فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

مسألة: (وإن شَهِد أربعةٌ فرَجَعَ أحَدُهُم، فلا شئَ على الرَّاجِعِ، ويُحَدُّ الثلاثةُ، وإن كان رُجُوعُه بعد الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ، ويَغْرَمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ ما أتْلَفُوه) وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، أوِ واحدٌ نهم، ففيهم رِوايَتان؛ إحدَاهما، يجبُ الحَدُّ على الجميعِ؛ [لأنَّه نقَص عَدَدُ الشُّهودِ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو كانُوا ثلاثةً،

٣٤٬٨٩٠

وإن رَجَعُوا كلُّهم، فعليهم الحَدُّ]؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ أنَّهم قَذَفَةٌ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثانيةُ، يُحَدُّ الثلاثةُ دُونَ الرَّاجِعِ. اخْتارَها أبو بكرٍ، وابنُ حامدٍ؛ لأنَّه إذا رَجَع قبلَ الحَدِّ، فهو كالتَّائِبِ قبلَ تَنْفِيذِ الحُكْمِ بقولِه، فيَسْقُطُ عنه الحَدُّ؛ لأَنَّ في دَرْءِ الحَدِّ عنه تَمْكِينًا له مِن الرُّجوعِ الذى يَحْصُلُ به مصلحةُ [المَشْهُودِ عليه]، وفى إيجابِ الحَدِّ عليه زَجْرٌ له عن الرُّجُوعِ، خَوْفًا مِن الحَدِّ، فتَفُوتُ تلك المصلحةُ، وتَتَحَقَّقُ المَفْسَدَةُ، فناسَبَ ذلك نَفْىَ الحَدِّ عنه.

٣٤٬٨٩١

وقال الشافعىُّ: يُحَدُّ الرَّاجِعُ دُونَ الثلاثةِ؛ لأنَّه أقَرَّ على نَفْسِه بالكَذِبِ في قَذْفِه،

٣٤٬٨٩٢

وأمَّا الثلاثةُ فقد وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم، وإنَّما سَقَط بعدَ وُجوبِه برُجوعِ الرَّابعِ،

٣٤٬٨٩٣

ومَن وجَب الحَدُّ بشَهادَتِه، لم يَكُنْ قاذِفًا، فلم يُحَدَّ، كما لو لم يَرْجِعْ أحدٌ. ولَنا، أنَّه نَقَص العَدَدُ بالرُّجوعِ قبلَ إقامةِ الحَدِّ، فلَزِمَهم الحَدُّ، كما لو شَهِد ثلاثةٌ وامْتَنَعَ الرّابعُ مِن الشَّهادَةِ. وقولُهم: وَجَب الحَدُّ بشَهادَتِهم. يَبْطلُ بما إذا رَجَعُوا كلُّهم، وبالرَّاجعِ وحدَه،

٣٤٬٨٩٤

فإنَّ الحَدَّ وَجَب ثم سَقَط، ووَجَب الحَدُّ بسُقُوطِه، ولأَنَّ الحَدَّ إذا وَجَب على الرَّاجِعِ مع المصلحةِ في رُجُوعِه، بإسْقاطِ الحَدِّ عن المَشْهودِ عليه بعدَ وُجوبِه، وإحيائِه المشهودَ عليه بعدَ إشْرافِه على التَّلَف، فعلى غيرِه أوْلَى.

٣٤٬٨٩٥

فأمَّا إن كان رُجوعُه بعدَ الحَدِّ، فلا حَدَّ على الثلاثةِ؛ لأَنَّ إقامَةَ الحَدِّ كحُكْمِ الحاكِمِ، لا تَسْقُطُ برُجوعِ الشاهِدِ بعدَه، وعلى الرَّاجعِ رُبْعُ ما تَلِفَ بشَهادَتِهم، ويُذكَرُ ذلك في الرُّجوعُ عن الشَّهادةِ، إن شاءَ اللَّهُ تعالى.

٣٤٬٨٩٦

فصل: وإذا ثَبَتَتِ الشَّهادَةُ بالزِّنَى، فصَدَّقَهم المَشْهودُ عليه، لم يَسْقُطِ الحَدُّ.

