فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٥٬٠٦٤المقنعالحنابلةج ٦ ص ٤٠٨ج ٦ ص ٤٠٨

وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ - رُدَّتْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ أَوْ تَكُونُ بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ تُطَلَّقُ الْمَرْأَتَانِ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ قد تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ بحُكْمِ حاكِمٍ) لأنها إذا تَزَوَّجَتْ، فقد تَعَلَّقَ بها حَقُّ الزَّوْجِ الثاني، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه فِي فسْخِ نِكَاحِه، والقرْعَةُ مِن جِهَةِ الحاكِمِ بالفرْقَةِ لا يُمْكِنُ الزَّوْجَ رَفْعُها، فَتَقَعُ الفُرْقَةُ بِالزَّوْجَينِ. قال أحمدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدَةً مِنْهُنَّ، ولم يَدْرِ أيتهُن طَلَّقَ؟ يُقْرَعُ بَينَهنَّ.

٢٩٬٥٦٩

فإن وقعتِ القُرْعَة على واحدةٍ،

تعليق

ثم ذَكَرَ، فقال: هذه تَرْجِعُ إليه، والتي ذَكَرَ أنَّها التي طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلاقُ عليها،

٢٩٬٥٧٠

فإن تَزَوَّجَتْ، فهذا شيءٌ قد مَرَّ،

٢٩٬٥٧١

فإن كان الحاكِم أقْرَعَ بينَهُنَّ، فلا أُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ الحاكمَ في ذلك أكثر منه (وقال أبو بكر وابن حامدٍ: تَطْلُقُ المرْأتان) ولا تَرْجِعُ إليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الثَّانيةَ حَرُمَتْ بقَوْلِه، وتَرِثُه إن مات، ولا يَرِثُها، ويَجِئُ على قِياسِ قوْلِهما، أن تَلْزَمَه نَفَقَتُها، ولا يَحِلَّ وَطْؤُها. والأولَى بالقُرْعَةِ.

فصل: إذا قال: هذه المُطَلَّقَةُ. قبِلَ منه؛ لِما ذَكَرْنا.

٢٩٬٥٧٢

وإن قال: هذه المُطَلَّقَةُ، بل هذه. طَلُقَتا؛ لأنَّه أقَرَّ بطَلاقِ الأولَى، فقُبِلَ إقْرارُه، [ثُم قُبِلَ إقْراره] بطَلاقِ الثَّانيةِ، ولم يُقْبَلْ إضْرابه عن إقْرارِه بطلاقِ الأولَى.

٢٩٬٥٧٣

وكذلك لو كُنَّ ثلاثًا، فقال: هذه بل هذه، بل هذه. طَلُقْنَ كلهُنَّ.

٢٩٬٥٧٤

وإن قال: هذه أو هذه، بل هذه. طَلُقَتِ الثَّالثةُ، وإحْدَى الأولَيَين.

٢٩٬٥٧٥

وإن قال: طَلَّقْتُ هذه، بل هذه أو هذه. طَلُقَتِ الأولَى، وإحْدَى الأخْرَيَين.

٢٩٬٥٧٦

وإن قال: أنتِ طالق، وهذه أو هذه. فقال القاضي: هي كذلك. وذكَرَ أنَّه قَوْلُ الكِسائِي .

٢٩٬٥٧٧

وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ الثانيةُ، ويَبْقَى الشَّكُّ في الأولَى والثَّالثةِ. ووَجه الأوَّلِ أنَّه عَطفَ الأولَى على الثَّانيةِ، بغيرِ شَك، ثم فَصَلَ بينَ الثَّانيةِ والثَّالثةِ بحرفِ الشّك، فيَكُونُ الشكُّ فيهما.

تعليق

ولو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه، [وهذه]. طَلُقَتِ الثَّالثَةُ، وكان الشَّكُّ في الأولَيَين. ويَحْتَمِلُ في هاتَينِ المَسْألَتَين أن يَكونَ الشَّكُّ في الجميعِ؛ لأنَّه في الأولَى أتَى بحَرْفِ الشَّكِّ بعدَهما، فيعودُ إليهما،

٢٩٬٥٧٨

وفي المسْألَةِ الثَّانيةِ عَطف الثَّالثةَ على الشَّكِّ. فعلى هذا، إذا قال: طَلَّقْتُ هذه [وهذه، أو] هذه. طُولِبَ بالبَيانِ،

٢٩٬٥٧٩

فإن قال: هي الثَّالثةُ. طَلُقَتْ وحدَها.

