وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم) رُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشّافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وجَماعَة مِن أهلِ العِلْمِ: تَجبُ له الشُّفْعَةُ؛ لعمُومِ قولِه عليه السلامُ:«لَا يَحِل لَهُ أن يبيعَ حَتَّى يَسْتَأذِنَ شَرِيكَه، وَإنْ بَاعَهُ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحقُّ بِهِ». ولأنَّه خِيَارٌ ثَابِت لدَفْعِ الضَّرَرِ بالشِّراءِ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيبِ. ولَنا، ما روَى الدَّارقُطنيُّ، في كِتابِ «العِلَلِ»، بإسْنادِه عن أنس، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» . وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما احْتَجُّوا به.
ولأنَّه مَعْنًى يَخْتَصُّ العَقارَ، فأشْبَهَ الاسْتِعلاءَ في البُنْيانِ، يُحَقِّقُه أن الشُّفْعَةَ إنَّما تثْبُتُ للمُسْلِمِ دَفْعًا للضرَرِ عن مِلْكِه، وقُدِّمَ دَفْعُ ضَرَرِه على دَفْعِ ضَرَرِ المُشْتَرِي،
ولا يَلْزَمُ مِن تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّيِّ،
فإنَّ حَقَّ المُسْلِمِ أرْجَحُ، ورِعايَتَه أوْلَى، ولأن ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ في مَحَلِّ الإجْماعِ على خِلافِ الأصْلِ، رِعايَة لحَقِّ الشَّرِيكِ المسلمِ، وليس الذِّمِّي في مَعْنَى المسلمِ، فيَبْقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ. وتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ للمسلمِ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ، ولأنَّها إذا ثَبَتَتْ للمسلمِ على المسلمِ مع عِظَمِ حُرْمَتِه، فلأنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّيِّ مع دَنَاءته أوْلَى. فصل: وتَثْبُتُ للذِّمِّيِّ على الذِّمِّيِّ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّهما تَساوَيَا في الدِّينِ، فتَثْبُتُ لأحَدِهما على الآخرِ، كالمُسْلِمَينِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن تَبايَعُوا بخَمْر أو خِنْزِير، وأخَذَ الشَّفِيعُ بذلك، لم يُنْقَضْ ما فعلُوه.
وإن جَرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفِيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، لم نَحْكُمْ له بالشُّفْعَةِ. وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَبايَعُوا بخَمْرٍ، وقُلْنا: هي مالٌ لهم. حَكَمْنا له بالشُّفْعَةِ.
وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ إذا كان الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لأنَّها مالٌ لهم، فأشْبَهَ ما لو تَبايَعُوا بدَرَاهِمَ، لكنْ إن كان الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا، أخَذَه بمِثْلِه،
وإن كان مُسْلِمًا، أخَذَه بقِيمَةِ الخَمْرِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ بخَمْر، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان بينَ مُسْلِمَين ولأنَّه عَقْدٌ بثَمَن مُحَرَّم، أشْبَهَ البَيعَ بالخِنْزِيرِ والمَيتَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم ؛
فإن اللهَ تَعالى حَرَّمَه كما حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، واعْتِقادُهُم حِلَّه لا يَجْعَلُه مالًا، كالخِنْزِيرِ، وإنَّما لم يُنْقَضْ عَقْدُهُم إذا تَقابَضُوا؛ لأنَّنا لا نَتَعَرَّضُ لما فَعَلُوه مِمَّا يَعْتَقِدُونه في دِينهم ما لم يَتَحاكَمُوا إلينا قبلَ تَمامِه،
ولو تحاكَمُوا إلينا قبلَ التَّقابُضِ لَفَسَخْناه.
فأمَّا أهْلُ البِدَعِ فتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لمَن حَكَمْنا بإسْلامِه منهم، كالفاسِقِ بالأفْعالِ؛ لعُمُوم الأدِلَّةِ التي ذَكَرْناها. وروَى حَرْبٌ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن أصحابِ البِدَعِ، هل لهم شُفعَةٌ؟ وذُكِرَ له عن ابنِ إدْرِيسَ أنَّه قال: ليس للرّافِضَةِ شُفْعَة؟ فضَحِكَ،
وقال: أراد أن يُخْرِجَهُم مِن الإسْلامِ. فظاهِرُ هذا أنَّه أثْبَتَ لهم الشُّفْعَةَ، وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ الغُلاةِ منهم،
فأمَّا الغُلاةُ، كالمُعْتَقِدِ أنَّ جِبْرِيلَ غَلِطَ في الرِّسَالةِ فجاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما أرْسِلَ إلى عليٍّ، ونحوه،
ومَن حُكِمَ بكُفْرِه مِن الدُّعاةِ إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إذا لم تثْبُتْ للذِّمِّيِّ الذي يُقَرُّ على كُفْرِه، فغيرُه أوْلَى.
فصل: وتَثْبُتُ الشُّفعَةُ للبَدَويِّ على القَرَويِّ، وللقَرَويِّ على البَدَويِّ، في قولِ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ.
وقال الشَّعْبِيُّ، والبَتِّيُّ: لا شُفْعَةَ لمَن لم يَسْكُن المِصْرَ. وعُمُومُ الأدِلةِ واشْتِرِاكُها في المَعْنَى المُقْتَضِي لوُجُوبِ الشًّفْعَةِ يَدُلُّ على ثبوتِها لهم.
