وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ
الشروح عليها
مسألة: (فإن وُجِد غيرُه، كُرِه له طَلَبُه، بغَيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ) لأنَّ أنَسًا روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ ابْتَغَى القَضَاءَ، وسَألَ فِيهِ شُفَعَاءَ، وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ، ومَنْ أكْرِهَ عَلَيهِ، أنْزَلَ اللهُ عليه مَلَكًا يُسَدِّدُه». قال التِّرْمِذِيُّ : حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لعبدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ:«يَا عَبْدَ الرَّحْمن، لَا تَسْألِ الإِمَارَةَ؛ فَإنَّكَ إِنْ أعْطِيتَهَا عَنْ مَسْألَةٍ، وُكِلْتَ إلَيها، وإنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيرِ مَسْألةٍ، أُعِنْتَ عَلَيهَا». مُتَّفَق عليه .
٤٨٢٤ -
(وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَخَوْفًا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ. ذَكَرُهُ الْقَاضِي،
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَنْ، وَقَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ يَحْرُمُ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ لِقَصْدِ الْمَنْزِلَةِ وَالْمُبَاهَاةِ يَجُوزُ اتِّفَاقًا،
وَإِنَّ طَائِفَةً كَرِهَتْهُ إِذَنْ، وَطَائِفَةً لَا ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:«مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَالَهُ فَغَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلٌ، وَإِلَّا حُرِمَ وَقُدِحَ فِيهِ
فإِنْ وُجِدَ غَيرُه، كُرِهَ له طَلبه، بِغَيرِ خِلافٍ في المذهبِ. يعني، فيما وَإِنْ طُلِبَ، فَالأفْضَلُ أنْ لَا يُجيبَ إِلَيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: الأَفْضَلُ الإجَابَةُ إلَيهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ.
إذا اطَّلَعَ عليه. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. وقطَع به كثير منهم.
وعنه، لا يُكْرَهُ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ.
وقيل: يُكْرَهُ مع وُجودِ أصْلَحَ منه، أو غِنَاه عنه، أو شُهْرَتِه. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
قال في «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ وجْهٌ، بل يُسْتَحَبُّ طَلَبُه لقَصْدِ الحقِّ ودَفْعِ غيرِ المُسْتَحِقِّ،
وقال الماوَرْدِي: ويتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يَحْرُمُ بدُونِه.
قال: (فإن وُجد غيره كُره له طلبه بغير خلاف في المذهب. وإن طُلب فالأفضل أن لا يجيب إليه في ظاهر كلام أحمد، وقال ابن حامد: الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه) .
أما كون من وُجد غيره يُكره له طلب القضاء بغير خلاف في المذهب؛ فلأن أنساً روى روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ابتغى القضاءَ وسألَ فيه شفعًا وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُكرهَ عليه أنزلَ اللهُ عليه ملكًا يسددُه» . قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وقال صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن سمرة:«يا عبدالرحمن! لا تسأل الإمارةَ. فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وُكِلْتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها». متفق عليه.
وأما كونه إذا طُلب له فالأفضل أن لا يدخل فيه في ظاهر كلام الإمام؛ فلما فيه من الخطر والغرر.
وفي تركه من السلامة والظفر،
ولما وَرد فيه من التشديد. ولذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من وُلّي قاضياً فقد ذُبحَ بغير سِكِّين».
ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد «أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه».
وأما كون الأفضل الإجابة إليه إذا أمن نفسه في قول ابن حامد؛ فلأنه كما فيه خطر فكذا فيه أجر عظيم، ولذلك جعل الله للمجتهد فيه أجراً مع الخطأ، وأجرين مع الإصابة، وأسقط عنه حكم الخطأ.
ولأن فيه الأمر بالمعروف، ونصر المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، ورد الظالم عن ظُلمه، ولذلك تولاه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن مسعود أنه قال:«لأن أجلسَ قاضياً بين اثنين لحق أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة».
وحكى المصنف رحمه الله في المغني أن ابن حامد قال: إن كان -يعني المطلوب- رجلاً خاملاً لا يرجع إليه في الأحكام، ولا يُعرف فالأولى له توليه القضاء؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به حق.
وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى، فالأولى له الاشتغال بذلك؛ لما فيه من تحصيل النفع مع الأمن من التغرر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.