وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ يُحْضِرُهُمَا الْقَاضِي الْكَاتِبُ فَيَقْرَأُهُ عَلَيْهِمَا
الشروح عليها
مسألة: (ولا يُقْبَلُ الكِتابُ إلَّا أن يَشْهَدَ به شاهِدانِ، يُحْضِرُهما القاضى الكاتبُ، فيَقْرَؤُه عليهما، ثم يقولُ: اشْهِدُ كما أنَّ هذا كتابى إلى فُلانِ بنِ فُلانٍ. ويَدْفَغه إليهما،
فإذا وَصَلا إلى المكْتُوبِ إليه، دَفَعا إليه الكتابَ وقالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كِتابُ فُلانٍ إليك، كَتَبَه مِن عَمَلِه، وأشْهَدَنا عليه. والاحْتِياطُ أن يَشْهَدا عليه بما فيه، ويَخْتِمَه.
ولا يُشْتَرَطُ خَتْمُه. وإن كَتَب كِتابًا وأدْرَجَه وخَتَمَه،
وقال: هذا كِتابى إلى فُلانٍ، اشْهَدَا عَلَىَّ بما فيه. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ أحمدَ
قال في مَن كَتَب وصيةً وخَتَمَها، ثم أشْهَدَ على ما فيها: فلا حتى يُعْلِمَه ما فيها. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ لقولِه: إذا وُجِدَتْ وصيةُ الرجلِ مَكْتُوبَةً عندَ رَأْسِه، مِن غيرِ أن يكونَ أشْهَدَ، أو أعْلَمَ أحَدًا بها عندَ مَوْتِه، وعُرِف خَطُّه وكان مشْهُورًا، فإنَّه يَنْفُذُ ما فيها. فعلى هذا، إذا عَرَف المكْتُوبُ إليه أنَّه خَطُّ القاضى الكَاتِبِ وخَتْمُه، جاز قَبُولُه. والعَمَلُ على الأوَّلِ) وجملةُ ذلك، أنَّه يُشْتَرَطُ لقبولِ كتابِ القاضى شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ؛
أحدُها، أن يَشْهَدَ به شاهِدان عَدْلان، ولا يَكْفى مَعْرفةُ المكتوبِ إليه خَطَّ الكاتِبِ وخَتْمَه،
ولا يجوزُ له قَبولُه بذلك، في قولِ الجُمْهورِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، وسَوّارٍ، والعَنْبَرِىِّ، أنَّهم قالوا: إذا كان يَعْرِفُ خَطَّه وخَتْمَه، قَبِلَه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والإِصْطَخْرِىِّ. ويتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك؛ لأنَّه تحْصلُ به غَلَبَةُ الظَّنِّ، فأشْبَهَ شَهادةَ الشّاهِدَيْن. ولَنا، أنَّ ما أمْكَنَ إثْباتُه بالشَّهادةِ، لم يَجُزْ الاقْتصارُ فيه على الظَّاهِرِ، كإثْباتِ العُقودِ، ولأنَّ الخَطَّ يُشْبِهُ الخَطَّ، والخَتْمَ يُمْكِنُ التَّزْويرُ عليه، ويُمْكِنُ الرُّجوعُ إلى الشهادةِ، فلم يُعَوَّلْ على الخَطِّ، كالشّاهِدِ لا يُعَوِّلُ في الشَّهادةِ على الخَطِّ، وفى هذا انْفِصال عمّا ذَكَرُوه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ القاضىَ إذا كَتَب الكتابَ، دَعا رَجُلَيْن يَخْرُجان إلى البَلَدِ الذى فيه القاضى المكتوبُ إليه، فيَقْرأْ عليهما الكتابَ، أو يَقْرَؤُه غيرُه عليهما، والأحْوَطُ أن يَنْظُرا معه فيما يَقْرَؤُه،
فإن لم يَنْظُرا ، جاز؛ لأنَّه لا يُسْتَقْرأً إلَّا ثِقَةٌ،
فإذا قَرَأَ عليهما، قال: اشْهَدا علىَّ أنَّ هذا كتابى إلى فُلانٍ.
وإن قال: اشْهَدا علىَّ بما فيه. كان أوْلَى،
فإنِ اقْتَصَرَ على قولِه: هذا كتابى إلى فُلانٍ. فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ؛ لأنَّه يُحَمِّلُهما الشَّهادةَ، فاعْتُبِرَ أن يقولَ: اشْهَدا علىَّ. كالشَّهادةِ على الشَّهادةِ.