٣٤٬٨٩٧

وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ؛ لأَنَّ صِحَّةَ البَيِّنَةِ يُشْتَرَطُ لها الإنْكارُ، وما كَمَل الإِقْرارُ. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى:{فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا}. وبَيَّنَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- السَّبِيلَ بالحَدِّ، فتجبُ إقامَتُه، ولأَنَّ البَيِّنَةَ تَمَّتْ عليه، فوَجَب الحَدُّ، كما لو لم يَعْتَرِفْ، ولأَنَّ البَيِّنَةَ إحْدى حُجَّتىِ الزِّنَى، فلم تَبْطُلْ بوُجودِ الحُجَّةِ الأُخْرَى أو بَعْضِها، كالإِقْرارِ، يُحَقِّقُه أنَّ وُجودَ الإِقرارِ يُؤَكِّدُ البَيِّنَةَ ويوافِقُها، ولا يُنافِيها، فلا يَقْدَحُ فيها، كتَزْكِيَةِ الشُّهودِ، والثَّناءِ عليهم، ولا نُسَلِّمُ اشْتِراطَ الإِنْكارِ، وإنَّما يُكْتَفَى بالإِقْرارِ في غيرِ الحَدِّ إذا وُجِدَ بكَمالِه، وههُنا لم يَكْمُلْ، فلم يَجِبْ الاكتِفاءُ به، ووَجَب سَماعُ البَيِّنَةِ والعملُ بها.

وعلى هذا، لو أقَرَّ مَرَّةً، أو دونَ الأرْبعِ، لم يَمْنَعْ ذلك سَماعَ البَيِّنَةِ عليه،

٣٤٬٨٩٨

ولو تَمَّتِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ على نَفْسِه إقْرارًا تامًّا، ثم رَجَع عن إقْرارِه، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ برُجوعِه، وقولُه يَقْتَضِى خِلافَ ذلك.

٣٤٬٨٩٩

فصل: فإن شَهِد شاهدان، واعْتَرَفَ هو مَرَّتَيْن، لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ، ولم يَجِبِ الحَدُّ. لا نَعلمُ في ذلك خِلافًا بينَ مَن اعْتَبَرَ إقْرارَ أرْبَعِ مَرَّاتٍ، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْى؛ لأَنَّ إحْدَى الحُجَّتَيْنِ لم تَكْمُلْ، ولا تُلَفَّقُ إحْدَاهما بالأُخْرَى، كإقْرارِ بعضَ مَرَّةٍ.

فصل: فإن كَمَلَتِ البَيِّنَةُ، ثم ماتَ الشُّهودُ أو غابُوا، جازَ الحُكمُ بها، وإقامةُ الحَدِّ. وبه قال الشافعىُّ.

٣٤٬٩٠٠

وقال أبو حنيفةَ: لا يُقامُ الحَدُّ؛ لجَوازِ أن يكونُوا رَجَعُوا، وهذه شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الحَدَّ. ولَنا، أنَّ كلَّ شَهادةٍ جازَ الحُكْمُ بها مع حُضُورِ الشُّهودِ، جازَ الحكمُ مع غَيْبَتِهم، كسائرِ الشَّهاداتِ، واحْتمالُ رُجُوعِهم ليس بشُبْهَةٍ، كما لو حُكِمَ بشَهادتِهم.

فصل؛ وإن شَهِدُوا بزِنًى قديمٍ، أو أقَرَّ به، وَجَب الحَدُّ. وبهذا قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.

٣٤٬٩٠١

وقال أبو حنيفةَ: لا أقْبَلُ بَيِّنَةً على زِنًى قديمٍ، وأحُدُّه بالإِقْرارِ به. وهذا قولُ ابنِ حامدٍ: وذَكَرَه ابنُ أبى موسى مذهبًا لأحمدَ؛ لِما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: أيُّما شُهودٍ شَهِدُوا بحَدٍّ لم يَشْهَدُوا بحَضْرَتِه، فإنَّما هم شُهودُ ضِغْنٍ . ولأَنَّ تأْخِيرَه للشَّهادةِ إلى هذا الوَقْتِ، يدُلُّ على التُّهْمَةِ، فيَدْرَأُ ذلك الحَدَّ. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، وأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ على الفَوْرِ، فيَثْبُتُ بالبَيِّنَةِ بعدَ تَطاوُلِ الزَّمانِ، كسائِرِ الحُقُوقِ. والحديثُ مُرْسَلٌ رَواه الحسنُ، ومَراسِيلُ الحسنِ ليستْ بالقَوِيَّةِ، والتَّأْخِيرُ يجوزُ أن يكونَ لعُذْرٍ أو غَيْبَةٍ، والحَدُّ لا يَسْقُطُ بمُجَرَّدِ الاحْتِمالِ، فإنَّه لو سَقَط بكُلِّ احْتِمالٍ، لم يَجِبْ حَدٌّ أصْلًا.

