وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُقْبَلُ قولُ القائف إلا أن يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصَابَةِ) وفي اعْتِبارِ حُرِّيَّته وَجْهان مِن «المُحَرَّرِ». القافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُون الأنْسابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بقَبيلةٍ. وقد قِيلَ: أكثرُ ما يكونُ ذلك في بَنِي مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ المُدْلِجِيِّ. وكان إياسُ بنُ مُعاويَةَ المُزَنِيُّ قائِفًا. ولا يُقْبَلُ قولُ القائِفِ إلَّا أن يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا، مُجَرَّبًا في الإِصابَةِ؛ لأنَّ قَوْلَه حُكْمٌ، فاعْتُبِرَتْ له هذه الشُّرُوطُ. قال القاضي، في مَعْرِفةِ القائِفِ بالتَّجْرِبةِ: هو أن يُتْرَكَ الصَّبِيُّ مع عَشَرَةِ رِجالٍ غيرِ مَن يَدَّعِيه، ويُرَى إيّاهُم،
فإن ألْحَقَه بواحدٍ منهم، سَقَطَ قَوْلُه؛ لِتَبَيُّنِ خَطَئِه.
وإن لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم أرَيناهُ إيّاه مع عِشْرِينَ منهم مُدَّعِيه،
فإن ألْحَقَه به لَحِق. ولو اعْتُبِرَ بأن يَرَى صَبِيًّا مَعْرُوفَ النَّسَبِ مع قَوْم فيهم أبوه أو أخُوه،
فإذا ألْحَقَه بقَرِيبِه، عُرِفَتْ إصابَتُه،
وإن ألْحَقَه بغيرِه سَقَطَ قَوْلُه , جازَ. وهذه التَّجْرِبَةُ عندَ عَرْضِه على القائِفِ للاحْتِياطِ في مَعْرِفَةِ إصَابَتِه،
ولو لم نجَرِّبْه بعدَ أن يكونَ مَشْهُورًا بالإِصابَةِ وصِحَّةِ المَعْرِفَةِ في مَرّاتٍ كثيرةٍ، جازَ، فقد رُوِيَ أنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ في وَلَدِه مِن جارِيته، وأبى أن يَسْتَلْحِقَه، فمَر به إياسُ بنُ مُعاويَةَ في المَكْتَبِ، ولا يَعْرِفُه، فقال له: ادْعُ لي أباكَ.
فقال له المُعَلِّمُ: ومَن أبو هذا؟ قال: فلانٌ. قال: مِن أين عَلِمْتَ أنَّه أبوه؟ قال: هو أشْبَهُ به مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ. فقامَ المُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلى أبِيه فأعْلَمَه بقَوْلِ إياسٍ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وسأل إياسًا: مِن أينَ عَلِمْتَ أنَّ هذا وَلَدِي؟ فقال: سُبْحانَ اللهِ، وهل يَخْفَى ذلك على أحَدٍ، إنَّه لأشْبَهُ بك مِن الغُرَابِ بالغُرَابِ. فَسُرَّ الرجُلُ واسْتَلْحَقَ وَلَدَهُ. فصل: نُقِلَ عن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا قَوْلُ اثْنَين مِن القافَةِ، ولَفْظُ الشَّهادَةِ منهما، فرَوَى عنه الأثْرَمُ أنَّه قِيلَ له: إذا قال أحَدُ القافَةِ: هو لهذا.
وقال الآخَرُ: هو لهذا. قال: لا يُقبَلُ قَوْلُ واحدٍ حتى يَجْتَمِعَ اثْنانِ فيَكُونانِ شاهِدَين.
فإذا شَهِدَ اثْنان مِن القافَةِ أنَّه لهذا، فهو لهذا؛ لأنَّه قَوْلٌ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، أشبَهَ الشهادَةَ. ولأنَّه حُكْمٌ بالشَّبَهِ في الخِلْقَةِ، فاعتُبِرَ فيه اثْنانِ، كالحُكْمِ بالمثلِ في جَزَاءِ الصَّيدِ.