فصل: قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَل: لا نَرَى في أرْضِ السَّوادِ شُفْعَةً؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، وَقَفَها على المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ بَيعُها، والشُّفْعَةُ إنَّما تكونُ في البَيعِ.
وكذلك الحُكْمُ في سائِرِ الأرْضِ التي وَقَفَها عمرُ، وهي التي فُتِحَتْ عَنْوَةً في زَمَنِه ولم يَقْسِمْها، كأرْضِ الشّامِ ومِصْرَ.
وكذلك كلُّ أرْض فُتِحَتْ عَنْوَةً ولم تُقْسَمْ بينَ الغانِمِينَ، إلَّا أن يَحْكُمَ بِبَيعِها حاكِمٌ، أو يَفْعَلَه الإمامُ أو نائِبُه،
فإن فَعَل ذلك ثَبَتَت فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه فَصْل مُخْتَلَفٌ فيه،
ومتى حَكَم الحاكِمُ في المُخْتَلَفِ فيه بشيءٍ، نَفَذ حُكْمُه. ٢٤٣١ - مسألة: (وهل تَجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يَشْتَرِيه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين) إذا بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها،
فإن تَرَكَها فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضاربَةِ مِلْكُه، ولا يَنْفُذُ عَفْوُ العامِلِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فلم يَنْفُذْ عَفْوُه، كالمَأذُونِ له.
فإنِ اشْتَرَى المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ رَبِّ المالِ، فهل لرَبِّ المالِ فيه شُفْعَة؟ على وَجْهَين مَبْنِيَّيْن على شِرَاءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ، وقد ذَكَرْناهُما.
وإن كان المُضارِبُ شَفِيعَه، ولا رِبْحَ في المالِ، فله الأخْذُ بها؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه.
وإن كان فيه رِبْح، وقُلْنا: لا يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. فكذلك.
وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالظُّهُورِ. ففيه وَجْهان، كرَبِّ المالِ. ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا كلِّه على ما ذَكَرْنا.
فإن باعَ المُضارِبُ شِقْصًا في شَرِكَتِه، لم يَكُنْ له أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَم، فأشْبَهَ شِراءَه مِن نَفْسِه. فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، فقارَضَ واحِدٌ منهم أحَدَ شَرِيكَيه بألْفٍ، فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثالثِ، لم تَثْبُتْ فيه شُفْعَة في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَ الشَّرِيكَين رَبُّ المالِ، والآخَرَ العامِلُ، فهما كالشَّرِيكَين في المَتاعِ، فلا يَسْتَحِقُّ أحَدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً.
وإن باعَ الثَّالِثُ باقيَ نَصِيبِه لأجْنَبِي، كانتِ الشُّفْعَةُ مُسْتَحَقَّةً بينَهم أخْماسًا، لرَبِّ المالِ خُمْساها ، وللعامِلِ مِثْلُه، ولمالِ المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له، فيُجْعَلُ مالُ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ؛ لأنَّ حُكْمَه مُتَمَيِّز عن مالِ كلِّ واحِدٍ منهما.
فصل: فإن كانتِ الدّارُ بينَ ثَلاثة أثْلاثًا، فاشْتَرَى أجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أحَدِهِم، فطالبَه أحَدُ الشَّرِيكَين بالشُّفْعَةِ، فقال: إنَّما اشْتَرَيتُه لشَرِيكِك. لم تُؤَثِّرْ هذه الدَّعْوَى في قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ مِن الشُّفْعَةِ،
فإن الشُّفْعَةَ بينَ الشَّرِيكَين نِصْفَين، سَواءٌ اشْتَراها الأجْنَبِيُّ لنَفْسِه أو للشَّرِيكِ الآخَرِ.
وإن تَرَك المُطالِبُ بالشُّفْعَةِ حَقَّه منها بِناءً على هذا القولِ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه.
وإن أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ لذلك ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُ المُشْتَرِي، وعَفَا الشَّرِيكُ عن شُفْعَتِه، فله أخْذُ نصِيبِه مِن الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ اقْتِصارَه على أخْذِ النِّصْفِ انْبَنَى على خَبَرِ المُشْتَرِي، فلم يُؤَثِّرْ في إسْقاطِ الشُّفْعَةِ، واستَحَقَّ أخْذَ الباقِي لعَفْو شَرِيكِه عنه.
وإنِ امْتَنَعَ مِن أخْذِ الباقِي سَقَطَتْ شُفْعَتُه كلُّها، لأنَّه لا يمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفقَةِ المُشْتَرِي. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ حَقِّه مِن النِّصْفِ الذي أخَذَه، ولا يَبْطُلُ أخْذُه له، لأنَّ المشَترِيَ أقَرَّ بما تَضَمَّنَ اسْتِحْقاقَه لذلك، فلا يَبْطُلُ برُجُوعِه عن إقْرارِه.
وإن أنْكرَ الشَّرِيكُ كَوْنَ الشِّراءِ له، وعَفَا عن شُفْعَتِه، وأصَرَّ المُشْتَرِي على الإقْرارِ للشَّرِيكِ به، فللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ؛ لأنَّه لا مُنازِعَ له في اسْتِحْقاقِه، وله الاقْتِصارُ على النِّصْفِ، لإقْرارِ المُشْتَرِي له باسْتِحْقاقِ ذلك.
فصل: فإن قال أحَدُ الشَّرِيكَين للمُشْتَرِي: شِراؤكَ باطِلٌ.