٢٩٬٥٨٠

وإن قال: لم أطَلِّقْها. طَلُقَتِ الأولَيانِ.

٢٩٬٥٨١

وإن لم يُبيِّنْ، أُقْرِعَ بينَ الأولَيَينِ والثَّالثَةِ. قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: وهذا أصَحُّ.

٢٩٬٥٨٢

[فإن قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه. أُخِذَ بالبيانِ،

٢٩٬٥٨٣

فإن قال: هي الأولَى. طَلُقَتْ وحدَها].

٢٩٬٥٨٤

وإن قال: ليستِ الأولَى. طَلُقَتِ الأخِيرَتانِ، كما لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هاتَين. وليس له الوَطْءُ قبلَ التَّعْيِينِ،

٢٩٬٥٨٥

فإن فَعَلَ، لم يَكُنْ تَعْيِينًا.

٢٩٬٥٨٦

وإن ماتَت إحْداهما، لم يَتَعَيَّنِ الطَّلاقُ في الأخْرَى.

٢٩٬٥٨٧

وقال أبو حنيفةَ: يتَعَيَّنُ الطَّلاقُ في الأخْرَى؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ ثُبُوتِ طلاقِها. ولَنا، أنَّ مَوْتَ إحْداهُما أو وَطْأها، لا يَنْفِي احْتِمال كَوْنِها مُطَلَّقَةً، فلم يَكُنْ تَعْيِينًا لغيرِها، كمرَضِها.

٢٩٬٥٨٨

وإن قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه، [أو هذه] وهذه. فالظَّاهِرُ أنَّه طَلَّقَ اثْنَتَين، لا يَدْرِي أيَّهما، الأولَيانِ أم الآخِرَتان؟ كما لو قال: طَلَّقْتُ هاتَين أو هاتَين.

٢٩٬٥٨٩

فإن قال: هما الأولَيَان. تَعَيَّنَ الطلاق فيهما.

٢٩٬٥٩٠

وإن قال : لم أُطَلِّقِ الأولَيَين. تَعَيَّن الآخِرَتان.

٢٩٬٥٩١

وإن قال: إنَّما أشُكُّ في طَلاقِ الثَّانيةِ والآخِرَتَينِ . طَلُقَتِ الأولَى، وبَقِيَ الشَّكُّ في الثّلاثِ.

٢٩٬٥٩٢

ومتى فَسَّرَ كلامَه بشيءٍ مُحْتَمِل، قُبِلَ منه.

فصل: فإن مات بعْضُهُنَّ أو جَمِيعُهُنَّ، أقْرَعْنا بينَ الجميعِ،

٢٩٬٥٩٣

فمَن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لها، لم يُوَرَّثْها .

٢٩٬٥٩٤

وإن مات بعْضُهُن قبلَه وبعْضهُنَّ بعدَه، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِميِّتةٍ قَبْلَه، حَرَمْناه مِيراثَها،

٢٩٬٥٩٥

وإن خَرَجَتْ لمَيِّتةٍ بعدَه، حَرَمْناها مِيراثَه، والباقياتُ يَرِثُهُنَّ ويَرِثْنَه.

٢٩٬٥٩٦

فإن قال الزَّوجُ بعدَ مَوْتِها: هذه التي طَلَّقْتُها. أو

٢٩٬٥٩٧

قال في غيرِ المُعَيَّنة: هذه التي أرَدْتُها. حُرِمَ مِيرَاثَها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، ويَرِثُ الباقياتِ، سَواءٌ صَدَّقَه ورَثتهُنَّ أو كَذَّبُوه؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ بينَهما، وهم يَدَّعُونَ طلاقَه إيَّاها، والأصْلُ عدَمُه. وهل يُسْتَحْلَفُ في ذلك؟ فيه رِوايَتان،

٢٩٬٥٩٨

فإن قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ. فنَكَلَ، حَرَمْناه مِيراثَها؛ لنُكُولِه، ولم يَرِثِ الأخْرَى؛ لإِقْرارِه بطلاقِها.