فصل: وتجوزُ الشَّهادةُ بالحَدِّ مِن غيرِ مُدَّعٍ. لا نَعلمُ فيه اخْتِلافًا، ونَصَّ عليه أحمدُ، واحْتَجَّ بقِصَّةِ أبى بَكْرَةَ، حيثُ شَهِدَ هو وأصحابُه على المُغيرةِ مِن غيرِ تَقَدُّمِ دَعْوَى ، وشَهِدَ الجَارُودُ وصاحِبُه على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ بشُرْبِ الخمرِ، ولم يَتَقَدَّمْه دَعْوَى . ولأن الحَدَّ حَقٌّ للَّه تعالى، فلم تَفْتَقِرِ الشَّهادةُ به إلى تَقَدُّم دَعْوَى، كسائرِ العِباداتِ، يُبَيِّنُه أنَّ الدَّعْوَى في سائرِ الحُقوقِ إنَّما تكونُ مِن المُسْتَحِقِّينَ، وهذا لا حَقَّ فيه لأحَدٍ مِن الآدَمِيِّينَ فيَدَّعِيَه،

٣٤٬٩٠٢

فلو وَقَفَتِ الشَّهادةُ به على الدَّعْوَى لامْتَنَعَ إقامَتُها.

٤٤٣٠ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْحَدِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حُدَّ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ نَقْصَ عَدَدِ الشُّهُودِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَدُّوا، كَمَا لَوْ كَانُوا فِي الِابْتِدَاءِ كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الْجَمِيعُ، قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ، كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً،

٢٢٬١٠٠

قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يُحَدَّ سِوَى الرَّاجِعِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الْحَدِّ،

٢٢٬١٠١

وَلَوْ رَجَعَ الْكُلُّ، فَهَلْ يُحَدُّونَ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَاحِدِ

الإنصافالمرداوي

وإنْ شَهِدَ أرْبَعَةٌ فرَجَعَ أحَدُهم قبلَ الحدِّ، فلا شئَ على الرَّاجِعِ ويُحَدُّ الثَّلَاثَةُ. فقطْ. هذا إحْدَى الرِّوايتَيْن، اخْتارَه أبو بَكْرٍ، وابنُ حامدٍ. وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ». [وقدَّمه فى «إِدْراكِ الغايَةِ»] . والروايةُ الثَّانية، يُحَدُّ الرَّاجِعُ معهم أيضًا. قدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . .

و «النَّظْمِ»، و «الكافِى». [قال ابنُ رَزِينٍ فى «شَرْحِه»: حُدَّ الأرْبَعَةُ فى الأظْهَرِ. وصحَّحه فى «المُغْنِى»] .

٣٧٬٠٩٥

قلتُ: هذا المذهبُ، لاتِّفاقِ الشَّيْخَيْن. وأطْلَقَهما فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ». وخرَّجوا، لا يُحَدُّ سِوَى الرَّاجِعِ، إذا رجَع بعدَ الحُكْمِ وقبلَ الحدِّ. وهو قول فى «النَّظْمِ». قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . .

«الفُروعِ»: واخْتارَ فى «التَّرْغيبِ»، يُحَدُّ الراجِعُ بعدَ الحُكْمِ وحدَه؛ لأنَّه لا يمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وظاهرُ «المُنْتَخَبِ»، لا يُحَدُّ أحدٌ لِتَمامِها بالحدِّ.

٣٧٬٠٩٦

فائدة: قال فى «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وإنْ رجَع الأرْبعَةُ، حُدُّوا فى الأَظْهَرِ، كما لوِ اخْتَلَفوا فى زَمانٍ، أو مَكانٍ، أو مَجْلِسٍ، أو صِفَةِ الزِّنَى.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

قال: (فإن شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شيء على الراجع، ويحد الثلاثة. وإن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة، ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه) .

١٤٬٤٦٢

أما كون الراجع قبل الحد فيما ذكر لا شيء عليه؛ لأنه كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله.

وحكى المصنف رحمه الله رواية في المغني أنه يحد وصححها، ولم يذكر لذلك دليلاً.

١٤٬٤٦٣

وأما كون الثلاثة تحد؛ فلأن رجوع الراجع ينقص عدد الشهود. فوجب أن يحدوا؛ كما لو كانوا كذلك في الابتداء.

١٤٬٤٦٤

وأما كون الثلاثة لا حد عليهم إذا كان رجوع الشاهد بعد الحد؛ فلأن الشهادة كملت واتصل بها الحكم. فلم يجب عليهم شيء؛ لعدم كونهم قذفة.

١٤٬٤٦٥

وأما كون الراجع يغرم ربع ما أتلفوه؛ فلأنه برجوعه أقر على نفسه أن التلف المتقدم حصل بفعله وفعل بقية الشهود. تعذر قبول ذلك بالنسبة إلى بقية الشهود وبقي قوله مقبولاً بالنسبة إليه وهم أربعة. فوجب عليه ربع ذلك.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.