فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ احْتُسِبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ
الشروح عليها
ويُحْكَى عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يقْرأُ: (فإن فَاءُوا فِيهن فإن اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ) . ولأن هذه مُدَّةٌ ضُرِبَتْ لاسْتِدْعاءِ الفِعْلِ منه، فكان ذلك في المُدَّةِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. [وظاهِرُ ذلك أنَّ الفَيئَةَ بعدَ أربعةِ أشهر]؛ لذِكْرِه الفَيئَةَ بعدَها بالفاءِ المُقْتَضِيَةِ للتَّعْقِيبِ، ثم قال:{وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
ولو وَقَعَ بمُضِيِّ المدَّةِ لم يَحْتَجْ إلى عَزْم عليه، وقولُه:{سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. يَقْتَضِي أنَّ الطَّلاقَ مَسْمُوعٌ، ولا يكونُ المَسْمُوعُ إلَّا كَلامًا، ولأنَّها مُدَّة ضُرِبَتْ له تأْجيلًا، فلم تُسْتَحَقَّ المُطالبَةُ فيها، كسائرِ الآجالِ، ولأنَّ هذه مُدَّةٌ لم يتَقَدَّمْها إيقاعٌ، فلم يتَقَدَّمْها وُقُوعٌ كَمُدَّةِ العُنَّةِ. ومُدَّةُ العُنَّةِ حُجَّةٌ لَنا؛
فإنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بمُضِيِّها، ولأنَّ مُدَّةَ العُنَّةِ ضُرِبَتْ له ليُخْتَبرَ فيها، ويُعْرَفَ عَجْزُه عن الوَطْءِ بتَرْكِه في مُدَّتِها، وهذه ضُرِبَتْ تَأْخِيرًا لها، وتأْجِيلًا، فلا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ إلَّا بمُضِيِّ الأجَلَ، كالدَّيْنِ.
فصل: وابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ اليَمِينِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ؛ لأنَّها ثَبَتَتْ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، فلا تَفْتَقِرُ إلى ضَرْبٍ، كمُدَّةِ العِدَّةِ، ولا يُطالبُ بالوَطْءِ فيها؛ لِمَا ذَكَرْنا. ٣٦٩٨ - مسألة: (فإن كان بالرَّجلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، احْتُسِبَ عليه بمُدَّتِه، وإن كان ذلك بها، لم يُحْتَسَبْ عليه، وإن طرَأَ بها، اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ عَندَ زوالِه) يعني إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، وكان بالرجلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، كحَبْسِه وإحْرامِه، حُسِبَتْ عليه المُدَّةُ مِن حينِ إيلائِه، لأنَّ المانِعَ مِن جِهَتِه، وقد وُجِدَ التَّمْكِينُ الذي عليها.
ولذلك لو أمْكَنَتْه مِن نَفْسِها، وكان مُمْتَنِعًا لعُذْرٍ، وجَبَتْ لها النَّفَقَةُ.
وإن طرأَ شيءٌ مِن هذه الأعْذارِ بعدَ الإِيلاءِ، أو جُن، لم تَنْقَطِعِ المُدَّةُ، للمَعْنَى الذي ذَكَرْناه.
وإن كان المانِعُ مِن جِهَتِها، كصِغَرِها، ومَرَضِها، وحَبْسِها، وصِيامِها واعْتِكافِها المَفْرُوضَين، وإحْرامِها، وغَيبَتِها،
فإن وُجِدَ منها حال الإيلاءِ، لم تُضْرَبْ له المُدَّةُ حتى يَزُولَ؛ لأنَّ المُدَّةَ تُضْرَبُ لامْتِناعِه مِن وَطْئِها، والمَنْعُ ههُنا مِن قِبَلِها.
وإن طرأ بها شيءٌ مِن هذه الأسْبابِ، اسْتُؤْنِفَتِ المُدَّةُ ولم تُبْنَ على ما مَضَى؛ لأنَّ قَوْلَه سبحانه:{تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ}. يَقْتَضِي مُتَوالِيةً.
فإذا قَطَعَتْها، وجَبَ اسْتِئْنافُها، كمُدَّةِ الشهْرَين في صَوْمِ الكَفَّارَةِ. ٣٦٩٩ -
(فَإِنْ كَانَ بِالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْوَطْءَ) كَمَرَضٍ وَصَوْمٍ. (احْتُسِبَ عَلَيْهِ بِمُدَّتِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ وَجَدَ التَّمْكِينَ الَّذِي عَلَيْهَا
وَكَذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَامْتَنَعَ وَجَبَتْ لَهَا النَّفَقَةُ،
وَإِنْ طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْذَارِ بَعْدَ الْإِيلَاءِ، أَوْ جُنَّ لَمْ تَنْقَطِعِ الْمُدَّةُ.
فإنْ كانَ بالرَّجُلِ عُذْرٌ يَمْنَعُ الوَطْءَ، احْتُسبَ عليه بمُدَّتِه -بلا نِزاعٍ أعْلَمُه- وإنْ كانَ ذلك بها، لم يُحْتَسَبْ عليه. كصِغَرِها وجُنونِها ونُشوزِها، وإحْرامِها ومرَضِها وحَبْسِها، وصِيامِها واعْتِكافِها المَفْرُوضَين. وهذا المذهبُ. إلَّا الْحَيضَ فَإِنَّهُ يُحْتَسَبُ عَلَيهِ بِمُدَّتِهِ.
وَفِي النِّفَاسِ وَجْهَانِ.
جزَم به في «الكافِي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى». وقدَّمه في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين».
وقيل: يُحْتَسَبُ عليه، كالحَيضِ. قطَع به القاضي في «تَعْلِيقِه»، والشَّريفُ، وأبو الخَطَّابِ في «خِلافَيهِما»، والشيرَازِيُّ، وابنُ البَنَّا، وغيرُهم. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ».
قال في «الوَجيزِ»: تُضْرَبُ مُدَّتُه مِنَ اليمينِ؛ سواءٌ كان في المُدَّةِ مانِعٌ مِن قِبَلِها أو مِن قِبَلِه. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الزرْكَشِيِّ».
وقيل: مَجْنُونَةٌ لها شَهْوَةٌ كعاقِلَةٍ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.