وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قال: خُذُه مُضارَبَةً، والرِّبْحُ كلُّه لك أو لي. لم يَصِحَّ) وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: والرِّبْحُ كلُّه لي. كان إبْضاعًا صَحِيحًا؛ لأنَّه أثْبَتَ له حُكْمَ الإِبْضاعِ، فانْصَرَف إليه. كما لو قال: اتَّجِرْ به والرِّبْحُ كلُّه لي.
وقال مالكٌ: يَكُونُ مُضارَبَةً صَحِيحَةً في الصُّورَتَين؛ لأنَّهما دَخَلا في القِراضِ،
فإذا شَرَطَه لأحَدِهما فكأنَّه وَهَب الآخرَ نَصِيبَه، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ العَقْدِ. ولَنا، أنَّ المُضارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بينَهما،
فإذا شَرَط اخْتِصاصَ أحَدِهما بالرِّبْحِ فقد شَرَط ما يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، ففَسَدَ، كما لو شَرَط الرِّبْحَ كلَّه في شرِكَةِ العِنَانِ لأحَدِهما. ويُفارِقُ ما إذا لم يَقُلْ مُضارَبَةً؛ لأنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِما أثْبَتَ حُكْمَه مِن الإبْضاعِ والقَرْضِ،
بخِلافِ ما إذا صرَّحَ بالمُضارَبَةِ. وما ذَكَرَه مالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الهِبَةَ لا تَصِحُّ قبلَ وُجُودِ المَوْهُوبِ. ٢٠٦٩ -
(وَإِنْ قَالَ: خُذْهُ مُضَارَبَةً وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أَوْ لِي لَمْ يَصِحَّ) لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي كَوْنَ الرِّبْحِ بَيْنَهُمَا،
فَإِذَا شَرَطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِالرِّبْحِ فَقَدْ شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَفَسَدَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ لِأَحَدِهِمَا، وَيُفَارِقُ إِذَا لَمْ يَقُلْ: مُضَارَبَةً ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصْلُحُ لِمَا أَثْبَتَ حُكْمَهُ مِنَ الْإِبْضَاعِ، وَالْقَرْضِ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ ; لِأَنَّ الْإِذْنَ بَاقٍ
فَصْلٌ: الثَّانِي، الْمُضَارَبَةُ؛ وَهِيَ أنْ يَدْفَعَ مَالهُ إِلَى آخَرَ يَتَّجِرُ فِيهِ وَالرِّبْحُ بَينَهُمَا.
فائدة: المُضارَبَةُ؛ هي دَفْعُ مالِه إلى آخَرَ، يَتَّجِرُ به،. والرِّبْحُ بينَهما. كما قال المُصَنِّفُ. وتُسَمَّى قِراضًا أيضًا. واخْتُلِفَ في اشْتِقاقِها،
والصَّحيحُ، أنَّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الضَّرْبِ في الأرْضِ؛ وهو السَّفَرُ فيها بالتِّجارَةِ غالِبًا.
وقيل: مِن ضَرْبِ كلِّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واحدٍ منهما بسَهْمٍ في الرِّبْحِ. والقِراضُ مُشْتَقٌّ مِنَ القَطْعِ، على الصَّحيحِ. فكأنَّ ربَّ المالِ اقْتطَعَ مِن مالِه قِطْعَةً، وسلَّمَها إلى العامِلِ، واقْتطَعَ له قِطْعَةً مِنَ الرِّبْحِ.
وقيل: مُشْتَقُّ مِنَ المُساواةِ والمُوازَنَةِ؛
فمِنَ العامِلِ العَمَلُ، ومِنَ الآخَرِ المال، فتَوازَنا. ومَبْنَى المُضارَبَةِ، على الأمانَةِ والوَكالةِ،
فإذا ظهَر رْبْحٌ، صارَ شَرِيكًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإنْ فسَدَتْ، صارَتْ إجارَةً، ويَسْتَحِقُّ العامِلُ أْجْرَةَ المِثْلِ.
فإنْ خالفَ العامِلُ صارَ غاصِبًا.
فَإنْ قَال: خُذْهُ، فَاتَّجِرْ بِهِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي. فَهُوَ إبْضَاعٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبحُ كُلُّهُ لَكَ. فَهُوَ قَرْضٌ.
وَإنْ قَال: وَالرِّبْحُ بَيننَا. فَهُوَ بَينَهُمَا نِصْفينِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإنْ قَال: خُذْهُ مُضَارَبَةً، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ أوْ لِيَ. لَمْ يَصِحَّ. وإنْ قال: خُذْه مُضارَبَةً، والرِّبْحُ كلُّه لك، أو لِيَ. لم يَصِحَّ. يعْنِي، إذا قال إحْداهما، مع قوْلِه: مُضارَبَةً. لم يصِحَّ. وهذا المذهبُ. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهبِ»، و «المُسْتَوْعِب»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى» وغيرِهم. قال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ، وأبو الخَطَّابِ، وغيرُهم: هي مُضارَبَةٌ فاسِدَةٌ يَسْتَحِقُّ فيها أُجْرَةَ المِثْلِ.
وكذا قال في «المُغْنِي»، لكِنَّه قال : لا يَسْتَحِقُّ شيئًا في الصُّورَةِ الثَّانيةِ؛ لأنَّه دخَل على أنْ لا شيءَ له، ورَضِيَ به. وقاله وَإنْ قَال: لَكَ ثُلُثُ الرِّبْحِ. صَحَّ، وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ.
وَإنْ قَال: وَلِي ثُلُثُ الرِّبْحِ. فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
ابنُ عَقِيلٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ المُساقَاةِ.
وقال في «المُغْنِي»، في مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّه إبْضاعٌ صحيحٌ. فَراعَى الحُكْمَ دُونَ اللَّفْظِ. وعلى هذا، يكونُ في الصُّورَةِ الأولَى قَرْضًا. ذكَرَه في «القاعِدَةِ الثَّامِنَةِ والثَّلاثين».
قال: (وإن قال: خذه مضاربة والربح كله لك أو لي لم يصح. وإن قال: لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال. وإن قال: ولي ثلث الربح فهل يصح؟ على وجهين. وإن اختلفا لمن الجزء المشروط فهو للعامل) .
أما كون قول رب المال: خذه مضاربة والربح كله لك أو لي لا يصح؛ فلأن المضاربة تقتضي كون الربح بينهما،
فإذا شرط اختصاص أحدهما بالربح فقد شرط ما ينافي مقتضاها. أشبه ما لو شرط الربح في شركة لأحدهما.
وأما كون قوله: لك ثلث الربح يصح؛ فلأن نصيب العامل معلوم.
وأما كون الباقي لرب المال؛ فلأنه لا يحتاج إلى ذكر نصيبه لأنه يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه.
وأما كون قوله: ولي ثلث الربح يصح على وجهٍ؛ فلأن الربح لا يستحقه غيرهما فإذا شرط لأحدهما شيء علم أن الباقي للآخر كما علم كون ثلث الميراث للأب من قوله:{وورثه أبواه فلأمه الثلث}.
وأما كونه لا يصح على وجهٍ؛ فلأن العامل إنما يستحق بالشرط ولم يشرط له شيء.
وأما كون الجزء المشروط للعامل إذا اختلفا لمن هو؛ فلأن الشرط له لأن رب المال يستحق الربح بماله والعامل بعمله والعمل يقل ويكثر وإنما تتقدر حصته بالشرط فكان له.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.