وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا
الشروح عليها
مسألة: (ولا يجوزُ أن يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ جَناحًا، ولا ساباطًا (٣) ، ولا دُكّانًا) الجَناحُ هو الرَّوْشَنُ يكون على أطْرافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونةٍ في الحائِطِ، وأطْرافُها خارِجَة إلى الطَّريقِ، لا يَحوزُ إخْراجه، سَواءٌ كان يَضُرُّ بالمارَّةِ في العادَةِ أو لا يَضُرُّ.
ولا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ عليها ساباطًا بطَرِيقِ الأوْلَى، وهو المُسْتَوْفِي لهَواءِ الطَّرِيقِ كلِّه على جِدارَين، سَواءٌ كان الجِدارانِ مِلْكَه أو لم يَكُونا، أذِنَ الإمامُ في ذلك أو لم يَأذَنْ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، جاز بإذْنِ الامامِ؛ [لأنه نائِئهمْ]، فجَرَى إذنه مَجْرَى إذْنِ المُشْتَرِكِينْ في الدَّرْبِ الذي ليس بنافِذٍ.
وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ مِن ذلك ما لا ضَرَرَ فيه،
وإن عارَضَه رجلٌ مِن المسلمين وَجَب قَلْعُه.
وقال مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَجُوزُ إذا لم يَضُرَّ بالمارَّةِ، ولا يَمْلِكُ أحد مَنْعَه؛ لأنَّه ارْتَفَقَ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ فيه مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فأشْبَهَ المَشْيَ في الطَّرِيقِ والجُلُوسَ فيها. واخْتَلَفوا في الذي لا يَضُرُّ ما هو؟ فقال بعضُهم: إن كان في شارعٍ تَمُرُّ فيه الجُيُوشُ [والأحْمالُ]، فيكونُ بحيثُ إذا سار فيه الفارِسُ ورُمْحُه مَنْصُوبٌ لا يبلُغُه.
وقال أكثَرُهم: لا يُقَدَّرُ بذلك، بل يكون بحيثُ لا يَضُرُّ بالعَمّارِيّاتِ والمَحامِلِ. ولَنا، أنه بَنَى في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كبِناءِ الدَّكَّةِ ، أو بِناءِ ذلك في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ بغيرِ إذْنِ أهْلِه. ويُفارِقُ المُرُورَ في الطَّريقِ؛ فإثَّها جُعِلَتْ لذلك، ولا مَضَرةَ فيه، والجُلُوسُ لا يَدُومُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، فإنَّه يُظْلِمُ الطَّرِيقَ، ورُبَّما سَقَط على المارَّةِ، أو سَقَط منه شيءٌ، وقد تَعْلُو الأرْضُ بمُرُورِ الزَّمانِ، فيَصْدِمُ رُءُوسَ النّاسِ، ويَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوابِّ بالأحْمالِ، ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا على الماشِي، وقد رَأينا مثلَ هذا كثيرًا، وما يُفْضِي إلى الضَّرَرِ في ثانِي الحالِ، يَجِبُ المَنْعُ منه في ابْتِدائِه، كما لو أراد بِناءَ حائِطٍ مائل إلى الطَّريقِ يُخْشَى وُقُوعُه على مَن يَمُرُّ فيها.
ولَنا على أبي حنيفةَ، أنَّه بَنَى في حَق مُشْتَرَكٍ، لو مَنَع منه بعضُ أهْلِه لم يَجُزْ، فلم يَجُزْ بغيرِ إذْنِهم، كما لو أخْرَجَه إلى هَواءِ دارٍ مُشْتَرَكةٍ، وذلك لأنَّ حَقَّ الآدمِيِّ لا يجوزُ لغيرِه التَّصَرُّفُ فيه بغيرِ إذْنِه،
وإن كان ساكِنًا، كما لا يَجُوزُ إذا مَنَع.
فأما الدُّكّانُ، فلا يجوزُ بِناوه في الطَرِّيقِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، سَواء كان الطرَّيقُ واسِعًا أو لا، وسَواءٌ أذنَ فيه الإِمامُ أو لم يَأذَنْ؛ لأنَّه بِناءٌ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ولأنَّه يُؤذِي المارَّةَ ويُضَيقُ عليهم، ويَعْثُرُ به العاثِرُ، أشْبَهَ ما لو كان الطرَّيقُ ضَيِّقًا.
فصل: ولا يَجُوزُ إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الطَّرِيقِ الأعْظَمِ، ولا إلى دَرْبٍ نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه.
وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ: يَجُوزُ إخْراجُه إلى الطرَّيقِ الأعْظَمِ؛ لأنَّ عُمَرَ اجْتازَ على دارِ العباسِ وقد نَصب مِيزابًا إلى الطرَّيقِ، فقَلَعَه، فقال العباسُ: تَقْلَعُه وقد نَصَبَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بيَدِه. فقال: واللهِ لا نَصَبْتَه إلَّا على ظَهْرِي. وانْحَنَى حتى صَعِد على ظَهْرِه، فنَصَبَه . وما فَعَلَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فلغيرِه فِعْلُه، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصاصِه به، ولأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، ولا يُمْكِنُه رَدُّ مائِه إلى الدّارِ، ولأنَّ النّاسَ يَعْمَلون ذلك في جَمِيعِ بلادِ الإسْلامِ مِن غيرِ نَكِيرٍ.
ولَنا، أنَّ هذا تَصَرُّفٌ في هَواءٍ مشْتَرَكٍ بينَه وبينَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ غيرَ نافِذٍ، ولأنَّه يَضُر بالطَّرِيقِ وأهْلِها، فلم يَجُزْ، كبِناءِ دَكَّةٍ فيها أو جَناحٍ يَضُر بأهْلِها, ولا يَخْفَىِ ما فيه مِن الضَّرَرِ،
فإنَّ ماءَه يَقَعُ على المارَّةِ، ورُبَّما جَرَى فيه البَوْلُ أو ماء نجِسٌ فيُنَجِّسُهم، ويُزَلِّقُ الطَّرِيقَ، ويَجْعَلُ فيها الطِّينَ، والحَدِيثُ قَضِيَّة في عَين، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان في دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، أو تَجَدَّدَتِ الطَّرِيقُ بعدَ نَصْبِه. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ ذلك؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَة إليه، والعادَةُ جارِية به، مع ما فيه مِن الخَبَرِ المَذْكُورِ.
١٨٩٠ -
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ إِلَى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحًا) ، وَهُوَ الرَّوْشَنُ عَلَى أَطْرَافِ خَشَبٍ مَدْفُونَةٍ فِي الْحَائِطِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ولا يجوزُ أنْ يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ جَناحًا ولا ساباطًا. وكذا لا يجوزُ. أنْ يُخْرِجَ دَكَّةً. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، نصَّ عليه، في رِوايَةِ أبِي طالِبٍ، وابنِ مَنْصُورٍ، ومُهَنَّا، وغيرِهم. انتهى. وعينه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منهم. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. وحُكِيَ عن أحمدَ جَوازُه بلا ضَرَرٍ. ذكَرَه الشَيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ»، واخْتارَه هو، وصاحِبُ «الفائق». فعلى المذهبِ فيهما وفي المِيزابِ -الآتِي حُكْمُه- يَضْمَنُ ما تَلِفَ بهم. ويأتِي ذلك في كلامِ المُصَنِّفِ، في آخرِ بابِ الغصْبِ.
وفي سُقُوطِ نِصْفِ الضمانِ، بِناءً على أصْلِه، وَجْهان. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ»، في بابِ الغَصْبِ.
قلتُ: الصَّوابُ ضَمانُ الجميعِ. ثم وَجَدْتُ المُصَنِّفَ، والشارحَ، في كتابِ الغَصْبِ، قالا لمَن قال مِن أصحاب الشَّافِعِي: يَضْمَنُ النِّصْفَ. لأنّه إخْراجٌ في يضْمَنُ به البَعْضَ، فضَمِنَ به الكُل؛ لأنه المَعْهودُ في الضمانِ.
وقال الحارِثِيُّ: وقال الأصحابُ: وبأنَّ النِّصْفَ عُدْوانٌ. فأوْجَبَ كلَّ الضَّمانِ. وظاهِرُ ما قالُوا: إنّه يَضْمَنُ الجميعَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الطريقِ النَّافِذِ، ولا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ إلَّا بإذْنِ أهْلِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ»: هو كإشْراعِ الأجْنِحَةِ عندَ الأصحابِ. وهو كما قال. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وفي «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» احْتِمالْ بالجَوازِ، مع انْتِفاءِ الضَّرَرِ. وحُكِيَ رِوايَةً عن أحمدَ، ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» , كما تقدَّم.
قلتُ: وعليه العَمَلُ في كلِّ عَصْر ومِصْر.
قال في «القَواعِدِ الفِقْهِيةِ»: واخْتارَه طائِفَة مِنَ المُتَأخرِين. قال الشيخُ تَقِي الدِّينِ: إخْراجُ المَيازِيبِ إلى الدَّرْبِ، هو السُّنَّةُ. واخْتارَه، وقدَّمه في «النَّظْمِ». فعلى هذا، لا ضَمانَ.
تنبيه: محَلُّ عدَمِ الجَوازِ والضَّمانِ في الجَناحِ والسَّاباطِ والمَيازِيبِ، إذا لم يَأذَنْ فيه الإمامُ أو نائِبُه.