٢٩٬٥٩٩

فإن مات فقال وَرَثته لإحْداهُنّ: هذه المُطَلَّقَةُ. فأقَرَّتْ، أو أقَرَّ ورَثتها بعدَ مَوْتِها، حَرَمْناها مِيراثَه،

٢٩٬٦٠٠

وإنْ أنْكَرَتْ، أو أنكَرَ ورَثَتُها، فقِياسُ ما ذَكَرْناه أن القولَ قولُها؛ لأنَّها تَدَّعِي بَقاءَ نِكاحِها، وهم يَدَّعُونَ زَواله، والأصْلُ معها، فلا يُقْبَلُ قولُهم عليها إلَّا بِبَينةٍ.

٢٩٬٦٠١

وإن شَهِدَ اثْنان مِن وَرَثَتِه أنّه طَلّقَها، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، إذا لم يَكُونا ممَّن يَتَوَفَّرُ عليهما مِيراثُها، ولا على مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما له، [كأمِّهِما وجَدَّتِهما]؛ لأنَّ مِيراثَ إحْدَى الزَّوْجاتِ لا يَرْجِعُ إلى وَرَثَةِ الزَّوجِ، وإنَّما يتَوَفّرُ على ضَرائرِها.

٢٩٬٦٠٢

وإنِ ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوجاتِ أنَّه طَلَّقَها طلاقًا تَبِينُ به، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه،

٢٩٬٦٠٣

وإن مات لم تَرِثْه؛ لإقْرارِها بأنَّها لا تَسْتَحِقُّ ميراثَه، فقَبِلْنا قولَها فيما عليها، دُونَ ما لها، وعليها العِدَّةُ؟ لأنَّا لم نَقْبَلْ قوْلَها فيما عليها، وهذا التَّفْريعُ فيما إذا كان الطلاقُ يُبينُها،

٢٩٬٦٠٤

فإن كان رَجْعِيًّا، ومات في عِدَّتِها، أو ماتت، وَرِثَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه.

فصل: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَحَ أُخْرَى بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، ثم مات، ولم يُعْلَمْ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلَّتي تَزَوَّجَها رُبْعُ ميراثِ النِّسْوَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ. ثم يُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ , فأيَّتهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها، حُرِمَتْ، ووَرِثَتِ الباقياتُ نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا. وذهَبَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ الخُرَاسَانِي، وأبو حنيفةَ، إلى أنَّ البَاقِيَ بينَ الأرْبَعِ. وزَعَمَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ جميعًا.

٢٩٬٦٠٥

وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ البَاقِي بينَهُنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ. ووَجْهُ الأقوالِ ما تَقَدَّمَ. وقد قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُلٍ له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلقَ واحدةً منْهُنَّ ثلاثًا، ووَاحِدَةً اثْنَتَين، وواحدةً واحدةً، ومات على أثَرِ ذلك، ولا يُدْرَى أيَّتهُنَّ طَلَّقَ ثلاثًا، وأيَّتهُنَّ طَلَّقَ اثْنَتَين، وأيَّتهُنَّ واحدةً: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فالتي أبانَها تَخْرُجُ، ولا مِيراثَ لها. هذا فيما إذا مات في عِدَّتِهِنَّ، وكان طلاقه في صِحَّتِه، فإنه لا يُحْرَمُ الميراثَ إلَّا المُطَلَّقَةُ ثلاثًا، [والباقيتان رَجْعِيَّتان]، يَرِثْنَه في العِدَّةِ، ويَرِثُهُنَّ .

٢٩٬٦٠٦

ومَن انْقضَتْ عِدَّتُها مِنهُنَّ، لم تَرِثْه ولم يَرِثْها،

٢٩٬٦٠٧

ولو كان طَلاقُه في مَرَضِه الذي مات فيه، لوَرِثَه الجميعُ في العِدَّةِ، وفيما بعدَها قبلَ التَّزْويجِ رِوايَتان.

