وقد صرَّح فى «الهِدَايَة»، و «المُذهب»، و «المُسْتَوْعِب»، وغيرِهم بذلك.
وكذا فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وقدَّموا وُجوبَ مِثْلِه مِن مِثْلِه لَحْمًا، كما تقدَّم.
وقيلَ: يجِبُ قِيمَةُ سُدْسِ مِثْلِه. [وقدَّمه فى «الخُلَاصَةِ»] . وأطْلَقهما فى «الفُروعِ» بقيلَ، وقيلَ.
قال: (وإن جرحه فغاب ولم يعلم خبره فعليه ما نقصه. وكذلك إن وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته. وإن اندمل غير ممتنع فعليه جزاء جميعه) .
أما وجوب ما نقصه الجرح إذا جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلأنه نقص حصل بفعله فوجب أن يضمنه كسائر مواضع الضمان.
وفي اقتصار المصنف رحمه الله على وجوب ما نقصه الجرح إشعار بأنه لا يجب ضمان جميعه وهو صحيح لأنه لا يعلم حصول التلف بفعله فلم يضمنه كما لو رمى سهماً إلى الصيد ولم يعلم هل وقع فيه أم لا.
وأما كون ما وجده ميتاً ولم يعلم موته بجنايته كما لو جرحه فغاب ولم يعلم خبره فلما ذكر من التعليل قبل.
وأما وجوب ضمان جميعه إذا اندمل غير ممتنع فلأنه عطله فصار بمنزلة المتلَف.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.