وقال القاضِي: يُقْبَلُ قولُ الواحِدِ؛ لأنَّه حُكْم، ويَكْفِي في الحُكْمِ قَوْلُ واحدٍ. وحَمَل كَلامَ أحمدَ على ما إذا تَعارَضَ قَوْلُ القائفين، فقال: إذا خالفَ القائِفُ غيرَه تَعارضا وسَقَطا. ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اكْتَفَى بقَوْلِ مُجَزِّزٍ وحدَه.
فإن قال اثْنانِ قَوْلًا وخَالفَهُما واحدٌ، فقَوْلُهما أوْلَى؛ لأنَّه أقْوَى مِن قَوْلِ واحدٍ،
وإن عارَضَ قَوْلُ اثْنَين قَوْلَ اثْنَينِ، سَقَطَ قولُ الجَمِيعِ.
فإن عارَضَ قولُ اثْنَين قولَ ثَلاثةٍ أو أكثَرَ، لم يُرَجَّحْ وسَقَط الجميعُ، كما لو كانت إحْدَى البَيِّنتَين اثْنَين، والأُخْرَى ثلاثةً،
فأمّا إن ألْحَقَتْه القافةُ بواحِدٍ، فجاءَتْ قافَةٌ أُخْرَى فألْحَقَتْه بآخَرَ، كان للأوَّلِ؛ لأنَّ قَوْلَ القائِفِ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الحاكِمِ، إذا حَكَم حُكْمًا لم يَنْتَقِضْ بمُخَالفةِ غيرِه له،
وكذلك لو ألْحَقَتْه بواحدٍ ثم عادَتْ فألْحَقَتْه بغيرِه كذلك.
وإن أقَامَ الآخَرُ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه، حُكِمَ له به وسَقَط قولُ القائِفِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فسَقَطَ بوُجُودِ الأصْلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ.
فصل: وإذا ألْحَقَتْه القافَةُ بكافِرٍ أو رَقِيقٍ، لم يُحْكَمْ بكُفْرِه ولا رِقِّه؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ والإسْلامَ ثَبَتا له بظاهِرِ الدّارِ، فلا يَزُولُ ذلك بمُجَرَّدِ الشبَهِ والظَّنِّ، كما لم يَزُلْ ذلك بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ. وإنَّما قَبِلْنا قولَ القافةِ في النَّسَب للحاجَةِ إلى إثْباتِه، ولكَوْنِه غيرَ مُخالِفٍ للظّاهِرِ، ولهذا اكْتَفَينا فيه بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِن المُنْفَرِدِ، ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ رِقِّه وكُفْرِه، وإثْباتُهُما يُخالِفُ الظّاهِرَ. فصل: لو ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسان، فأُلحِقَ نَسَبُه به؛
لانْفِرادِه بالدَّعْوَى، ثم جاء آخَرُ فادَّعاهُ، لم يَزُلْ نَسَبُه عن الأوَّلِ؛ لأنَّه حُكِمَ له به، فلا يَزُولُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى.
فإن ألْحَقَتْه به القافَةُ، لَحِقَ به وانْقَطَعَ عن الأوَّلِ، لأنَّها بَيِّنةٌ في إلْحاقِ النَّسَبِ، فيَزُولُ بها الحُكْمُ الثابِتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كالشَّهَادَةِ.
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) ، كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ - وَهُوَ وَجْهُ، وَاعْتَبَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ - وَلَا الْإِسْلَامُ،
وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا اشْتَرَطَ إِسْلَامَ الْقَائِفِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ - نَصَّ عَلَيْهِ - كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ؛ لِقِصَّةِ مُجَزِّزٍ.
وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ اثْنَانِ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ جَمْعٌ،
فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ جَاءَتْ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخِرٍ كَانَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِفِ جَرَى مَجْرَى الْحُكْمِ، فَلَمْ يُنْقَضْ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ،
وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ،
فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ، حُكِمَ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ. وَقَوْلُهُ: مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، أَيْ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ،
فَمَنْ عَرَّفَ مَوْلُودًا بَيْنَ نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ وَهِيَ فِيهِنَّ فَأَصَابَ كُلَّ مَرَّةٍ، فَقَائِفٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُتْرَكُ الصَّبِيُّ بَيْنَ عَشَرَةِ رِجَالٍ غَيْرِ مُدَّعِيهِ،
فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ سَقَطَ قَوْلُهُ،
وَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُمْ تُرِكَ مَعَ عِشْرِينَ مِنْهُمْ مُدَّعِيهِ،
فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ عُلِمَتْ إِصَابَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَضِيَّةُ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي وَلَدِ الشَّرِيفِ مِنْ جَارِيَةٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
مُلْحَقٌ: إِذَا كَانَ لِامْرَأَتَيْنِ ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا أُمُّ الِابْنِ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُعْرَضُ لَبَنُهُمَا عَلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ؛
فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَوَزْنِهِ،
وَقِيلَ: لَبَنُهَا خَفِيفٌ دُونَ لَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَقِيلٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ اعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ خَاصَّةً. [
ولا يُقْبَلُ قَوْلُ القائفِ إلا أنْ يكونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا في الإصابَةِ. يُشْتَرَطُ في القائفِ أنْ يكونَ عَدْلًا مُجَربا في الإصابِة. بلا نِزاع. ومعْنَى كوْنِه عَدْلًا مُجَربًا في الإصابَةِ، على ما قاله القاضي،
ومن تابعَه، بأنْ يُترَكَ الصبِيُّ بينَ عَشَرَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رِجالٍ مِن غيرِ مَن يدَّعِيه، ويُرِيَهم إيَّاه؛
فإنْ ألْحَقَه بواحدٍ منهم، سقَط قوْلُه لتَبَيُّنِ خطَئِه،
وإنْ لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم، أريناه إيَّاه مع عِشْرِين فيهم مَن يدَّعِيه،
فإنْ ألْحَقَه به، لَحِقَه. ولو اعْتُبِرَ بأنْ يُرَى صَبِيًّا معْروفَ النَّسَبِ مع . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَوْمٍ فيهم أبوه أو أخوه؛
فإنْ ألْحَقَه بقَرِيبه، عُرِفَتْ إصابَتُه،
وإنْ ألْحَقَه بغيرِه، سقَط قوْلُه، جاز. وهذه التَّجْرِبَةُ عندَ عَرْضِه على القافَةِ للاحْتِياطِ في مَعْرِفَةِ إصابَته،
ولو لم نُجَرِّبْه بعدَ أنْ يكونَ مشْهورًا بالإصابَةِ، وصِحَّةِ المَعْرِفَة في مرَّاتٍ كثيرةٍ، جازَ.
تنبيه: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنه لا يُشْترَطُ حُرِّيةُ القائفِ. وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِه في «الكافِي»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. ذكَرُوه فيما يلْحَقُ مِنَ النَّسَبِ، وقدَّمه في «الفروعِ». قال الحارِثِيُّ: وهذا أصحُّ.
وقيل: تُشْتَرَطُ حُريته. جزَم به القاضي، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وذكَرَه في «الترْغيبِ» عنِ الأصحاب.
قال في «القَواعِدِ الأصُوليةِ»: الأكثرون على أنه كحاكِمٍ، فتُشْتَرَطُ حُريته. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الفائقِ»، و «الزرْكَشِيِّ». فعلى الأوَّلِ، يكونُ بمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، وعلى الثَّانِي، يكونُ بمَنْزِلَةِ الحاكِمِ. وجزَم في «التَّرْغِيبِ»، أنه تُعْتَبَرُ فيه شُروطُ الشهادَةِ.
