وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ
الشروح عليها
مسألة: (وإن تَلِف بعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. وقال ابن حامِدٍ: إن كان تَلَفُه بفِعْلِ اللهِ تِعالى، فليس له أخْذه إلَّا بجَمِيعِ الثَّمَن) إذا تَلِف الشِّقْصُ أو بعضُه في يَدِ المُشْتَرِي، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه تَلِف في يَدِه،
فإن أرادَ الشَّفِيعُ الأخْذَ إذا تَلِف بعضُه، أخَذَ المَوْجُودَ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ، سَواءٌ كان التَّلَفُ بفِعْلِ اللهِ تَعالى أو بفِعْلِ آدَمِيٍّ، وسَواءٌ تَلِفَ باخْتِيارِ المشْتَرِي؛ كنَقْضِه البِنَاءَ، أو بغيرِ اخْتِيارِه، مثلَ أنِ انْهَدَمَ.
ثم إن كانتِ الأنْقاضُ مَوْجُودَةً، أخَذَها مع العَرْصَةِ بالحِصَّةِ،
وإن كانت مَعْدُومَةً، أخَذَ العَرْصَةَ وما بَقِيَ مِن البِنَاءِ. هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ القاسِمِ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والعَنْبرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وقولٌ للشافعيِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان التَّلَفُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، كما ذَكَرْنا،
وإن كان بفِعْلِ اللهِ تَعالى؛ كانْهِدامِ البِناءِ بنَفْسِه، أو حَرِيقٍ، أو غَرَقٍ، فليس للشَّفِيعِ أخْذُ الباقِي إلَّا بكلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه متى كان النَّقْصُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، رَجع بَدَلُه إلى المُشْتَرِي، فلا يَتَضرَّرُ،
ومتى كان بغيرِ ذلك، لم يَرْجِعْ إليه شيءٌ، فيكونُ الأخْذُ منه إضْرارًا به، والضَّرَرُ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ. ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ على الشَّفِيعِ أخْذُ الجميعِ، وقَدَر على أخْذِ البَعْضِ، فكان له بالحِصَّةِ، كما لو تَلِفَ بفعلِ آدَمِيٍّ سِوَاه، وكما لو كان له شَفِيعٌ آخَرُ، أو نقولُ: أخَذَ بعضَ ما دَخَل معه في العَقْدِ، فأخَذَه بالحِصَّةِ، كما لو كان معه سَيفٌ.
وأمَّا الضَّرَرُ فإنَّما حَصَل بالتَّلَفِ، ولا صُنْعَ للشَّفِيعِ فيه، والذي يَأْخُذُه الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَه، فلا يَتَضرَّرُ المُشْتَرِي بأخْذِه. وإنَّما قُلْنا: يَأْخُذُ الأنْقاضَ وإن كانت مُنْفَصِلَةً؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه كان حال عَقْدِ البَيعِ،
وفي تلك الحالِ كان مُتَّصِلًا اتِّصالًا ليس مَالُه إلى الانْفِصالِ، وانْفِصالُه بعدَ ذلك لا يُسْقِطُ حَقَّ الشفْعَةِ. ويُفارِقُ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ إذا أُبِّرَتْ،
فإنَّ مَآلَها إلى الانْفِصالِ والظُّهُورِ،
فإذا ظَهَرَتْ فقد انْفَصَلَتْ، فلم تَدْخُلْ في الشُّفْعَةِ.
وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ مع بَقاءِ صُورَةِ المَبِيعِ، مثلَ أنِ انْشَقَّ الحائِطُ، واسْتَهْدَمَ البِناءُ، وشَعِثَ الشَّجَرُ، وبارَتِ الأرْضُ، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّ هذه المَعانِيَ لا يُقابِلُها الثَّمَنُ،
بخِلافِ الأعْيانِ، ولهذا لو بَنَى المُشْتَرِي، أعْطاه الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنائِه،
ولو زادَ المَبِيعُ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، دَخَلَتْ في الشُّفْعَةِ.
(وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْكُلِّ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ،
فَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَبَاعَ بَابَهَا، أَوْ هَدَمَهَا، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ بِالْقِيمَةِ مِنَ الثَّمَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِالْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَعْضُ مَعَ بَقَاءِ الْجَمِيعِ.
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ] فَصْلٌ
وإنْ تَلِفَ بَعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِنَ الثَّمَنِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه الأصحابُ، إلَّا أنَّ ابنَ حامِدٍ اخْتارَ أنَّه إنْ كان تَلَفُه بفِعْلِ الله تِعالى، فليس له أخذُه إلَّا بجَميعِ الثَّمَنِ، كما نقَلَه المُصَنِّفُ عنه.
فائدة: لو تعَيَّبَ المَبِيعُ بعَيبٍ مِنَ العُيوبِ المُنْقِصَةِ للثَّمَنِ، مع بَقاءِ عَينِه، فليس له الأخْذُ إلَّا بكُلِّ الثَّمَنِ، أو التَّرْكُ. قطَع به المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وفيه وَجْه آخَرُ، له الأخْذُ بالحِصَّةِ. اخْتارَه القاضي يَعْقُوبُ. قال الحارِثِيُّ: وأظُنُّ، أو أجْزِمُ، أنَّه قوْلُ القاضي في «التعْليقِ». قال: وهو الصَّحيحُ.
قال: (وإن تلف بعض المبيع فله أخذ الباقي بحصته من الثمن. وقال ابن حامد: إن كان تلفه بفعل الله تعالى فليس له أخذه إلا بجميع الثمن) .
أما كون الشفيع له أخذ الباقي من التالف بحصته من الثمن على المذهب؛ فلأنه تعذّر أخذ الكل. فجاز أخذ الباقي، كما لو أتلفه آدمي.
وأما كونه ليس له الأخذ إلا بجميع الثمن إذا كان تلفه بفعل الله على قول ابن حامد؛ فلأن في أخذه بالبعض إضراراً بالمشتري، فلم يكن له ذلك، كما لو أخذ البعض مع بقاء الجميع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.