وقال الآخَرُ: هو صَحِيحٌ. فالشُّفْعَةُ كلها للمُعْتَرِفِ بالصِّحّةِ.
وكذلك إن قال: ما اشْتَرَيتُه، إنَّما اتَّهَبْتُه. وصَدَّقَه الآخَرُ أنَّه اشْتَراه، فالشفْعَةُ للمُصَدِّقِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ شَرِيكَه مُسْقِطٌ لحَقِّه باعْتِرافِه أنَّه لا بَيعَ، أو لا بَيعَ صَحِيحٌ.
ولو احْتال المُشْتَرِي على إسْقاطِ الشُّفْعَةِ بحِيلَةٍ لا تُسْقِطُها، فقال أحَدُ الشَّفِيعَين: قد سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ. تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ؛ لاعْتِرافِ صاحِبِه بسُقُوطِها.
ولو تَوَكَّلَ أحَدُ الشَّفِيعَين في البَيعِ أو الشِّراءِ، أو ضَمِن عُهْدَةَ المَبِيعِ، أو عَفَا عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ،
وقال: لا شُفْعَةَ لي؛ لذلك. تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ.
وإنِ اعتَقَدَ أنَّ له شُفْعَةً، وطالبَ بها، فارْتَفَعا إلى حاكِم، فحَكَمَ بأنَّه لا شُفْعَةَ له، تَوَفَّرَتْ على الآخرِ؛ لأنَّها سَقَطَتْ بحُكْمِ الحاكِمِ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ بإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ. فصل: إذا ادَّعَى رجلٌ على آخَرَ ثُلُثَ دار، فأنكَرَه، ثم صالحَه عن دَعْواه بثُلُثِ دار أخْرَى، صَحَّ، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ المصالحِ به؛ لأنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أَنَّه مُحِقٌّ في دَعْواه،
وأنَّ ما أخَذَه عِوَضٌ عن الثُّلُثِ الذي ادَّعاه، فلَزِمَه حُكْمُ دَعْواه، ووَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، ولا شُفْعَةَ على المُنْكِر في الثُّلُثِ المُصالحِ عنه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه على مِلْكِه لم يَزُلْ، وإنَّما دَفَع ثُلُثَ دارِه إلى المُدَّعِي اكْتِفاءً لشَرِّه ودَفْعًا لضَرَرِ الخُصُومَةِ واليَمينِ عن نَفْسِه، فلم تَلْزَمْه فيه شُفْعَة.
وإن قال المُنْكِرُ للمُدَّعِي: خُذِ. الثُّلُثَ الذي تَدَّعِيه بثُلُثِ دارِكَ. ففَعَلَ، فلا شُفْعَةَ على المُدَّعِي فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي يَأخُذُه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابِتِ له.
وقال أصحابُ الشَّافعيِّ: تَجِبُ الشُّفْعَةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِي أيضًا؛ لأنَّها مُعاوَضَة مِن الجانِبَين بشِقْصَين، فوَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيهما، كما لو كانت بينَ مُقِرَّين. ولَنا، أنَّ المُدَّعِيَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبلَ الصُّلْح، ولم يَتَجَدَّدْ له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه، فلم تَجِبْ فيه شُفْعَة، كما لو أقَرَّ له به. فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحَدِ شَرِيكَيه، ثم باعَه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه، فله أن يَأخُذَ بالعَقْدَين، وله الأخْذُ بأحَدِهما؛
لأنَّه شَرِيكٌ فيهما. فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثَّاني أخَذَ جَميع ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه.
وإن أخَذَ بالعَقْدِ الأوَّلِ، ولم يَأخُذْ بالثَّاني، أخذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدْسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأخُذُ نِصْفَه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، ونِصْفَه مِن المُشْتَرِي الثَّاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمّا اشْتَرَى الثُّلُثَ كان بينَهما نِصْفين، لكلِّ واحِدٍ منهما السُّدْسُ،
فإذا باع الثُّلُثَ مِن جَمِيعِ ما في يَدِه،
وفي يَدِه ثُلُثان، فقد باع نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدْسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيهِما نِصْفَين، فيَأخُذُ مِن كلِّ واحِدٍ منهما نِصفَه، وهو نِصْف السُّدْسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأوَّلِ، ورْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على الأوَّلِ برُبْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرى به، وتكونُ المسألةُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، للشَّفِيعِ نِصْف الدّارِ، ولكلِّ واحِدٍ مِن الآخَرَين الرُّبْع.
وإن أخَذَ بالعَقْدَين أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثَّاني ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ، فصارَ له ثَلاثةُ أرْباعِ الدّارِ، ولشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ برُبْع الثَّمَنِ الثَّاني؛ لأنَّه يَأخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراه الأوَّلُ، وهو السُّدْسُ، فيَدْفعُ إليه نِصْفَ الثَّمَنِ؛ لذلك، وقد صار نِصْفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثَّاني، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِيَ المَأخُوذُ مِن الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَع إليه ثلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ.
وإن كان المُشتَرِي الثَّاني هو البائِعَ الأولَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ.
وإن كانتِ الدّارُ بينَ الثلاثةِ أرْباعًا، لأحَدِهم نِصْفُها وللآخَرَين نِصْفُها بينَهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ مِن أحَدِ شَرِيكَيه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا مِمَّا في يَدِه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه فأخَذَ بالبَيعِ الثَّاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَع إلى المُشْتَرِي ثَمَنَه.
وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ وحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدْسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدْس، ويَأخُذُ ثُلُثَيه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، وثُلُثَه مِن الثَّاني، ومَخْرَج ذلك مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، النِّصْفُ ثمانِيَةَ عَشرَ، ولكلِّ واحِدٍ منهما تِسْعَة، فلما اشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبعْ أثْلاثًا، لشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلاثة، فلما باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَل في المَبِيع مِن الثلاثةِ ثُلثها، وهو سَهْمٌ، بَقِيَ في يَدِ البائِعِ منها سَهْمان، فتُرَدُّ الثلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، يَصِيرُ في يَدِه اثْنَا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويبقى في يَدِ المُشْتَرِي الثَّاني ثَمانِيَةٌ، وهي تُسْعانِ،
وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهي أرْبعةُ أتْساع، ويَدفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني عليه بتُسْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه،
وإن أخَذَ بالعَقْدَين، أخَذَ مِن الثَّاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ مِن الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهي سَهْمانِ مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عشْرُونَ سَهْمًا، وهي خَمْسَةُ أتْساع ويَبْقَى في يَدِ الأوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سهْمًا، وهي أرْبَعَةُ أتْساع، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَمانِيَةَ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّاني. فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ؛ لزَيدٍ نِصْفُها، ولعَمْرو ثُلثها، ولبَكْرٍ سُدْسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ مِن زَيدٍ ثُلُثَ الدّارِ، ثم باع عَمْرًا سُدْسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرُوٌ بشِرائِه للثُّلُثِ، ثم عَلِم، فله المُطالبَةُ بحَقِّه مِن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثاه، وهو تُسْعَا الدّارِ، فيَأخُذُ مِن بَكْر ثُلُثَيْ ذلك، وقد حَصَل ثُلُثُه الباقِي في يَدِه بشِرائِه للسُّدْسِ، فيَفْسَخُ بَيعَه فيه، ويَأخُذُه بشُفْعَةِ البَيعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى مِن بَيعِه خَمْسَةُ أتْساعِه، لزَيدٍ ثُلُث شُفْعَتِه، فتُقْسَمُ بينَهما أثلاثًا.
وتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّين سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعَة وخَمْسُونَ، لعَمْرو ثُلُثاهَا بشُفْعَتِه سِتَّة وثَلاثونَ سَهْمًا، يَأخُذُ ثُلُثَيها مِن بَكْرٍ، وهي أرْبَعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدْسُ الذي اشْتَراه سَبْعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، قد أخَذَ منها اثْنيْ عَشَرَ بالشُّفْعَةِ، بَقِيَ منها خَمْسَةَ عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَة، ويَأخُذُ منها زَيدٌ خَمْسَةً، فحَصَلَ لزَيدٍ اثْنانِ وثَلاثونَ سهْمًا، ولبَكْر ثَلاثونَ سَهْمًا، ولعَمْرو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْف الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ تُسْعِها، ويَدْفَعُ [عَمْروٌ إلى بَكْر] ثُلُثَي الثَّمَنِ في البَيعِ الأوَّلِ، وعلى زَيدٍ خَمْسَةُ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّانِي بينَهما أثْلاثًا.
فإن عَفَا عَمْرو عن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدْسِ الذي اشْتَراه بينَه وبينَ زَيدٍ أثلاثًا، ويَحْصُلُ لعَمْرو أرْبَعَةُ أتْساعِ الدّارِ، ولزَيدٍ تُسْعاها، ولبَكْر ثُلثها، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وإن باعَ بَكْرٌ السُّدْسَ لأجْنَبِي فهو كبَيعِه إيّاه لعَمْرو، إلَّا أنَّ لعَمْرو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدْسِ،
بخِلافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِيَ، فإَّنه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها.
وإن باع بَكْر الثُّلُثَ لأجْنَبِي، فلعَمْرو ثُلُثَا شُفْعَةِ المَبِيعِ الأوَّلِ وهو التُّسْعانِ، يَأخُذُ ثُلُثَهُما مِن بَكْر وثُلُثَيهِم مِن المُشْتَرِي الثَّاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تسع، يَبْقَى في يَدِ الثَّاني سُدْسٌ وسُدْسُ تُسْع، وهو عَشَرَة مِن أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ بينَ عَمْرو وزَيدٍ أثلاثًا، وتَصِحُّ أيضًا مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرو إلى بَكْر ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيدٌ إلى المُشْتَرِي الثَّاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ مَبِيعِه بينَهما أثلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على بَكْر بثَمَنِ أرْبَعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه.
وإن لم يَعْلَمْ عَمْروٌ حتَّى باع مِمَّا في يَدَيه سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه في أحَدِ الوجوه، وله أن يَأخُذَ بها كما لو لم يَبع شيئًا.
والثَّاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها. والثَّالثُ، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باع، وتبْقَى فيما لم يَبعْ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوهِ.
فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه، ففيها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّها بينَ المُشْتَرِي الثَّاني وزَيدٍ وبَكْر أرْباعًا، للمُشْتَرِي نِصْفُها، ولكلِّ واحِدٍ منهما رُبْعُها، على قَدْرِ أمْلاكِهِم حينَ بَيعِه.