فوائد؛ الأولَى، يكْفِي قائفٌ واحدٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في رِوايَةِ أبي طالِبٍ، وإسْماعِيلَ بنِ سَعِيدٍ. واخْتارَه القاضي، وصاحِبُ «المُسْتَوْعِبِ». وصحَّحه في «النَّظْمِ». وقدَّمه في «الرِّعايتين»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الفُروعِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
وعنه، يُشْتَرَطُ اثْنان. نصَّ عليه، في رِوايَةِ محمدِ بنِ داودَ المصِّيصِيِّ، والاثْرَمِ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ. وقدَّمه في «الفائقِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزين». وأطْلَقَهما في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»، والحارِثِيُّ في «شَرْحِه»، و «الكَافِي»، و «الزَّرْكَشِيُّ»، وظاهِرُ «الشَّرْحِ» الإطْلاقُ. وخرَّج الحارِثِيُّ الاكتِفاءَ بقائفٍ واحدٍ عندَ العدَمِ، مِن نَصِّه على الاكتِفاءِ بالطبيبِ والبَيطارِ، إذا لم يُوجَدْ سِواه، وأوْلَى؛
فإنَّ القائفَ أعَزُّ وُجودًا منهما.
تنبيه: هذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ، عندَ كثير مِنَ الأصحابِ، على أنه؛ هل هو شاهِدٌ أو حاكِمٌ؟
فإنْ قُلْنا: هو شاهِدٌ. اعْتَبرْنا العدَدَ،
وإنْ قُلْنا: هو حاكِمٌ. فلا.
وقال جماعَة مِنَ الأصحابِ: ليس الخِلافُ مَبْنِيًّا على ذلك، بلِ الخِلافُ جارٍ؛ سواء قُلْنا: القائفُ حاكِمٌ. أو: شاهِدٌ؛ لأنَّا إنْ قُلْنا: هو حاكِمٌ. فلا يَمْتَنِعُ التَّعَدُّدُ في الحُكْمِ، كما يُعْتَبرُ حاكِمان في جَزاءِ الصيدِ،
وإنْ قُلْنا: شاهِدٌ. فلا تَمْتنِعُ شَهادة الواحِدِ، كما في المَرْأةِ، حيثُ قَبِلْنا شَهادَتَها وشَهادَةَ الطَّبِيب، والبيطارِ. وقالت طائِفَةٌ مِنَ الأصحاب: هذا الخِلافُ مَبْنِيٌّ على أنَّه شاهِدٌ، أوَ مُخْبِرٌ؛
فإنْ جعَلْناه شاهِدًا، اعْتَبرْنا التَّعَدُّدَ،
وإنْ جعَلْناه مُخْبِرًا، لم نْعْتَبِرِ التعَدُّدَ، كالخَبَرِ في الأمُورِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدِّينيَّةِ. الثَّانيةُ، القائفُ كالحاكمَ. عندَ أكثرِ الأصحابِ. قاله في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ». و «الحارِثِيِّ»، وقطَع به في «الكافِي».
وقيل: هو كالشّاهِدِ. وهو الصَّحيحُ على ما تقدّم. وأكثرُ مَسائلِ القائفِ مَبْنِيَّة على هذا الخِلافِ. الثّالثةُ، هل يُشْترَطُ لَفْظُ الشهادَةِ مِنَ القائفِ؟
قال في «الفُروعِ»، بعدَ القَوْلِ باعْتِبارِ الاثْنَين: ويُعْتَبَرُ منهما لَفْظُ الشَّهادَةِ. نصَّ عليه.
وكذا قال في «الفائقِ». قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: وفيه نَظَرٌ؛ إذْ مِن أصْلِنا قَبُولُ شَهادَةِ الواحدِ في مَواضِعَ. وعلى المذهبِ، يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشّهادَةِ. انتهى.
قلتُ: في تَنْظيرِه نظَرٌ؛ لأن مَن نقَل عنِ الأصحابِ؛ كصاحِبِ «الفُروعِ» وغيرِه، إنَّما نقَلُوا ذلك عن الإمامِ أحمدَ. وقد روَى الأثْرَمُ أنَّه قال: لا يُقْبَلُ قوْلُ واحدٍ، حتى يجْتَمِعَ اثْنان، فيَكُونا شاهِدَين.
