وَتَبْطُلُ فِي الْآخَرِ وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ
الشروح عليها
مسألة: (وهل يَنْعَزِلُ قبلَ العلمِ بالعَزْلِ؟ على رِوايَتَين، بِناءً على الوَكِيلِ) وقد مَضَى ذلك في كِتابِ الوَكالةِ .
فصل: وللإمامِ تَوْلِيَةُ القَضاء في بلدِه وغيرِه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلَّى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ القَضاءَ ، وولَّى عليًّا ومُعاذًا .
وقال عثمانُ [بنُ عَفّانَ] لابنِ عُمَرَ: إنَّ أباكَ كان يَقْضِي وهو خيرٌ منك. فقال: إنَّ أبي قد كان يَقْضِي،
فإن أشْكَلَ عليه شيء، سأل رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وذَكَر الحديثَ . رَواه [عُمَرُ بنُ شَبةَ]، في «قُضاةِ البَصْرَةِ». ورَوَى سعيدٌ، في «سُنَنِه» عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: جاء خَصْمان إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي:«يَا عَمْرُو، اقْضِ بَينَهُمَا».
قال: قلتُ: أنت أوْلَى بذلك مِنِّي يا رسولَ اللهِ. قال:«إنْ أصَبْتَ القَضَاءَ بَينَهُمَا، فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وإنْ أخْطَأْتَ، فَلَكَ حَسَنَةٌ». وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر مثلُه . ولأن الامامَ يَشْتَغِلُ بأشْياءَ كثيرةٍ مِن مَصالِح المسلِمِين، فلا يَتَفَرَّغُ للقَضاءِ بينَهم.
فإذا وَلَّى قاضيًا، اسْتُحِبَّ أنَّ يَجْعَلَ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّه قد يَحْتاجُ إلى ذلك،
فإذا أذِنَ له في الاسْتِخْلافِ، جازَ له بلا خِلافٍ نَعْلَمُه،
وإن نَهاهُ، لم يكنْ له أنَّ يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ ولايتَه بإذْنِه، فلم يَكنْ له ما [نهاه عنه]، كالوكيلِ.
وإن أطْلَقَ، فله الاسْتِخْلافُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يكونَ له ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ بالاذْنِ، فلم يكنْ له ما لم يَأْذَنْ فيه، كالوَكيلِ. ولأصْحابِ الشافعيِّ في هذا وَجْهان. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الغَرَضَ مِن القَضاءِ الفَصْلُ بينَ المُتَخاصِمَين،
فإذا فَعَلَه بنفسِه [أو بغيرِه، جاز، كما لو أذِنَ له، ويفارِقُ التَّوكِيل؛ لأنَّ الإِمام يُوَلِّي القَضاءَ للمسلمين]،
بخلافِ الوَكيلِ. فإنِ اسْتَخْلَفَ في مَوْضِع ليس له الاسْتِخْلافُ، فحُكْمُه حكمُ مَن لم يُوَلَّ.
٤٨٣٥ -
(وَتَبْطُلُ فِي الْآخَرِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، فِي الثَّانِيَةِ: لَا، الْأُولَى: كَالْوَكِيلِ، قَالَ عُمَرُ: لَأَعْزِلَنَّ أَبَا مَرْيَمَ، وَأُوَلِّي رَجُلًا إِذَا رَآهُ الْفَاجِرُ فَرِقَهُ. فَعَزَلَهُ وَوَلَّى كَعْبَ بْنَ سُورٍ، وَوَلَّى عَلِيٌّ أَبَا الْأَسْوَدِ ثُمَّ عَزَلَهُ، فَقَالَ: لِمَ عَزَلْتَنِي وَمَا جَنَيْتُ؛ قَالَ: رَأَيْتُكَ يَعْلُو كَلَامُكَ عَلَى الْخَصْمَيْنِ. وَجَزَمَ فِي التَّرْغِيبِ: بِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ نَائِبُهُ فِي أَمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَسَمَاعِ شَهَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِحْضَارِ مُسْتَعِدٍ عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا: لَوْ عَزَلَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: الْحَاكِمُ نَائِبُ الشَّرْعِ لَمْ يَنْعَزِلْ،
وَإِنْ قُلْنَا: نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ انْعَزَلَ.
وَفِي الشَّرْحِ: لَا يَنْعَزِلُ بِالْمَوْتِ، وَهَلْ يَنْعَزِلُ بِالْعَزْلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا، وَهُنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ حَتَّى يُوَلَّى آخَرُ مَكَانَهُ. وَلِهَذَا لَا يَنْعَزِلُ الْوَالِي بِمَوْتِ الْإِمَامِ وَيَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَعَقْدِ وَصِيٍّ، وَنَاظَرَ عَقْدًا جَائِزًا كَوِكَالَةٍ وَشَرِكَةٍ وَمُضَارِبَةٍ.