والثاني، أنَّها بينَ زَيدٍ وبَكْر على أرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لزَيدٍ تِسْعَة، ولبَكْر خَمْسَة؛ لأنَّ لزَيدٍ السُّدْسَ، ولبَكْر سُدْسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعَةَ أتْساعِه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَةُ أتْساعِ السُّدْسِ مِلْكُه مُستَقِرٌّ عليها، فأضَفْناه إلى سُدْسِ زَيدٍ، وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِيَ الثانيَ ولا بَكْرًا بالسِّهامِ المُسْتحَقَّةِ بالشُّفْعَةِ شيئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ.
والثَّالثُ، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعَةِ اسْتَحَقُّوا بها،
وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعَةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شيئًا،
وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعض، اسْتَحَق المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه. وما بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ فيه ببَيعِ عَمْرو، فهو بمَنْزِلةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ.
ولو اسْتَقْصَينا فُرُوعَ هذه المسألةِ على سَبِيلِ البَسْطِ، لطَال، وخَرَجَ إلى الإمْلالِ.
فصل: إذا كانت دارٌ بينَ أرْبَعَةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهم، اسْتَحَقَّ الرّابع الشُّفْعَةَ عليهما، واسْتَحَق كلُّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِيَيْن الشُّفْعَةَ على صاحِبِه.
فإن طالبَ كلُّ واحِدٍ منهم بشُفْعَتِه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَهم أثلاثًا، وصارتِ الدّارُ بينَهم كذلك،
وإن عَفَا الرّابع وحدَه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَ المُشْتَرِيَين نِصْفَين.
وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن شُفْعَتِهم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، وللرّابع الرُّبعُ بحالِه.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلِّ واحِدٍ منهما له مِن المِلْكِ مثلُ ما للمُطالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَين، فيَحْصُلُ للرّابع ثلاثةُ أثْمانِ الدّارِ، وباقِيها بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمَه الثَّمَنَ نِصْفَين، فيَحْصُلُ للمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِي بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن عَفَا أحَدُ المُشتَرِيَين ولم يَعْفُ الآخَرُ ولا الرابعُ، قسِمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابع نِصْفين، ومِبيعُ الآخرِ بينَهم أثلاثًا، فيَحْصُلُ للذي لم يَعْفُ عنه رُبْع وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْن، والباقِي بينَ الآخرَين نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع عن أحَدِهما، ولم يَعْفُ أحَدُهما عن صاحِبه، أخَذَ مِمَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثَّمَنِ، والباقِي بينَهما نِصْفَين، ويكَونُ الرَّابع كالعافِي في التي قبلَها، وتَصِحُّ أيضًا مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع، وأحَدُهما عن الآخَرِ، ولم يَعْفُ الآخَرُ، فلغيرِ العافِي رُبْعٌ وسُدْسٌ، والباقِي بينَ العافِيَين نِصْفَين، لكل واحِدٍ منهما سُدْسٌ وثُمْنٌ، وتَصحُّ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، وما يُفَرَّعُ مِن المَسائِلِ، فهو على سِياقِ ما ذَكَرْناه.
(وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَا شُفْعَةَ لِنَصْرَانِيٍّ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ "، وَأَبُو بَكْرٍ،
وَفِي إِسْنَادِهِمَا نَائِلُ بْنُ نَجِيحٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، وَنَائِلٌ ضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يُخْتَصُّ بِهِ الْعَقَارُ، أَشْبَهَ الِاسْتِعْلَاءَ فِي الْبُنْيَانِ.
وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: تَثْبُتُ؛ لِأَنَّهَا خِيَارٌ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالشِّرَاءِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، رِعَايَةً لِحَقِّ الشَّرِيكِ الْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ فِي مَعْنَى الْمُسْلِمِ، فَيَبْقَى فِيهِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَثْبُتُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَلِأَنَّهَا إِذَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ مَعَ عِظَمِ حُرْمَتِهِ، فَلِأَنْ تَثْبُتَ عَلَى الذِّمِّيِّ مَعَ دَنَاءَتِهِ أَوْلَى، وَإِنَّهَا تَثْبُتُ لِكَافِرٍ عَلَى مِثْلِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا كَالْمُسْلِمِينَ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا،
وَقِيلَ: لَا تَثْبُتُ لَهُمَا إِذَا كَانَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا،
فَإِنْ تَبَايَعَ كَافِرَانِ بِخَمْرٍ شِقْصًا فَلَا شُفْعَةَ فِي الْأَصَحِّ كَخِنْزِيرٍ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: هَلْ هِيَ مَالٌ لَهُمْ؟
فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ.