فصل: إذا طَلَّقَ واحدةً لا بِعَينها، [أو بِعَينها] فأُنْسِيَها ، فأنْقَضَتْ عِدَّةُ الجميعِ، فله نِكاحُ خامِسَةٍ قبلَ القُرْعَةِ. وخَرَّجَ ابنُ حامدٍ وَجْهًا، في أنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُ الخامِسَةِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ في حُكْمِ نِسائِه، بالنِّسْبَةِ إلى وُجُوبِ الإنْفاقِ عليها، وحُرْمَةِ النِّكاحِ في حَقِّها.

٢٩٬٦٠٨

ولا يَصِحُّ ما قاله؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّ مِنْهُنَّ واحدةً بائنًا منه، ليستْ في نِكاحِه، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاحِه، فكيفَ تكونُ زَوْجَتَه! وإنَّما الإِنْفاقُ عليها لأجْلِ حَبْسِها ومَنْعِها مِن التَّزوُّجِ بغيرِه؛ لأجْلِ اشْتباهها.

٢٩٬٦٠٩

ومتى عَلِمْناها بعَينها، إمَّا بتَعْيينه، أو بقُرْعَةٍ، فعِدَّتُها مِن حِينَ طَلَّقَها، لا مِن حِينَ عَيَّنهَا. وذَكَرَ أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّ عِدَّتَها مِن حينِ التَّعْيِينِ. وهذا فاسِدٌ؛

٢٩٬٦١٠

فإنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ حينَ إيقاعِه، وثَبَتَ حُكْمُه في تَحْرِيمِ الوَطْءِ، وحِرْمانِ الميراثِ مِن الزَّوجِ، وحِرْمانِه منها قَبْلَ التَّعْيينِ، فكذلك العِدَّةُ، وإنَّما التعْيينُ تَبْيِينٌ لِمَا كان واقعًا.

٢٩٬٦١١

فإن مات الزَّوْجُ قبلَ التَّعْيِينِ، فعلى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ، في قولِ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعطاء الخُراسَانِيِّ. قال أبو عُبَيدٍ: وهو قولُ أهلِ الحجازِ والعراقِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أنَّها باقية على النِّكاحِ، والأصْلُ بَقاؤه، فتَلْزَمُها عِدَّتُه.

٢٩٬٦١٢

والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُ كُلَّ واحدةٍ أطوَلُ الأجَلَينِ، مِن عِدَّةِ الوَفاةِ وعِدَّةِ الطَّلاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطلاق مِن حِينَ طَلَّقَ، وعِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكونَ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها المُطَلَّقَةُ، فعليها عِدَّةُ الطَّلاقِ، فلا تَبْرأُ يَقِينًا إلَّا بأطْولِهما. وهذا في الطَّلاقِ البائِنِ،

٢٩٬٦١٣

فأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فعليها عِدَّةُ الوفاةِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ.

فصل: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ زوْجَها طَلَّقَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِر، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ،

٢٩٬٦١٤

فإن كان لها بما ادَّعَتْه بَيِّنة، قُبلَتْ، ولا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلان. ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أَتَجُوزُ شَهادةُ رَجُلٍ وامْرأتَين في الطَّلاقِ؟ قال: لا واللهِ. إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا عَدْلان، كالحدودِ والقِصَاصِ.

٢٩٬٦١٥

فإن عُدِمَتِ البَيِّنةُ، استُحْلِفَ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين. نَقَلَها أبو طالبٍ عن أحمدَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ». وقولُه:«اليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ». ولأنَّه يَصِحُّ من الزَّوْجِ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمَهْرِ. ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عنه: لا يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ [والنِّكاحِ]؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالنِّكاحِ إذا ادَّعَى زَوْجيَّتها فأنْكَرَتْه.

٢٩٬٦١٦

فإنِ اخْتَلَفا في عَدَدِ الطَّلاقِ، فالقولُ قولُه، لِما ذَكَرْناه. فعلى هذا، إذا طَلّقَ ثلاثًا، وسَمِعَتْ ذلك، فأنْكَرَ، أو ثَبَتَ ذلك عندَها بقولِ عَدْلَينِ، لم يَحِلَّ لها تَمْكِينُه مِن نَفْسِها، وعليها أن تَفِرَّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَمْتَنِعَ منه إذا أرادَها، وتَفْتَدِيَ منه إن قَدَرَت، ولا تَزَيَّنَ له، ولا تَقْرَبَه، وتَهْرُبَ إن قَدَرَتْ، ولا تُقِيمَ معه. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم. قال جابرُ بنُ زيدٍ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ، وابنُ سِيرِينَ: تفِرُّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَفْتَدِي منه بكُلِّ ما يُمْكِنُ.