وَمِثْلُهُ كُلُّ عَقْدٍ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَوَالٍ وَمَنْ نَصَّبَهُ لِجِبَايَةِ مَالٍ وَصَرْفِهِ، وَأَمْرِ الْجِهَادِ، وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمُحْتَسِبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ. (وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْعَزْلِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الْوَكِيلِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ: بِأَنَّهُ يَنْعَزِلُ كَالْوَكِيلِ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَايَا النَّاسِ وَأَحْكَامُهُمْ فَيَشُقُّ،
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فَإِنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَغَيَّرَ حَالُ الْقَاضِي بِزَوَالِ عَقْلٍ أَوْ مَرَضٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقَضَاءِ أَوِ اخْتَلَّ فِيهِ بَعْضُ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ عَزْلُهُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَ الْقَاضِي خَلِيفَةً فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ كَالْوَكِيلِ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ فِي الْأَرْضِ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، وَفِيهَا لَهُ عَزْلُ نَائِبِهِ بِأَفْضَلَ مِنْهُ.
وَقِيلَ: بِمِثْلِهِ. وَقِيلَ: بِدُونِهِ؛ لِمَصْلَحَةٍ فِي الدِّينِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: عَزْلُ نَفْسِهِ يَتَخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ فِي خَطَأِ الْإِمَامِ،
وَفِي الرِّعَايَةِ فِي نَائِبِهِ فِي الْحُكْمِ، وَقِيَمِ الْأَيْتَامِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَنَحْوِهِ أَوْجُهٌ.
ثَالِثُهَا: إِنِ اسْتَخْلَفَهُمْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ فَلَا.
وَرَابِعُهَا: إِنْ قَالَ: اسْتُخْلِفَ عَنْكَ. انْعَزَلُوا.
وَإِنْ قَالَ: عَنِّي. فَلَا، وَلَا يَبْطُلُ مَا فَرَضَهُ فَارِضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي الْأَشْهَرِ.
وَمَنْ عُزِلَ أَوِ انْعَزَلَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَلَزِمَهُ إِعْلَامُ وَلِيِّ الْأَمْرِ.
فَلَوْ تَابَ الْفَاسِقُ وَحَسُنَ حَالُهُ، أَوْ أَفَاقَ مِنْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ،
وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ بِهِ، فَهَلْ يَعُودُ قَاضِيًا بِلَا تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
وَمَنْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ قَاضِي بَلَدٍ، وَوَلِيَ غَيْرُهُ فَبَانَ الْأَوَّلُ حَيًّا، لَمْ يَنْعَزِلْ فِي الْأَقْوَى.
وهل يَنْعَزِلُ قَبْلَ عِلْمِه بالْعَزْلِ؟ على وَجْهَين، بِناءً على الْوَكِيلِ. وبِناءُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافِ هنا على رِوايَتَيْ عَزْلِ الوَكيلِ قبلَ عِلْمِه بانْعِزالِه. قاله القاضي. وقاله . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «المُحَرَّرِ»، وابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»، وغيرُهم. فيَكونُ المُرَجَّحُ [على قولِ] هؤلاءِ عَزْلَه، على ما تقدَّم في بابِ الوَكالةِ. وذكَرَهما مِن غيرِ بناءٍ في «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وأطْلَقَ الخِلافَ في «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرَ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم؛ أحدُهما، ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ». وجزَم به في «الوَجيزِ».
وهو المذهبُ على المُصْطَلَحِ في الخُطْبَةِ. والوَجْهُ الثَّاني، لا ينْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه. صحَّحه في «الرِّعايةِ»، وهو الصوابُ الذي لا يسَعُ الناسَ غيرُه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: لا ينْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ بغيرِ خِلافٍ وإنِ انْعَزَلَ الوَكِيلُ. ورَجَّحَه الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ،
وقال: هو المَنْصوصُ عن الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ. قال: لأنَّ في ولايَته حقًّا للهِ تعالى،
وإنْ قيلَ: إنَّه وَكيل، فهو شَبِيهٌ بنَسْخِ الأحْكامِ، لا تثْبُتُ قبلَ بلُوغِ النَّاسِخِ، على الصَّحيحِ،
وَإذَا قَال الْمُوَلِّي: مَنْ نَظَرَ في الْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَهُوَ خَلِيفَتِي، أَوْ: قَدْ وَلَّيتُهُ. لَمْ تَنْعَقِدِ الْولَايةُ لِمَنْ يَنْظُرُ.
بخِلافِ الوَكالةِ المَحْضَةِ، وأيضًا فإنَّ ولايةَ القاضي العُقودُ والفُسوخُ، فتَعْظُمُ البَلْوَى بإبْطالِها قبلَ العِلْمِ،
بخِلافِ الوَكالةِ. قلتُ: وهذا الصَّوابُ.
قال في «الرِّعايةِ»، بعدَ أنْ أطْلَقَ الوَجْهَين: أصحُّهما بَقاؤُه حتى يعْلَمَ به.
فائدة: لو أُخْبِرَ بمَوْتِ قاضي بَلَدٍ، فوَلَّى غيرَه، فَبَانَ حيًّا، لم ينْعَزِلْ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: ينْعَزِلُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.