وَرَوَى حَرْبٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْبِدَعِ هَلْ لَهُمْ شُفْعَةٌ؟ وَذُكِرَ لَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلرَّافِضَةِ شُفْعَةٌ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَثْبَتَهَا لَهُمْ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْغُلَاةِ مِنْهُمْ،
فَأَمَّا الْغُلَاةُ كَمُعْتَقِدِ غَلَطِ جِبْرِيلَ فِي الرِّسَالَةِ،
وَمَنْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ مِنَ الدُّعَاةِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَثْبُتْ لِلذِّمِّيِّ الَّذِي يُقِرُّ عَلَى كُفْرِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى (وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ فِيمَا يَشْتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: هَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمَضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ؟ وَفِيهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وَصُورَتُهَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُضَارِبُ لَهُ شِقْصٌ فِي عَقَارٍ، فَاشْتَرَى بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ بَقِيَّتَهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ،
وَالثَّانِي: لَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّ لَهُ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ تَعَلُّقًا فِي الْجُمْلَةِ، أَشْبَهَ رَبَّ الْمَالِ،
وَالْمَذْهَبُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، وَإِلَّا وَجَبَتَ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ ": وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِلْعَامِلِ فِيمَا اشْتَرَاهُ كَالْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ. الثَّانِيَةُ: الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمَضَارِبِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ لَهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ عَلَى نَفْسِهِ،
وَالثَّانِي: تَجِبُ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ كَالْمُنْفَرِدِ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ مَا إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَلِأَنَّ الشُّفْعَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ، وَهَذِهِ شُفْعَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ تَجْلِبْ مِلْكًا، وَإِنَّمَا قَرَّرَتْهُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى شِرَاءِ رَبِّ الْمَالِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَلَا شُفْعَةَ لِمُضَارِبٍ فِيمَا بَاعَهُ مِنْ مَالِهَا وَلَهُ فِيهِ مِلْكٌ، وَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا بِيعَ شَرِكَةً لِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، إِنْ كَانَ فِيهَا حَظٌّ،
فَإِنْ أَبِي أَخَذَ بِهَا رَبُّ الْمَالِ.
تَذْنِيبٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لَا يَرَى الشُّفْعَةَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَهَا،
وَكَذَا كُلُّ أَرْضٍ وَقَفَهَا كَالشَّامِ وَمِصْرَ،
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِبَيْعِهَا حَاكِمٌ، أَوْ يَفْعَلَهُ الْإِمَامُ، أَوْ نَائِبُهُ، فَتَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ يَنْفُذُ فِيهِ. [
ولا شُفْعَةَ لكافِر على مُسْلِم. نصَّ عليه مِن وُجوهٍ كثيرةٍ. وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ.
وقيل: له الشُّفْعَة. ذكَرَه ناظِمُ المُفْرَداتِ.
تنبيه: مَفْهومُ كلامِ المُصَنِّفِ، ثُبوتُ الشُّفْعَةِ لكافِر على كافر؛ وسواءٌ كان البائِعُ مُسْلِمًا أو كافِرًا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم. وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الفُروعِ»، و «شَرْحِ الحارِثِيِّ»، وغيرِهما.
قال في «التَّلْخيصِ»: هذا قِياسُ المذهبِ.
وقيل: لا شُفْعَةَ له، إذا كان البائِعُ مُسْلِمًا. وهو ظاهرُ كلامِ أبِي الخَطَّابِ فيه «الهِدايَةِ». وأطْلَقَهما في «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايَةِ». ومَفْهومُ كلامِه أيضًا، ثُبُوتُها للمُسْلِمِ على الكافرِ. وهو مِن بابٍ أوْلَى.
فائدة: لو تَبايَعَ كافِران بخَمْر، وأخَذ الشَّفِيعُ بذلك، لم ينقَضْ ما فعَلُوه،
وإنْ جرَى التَّقابُضُ بينَ المُتَبايِعَين دُونَ الشَّفيعِ، وتَرافَعُوا إلينا، فلا شُفْعَةَ له، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، كما لو تَبايَعا بخِنْزِير، وعليه أكثر الأصحابِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: إنْ تَبايَعُوا بخَمْر، وقُلْنا: هي مالٌ لهم. حكَمْنا له بالشُّفْعَةِ.
وتقدَّم التَّنبِيهُ على بعضِ ذلك قبلَ قوْلِه: وإنِ اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ. وَهَلْ تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلْمُضَارِبِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، أوْ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارِبِ فِيمَا يَشتَرِيهِ لِلْمُضَارَبَةِ؟ عَلَى وَجهَينِ. وهل تجِبُ الشُّفْعَةُ للمُضارِبِ على رَبِّ المالِ، أو لرَبِّ المالِ على المضارِبِ فيما يَشْتَرِيه للمُضارَبَةِ؟ على وَجْهَين. ذكَر المُصَنِّفُ هنا مَسْألتَين؟ إحْداهما، هل تجبُ الشُّفْعَةُ للمُضاربِ على ربِّ المالِ، أمْ لا؟ مثالُه؛ أن يكونَ للمُضارِبِ شِقْصٌ فيما تجِبُ فيه الشُّفْعَةُ، ثم يَشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا مِن شَرِكَةِ .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُضارِبِ، فهل تجِبُ للمُضارِبِ شُفْعَة فيما اشْتَراه مِن مالِ المُضارَبَةِ؟ أطْلَقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما تخْرِيجًا في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيصِ»؛ أحدُهما، لا تجِبُ الشُّفْعَةُ له. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صحَّحه في «الخُلاصَةِ»، و «التَّصْحيحِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المَسائلِ»، وأبو المَعالِي في «النِّهايَةِ». والوَجْهُ الثَّاني، تجِبُ. خرَّجه أبو الخَطَّابِ مِن وُجوبِ الزَّكاةِ عليه في حِصَّتِه. قال الحارِثِيُّ: وهو الأوْلَى. قال ابنُ رَجَب في «القواعِدِ»، بعدَ تخْرِيجِ أبِي الخَطَّابِ: فالمَسْألةُ مُقَيَّدَة بحالةِ ظُهورِ الرِّبح، ولابد.
