وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ آلَتِهِ وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ وَمَا فَضُلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيْتِهِ عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ
الشروح عليها
مسألة: (وَيَجُوزُ بَيعُ بَعْضِ آلتِهِ وَصَرْفُهَا في عِمَارَتِهِ) ؛ يجوزُ بَيعُ الفَرَسِ الحَبِيسِ عندَ تَعَذُّرِ الانْتِفاعِ به وصَرْفُ ثَمَنِه فيما يَقُومُ مَقامَه، ولأنَّه إذا جاز بَيعُ الجَميعِ عندَ الحاجةِ إلى بَيعِه، فبَيعُ بعضِه مع بَقاءِ البعضِ أوْلَى.
فصل: وإذا بِيعَ الوَقْفُ، فأيُّ شيءٍ اشْتُرِىَ بثَمَنِه ممّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقْفِ وجاز،
وإن كان مِن غيرِ جِنْسِه في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِيِّ، لكنْ تكونُ المَنْفَعةُ مَصْرُوفةً إلى المَصْلَحةِ التي كانت الأُولَى تُصْرَفُ فيها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَغْيِيرُ المَصْرِفِ مع إمْكانِ المُحافَظةِ عليه، كما لا يجوزُ تَغْيِيرُ الوَقْفِ بالبَيعِ مع إمْكانِ الانْتِفاعِ به.
فصل: فإن لم يَكْفِ ثَمنُ الفَرَسِ الحَبِيسِ لشراءِ فَرَسٍ أُخرى، أُعِينَ به في شِراءِ حَبِيس يَكُونُ بعضَ الثَّمنِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ اسْتِيفاءُ مَنْفَعةِ الوَقْفِ المُمْكِنِ اسْتِيفاؤُها وصِيانَتُها عن الضَّياعِ، ولا سَبِيلَ إلى ذلك إلَّا بهذه الطَّرِيقِ.
فصل: فإن لم تَتَعطَّلْ مَنْفَعةُ الوَقْفِ بالكُلِّيَّةِ، لكنْ قَلَّتْ، وكان غيرُه أنْفَعَ منه وأكْثَرَ رَدًّا على أهْلِ الوَقْفِ، لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ البَيعِ، وإنَّما أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، صِيانةً لمَقْصُودِ الوَقْفِ عن الضَّياعِ مع إمْكانِ تَحْصِيلِه، ومع الانْتِفاعِ ما يَضِيعُ المَقْصُودُ وإن قَلَّ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَبْلُغَ في قِلَّةِ النَّفْعِ إلى حَدّا لا يُعَدُّ نَفْعًا، فيكونُ وُجُودُه كالعَدَمِ. فصل: قال أحمدُ، في روايةِ أبي داودَ، في مَسْجِدٍ أرادَ أهْلُه رَفْعَه مِن الأرْضِ، ويُجعَلُ تحتَه شِقايَةٌ وحَوانِيتُ.
فامْتَنَعَ بعضهم مِن ذلك: يُنْظَرُ إلى قوْلِ أكْثَرِهم. واخْتَلَفَ أصْحابُنا في تَأْويلِ كلامِ أحمدَ، فذَهَبَ ابنُ حامدٍ إلى أنَّ هذا مَسْجِدٌ أرادَ أهْلُه إنْشاءَه ابْتِداءً، واخْتلَفُوا كيف يُعْمَلُ، وسَمّاهُ مَسْجِدًا قبلَ بِنائِه تَجَوُّزًا، لأنَّ مآله إليه،
أمّا بعدَ بِنائِه لا يجوزُ جَعْلُه سِقايةً ولا حَوانِيت. وذَهَب القاضي إلى ظاهِرٍ اللَّفْظِ، وهو أنَّه كان مَسْجِدًا، فأرادَ أهْلُه رَفْعَه وجَعْلَ ما تحتَه سِقايَةً، لحاجَتِهم إلى ذلك. والأوّلُ أصَحُّ وأوْلَى،
وإن خالفَ الظّاهِرَ، فإنَّ المَسْجدَ لا يجوزُ نَقْلُه وإبْدالُه وبَيعُ ساحَتِه وجَعْلُها سِقايَةً وحَوانِيتَ، إلَّا عندَ تَعَذَّرِ الانْتِفاعِ به، والحاجةُ إلى سِقَايةٍ وحَوانِيتَ لا تُعَطِّلُ نَفْعَ المَسْجِدِ، فلا يجوزُ صرْفُه في ذلك.
