وَإِنْ غَابَ مُدَّةً، وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى
الشروح عليها
مسألة: (وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى) [إذا تَرَكَ الإِنْفاقَ الواجبَ لامرأتِه مدةً، لم يَسْقُطْ بذلك، وكانتِ النَّفَقةُ دَيْنًا في ذِمَّتِه]، سَواءٌ تَرَكَها لِعُذْرٍ أو غَيْرِ عُذْرٍ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن. وبه قال الحسنُ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الأُخْرَى، تَسْقُطُ ما لم يكنِ الحاكمُ قد فَرَضَها لها. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها نَفَقَةٌ تَجِبُ يومًا فيومًا، فتَسْقُطُ بتأْخِيرِها إذا لم يَفْرِضْها الحاكمُ، كنَفَقةِ الأقارِبِ، ولأَنَّ نَفَقةَ الماضِى قد اسْتُغْنِىَ عنها بمُضِىِّ وَقْتِها، أشْبَهَتْ نَفَقةَ الأقارِبِ.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَبَ إلى أُمَراءِ الأجْنادِ، في رِجالٍ غابُوا عن نِسائِهم، يأْمُرُهُم بأن يُنْفِقُوا أو يُطَلِّقوا،
فإن طَلَّقُوا بَعَثُوا بنَفَقةِ ما مَضَى . ولأنَّها حَقٌّ يجبُ مع اليَسارِ والإِعْسارِ، فلم يَسْقُطْ بمُضِىِّ الزَّمانِ، كأُجْرَةِ العَقارِ والدُّيونِ. قال ابنُ المُنْذِرِ : هذه نفقةٌ وجَبَتْ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، ولا يَزُولُ ما وَجَبَ [بهذه الحُجَجِ إلَّا بمِثْلِها]. [ولأنَّها عِوَضٌ وَاجِبٌ، فأشْبَهَتِ الأُجْرَةَ]، وفارَقَ نَفَقةَ الأقارِبِ، فإنَّها صِلَةٌ يُعْتَبَرُ فيها اليَسارُ مِن المُنْفِقِ والإِعْسارُ ممَّن تَجِبُ له، وَجَبَتْ لِتَزْجِيَةِ الحالِ،
فإذا مَضَى زَمَنُها اسْتَغْنَى عنها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَغْنَى عنها بِيَسارِه، وهذا
بخِلافِ ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن تَرَكَ النَّفقةَ عليها مع يَسارِه، فعليه النَّفقةُ بكَمالِها،
وإن تَرَكَها لإِعْسارِه، لم يَلْزَمْه إلَّا نَفَقةُ المُعْسِرِ؛ لأَنَّ الزَّائِدَ سَقَطَ بالإِعْسارِ.
(وَإِنْ غَابَ مُدَّةً، وَلَمْ يُنْفِقْ فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ مَا مَضَى) وَلَمْ تَسْقُطْ، بَلْ تَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ، أَوْ غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا، أَوْ يُطَلِّقُوا،
فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا. وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْعِوَضِ فَرَجَعَتْ بِهِ عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هَذِهِ نَفَقَةٌ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَلَا يَزُولُ مَا وَجَبَ بِهَذِهِ الْحُجَجِ إِلَّا بِمِثْلِهَا، وَالْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى كَالنَّفَقَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى "
وإن غابَ مُدَّةً ولم يُنْفِقْ، فعليه نَفَقَةُ ما مَضَى -هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وصحَّحه المُصَنِّفُ وغيرُه. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه-
وعنه، لا نَفَقَةَ لها إلَّا أَنْ يكونَ الحاكِمُ قد فرَضَها لها. اخْتارَه فى «الإِرْشادِ»، وهو ضعيفٌ.
وقال فى «الرِّعايَةِ»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا نَفَقَةَ لها إلَّا أَنْ يكونَ الحاكِمُ قد فَرَضَها لها، أو فَرَضَها الزَّوْجُ برِضَاها.
وقال فَصْلٌ: وَإِذَا بَذَلَتِ الْمَرْأَةُ تَسْلِيمَ نَفْسِهَا إِلَيْهِ، وَهِىَ مِمَّنْ يُوطَأُ فى «الانْتِصارِ»: الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، أسْقَطَها بالمَوْتِ. وعلَّلَ فى «الفُصولِ» الرِّوايةَ الثَّانيةَ، بأنَّه حقٌّ ثَبَتَ بقَضاءِ القاضى. قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرُ «الكافِى»، فإنَّه
فرَّع عليها، لا تَثْبُتُ فى ذِمَّتِه،
ولا يصِحُّ ضَمانُها؛ لأنَّه ليس مَآلُها إلى الوُجوبِ.
فوائد؛ الأُولَى، لو اسْتَدانَتْ وأنْفقَتْ، رجَعتْ على زوْجِها مُطْلَقًا. نقَلَه أحمدُ ابنُ هاشِمٍ. وذكَره فى «الإِرْشادِ». وقدَّمه فى «الفُروعِ»،
وقال: ويتوَجَّهُ الرِّوايَتانِ فى مَن أدَّى عن غيرِه واجِبًا. انتهى.
الثَّانيةُ، لو أنْفقَتْ فى غَيْبَتِه مِن مالِه فبانَ مَيِّتًا، رجَع عليها الوارِثُ. على الصَّحيحِ مِن المذهب. قال فى «الفُروعِ»: ويرْجِعُ بنَفَقَتِها مِن مالِ غائبٍ بعدَ مَوْتِه بظُهورِه على الأصحِّ. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وعنه، لا يرْجِعُ عليها. وأَطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ».
الثَّالثةُ، لو أكلَتْ مع زوْجِها عادَةً، أو كَساها بلا إذْنٍ ولم يتَبَرَّعْ، سَقَطَتْ عنه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الرِّعايَةِ»: وهو ظاهرُ كلامِه فى «المُغْنِى»، إنْ نَوَى، اعْتَدَّ بها، وإلَّا فلا.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.