وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَحَبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا وَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ
الشروح عليها
(وَإِنْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ يُعَذِّبَكِ اللَّهُ بِالنَّارِ) أَوْ تَبْغَضِينَ الْجَنَّةَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَهُ بِقَلْبِكِ، فَقَالَتْ: أَنَا أَحَبُّهُ، فَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْهَا) ؛ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ، وَسُئِلَ عَنْهَا، فَلَمْ يُجِبْ فِيهَا بِشَيْءٍ (وَقَالَ الْقَاضِي: تُطَلَّقُ) قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "،
وَفِي " الْفُنُونِ ": هُوَ مَذْهَبُنَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إِلَّا مِنَ اللَّفْظِ، فَاقْتَضَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِلَفْظِهَا بِهِ، صَادِقَةً أَوْ كَاذِبَةً كَالْمَشِيئَةِ (وَالْأَوْلَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ إِذَا كَانَتْ كَاذِبَةً) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَحَبَّةَ فِي الْقَلْبِ، وَلَا تُوجَدُ مِنْ أَحَدٍ مَحَبَّةُ ذَلِكَ، وَخَبَرُهَا بِالْمَحَبَّةِ كَاذِبٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُنُونِ " أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ لِاسْتِحَالَتِهِ عَادَةً، كَقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ الْجَمَلَ يَدْخُلُ فِي خُرْمِ الْإِبْرَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: أَعْتَقِدُهُ،
فَإِنَّ عَاقِلًا لَا يُجَوِّزُهُ فَضْلًا عَنِ اعْتِقَادِهِ،
ثُمَّ إِنْ قَالَ: كَذَبْتِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَهِيَ يُعْتَبَرُ نُطْقُهَا أَوْ تُطَلَّقُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ،
وَقِيلَ: لَا تُطَلَّقُ إِنْ لَمْ يَقُلْ: بِقَلْبِكِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ زَيْدًا أَوْ تُبْغِضِينِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَخْبَرَتْهُ بِهِ - طُلِّقَتْ وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً،
فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ أَحْبَبْتِ، أَوْ إِنْ أَرَدْتِ، أَوْ إِنْ كَرِهْتِ، احْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِلِسَانِهَا كَالْمَشِيئَةِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَكُونُ اللِّسَانُ دَلِيلًا عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِوُجُودِهِ - طُلِّقَتْ،
وَلَوْ أَخْبَرَتْ بِهِ ثُمَّ قَالَتْ: كُنْتُ كَاذِبَةً، لَمْ تُطَلَّقْ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تُطَلِّقَنِي، فَقَالَ: إِنْ كُنْتِ تُرِيدِينَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيَقْتَضِي أَنَّهَا تُطَلَّقُ بِإِرَادَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، وَدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ إِيقَاعَهُ لِلْإِرَادَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهُ بِهَا،
قَالَهُ فِي " الْفُنُونِ " قَالَ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ أَبُوكِ يَرْضَى بِمَا فَعَلْتِيهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ: مَا رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: رَضِيتُ - طُلِّقَتْ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى رِضًا مُسْتَقْبَلٍ، وَقَدْ وُجِدَ،
بِخِلَافِ: إِنْ كَانَ أَبُوكِ رَاضِيًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَاضٍ، وَتَعْلِيقٌ كَطَلَاقٍ، وَيَصِحُّ بِالْمَوْتِ.
[
وإنْ قال: إنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أنْ يُعَذِّبَكِ اللهُ بالنَّارِ فأنْتِ طالِق. أوْ قال: إنْ كُنْتِ تُحِبِّينَه بقَلْبِكِ فأنْتِ طالِق. فَقالتْ: أنَا أحبه. فقد توَقَّفَ أحمدُ عنها -وقال: دَعْنا مِن هذه المَسائلِ.
وكذا قال في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرهما- وقال القاضي: تَطْلُقُ. وذكَره ابنُ عَقِيلٍ مذهبَنا ومذهبَ العُلَمَاءِ كَّافة، سِوَى محمدِ بنِ الحَسَنِ. وجزَم به في «الوَجيزِ». واقْتَصَرَ عليه في «الخُلاصةِ»، في الأولَى، وصححه في الثَّانيةِ. وقدَّمه في «الرِّعايتَين»، فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ: إِذَا قَال: أنْتِ طَالِقٌ إِذَا رَأيتِ الْهِلَال. طَلُقَتْ إِذَا رُئِيَ، و «الحاوي».
وقال المُصَنِّفُ هنا: والأوْلَى أنّها لا تَطلقُ إذا كانتْ كاذِبَةً. وهو المذهبُ. قدمه في «الفُروعِ». وجزَم به في «النظْمِ». واخْتارَه ابنُ عَقِيل،
وقال: لاسْتِحالتِه عادةً، كقوْلِه: إنْ كُنْتِ تَعْتَقِدينَ أنَّ الجَمَلَ يدْخُلُ في خُرْمِ الإبرَةِ فأنْت طالِق. فقالتْ: أعْتَقِدُه.
فإنَّ عاملا لا يُجَوزُه، فَضْلا عنِ اعْتِقادِه.
وقيل: لا تَطْلُقُ مُطْلَقًا. ذكَرَه في «الرعايةِ».
وقيل: لا تَطْلُقُ في قولِه: إن كُنْتِ تُحِبِّينَه بقَلْبِك.
وإنْ طَلُقَتْ في الأولَى. وهو احْتِمال في «الهِدايةِ».
فائدتان؛ إحْداهما، مِثْلُ ذلك، خِلافًا ومذهبًا، لو قال: إنْ كُنْتِ تبْغُضِين الجَنةَ فأنْتِ طالِق. فقالت: أنَا أبغَضُها.
وكذا لو قال: إنْ كُنْتِ تبْغُضِينَ الحَياةَ. ونحوَ ذلك مما يعْلَمُ أنها تُحِبُّه. قاله في «المُسْتَوْعِبِ». الثانيةُ، لو قالتِ امْرَأته: أريدُ أنْ تُطَلِّقَنِي. فقال: إنْ كُنْتِ تُرِيدِين. أو: إذا أرَدْتِ أنْ أطَلِّقَكِ، فأنْتِ طالِق. ظاهِرُ الكَلامِ يقْتَضِي أنها تَطْلُقُ بإرادَةٍ مستَقْبَلَةٍ، ودَلالةُ الحالِ على أنه أرادَ إيقاعَه، للإرادَةِ التي أخْبَرتْه بها. قاله ابنُ عَقِيل في «الفُنونِ». ونصَر الثاني العَلامَةُ ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه الله، في «إعْلامِ الموَقعين».
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.