ولو جاز جَعْلُ أسْفَلِ المَسْجِدِ سِقَايةً وحَوانِيتَ لهذه الحاجَةِ، لجاز تَخْرِيبُ المَسْجِدِ وجَعْلُه سِقايةً وحَوانِيتَ، ويَجْعَلُ بَدَلَه مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ آخَرَ.
وقال أحمدُ، في رِوايةِ بكرِ بنِ محمدٍ، عن أبِيه، في مَسْجِدٍ ليس بحَصِينٍ مِن الكِلابِ، وله مَنارَةٌ، فرَخَّصَ في نَقْضِها، وبِناءِ حائِطِ المَسْجِدِ بها للمَصْلَحةِ. ٢٦٠١ - مسألة: (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيتِهِ) عن حاجَتِه (جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ)
وكذلك إن فَضَل مِن قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه. قال أحمدُ، في مَسْجِدٍ يُبْنَى فيَبْقَى مِن خَشَبِه أو قَصَبِه أو شيءٍ مِن نَقْضِه، قال: يُعانُ به في مَسْجِدٍ آخَرَ. أو كما قال.
وقال المَرُّوذِيُّ: سَألْتُ أبا عبدِ اللهِ عن بَوارِي المَسْجدِ ، إذا فَضَل منه الشيءُ، أو الخَشَبةُ، قال: يُتَصَدَّقُ به. وأرَى أنَّه قد احْتَجَّ بكُسْوَةِ البَيتِ إذا تَخَرَّقَتْ تُصْدِّقَ بها.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: قد كان شَيبَةُ يتَصَدَّقُ بخُلْقانِ الكَعْبةِ. ورَوَى الخَلالُ بإسْنادِه، عن عَلْقَمةَ، عن أُمِّه، أنَّ شَيبةَ بنَ عُثمانَ الحَجَبِيَّ جاء إلى عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، فقال: يا أُمَّ المُؤمِنين، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ تَكْثُرُ عليها، فنَنْزِعُها، فنَحْفِرُ لها آبارًا فنَدْفِنُها فيها حتَّى لا تَلْبَسَها الحائِضُ والجُنُبُ. قالت عائشةُ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، ولم تُصِبْ، إنَّ ثِيابَ الكَعْبةِ إذا نُزِعَتْ لم يَضِرْها مَن لَبِسَها مِن حائِض أو جُنُب، ولكنْ لو بِعْتَها وجَعَلْتَ ثَمَنها في سَبِيلِ اللهِ والمَساكِينِ.
فقال: فكان شَيبةُ يَبْعَثُ بها إلى اليَمنِ، فتُباعُ، فيَضَعُ ثَمَنها حيث أمَرَتْهُ عائشةُ. وهذه قَضِيَّة مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم تُنْكَرْ، فتكونُ إجْماعًا، ولأنَّه مالُ الله تعالى، لم يَبْقَ له مَصْرِفٌ، فصُرِفَ إلى المَساكِينِ، كالوَقْفِ المُنْقَطِعِ. ٢٦٠٢ -
(وَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِ آلَتِهِ وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ: إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَشَبَتَانِ لَهُمَا قِيمَةٌ تَشَعَّثَ وَخَافُوا سُقُوطَهُ جَازَ بَيْعُهُمَا وَصَرْفُ ثَمَنِهِمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَبَيْعُ بَعْضِهِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ أَوْلَى، وَقَاسَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى بَيْعِ بَعْضِ الْفَرَسِ الْحَبِيسِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهِ
وَيَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَتِهِ، وَبِنَاءُ حَائِطِهِ بِهَا لِتَحْصِينِهِ مِنَ الْكِلَابِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لِلْمَصْلَحَةِ. (وَمَا فَضُلَ مِنْ حُصُرِهِ وَزَيْتِهِ) وَقَصَبِهِ، وَنَفَقَتِهِ. وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ ": وَمَا فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ وَهِيَ أَوْلَى (عَنْ حَاجَتِهِ جَازَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ) ، قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ فِي جِنْسِ مَا وُقِفَ لَهُ، فَكَانَ مَصْرُوفًا لَهُ فِي مِثْلِهِ، وَكَالْهَدْيِ (وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ الْحَجْبِيَّ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِخُلْقَانِ الْكَعْبَةِ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْهُ بِذَلِكَ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ انْتَشَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛
وَلِأَنَّهُ مَالٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَبْقَ لَهُ مَصْرِفٌ، فَصُرِفَ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَلِأَنَّ نَفْعَ الْمَسْجِدِ عَامٌّ، وَالْفُقَرَاءُ كَذَلِكَ، وَخَصَّهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ بِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِمَعْرُوفِهِ،
وَعَنْهُ: لَا يُصْرَفُ لَهُمَا، وَعَنْهُ: بَلَى لِمِثْلِهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وَقَالَ أَيْضًا: وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ وَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رَيْعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ،
قَالَ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ رَيْعَهُ يَفْضُلُ عَنْهُ دَائِمًا وَجَبَ صَرْفُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فَسَادٌ، وَإِعْطَاؤُهُ فَوْقَ مَا قَدَّرَهُ الْوَاقِفُ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ كَغَيْرِ مَسْجِدِهِ،
وَقَالَ: وَمِثْلُهُ وَقْفُ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ.
