الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ
الشروح عليها
فصل: ولو وُجدَ رجلٌ مع امرأةٍ، يُقَبِّلُ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، ولم يُعْلَمْ هل وَطِئَها أو لا؟ فلا حَدَّ عليهما،
فإنْ قالا: نحنُ زَوْجانِ. واتَّفَقا على ذلك، فالقولُ قَوْلُهما. وبه قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
فإن شُهِدَ عليهما بالزِّنَى، فقالا: نحن زَوْجانِ. فقِيلَ: عليهما الحَدُّ إن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ بالنِّكاحِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ بالزِّنَى تَنْفِى كَوْنَهما زَوْجَيْن، فلا تَبْطُلُ بمُجَرَّدِ قولِهما. ويَحْتَمِلُ أن لا يجبَ الحَدُّ إذا لم يُعْلَمْ كَوْنُها أجْنَبِيَّةً منه؛ لأَنَّ ما ادَّعَياهُ مُحْتَمِلٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً، كما لو شُهِدَ عليه بالسَّرِقَةِ، فادَّعَى أنَّ المَسْرُوقَ مِلْكُه.
فصل: (الثَّانِى، انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ، فَإِنْ وَطِئَ جَارِيَةَ وَلَدِهِ، أَوْ جَارِيَةً لَهُ فِيهَا شِرْكٌ أَوْ لِوَلَدِهِ) [أُدِّبَ ولم يُبْلَغْ به الحَدُّ]. وجملةُ ذلك، أنَّ مَن وَطِئَ جارِيةَ وَلَدِه، فإنَّه لا حَدَّ عليه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، وأهلُ المَدينةِ، والأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يجبُ عليه الحَدُّ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه إجْماعٌ؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، أشْبَهَ وَطْءَ جارِيَةِ أبِيه. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ تَمَكَّنَتِ الشُّبْهَةُ منه، فلا يجبُ به الحَدُّ، كوَطْءِ الأمَةِ المُشْتَرَكَةِ، والدَّلِيلُ على تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ». فأضافَ مالَ ولدِه إليه، وجَعَلَه له،
فإذا لم تَثْبُتْ حَقِيقَةُ المِلْكِ، فلا أقلَّ مِن جَعْلِه شُبْهَةً دارِئَةً للحَدِّ الَّذى يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأَنَّ القائِلِين بانْتِفاءِ الحَدِّ في عَصْرِ مالكٍ، والأوْزَاعِىِّ،
ومَن وافَقَهُما، قد اشْتَهَرَ قولُهم، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ، فكان ذلك إجْماعًا.
وكذلك إن كان لوَلَدِه فيها شِرْكٌ؛ لِما ذَكَرْنا. ولا حَدَّ على الجارِيَةِ؛ لأَنَّ الحَدَّ انْتَفَى عن الواطِئَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، فيَنْتَفِى عن المَوْطُوءَةِ، كوَطْءِ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، ولأَنَّ المِلْكَ مِن قَبِيلِ المُتَضَايِفاتِ، إذا ثَبَت في أحَدِ المُتَضَايِفَينِ ثَبَت في الآخَرِ، فكذلك شُبْهَتُه،
ولا يَصِحُّ القِياسُ على وَطْءِ جارِيَةِ الأبِ؛ لأنَّه لا مِلكَ للولدِ فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ،
بخِلافِ مسألَتِنا. وحَكَى ابنُ أبى موسى قولًا في وَطْء جارِيَةِ الأبِ [والأُمِّ]، أنَّه لا يُحَدُّ؛ لأنَّه لا يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِه، أشْبَهَ الأَبَ. والأَوَّلُ أصَحُّ، وعليه عامَّةُ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا.
فصل: ولا يجبُ الحَدُّ بوَطْءِ جاريَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بينَه وبينَ غيرِه. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأَىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ. ولَنا، أنَّه فَرْجٌ له فيه مِلْكٌ، فلا يُحَدُّ بوَطْئِه، كالمُكاتَبَةِ والمَرْهُونَةِ.
٤٤١٣ -
(الثَّانِي: انْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُمْ»
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله: (الثاني: انتفاء الشبهة. فإن وطئ جارية ولده أو جارية له فيها شِرْك أو لولده، أو وجد امرأة على فراشه ظنها امرأته أو جاريته، أو دعى الضرير امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها، أو وطئ في نكاح مختلف في صحته، أو وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها، أو لم يعلم بالتحريم لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة، أو أكره على الزنى: فلا حد فيه. وقال أصحابنا: إن أكره الرجل فزنى حُدَّ) .
أما كون الثاني من شروط وجوب الحد انتفاء الشبهة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ادرءوا الحدودَ بالشبهات».
وأما كون من وطئ جارية ولده لا حد فيه؛ فلوجود الشبهة له فيها. بيان الشبهة قوله صلى الله عليه وسلم:«أنتَ ومالُكَ لأبيك»، وجارية الابن من ماله.
وأما كون من وطئ جارية له فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الوطء في ذلك وطء في فرج له فيه ملك. أشبه وطء المكاتبة والمرهونة.
ولأن ملك بعضها شبهة. فوجب أن يدرأ به الحد؛ لما تقدم من الحديث
وأما كون من وطئ جارية لولده فيها شِرْك لا حد فيه؛ فلأن الشِّرْك في إسقاط الحد كملك الكل،
ولو وطئ جارية ولده لم يحد.
وأما كون من وطئ امرأة وجدها على فراشه ظنها امرأته أو جاريته لا حد فيه؛ فلأن الواطئ هنا اعتقد إباحة الوطء بما يعذر مثله فيه. أشبه ما لو زُفَّتْ إليه غير زوجته،
وقيل له: هذه زوجتك.
ولأن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذه شبهة.
وأما كون الضرير إذا دعى امرأته أو جاريته فأجابه غيرها فوطئها لا حد فيه؛ فلأنه في معنى من وجد امرأة على فراشه فظنها زوجته، والتساوي معنى يوجب التساوي حكماً.
وأما كون من وطئ في نكاح مختلف فيه؛ كنكاح المتعة والشِّغار والتحليل، والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونكاح المجوسية والوثنية: لا حد فيه؛ فلأن الاختلاف شبهة والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون من وطئ امرأته في دبرها أو حيضها أو نفاسها لا حد فيه؛ فلأن له في ذلك شبهة من حيث إنه يملك وطئها في الجملة.
وأما كون من زنى ولم يعلم بالتحريم؛ لحداثة عهده بالإسلام، أو نشوئه ببادية بعيدة: لا حد فيه؛ فلأنه وطئ ظانًّا حلّ الوطء بما يعذر في مثله. فلم يكن فيه حد؛ كما لو وجد امرأة على فراشه وظنها زوجته فوطئها.
وأما كون المرأة إذا أكرهت على الزنى لا حد فيه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه».
ولأن الإكراه يمنع من نسبة الفعل إلى الفاعل.
وأما كون الرجل إذا أُكره على ذلك لا حد فيه على اختيار المصنف؛ فلما تقدم في المرأة.
وأما كونه يحد على قول أصحابنا؛ فلأن الإكراه في حقه غير متصور؛ لأن الوطء لا يتم إلا بانتشار إليه، وذلك لا يحصل إلا من شهوته وإرادته، وحصول الشهوة والإرادة تنفي حصول الإكراه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.