فَإِنْ أَسْلَمَ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِلَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمْ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ
الشروح عليها
(حينَ أسْلَمَ الأوَّلُ) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في هذه المسألةِ روايتان؛ إحداهما، أنَّ الأمْرَ يَقِفُ على انقضاءِ العِدَّةِ، على ما ذَكَرْنا. وهذه الرِّوايةُ هِي التي ذَكَرَها الخِرَقِيُّ. فعلى هذا، إذا لم يُسْلِمِ الثَّانِي في العِدَّةِ، لا يحتاجُ إلى اسْتِئْنافِ العِدَّةِ. وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، واللَّيثِ، والحسنِ بنِ صالحٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ونحوُه عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، ومُجاهدٍ، ومحمدِ بنِ الحسنِ. والثانيةُ، تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ، كما قَبْلَ الدُّخولِ. وهو اخْتِيارُ الخلَّالِ وصاحِبِه، وقولُ الحسنِ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمةَ، وقَتَادةَ، والحكَمِ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. ونَصَرَه ابنُ المُنْذِرِ. وقولُ أبي حنيفةَ ههُنا كقولِه فيما قبلَ الدُّخُولِ، إلَّا أنَّ المرْأةَ إذا كانت في دارِ الحربِ، فانْقَضتْ عِدَّتُها وحَصَلَتِ الفُرْقَةُ، لَزِمَها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ.
وقال مالكٌ: إن أسلَم الرَّجلُ قبلَ امرأتِه، عرَض عليها الإِسلامَ،
فإن أسْلَمَتْ، وإلَّا وَقَعَتِ الفُرْقَةُ،
وإن كانتْ غائبةً تُعُجِّلَتِ الفُرْقَةُ،
وإن أسلمتِ المرأةُ قبلَه، وقَفَ الأَمْرُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ. واحْتَجَّ [مَن قال] بِتَعْجِيلِ الفُرْقَةِ بقَوْلِه سبحانه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}. ولأنَّ ما يُوجِبُ فَسْخَ النِّكاحِ لا يَخْتَلِفُ بما قبلَ الدُّخولِ وبعدَه، كالرَّضاعِ. ولَنا، ما رَوَى مالكٌ في «مُوَطَّئِه»، عن ابنِ شِهابٍ قال : كان بينَ إسْلامِ صَفْوانَ بنِ أُمَيَّةَ وامرأتِه بنتِ الوليدِ بنِ المُغِيرةِ نحوٌ مِن شَهْرٍ، أسْلَمَتْ يومَ الفَتْحِ، وبَقِيَ صَفْوانُ حتى شَهِدَ حُنَينًا والطائِفَ وهو كافرٌ، ثم أسْلَمَ، فلمْ يُفرِّقِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما، واسْتَقَرَّتْ عندَه امرأتُه بذلك النِّكاحِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ : وشُهْرَةُ هذا الحديثِ أقْوَى مِن إسْنادِه.
وقال ابنُ شِهابٍ: أسْلَمَتْ أُمُّ حكيمٍ يومَ الفَتْحِ، وهَرَبَ زَوْجُها عِكْرِمةُ حتى أَتَى اليَمَنَ، فارْتَحَلَتْ حتى قَدِمَتْ عليه اليمنَ، فدَعَتْه إلى الإِسلامِ، فأسْلَمَ، وقَدِمَ فبايعَ [النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -]، فثَبَتَا على نِكاحِهما .
وقال ابنُ شُبْرُمةَ: كان الناسُ على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْلِمُ الرجلُ قبلَ المرأةِ، والمرأةُ قبلَ الرجلِ، فأيُّهُما أسْلَمَ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّةِ المرأةِ، فهي امرأتُه،
فإن أسلمَ بعدَ العِدَّةِ، فلا نِكاحَ بينَهما . ولأنَّ أبا سُفْيانَ خرَج فأسْلَمَ يومَ الفَتْحِ قبلَ دُخولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، ولم تُسْلِمْ هِنْدُ امرأتُه حتى فَتَحَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، فثَبَتا على النِّكاحِ . وأسْلَمَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ قبلَ امْرَأتِه. وخرَج أبو سفيانَ بنُ الحارثِ، وعبدُ الله بنُ أبي أُمَيَّةَ عامَ الفَتْحِ، فلَقِيا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بالأبْوَاءِ ، فأسْلَما قبلَ نِسائِهما.
ولم يُعْلَمْ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينَ أحدٍ ممَّن أسلمَ وبينَ امرأتِه، ويَبْعُدُ أن يَتَّفِقَ إسلامُهما معًا، ويفارِقُ ما قبلَ الدُّخولِ، فإنَّه لا عِدَّةَ لها فتُتَعَجَّل البَينُونةُ، كالمُطَلَّقةِ واحدةً، وههُنا لها عِدَّةٌ،
فإذا انقضتْ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الفُرْقَةِ مِن حينَ أسْلَمَ الأَوَّلُ، فلا يُحْتاجُ إلى عِدَّةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ اخْتلافَ الدِّينِ سَبَبُ الفُرْقَةِ، فَتُحْتسَبُ الفُرْقَةُ منه كالطَّلاقِ. (فعلى هذه) الرِّوايةِ (لو وَطِئَها) الزَّوجُ (في عِدَّتِها ولم يُسْلِمِ الثَّاني) فيها، فلها (عليه المَهْرُ) ويُؤدَّبُ، لأنّا تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَها بعد البَينُونَةِ وانْفِساخِ النِّكاحِ، فيكونُ وَاطِئًا في غيرِ مِلْكٍ
(وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُسْلِمِ الثَّانِي قَبْلَ انْقِضَائِهَا (تَبَيَّنَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ حِينَ أَسْلَمَ الْأَوَّلُ) ; لِأَنَّ سَبَبَ الْفُرْقَةِ اخْتِلَافُ الدِّينِ، فَوَجَبَ أَنْ تُحْتَسَبَ الْفُرْقَةُ مِنْهُ كَالطَّلَاقِ (فَعَلَى هَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا وَلَمْ يُسْلِمْ، فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ) ; لِأَنَّهُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَطِئَ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَيُؤَدَّبُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
فعلى هَذا، يعْنِي، على القوْلِ بأنَّ الأمْرَ يقِفُ على انْقِضاءِ العِدَّةِ -لو وَطِئَها في عِدَّتِها، ولم يُسْلِمِ الثَّاني، فعليه المَهْرُ،
وإنْ أسْلَمَ، فلا شيءَ لها. بلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِزاعٍ على هذا البِناءِ. وَإِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ،
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُسْلِمَ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا،
وقوله: وإذا أسلمَتْ قبلَه، فلها نَفَقَةُ العِدَّةِ،
وإنْ كان هو المُسْلِمَ، فلا نَفَقَةَ لها. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. جزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وقيل: لها النَّفَقَةُ، إنْ أسْلَمَتْ بعدَه في العِدَّةِ. وأطْلَقهما في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى».
وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْل قَوْلُهَا فِي أَحَدِ الْوَجْهَينَ.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وإنْ أسْلَمَتْ بعدَه في العِدَّةِ، وهي غيرُ كِتابِيَّةٍ، فهل لها النَّفَقَةُ فيما بينَ إسْلامِهما؟ على وَجْهَين.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.