فَرْعٌ: فَضْلُ غَلَّةِ مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ اسْتِحْقَاقُهُ مُقَدَّرٌ يَتَعَيَّنُ إِرْصَادُهُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَالْحَارِثِيُّ، وَنَقَلَ حَرْبٌ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ فَانْحَرَفَ الْمَاءُ: يُرْصَدُ، لَعَلَّهُ يَرْجِعُ،
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ صَرَفَ فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ وَنَحْوُهُمَا.
وما فضل مِن حُصُرِه وزَيتِه عَن حاجَتِه، جازَ صَرْفُه إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والصَّدَقَةُ به على فُقَراءِ المُسْلمِين. هذا المذهبُ، نصَّ عليه. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم.
وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه وعنه، يجوزُ صَرْفُه [في مِثلِه دُونَ الصَّدَقَةِ به. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وقال أيضًا: يجوزُ صَرْفُه] في سائرِ المَصالِحِ، وبِناءِ مَساكِنَ لمُسْتَحِقِّ رَيعِه القائمِ وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ في الْمَسْجِدِ، بمَصْلَحَتِه.
قال: وإنْ عُلِمَ أنَّ رَيعَه يفْضُلُ عنه دائمًا، وجَب صَرْفُه،
ولا يجوزُ لغيرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الفاضِلِ. انتهى.
وقال في «الفائقِ»: وما فضَل مِن حُصُرِ المَسْجِدِ أو زَيتِه، ساغ صَرْفُه إلى مَسْجِدٍ آخَرَ، والصَّدَقَة به على جِيرانِه. نصَّ عليه.
وعنه، على الفُقَراءِ. وحكَى القاضي في صَرْفِه ومَنْعِه رِوايتَين.
وكذا الفاضِلُ مِن جميعِ رَيعِه، يُصْرَفُ في مَسْجِدٍ آخَرَ. ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ». قال القاضي أبو الحُسَينِ: وهو أصحُّ.
فائدة: قال الحارِثِيُّ: فَضْلَةُ غَلَّةِ المَوْقوفِ على مُعَيَّنٍ، يتَعيَّنُ إرْصادُها. ذكَرَه القاضي أبو الحُسَينِ. قال الحارِثِيُّ: وإنَّما يتَأَتَّى فيما إذا كان الصَّرْفُ مُقَدَّرًا. وهو واضِحٌ.
قال: (وما فضل من حصره وزيته عن حاجته جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به على فقراء المسلمين) .
أما كون ما فضل مما ذكر يجوز صرفه إلى مسجدٍ آخر؛ فلأنه انتفاع في جنس ما وقف له. فكان صرفاً له في مثله.
ولأن ذلك يجري مجرى الهدي إذا عطب قبل مَحِلِّه، والهدي يفعل به ذلك. فكذا هذا.
وأما كونه يتصدق بذلك على فقراء المسلمين؛ فلأن نفع المسجد عامٌ، ونفع الفقراء كذلك.
وقال أبو الخطاب: على فقراء جيرانه؛ لأنهم أحق بمعروفه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.