انتهى. واعلمْ أنَّ في محَلِّ الخِلافِ طَريقَين للأصحابِ؛ أحدُهما، أنَّهما جاريان؛ سواءٌ ظهَر رِبْحٌ أمْ لا؛ وسواءٌ قُلْنا: يَمْلِكُ المُضارِبُ حِصَّتَه بالظُّهورِ. أم لا. وهي طَرِيقَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أبِي الخَطابِ فهي «الهِدايَةِ»، وصاحبِ «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «التَّلْخيصِ»، والمُصَنِّفِ هنا، وغيرِهم. وقدَّمَها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحارِثِي. الطَّريقُ الثَّاني، وهي طَرِيقةُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، والنَّاظِمِ، وجماعَة؛ إنْ لم يَظْهَرْ رِبْحٌ في المالِ، أو كان فيه رِبْحٌ، وقُلْنا: لا يَمْلِكُه بالظُّهورِ، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ المِلْكَ لغيرِه، فله الأخْذُ منه.
وإنْ كان فيه رِبْحٌ، وقُلْنا: يَمْلِكُه بالظُّهورِ. ففي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ له وَجْهان؛ بِناءً على شِراءِ العامِلِ مِن مالِ المُضارَبَةِ بعدَ مِلْكِه مِنَ الربْحِ، على ما سبَق في المُضارَبَةِ، بعدَ قوْلِه: وليس لرَبِّ المالِ أن يشْتَرِيَ مِن مالِ المُضارَبَةِ شيئًا. وصحَّح هذه الطَّريقةَ في «الفُروعِ»، وقدَّم عدَمَ الأخْذِ، ذكَر ذلك في بابِ المُضارَبَةِ. المَسْألةُ الثَّانيةُ، هل تجبُ الشُّفْعَةُ لرَبِّ المالِ على المُضارِبِ فيما يشْتَرِيه للمُضارَبَةِ؟ مِثالُه؛ أن يشْتَرِيَ المُضارِبُ بمالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شرِكَةِ ربِّ المالِ، فأطْلقَ المُصَنِّفُ فيه وَجْهَين، وأطْلَقَهما .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخِيصِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحارِثِيِّ»؛ أحدُهما، لا تجِبُ الشُّفْعَةُ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. صححه أبو المَعالِي في «نِهايته»، و «خُلاصَتِه»، والنَّاظِمُ، وصاحِبُ «التَّصْحيحِ»، وغيرُهم. قال الحارِثيُّ: اخْتارَه القاضي، وأبو الخَطَّابِ. وقدَّمه في «الفُروعِ»، ذكَرَه في المُضارَبَةِ. والوَجْهُ الثاني، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . .
تجِبُ فيه الشُّفْعَةُ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وبنَى المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والحارِثِيُّ، وغيرُهم هذَين الوَجْهَين على الرِّوايتَين في شِراءِ رَبِّ المالِ مِن مالِ المُضارَبَةِ. وتقدَّم الخِلافُ في ذلك،
وأن الصَّحيحَ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يصِحُّ، في بابِ المُضارَبَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ إحْداها، لو بِيعَ شِقْصٌ مِن شَرِكَةِ مالِ المُضارَبَةِ، فللعامِلِ الأخْذُ بها إذا كان الحَظُّ فيها،
فإن ترَكَها، فلرَبِّ المالِ الأخْذُ؛ لأنَّ مال المُضارَبَةِ مِلْكُه، ولا ينْفُذُ عَفْوُ العامِلِ.
ولو كان العَقارُ لثَلاثةٍ، فقارَضَ أحدُهم أحَدَ شَرِيكَيه بألفٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فاشْتَرَى به نِصْفَ نَصِيبِ الثَّالثِ، فلا شُفْعَةَ فيه، فهي أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّ أحَدَهما مالِكُ المالِ، والآخَرَ عامِل فيه، فهُما كشَرِيكَين في مُشاع؛ لا يسْتَحِقُّ أحدُهما على الآخَرِ شُفْعَةً. ذكَرَه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْح»، و «الحارثِيِّ».
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ. والوَجْهُ الآخرُ، فيه الشُّفْعَةُ.
قالوا: ولو باعَ الثَّالثُ بقِيَّةَ نَصِيبِه لأجْنَبِيّ، ثبَتَتِ الشُّفْعَةُ بينَهم أخْماسًا؛ للمالِكِ خُمْساها، وللعاملِ مِثْلُه، ولمالِ المُضارَبَةِ خُمْسُها بالسُّدْسِ الذي له؛ جَعْلًا لمالِ المُضارَبَةِ كشَرِيكٍ آخَرَ. الثَّانيةُ، لو باعَ المُضارِبُ مِن مالِ المُضارَبَةِ شِقْصًا في شَرِكَةِ نَفْسِه، لم يأخُذْ بالشُّفْعَةِ؛ لأَنه منهم، فأشْبَهَ الشِّراءَ مِن نفْسِه. ذكَرَه المُضَنِّفُ وغيرُه. الثَّالثةُ، تثْبُتُ الشُّفْعَةُ للسَّيِّدِ على مُكاتَبِه. ذكره القاضي، والمُصَنِّفُ، وغيرُهما؛ . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ ما في يَدِه، ولا يُزَكِّيه، ولهذا جازَ أن يشْتَرِيَ منه،
وأمَّا العَبْدُ المأذُونُ له؛ فإن كان لا دَينَ عليه، فلا شُفْعَةَ بحالٍ لسَيِّدِه،
وإنْ كان عليه دَينٌ، فالشُّفْعَةُ عليه تَنْبَنِي على جَوازِ الشِّراءِ منه، على ما تقدَّم في أوَاخِرِ الحَجْرِ. والله أعلمُ بالصَّوابِ. وتقدَّم أخْذُ المُكاتَبِ، والعَبْدِ المأذُونِ له بالشُّفْعَةِ،
قبلَ قوْلِه: فإن كانا شَفِيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما. حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م المكتب: ٤ ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: ٣٤٥٢٥٧٩ - فاكس: ٣٤٥١٧٥٦ المطبعة: ٢، ٦ ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: ٣٤٥٢٩٦٣ ص. ب: ٦٣ إمبابة يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته .. ووفقه لمرضاته بسم الله الرحمن الرحيم باب الوَدِيعَةِ بابُ الوَدِيعَةِ
فائدة: الوَدِيعَةُ عِبارَة عن توَكُّلٍ لحِفْظِ مالِ غيرِه تبَرُّعًا بغيرِ تصَرُّفٍ. قاله في «الفائقِ».