فأما إنْ أذِنَ أحدُهما فيه، جازَ ذلك إنْ لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، عندَ جماهيرِ الأصحابِ.
قال في «الفُروعِ»: وجوَّزَ ذلك الأكثرُ بإذْنِ الإمامِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقاله في «القَواعِدِ»، عنِ القاضي، والأكثرِ. وجزَم به في «التَّلْخيصِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم. قال الحارِثِيُّ: جزَم به القاضي في «المُجَرَّدِ»، و «التَّعْلِيقِ الكَبيرِ»، وابنُ عَقِيل في «الفُصولِ».
وقيل: لا يجوزُ، ولو أذِنَ فيه. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الفائقِ»، و «الحاويَيْن».
وقال الحارِثِيُّ، في بابِ الغَصْبِ: والمذهبُ المَنْصُوصُ، عدَمُ الإباحَةِ مُطْلَقًا، كما تقدَّم في بابِ الصُّلْحِ. انتهى. وقدَّمه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثمانِين»،
وقال: نصَّ عليه في رِوايَةِ أبِي طالب، وابنِ مَنْصُورٍ، ومُهَنَّا، وغيرِهم. وقاله القاضي في «المُجَرَّدِ».
قلتُ: بل هو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ.
وقال المَجْدُ في «شَرْحِه»، في كتابِ الصَّلاةِ: إنْ كان لا يضُرُّ بالمارَّةِ، جازَ. وهل يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ الإِمام؟ على رِوايَتْين. الثَّانيةُ، لم يذْكُرِ الأصحابُ مِقْدارَ طُولِ الجِدارِ الذي يُشْرَعُ عَليه الجَناحُ والمِيزابُ والسَّاباطُ، إذا قُلْنا بالجَوازِ، لكِنْ حيثُ انْتَفَى الضَّرَرُ، جازَ.
وقال في «التَّلْخيصِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الترْغِيبِ»: يكونُ بحيثُ يُمْكِنُ عُبورُ مَحْمِل. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». واخْتارَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وقال بعضُ الأصحابِ: يكونُ بحيثُ يُمْكِنُ مُرورُ رُمْحٍ قائِمًا بيَدِ فارِسٍ.
قال: (ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً ولا ساباطاً ولا دكاناً، ولا أن يفعل ذلك في ملك إنسان، ولا دربٍ غير نافذ إلا بإذن أهله. وإن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين) .
أما كون إشراع الجناح. وهو الرَّوْشَن يكون على أطراف الخشب مدفون في الحائط وأطرافه خارجة إلى الطريق، وكون إشراع الساباط وهو المستو في هواء الطريق، وكون إشراع الدكان وهي الدكة إلى طريق نافذ: لا يجوز؛ فلأنه تصرف في ملك الغير من غير إذن مالكه. ولا فرق فيما ذكر بين أن يضر ذلك بالمارة أو لا يضر؛ لأنه إن لم يضر حالاً فقد يضر مآلاً، ولا بين أن يأذن الإمام فيه أو لم يأذن؛
لأنه ليس له أن يأذن فيما لا مصلحة فيه للمسلمين لا سيما إذا احتمل أن يكون ضرراً عليهم في المال.
وقال ابن عقيل: إذا أذن الإمام فيما هو مشترك بين المسلمين ولا ضرر فيه جاز؛ لأنه نائب عن المسلمين فجرى إذنه مجرى إذنهم.
وأما كون فعل ذلك في ملك إنسان أو درب غير نافذ بغير إذن أهله لا يجوز؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يجوز إذا أذن فيه أهله؛ فلأن المنع لحقهم فإذا رضوا بإسقاطه جاز.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: إلا بإذن أهله يرجع إلى جميع ما تقدم أم لا؟
قيل: لا؛ لأن أهل الطريق النافذ هو جميع المسلمين والإذن من جميعهم غير متصور فلا
فائدة في الحكم عليه بالجواز.
وأما كون الصلح عن ذلك بعوض يجوز في وجهٍ وهو قول أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز الصلح بغير عوض. فجاز بعوض؛ كما لو كان القرار مبنياً.
وأما كونه لا يجوز في وجهٍ وهو قول القاضي؛ فلأنه بيع للهواء. وظاهر إطلاق المصنف رحمه الله هذا الوجه الجواز سواء كان جناحاً أو ساباطاً أو دكاناً، وصرح في الكافي بأن قول القاضي في الجناح والساباط، ولم يذكر الدكان وهو صحيح يجب حمل إطلاق المصنف هنا عليه؛ لأن تعليل القاضي لا يساعده في الدكان؛ لكونها تبنى على القرار لا على هوائه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.