وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ
الشروح عليها
مسألة: (فَأمَّا إِنْ عَضَلَهَا لِتَفْتَدِىَ نَفْسَهَا مِنْهُ، فَفَعَلَتْ، فَالْخُلْعُ بَاطِلٌ، وَالْعِوَضُ مَرْدُودٌ، وَالزَّوْجِيَّةُ بِحَالِهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا، فيَكونُ رَجْعِيًّا) يعنى [بعَضْلِها مُضارًّا] بها بالضَّرْبِ والتَّضْيِيقِ عليها، أو مَنْعِها حُقُوقَها مِن النَّفَقةِ والقَسْمِ ونحوِ ذلك، لتَفْتَدِىَ نَفْسَها،
فإن فعَلَتْ، فالخُلْعُ باطلٌ، والعِوَضُ مرْدودٌ. رُوِى نحوُ ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وعُرْوَة، وعمرِو بنِ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والزُّهْرِىِّ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال أبو حنيفةَ: العَقْدُ صحيحٌ، والعِوَضُ لازِمٌ، وهو آثِمٌ عاصٍ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}.
وقال اللَّهُ تعالى:{لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ}. ولأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ على بَذْلِه بغيرِ حقٍّ، فلم يُسْتَحَقَّ، كالثَّمَنِ في البيعِ، والأجْرِ في الإِجارةِ.
وإذا لم يَمْلِكِ العِوَضَ وقُلْنا: الخُلْعُ طَلاقٌ. وَقَع الطَّلاقُ بغيرِ عِوَضٍ،
فإن كان أقلَّ مِن ثلاثٍ، فله رَجْعَتُها؛ لأَنَّ الرَّجْعةَ إنَّما سَقطَتْ بالعِوَض،
فإذا سقَطَ العِوَضُ، ثَبَتتِ الرَّجْعةُ.
وإن قُلْنا: هو فَسْخٌ. ولم يَنْوِ به الطَّلاقَ، لم يقَعْ شئٌ؛ لأَنَّ الخُلْعَ بغيرِ عِوَضٍ لا يقَعُ على إِحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، إنَّما رَضِىَ بالفَسْخِ ههُنا بالعِوَضِ،
فإذا لم يحْصُلِ العِوَضُ [لا يَحْصُلُ المُعَوَّضُ].
وقال مالكٌ: إن أَخَذَ منها شيئًا على هذا الوَجْهِ، ردَّه، ومَضَى الخُلْعُ عليه. ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك إذا قُلْنا: يَصِحُّ الخُلْعُ بغيرِ عِوَضٍ.
فأمَّا إن ضَرَبَها على نُشُوزِها، أو مَنَعَها حقَّها، لم يَحْرُمْ خُلْعُها لذلك؛ لأَنَّ ذلك لا يَمْنَعُهما أن لا يخافا أن لا يُقيما حُدودَ اللَّهِ. وفى بعضِ حديثِ حَبِيبَةَ، أنَّها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قَيْسٍ، فضرَبَها، فكَسَر ضِلَعَها، فأتَتِ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فدَعَا النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابِتًا، فقال:«خُذْ بعضَ مَالِها وفارِقْها». فَفعَلَ. رَواه أبو داودَ . وهكذا لو ضربَها ظُلْمًا؛ لسُوءِ خُلُقِه أو غيرِه، لا يُرِيدُ بذلك أن تَفْتَدِىَ نفْسَها، لم يَحْرُمْ عليه مُخالَعَتُها؛
لأنَّه لم يَعْضُلْها ليَذْهَبَ ببعضِ الَّذى آتاها، ولكنْ عليه إثمُ الظُّلْمِ.
فصل: فإن أتَتْ بفاحِشَةٍ، فعَضَلَها لتفْتَدِىَ نفْسَها منه، ففَعَلَتْ، صَحَّ الخُلْعُ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ}. والاسْتِثْناءُ مِنَ النَّهْى إباحةٌ. ولأنَّها متى زَنَتْ، لم يأْمَنْ أن تُلْحِقَ به ولدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه، فلا تُقِيمَ حُدودَ اللَّهِ في حقِّه، فتَدخلُ في قولِ اللَّهِ تعالى:{فَإنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}. وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ. والقولُ الآخَرُ، لا يجوزُ؛
لأنَّه عِوَضٌ أُكْرِهَتْ عليه، أشْبَهَ ما لو لم تَزْنِ. والعمَلُ بالنَّصِّ أوْلَى. ٣٣٨١ -
(وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ) وَلَا يَصِحُّ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَخَلْقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ حَرَّمَهُ، وَخُصُوصُ الْآيَةِ فِي التَّحْرِيمِ يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى عُمُومِ آيَةِ الْجَوَازِ مَعَ مَا عَضَّدَهَا مِنَ الْأَخْبَارِ.
فَرْعٌ: لَا يَفْتَقِرُ الْخُلْعُ إِلَى حَاكِمٍ - نَصَّ عَلَيْهِ - وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى سُلْطَانٍ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ،
وَقَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ مَعَ أَنَّهُ قَطْعُ عَقْدٍ بِالتَّرَاضِي أَشْبَهَ الْإِقَالَةَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.