وَإِنْ كَانَ قَدِ انْعَقَدَ بِالسِّرِّ، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ
الشروح عليها
(وقال القاضى: إن تَصادقا على السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لها غَيْرُهُ) ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه يُؤْخَذُ بالعلانِيَةِ، على ما روَاه الأَثْرَمُ. وهو قولُ الشَّعْبِىِّ، وابنِ أبى ليْلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال القاضى: الواجِبُ المَهْرُ الذى انْعقَدَ به النِّكاحُ، سِرًّا كان أو عَلانِيَةً. وحَمَل كلامَ أحمدَ والخِرَقِىِّ على أنَّ المرأةَ لم تُقِرَّ بنِكاحِ السِّرِّ، فثَبَتَ مَهْرُ العَلانِيَةِ؛ لأنَّه الذى انْعَقَدَ به النِّكاحُ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وأبى حنيفةَ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ. ونحوُه عن شُرَيْحٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والحَكَمِ بن عُتَيْبَةَ ، ومالكٍ، وإسْحاق؛ لأَنَّ العَلانِيَةَ ليس بعَقْدٍ، ولا يتَعَلَّقُ به وُجوبُ شئٍ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه [إذا عَقَد في الظَّاهرِ عَقْدًا بعدَ عقْدِ السرِّ، فقدْ وُجِدَ منه بذْلُ الزائدِ على مهرِ المِثْلِ، فيَجِبُ ذلك عليه، كما لو زادَها على صداقِها.
ومُقْتَضَى ما ذكرناه مِن التَّعْليلِ لكلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه] إن كان مَهْرُ السرِّ أكثرَ مِن العَلانِيَةِ؛ وَجَب مَهْرُ السِّرِّ؛ لأنَّه وَجَب عليه بعَقْدِه، ولم تُسْقِطْه العَلانِيَةُ، فبَقِىَ وُجُوبُه.
فأمَّا إنِ اتَّفَقا على أنَّ المهْرَ ألفٌ، وأنَّهما يعْقِدان العَقْدَ بألْفَيْنِ تَجَمُّلًا، ففَعَلا ذلك، فالمَهْرُ ألْفانِ؛ لأنَّها تَسْمِيَةٌ صَحِيحةٌ في عَقْدٍ صحيح، فَوجَب، كما لو لم يتَقَدَّمْها اتِّفاقٌ على خِلافِها. وهذا أيضًا قولُ القاضى، ومذهبُ الشافعىِّ. ولا فَرْقَ فيما ذكَرْناه بينَ أن يكونَ السِّرُّ مِن جِنْسِ العَلانِيَةِ، نحوَ أن يكونَ السِّرُّ ألْفًا والعَلانِيَةُ ألْفَيْنِ، أو يكُونَا مِن جِنْسَيْنِ، مثلَ أن يكونَ السِّرُّ مائةَ دِرْهمٍ والعَلانِيَةُ مائةَ دِينارٍ.
وإذا قُلْنا: إنَّ الواجِبَ مَهْرُ العَلانِيَةِ. فيُسْتَحَبُّ للمرأةِ أن تَفِىَ للزَّوْجِ بما وَعَدَتْ به وشَرَطَتْه، مِن أنَّها لا تَأْخُذُ إلّا مَهْرَ السِّرِّ. قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ منْصورٍ: إذا زَوَّجَ امرأةً في السِّرِّ بمَهْرٍ، وأعْلَنُوا بمَهْرٍ، يَنْبَغِى لهم أن يَفُوا، ويُؤْخَذُ بالعَلانِيَةِ. فاسْتَحَبَّ الوَفاءَ بالشَّرْطِ؛ لئلَّا يحْصُلَ منهم غُرُورٌ، ولأَنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«المُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ». وعلى قولِ القاضى، إذا ادَّعَى الزَّوْجُ عَقْدًا في السِّرِّ انْعقَدَ به النِّكاحُ، فيه مَهْرٌ قليلٌ، فصَدَّقَتْه المرأةُ، فليس لها سِواه،
وإن أكْذَبَتْه، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُنْكِرَةٌ. ٣٢٩٧ -
(وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ تَصَادَقَا عَلَى السِّرِّ لَمْ يَكُنْ لَهَا غَيْرُهُ) أَيِ: الْوَاجِبُ الْمَهْرُ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ النِّكَاحُ - سِرًّا كَانَ أَوْ عَلَانِيَةً - لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ النِّكَاحُ وَالْعَلَانِيَةُ لَيْسَ بِعَقْدِ حَقِيقَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَقْدُ صُورَةٍ، وَالزِّيَادَةُ فِيهِ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُقِرَّ بِنِكَاحِ السِّرِّ،
وَإِذًا الْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ نِكَاحِ السِّرِّ،
فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفٌ، وَأَنَّهُمَا عَقَدَا بِأَلْفَيْنِ تَجَمُّلًا فَالْمَهْرُ أَلْفَانِ، أَيْ: مَا عُقِدَ بِهِ فِي الْأَصَحِّ، كَعَقْدِهِ هَزْلًا وَتَلْجِئَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مِنْ جِنْسِ الْعَلَانِيَةِ أَوْ يَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ فِي بَيْعِ مِثْلِهِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.