وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي الْجَلْدِ فَالْحَقُّ قَتْلُهُ
الشروح عليها
مسألة: (وإذا مات المَحْدُودُ فِى الجَلْدِ، فالحَقُّ قَتَلَه) ولا يَجِبُ على أحَدٍ ضَمَانُه، [جَلْدًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فلم يُودَ مَن ماتَ به، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ]. وهذا قولُ مالكٍ، وأصحابِ الرَّأْى. وبه قال الشافعىُّ إذا لم يَزِدْ في حَدِّ الخَمْرِ على الأربعين،
وإن زاد على الأربعين فماتَ، فعليه الضَّمانُ؛ لأَنَّ ذلك تَعْزِيرٌ، إنَّما يفعلُه الإِمامُ برَأْيِه، وفى قَدْرِ الضَّمانِ قَوْلان؛ أحدُهما، نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لأنَّه تَلِف مِن فِعْلَيْن؛ مَضْمُونٍ، وغيرِ مَضْمُونٍ، فكان عليه نِصْفُ الضَّمانِ. والثانى، تُقَسَّطُ الدِّيَةُ على عَدَدِ الضَّرَباتِ كُلِّها، فيَجِبُ مِن الدِّيَةِ بقَدْرِ زِيادَته على الأرْبَعِين. رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: ما كنتُ لأُقِيمَ حَدًّا على أحَدٍ فيَمُوتَ فأجِدَ في نَفْسِى، إلَّا صاحبَ الخمرِ، لو مات وَدَيْتُه؛
لأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَسُنَّه لنا . ولَنا، أنَّه حَدٌّ وَجَب للَّهِ تعالى، فلم يَجِبْ ضَمانُ مَن ماتَ به، كسائِرِ الحدودِ، وما زادَ على الأرْبَعين فهو مِن الحَدِّ على ما نَذْكُرُه،
وإن كان تَعْزِيرًا، فالتَّعْزِيرُ يجبُ، فهو بمَنْزِلَةِ الحدِّ.
وأمَّا حديثُ علىٍّ، فقد صَحَّ عنه أنَّه قال: جَلَد رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أرْبَعين، وأبو بكرٍ أرْبَعِين . وثَبَت الحَدُّ بالإِجْماعِ، فلم يَبْقَ فيه شُبْهَةٌ.
فصل: ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في سائرِ الحُدودِ، أنَّه إذا أتَى بها على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، مِن غيرِ زِيادةٍ، أنَّه لا يَضْمَنُ مَن تَلِف بها؛ لأنَّه فَعَلها بأمْرِ اللَّهِ وأمْرِ رسولِه، فلا يُؤَاخَذُ به، ولأنَّه نائِبٌ عن اللَّهِ تعالى، فكان التَّلَفُ مَنْسوبًا إلى اللَّهِ سُبحانَه.
٤٣٨٨ -
(وَإِذَا مَاتَ الْمَحْدُودُ فِي الْجَلْدِ) وَلَوْ حَدُّ خَمْرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ تَأْدِيبٍ أَوْ تَعْزِيرٍ، وَلَمْ يَلْزَمْ تَأْخِيرُهُ (فَالْحَقُّ قَتْلُهُ) وَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، جَلْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ حَدٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَهَذَا إِذَا أَتَى بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ التَّلَفُ مَنْسُوبًا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمُؤَدِّبُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإذا مات المحدود في الجلد فالحق قتله. فإن زاد سوطاً أو أكثر فتلف ضمنه. وهل يضمن جميعه أو نصف الدية؟ على وجهين) .
أما كون المحدود إذا مات في جلده فالحقّ قتله؛ فلأنه روي عن علي أنه قال:«ليسَ أحدٌ أقيمُ عليه حداً فأجد في نفسي شيئاً أن الحقَ قتلهُ؛ إلا حدَّ الخمرِ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّهُ لنا».
ولأنه حد وجب لله. فلم يجب ضمان من مات به على أحد؛ لكونه غير القاتل حكماً.
فإن قيل: كلام المصنف رحمه الله عام، وكلام عليّ غير عام؛ لأنه أخرج حد الخمر.
قيل: ما أخرجه من أن الحق قتله، وإنما أخرجه من الوجدان النفساني، وذلك لا ينفي أن الحق قتله.
وأما كونه يضمنه مَن حدَّهُ إذا تلف بزيادة في الحد؛ فلأنه [تلف بتعديه من حده. أشبه ما لو قتله.
وأما كونه يضمن جميعه على وجه؛ لأنه] تلف تلفاً بأمر حصل من جهة الله تعالى وعدوان آدمي. فكان ضمان جميعه على الآدمي؛ كما لو ضرب مريضاً سوطاً فقتله.
وأما كونه يُضمن بنصف الدية على وجه؛ فلأنه مات من فعل مضمون [وغير مضمون]. فكان عليه نصف الدية؛ كما لو جرح نفسه وجرحه غيره فمات.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.