وإذا شَهِدَ اثْنان مِنَ القافَةِ، أنه لهذا، فهو له.
وكذا قال في روايَةِ محمدِ بنِ داودَ المصِّيصِيِّ. فالذي نقَل ذلك، قال: يُعْتَبَرُ مِنَ الاثْنَين لَفْظُ الشَهادَةِ. وهو مُوافِقٌ للنصِّ،
ولا يلْزَمُ مِن ذلك أنه لا يُعْتَبَرُ لَفْظُ الشهادَةِ في الواحدِ، ولا عدَمُه، غايَتُه أنه اقْتَصرَ على النصِّ، فلا اعْتِراضَ عليه في ذلك.
وقال في «الانْتِصارِ»: لا يُعْتَبرُ لَفْظُ الشهادَةِ ولو كانا اثْنَين، كما في المُقَوِّمَين. الرابعةُ، لو عارَضَ قوْلُ اثْنَين قوْلَ ثلاثةٍ فأكْثَرَ، أو تعارَضَ اثْنان، سقَط الكُل،
وإنِ اتفَقَ اثْنان، وخالفَ ثالث، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أُخِذَ بقَوْلِ الاثْنَين. نصَّ عليه،
ولو رجَعا، فإنْ رجَع أحدُهما، لَحِقَ بالآخَرِ.
قال في «المُنْتَخَب»: ومِثْلُه بَيطاران وطَبِيبان، في عَيبٍ. الخامسةُ، يُعْمَلُ بالقافَةِ في غيرِ بُنُوَّةٍ، كأخُوَّةٍ وعُمومَةٍ عندَ أصحابِنا، وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يُعْمَلُ بها في غيرِ البُنُوَّةِ، كإخْبارِ راعٍ بشَبَهٍ.
وقال في «عُيونِ المَسائلِ»، في التَّفْرِقَةِ بينَ الوَلَدِ والفَصِيلِ: لأنَّا وقَفْنا على مَوْرِدِ الشَّرْعِ، ولتَأكُّدِ النَّسَبِ، لثُبوتِه مع السُّكُوتِ. السَّادسةُ، نفَقَةُ المَوْلودِ على الواطِئَين؛
فإذا لَحِقَ بأحَدِهما، رجَع على الآخَرِ بنَفَقَتِه. ونقَل صالِحٌ، وحَنْبَلٌ، أرَى القُرْعَةَ، والحُكْمَ بها. يُرْوَى عنه، عليه أفْضَلُ الصلاةِ والسَّلامِ، أنَّه أقْرَعَ في خَمْسَةِ مَواضِعَ، فذكَر منها؛ إقْراعَ عَلِيٍّ في الوَلَدِ بينَ الثلاثةِ الذين وَقَعُوا على الأمَةِ في طُهْرٍ واحِدٍ، ولم يُرَ هذا في رِوايَةِ الجماعَةِ، لاضْطِرابِه.
وقال ابنُ القَيِّمِ في «الهَدْي»: القُرْعَة تُسْتَعْمَلُ عندَ فُقْدانِ مُرَجِّحٍ سِواها؛ مِن بَينة، أو إقْرار، أو قافَةٍ. قال: وليس ببعيدٍ تعْيينُ المُسْتَحِقِّ في هذه الحالِ بالقرْعَةِ؛ لأنها غايَةُ المَقدُورِ عليه مِن ترْجيحِ الدَّعْوَى، ولها دُخولٌ في دَعْوَى الأمْلاكِ التي لا تثْبُتُ بقَرِينة، ولا أمارَةٍ، فدُخولُها في النَّسَبِ الذي يثْبُتُ بمُجَرَّدِ الشَّبَهِ الخَفِيِّ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِ قائفٍ أوْلَى.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.