وقال في «الرِّعاية الصغرَى»: وهي عَقْدُ تَبَرُّعٍ بحِفْظِ مالِ غيرِه بلا تصَرفٍ فيه.
وقال في «الكُبْرَى»: والإيداعُ توْكِيلٌ، أو اسْتِنابَة في حِفْظِ مالِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زَيدٍ تَبَرُّعًا. ومَعانيها مُتَقارِبَة، ويُعْتَبرُ لها أرْكانُ الوَكالةِ، وتبْطُلُ بمُبْطِلاتها.
ولو عزَل نفْسَه، فهي بعدَه أمانَةٌ شَرْعِيَّةٌ، حُكْمُها في يَدِه حُكْمُ الثَّوْبِ إذا أطارَتْه الرِّيحُ إلى دارِه، يجِبُ ردَّه إلى مالِكِه.
وقال القاضي في مَوضِعِ مِن «خِلافِه»، في مسْألةِ الوَكالةِ: الوَدِيعَةُ لا يلْحَقُها الفَسْخُ بالقَوْلِ، وإنَّما تنْفسِخُ بالرَّد إلى صاحِبِها، أو بأنْ يتعَدَّى المُودَعُ فيها.
قال في «القاعِدَةِ الثَّانيةِ والستين»: فإمَّا أن يكونَ هذا وَهِيَ أمَانةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيهَا، إلَّا بَعْدَ أن يَتَعَدَّى.
وإنْ تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، فِي أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.
تَفْرِيقًا بينَ فَسْخ المُودِعِ والمُودَعِ، أو يكونَ اخْتِلافًا منه في المَسْألةِ، والأوَّلُ أشْبَهُ. انتهى.
وقال في «الرِّعايَةِ»: إنْ بطَل حُكْمُ الوَدِيعَةِ، بَقِيَ المال في يَدِه أمانَة؛
فإن تَلِفَ قبلَ التَّمَكُّنِ مِن ردِّه، فهَدَرٌ،
وإن تَلِفَ بعدَه، فوَجْهان. وقال أيضًا: يكْفِي القَبْضُ، قوْلًا واحدًا. وقيل: لا.
قال: (وهل تجب الشفعة للمضارب على رب المال، أو لرب المال على المضارب فيما يشتريه للمضاربة؟ على وجهين) .
أما كون الشفعة تجب للمضارب -والمراد بذلك: أن المضارب إذا كان له شقص في دارٍ، فاشترى بمال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن في ذلك دفعاً لضرر الشركة.
وأما كونها لا تجب على وجهٍ؛ فلأن له في مال المضاربة تعلقٌ في الجملة. أشبه رب المال.
وقال المصنف في المغني: إن لم يكن له في مال المضاربة ربحٌ فله الشفعة.
وإن كان فيها ربحٌ، وقلنا: لا يملكه بالظهور فكذلك.
وإن قلنا: يملكه بالظهور ففيه وجهان، كما في رب المال.
وقال صاحب النهاية فيها بعد أن حكى قريباً مما ذُكر: وعندي أنه لا شُفعة للعامل فيما اشتراه، كالوكيل والوصي.
وأما كون الشفعة تجب لرب المال على المضارب -والمراد بذلك: أن يكون له شقصٌ في دارٍ فيشتري المضارب من مال المضاربة بقيتها- على وجهٍ؛ فلأن مال المضاربة كالمنفرد بنفسه لتعلق حق الغير به.
ولأن المضارب يستحق البيع، ورب المال يثبت الملك لنفسه بالشفعة ليقطع حق العامل من ذلك، وصار ذلك بمنزلة ما إذا كان المشتري شريكاً،
فإن الشفعة بينه وبين شريكه، وهذه شفعة في الحقيقة لم تجلب ملكاً وإنما أثبتته وقررته. فكذلك هاهنا.
وأما كونها لا تجب له على وجهٍ؛ فلأن الملك وقع له. فلا يستحق الشفعة على نفسه.
وقال المصنف في المغني: هذان الوجهان مبنيان على شراء رب المال من مال المضاربة.
وقال صاحب النهاية فيها بعد أن ذكر التعليل المذكور قبل: هذا تكلّف.
والصحيح نفي الشفعة. والشقص كسائر أموال القراض. والله أعلم . [
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.