٢٩٬٦١٧

وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ: تَفِرُّ منه.

٢٩٬٦١٨

وقال مالكٌ: لا تَتَزَيَّنُ له، ولا تُبْدِي له شيئًا مِن شَعَرِها، ولا يُصِيبُها إلَّا مُكْرَهَةً. ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ: يُسْتَحْلَفُ، ثم يَكونُ الإِثمُ عليه.

٢٩٬٦١٩

والصَّحِيحُ ما قاله الأوَّلُونَ، لأنَّ هذه تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيّةٌ منه، مُحَرّمَة عليه، فوجب عليها الامْتِناعُ والفِرارُ منه، كسائِرِ الأجانبِ. وهكذا لو ادَّعَى نِكاحَ امْرأةٍ كَذِبًا، وأقامَ بذلك شاهِدَىْ زُورٍ، فحَكَمَ له الحاكِمُ بالزَّوْجِيَّةِ، أو لو تَزَوَّجَها تَزْويجًا باطلًا، فسُلِّمَتْ إليه بذلك، فالحُكمُ في هذا كالحُكْمِ في المُطَلَّقَةِ ثلاثًا.

فصل: ولو طَلَّقَها ثلاثًا، ثم جحَدَ طَلاقَها، لم تَرِثْه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، والشافعي، وابنُ المُنْذِرِ.

٢٩٬٦٢٠

وقال الحسنُ: تَرِثُه؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ ظاهِرًا. ولَنا، أنَّها تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيّةٌ، فلم تَرِثْه، كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ.

٢٩٬٦٢١

وقال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: تَهْرُبُ منه، ولا تَتَزَوَّجُ حتى يُظْهِرَ طلاقَها، وتَعْلَمَ ذلك، يَجِئُ فيَدَّعِيها، فتُرَدُّ عليه وتُعَاقَبُ،

٢٩٬٦٢٢

وإن مات ولم يُقِرَّ بِطَلاقِها، لا تَرِثُه، لا تأخُذُ ما ليس لها، تَفِرُّ منه، ولا تَخْرُجُ مِن البَلَدِ، ولكن تَخْتَفِي في بَلَدِها.

٢٩٬٦٢٣

قيل له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قال: تَقْتُلُه، هي بمَنْزِلَةِ مَن يَدْفَعُ عن نَفْسِه. فلم يُعْجِبْه ذلك. فَمَنَعَها مِن التَّزَوُّجِ قبلَ ثُبُوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكْمِ زَوْجَةُ هذا المُطَلِّقِ،

٢٩٬٦٢٤

فإذا تَزَوَّجَتْ غيرَه، وَجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرْعِ العُقُوبَةُ، والرّدُّ إلى الأوَّلِ، ويَجْتَمِعُ عليها زَوْجان، هذا بظاهرِ الأمْرِ، وذلك بباطِنِه، ولم يَأذَنْ لها في الخُرُوجِ مِن البَلَدِ؛ لأنَّ ذلك يُقَوِّي التُّهْمَةَ في نُشُوزِها، ولا في قَتْلِه قَصْدًا؛ لأنَّ الدّافِعَ عن نَفْسِه لا يَقْتُلُ قَصْدًا،

٢٩٬٦٢٥

فأمَّا إن قَصَدَتِ الدَّفْعَ عن نَفْسِها فآلَ إلى نَفْسِه، فلا إثْمَ عليها، ولا ضَمانَ في الباطِنِ،

٢٩٬٦٢٦

فأمَّا في الظَّاهِرِ، فإنَّها تُؤْخَذُ بحُكْمِ القَتْلِ، ما لم يَثْبُتْ صِدْقُها.

