وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ
الشروح عليها
(وَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُ) لِأَنَّ الْمُجْتَهِد لَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ كَالْمُجْتَهِدِينَ فِي الْقِبْلَةِ. نَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ، قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي عُمَرُ أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ.
وَلَوْ كَانَ حَكَمَ بِحُكْمٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَقُلْ هَذَا. وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ: لَا تُقَلِّدْ أَمْرَكَ أَحَدًا، وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ للْفَضْل بْن زِيَادٍ: لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ الرِّجَالَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا.
وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ مُسَافِرًا يَخَافُ فَوْتَ رُفْقَتِهِ يُحْتَمَلُ وَجْهَيْنِ،
وَإِنْ فَوَّضَهُ إِلَى مَنِ اتَّضَحَ لَهُ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ صَحَّ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِمَّا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا كَالصَّلَاةِ فَعَلَهَا بِحَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ إِذَا قَدَرَ، كَمَنَ عَدِمَ الطَّهُورَيْنِ فَلَا ضَرُورَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُهُ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ بِخَوْفِ فَوْتِ وَقْتِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَذِيِّ: إِذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خَبَرًا قُلْتُ فِيهَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ إِمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَالَمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا» .
فَرْعٌ: إِذَا حَكَمَ وَلَمْ يَجْتَهِدْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَكَمَ بِالْحَقِّ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
[لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ]
ولا يُقَلدُ غيرَه وإنْ كانَ أعْلَمَ منه. يَحْرُمُ عليه أنْ يقَلِّدَ غيرَه -على الصحيحِ مِن المذهبِ- وإنْ كان أعْلَمَ منه. نقَل ابنُ الحَكَمِ، عليه أنْ يَجْتَهِدَ. ونقَل أبو الحارِثِ، لا تُقَلِّدْ أمْرَكَ أحدًا، وعليكَ بالأثرِ.
وقال الفَضْلُ بنُ زِيادٍ: لا تقَلدْ دِينَكَ الرِّجال؛ فإنهم لنْ يسْلَمُوا أنْ يغْلَطُوا. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، و «شَرْح ابنِ مُنَجَّى»، و «االوَجيزِ»، و «المُحَررِ»، و «النَّظْمِ»، و «المُنَورِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِي»، و «تَذْكِرَةِ وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبانُ، ولَا حَاقِن، وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ، ابنِ عَبْدُوس»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، يجوزُ. قال أبو الخَطَّابِ: وحكَى أبو إسْحَاقَ الشِّيرازِيُّ: إنَّ مذهَبَنا جَوازُ تقْليدِ العالِمِ للعالِمِ . قال: وهذا لا نعْرِفُه عن أصحابِنا. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، إنْ كانتِ العِبادَةُ ممَّا لا يجوزُ تأخِيرُها -كالصَّلاةِ- فَعَلَها بحسَبِ حالِه، ويُعيدُ إذا قَدَرَ، كمَنْ عَدِمَ الماءَ والتُّرابَ، فلا ضَرُورَةَ إلى التَّقْليدِ.
وقال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: وإنْ كان الخَصْمُ مُسافِرًا يَخافُ فَوْتَ رُفْقَتِه، احْتَمَلَ وَجْهَين. وتقدَّم ذلك في أوائلِ أحْكامِ المُفْتِي، في البابِ الذي قبلَه.
فائدة: لو حَكَمَ ولم يجْتَهِدْ، ثم بانَ أنَّه حَكَمَ بالحقِّ، لم يصِحَّ. ذكَرَه ابنُ عَقِيل في القَصْرِ مِنَ «الفُصولِ».
قلتُ: لو خرَّج الصِّحةَ على قولِ القاضي أبي الحُسَينِ، فيما إذا اشْتَبَهَ الطاهِرُ بالطَّهُورِ، وتوَضأ مِن واحدٍ فقطْ، فظَهَرَ أنه الطهُورُ، لَكانَ له وَجْه.
تنبيه: قولُه: ولا يَقْضِي وهو غَضْبانُ، ولا حاقِنٌ
-وكذا أو حاقِبٌ - ولا وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، والنُّعَاسِ، وَالبَردِ المُؤلِمِ، وَالحَرِّ المُزْعِجِ.
فَإِنْ خَالفَ، وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَق، نفَذَ حُكْمُهُ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَنْفُذُ. وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ، جَازَ، وَإلَّا فَلَا.
في شِدةِ الجُوعِ، والعَطَشِ، والهَمِّ، والوَجَعِ، والنُّعاسِ، والبَرْدِ المُؤلِمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ.
وكذا في شِدةِ المرَضِ والخَوْفِ، والفَرَحِ الغالبِ، والمَلَلِ، والكَسَلِ، ونحوه. ومُرادُه بالغَضَبِ، الغضَبُ الكثيرُ. وكلامُ الأصحابِ في ذلك مُحْتَمِل للكراهَةِ والتَّحْريمِ. وصرح أبو الخَطَّابِ في «انْتِصارِه» بالتَّحْريمِ.
قلتُ: والدَّليلُ في ذلك يقْتضِيه، وكلامُهم إليه أقْرَبُ.
وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الزَّرْكَشِي: وظاهرُ كلامِ الخِرَقِي وعامَّةِ الأصحابِ، أنَّ المَنْعَ مِن ذلك على سَبِيلِ التَّحْريمِ. وذكَر ابنُ البَنا في «الخِصَالِ» الكراهَةَ، فقال: إنْ كان غَضْبانَ، أو جائِعًا، كُرِهَ له القَضاءُ.
وقال في «المُغْنِي»: لا خِلافَ نَعْلَمُه ، أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أنْ يقْضِيَ وهو غَضْبانُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: كانَ للنَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يقْضِيَ في حالِ الغضَبِ دُونَ غيرِه. ذكَره ابنُ نَصْرِ اللهِ في «حَواشِي الفُروعِ» في كتابِ الطلاقِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.