فصل: قال أحمدُ: إذا طَلَّقَها ثلاثًا، فشَهِدَ أرْبَعَة أنَّه وَطِئَها، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. إنَّما أوْجَبَه، لأنَّها صارَت بالطَّلاقِ أجْنَبِيَّةً، فهي كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحْريمًا؛ لأنَّها مُحَرّمَةٌ وَطْأً ونِكاحًا.

٢٩٬٦٢٧

فإن جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، ثم قامَتِ البَيِّنةُ بطلاقِه، فلا حَدَّ عليه. وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ الحجازِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ورَبِيعةُ، والشافعي، وَأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ جَحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنَّه نَسِيَه، وذلك شُبْهَةٌ في دَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبِيلَ لنا إلى عِلْم مَعْرِفَتِه بالطَّلاقِ حالةَ وَطْئِه إلَّا بإقْرارِه بذلك.

٢٩٬٦٢٨

فإن قال: وَطِئْتُها عالِمًا بأننِي كنتُ طَلَّقْتُها ثلاثًا. كان إقْرارًا منه بالزِّنَى، فيُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الإِقْرارِ بالزَّنَى.

٣٦٤٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي خَرَجَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ - رُدَّتْ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهَا غَيْرُ مُطَلَّقَةٍ، وَالْقُرْعَةُ لَيْسَتْ بِطَلَاقٍ وَلَا كِنَايَةٍ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تَزَوَّجَتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَقُبِلَ قَوْلُهُ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ) ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الزَّوْجِ الثَّانِي (أَوْ تَكُونُ) الْقُرْعَةُ (بِحُكْمِ حَاكِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّ قُرْعَةَ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا حُكْمٌ بِالتَّفْرِيقِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ رَفْعُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ،

١٩٬٠٩٧

قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ تَأْثِيرًا فِي التَّحْرِيمِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ) وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": (تُطَلَّقُ الْمَرْأَتَانِ)

١٩٬٠٩٨

أَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَحَقِيقَةٌ، وَأَمَّا الَّتِي خَرَجَتْ بِالْقُرْعَةِ فَلِأَنَّ الطَّلَاقَ إِذَا وَقَعَ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ؛ وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَتَرِثُهُ إِنْ مَاتَ وَلَا يَرِثُهَا، وَعَلَى قَوْلِهِمَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَالْأَوْلَى بِالْقُرْعَةِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ فِي " الرِّعَايَةِ " عَلَى قَوْلِهِمَا: إِنْ مَاتَ قَبْلَهَا أَقْرَعَ الْوَرَثَةُ،

١٩٬٠٩٩

فَمَنْ قُرِعَتْ لَمْ تَرِثْ، وَإِنْ مَاتَتَا، أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَهُ،

١٩٬١٠٠

فَمَنْ قُرِعَتْ لَمْ يَرِثْهَا مَعَ طَلَاقٍ بَائِنٍ

الإنصافالمرداوي

وإنْ تَبَيَّنَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُ التي خَرَجَتْ عليها القُرْعَةُ، رُدَّتْ إليه في ظاهِرِ كلامِه، إلَّا أنْ تَكُونَ قد تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ -أي القُرْعَةُ- بحُكْمِ حاكِم.

٣٣٬٥٨٨

وَقَال أبو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ الْمَرْأتَانِ.

وهذا المذهبُ فيهما، وعليه جُمهورُ الأصحابِ. ونصَّ عليه. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ».

٣٣٬٥٨٩

وقال أبو بَكْرٍ، وابنُ حامِدٍ: تَطْلُقُ المرْأتان. وقدَّمه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

«الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». وأطْلَقهما الزَّرْكَشِيُّ. وظاهِرُ كلامِ ابنِ رَزِين، أنَّها تُرَدُّ إليه مُطْلَقًا، فإنَّه قال: إنْ ذكَر المُطَلِّقُ أنَّ المُعَيَّنةَ غيرُ التي وقَعَت عليها القُرْعَةُ، طَلُقَتْ، ورَجَعَتْ إليه التي وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ.

٣٣٬٥٩٠

وَإنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَال: إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ،

٣٣٬٥٩١

وَإنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِق. وَلَمْ يَعْلَمْ حَالهُ، فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.