وقال القاضى: يُجْزِئُ. وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ثم إن كان ما في الكتاب قليلًا، اعْتَمَدا على حِفْظِه،
وإن كَثُرَ فلم يَقْدِرا على حِفْظِه، كَتَب كلُّ واحدٍ منهما مَضْمُونَه، وقابَلَ بها لتكونَ معه، يَذْكُرُ بها ما يَشْهَدُ به، ويَقْبِضان الكِتابَ قبلَ أن يَغِيبا؛ لئلَّا يَدْفَعَ إليهما غيرَه،
فإذا وَصَل الكِتابُ معهما إليه، قرَأه الحاكمُ أو غيرُه عليهما،
فإذا سَمِعاه، قالا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ [القاضى إليك، أشْهَدَنا على نفسِه بما فيه؛ لأنَّه قد يكونُ كتابُه غيرَ الذى أشْهَدَهما عليه. قال أبو الخَطَّاب: ولا يُقْبَلُ إلَّا أن يقولا: نَشْهَدُ أنَّ هذا كتابُ فُلانٍ] ؛ لأنَّها أداءُ شَهادةٍ، فلا بُدَّ فيها مِن لَفْظِ الشَّهادةِ.
ويجبُ أن يقولا: مِن عَمَلِهْ؛ لأنَّ الكتابَ لا يُقْبَلُ إلَّا إذا وَصَل مِن مَجْلِسِ عَمَلِه. وسواءٌ وَصَل الكتابُ مَخْتُومًا أو غيرَ مَخْتُومٍ، مَقبولًا أو غيرَ مَقْبُولٍ؛ لأنَّ الاعْتِمادَ على شَهادَتِهما، لا على الخَطِّ والخَتْمِ.
فإنِ امْتَحَى الكتابُ، وكانا يَحْفَظان ما فيه، جاز لهما أن يَشْهَدا بذلك،
وإن لم [يَحْفَظا ما فيه]، لم يُمْكِنْهما الشَّهادةُ.
وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: لا يُقْبلُ الكتابُ حتى يَشْهَدَ شاهِدَان على خَتْمِ القاضى. ولَنا، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَتَب كِتابًا إلى قَيْصَرَ، ولم يَخْتِمْه، فقيل له: إنَّه لا يَقْرأُ كتابًا غيرَ مَخْتُومٍ. فاتَّخَذَ الخاتَمَ . واقْتِصارُه على الكتابِ دُونَ الخَتْمِ، دليلٌ على أنَّ الخَتْمَ ليس بشَرْطٍ في القَبولِ، وإنَّما فَعَلَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ليَقْرَءُوا كِتابَه. ولأنَّهما شَهِدَا بما في الكتابِ، وعَرَفا ما فيه، فوَجَبَ قَبولُه، كما لو وَصَل مَخْتُومًا وشَهِدا بالخَتْمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه إنَّما يُعْتَبَرُ ضَبْطُهما لمعنَى الكتابِ وما يتَعَلَّقُ به الحكمُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن قومٍ شَهِدُوا على صحيفةٍ، وبعضُهم يَنْظُرُ فيها، وبعضُهم لا يَنْظُرُ؛ قال: إذا حَفِظَ فلْيَشْهَدْ. قيل: كيف، وهو كلامٌ كثيرٌ! قال: يَحْفَظُ ما كان عليه الكلامُ والوَضْعُ.
قلتُ: يَحْفَظُ المعنَى؟ قال: نعم. قيل له: والحدودَ والثَّمَنَ وأشْباهَ ذلك؟ قال: نعم.
٤٩٣٢ -
(وَلَا يُقْبَلُ الْكِتَابُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ) عَدْلَانِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَيُعْتَبَرُ ضَبْطُهُمَا لِمَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فَقَطْ، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: عِنْدَ الْكَاتِبِ.
وَيَتَوَجَّهُ لَنَا: أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَخَتْمَهُ اكْتَفَى بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَسَوَّارٍ وَالْعَنْبَرِيِّ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ أَشْبَهَ شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ مَا أَمْكَنَ إِتْيَانُهُ بِالشَّهَادَةِ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الظَّاهِرِ، كَإِثْبَاتِ الْعُقُودِ، وَلِأَنَّ الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ، وَالْخَتْمُ يُمْكِنُ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ نَقْلُ حُكْمٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بُدٌّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. (يُحْضِرُهُمَا الْقَاضِي الْكَاتِبُ) لِأَنَّ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ غَيْرُ جَائِزٍ. (فَيَقْرَأُهُ عَلَيْهِمَا) وَهَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْقَبُولِ، بَلْ قِرَاءَتُهُ هِيَ الْوَاجِبَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْرَأَهُ الْحَاكِمُ ;
لِأَنَّهُ أَبْلَغُ. وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَنْظُرَا مَعَهُ فِيمَا يَقْرَؤُهُ،
فَإِنْ لَمْ يَنْظُرَا جَازَ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ إِلَّا ثِقَةٌ. (ثُمَّ يَقُولُ: أُشْهِدُكُمَا أَنَّ هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ) لِأَنَّهُ يُحَمِّلُهُمَا الشَّهَادَةَ، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ إِشْهَادُهُ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ قَالَ: اشْهَدَا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ. كَانَ أَوْلَى.
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذَا كِتَابِي إِلَى فُلَانٍ. فَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ حَتَّى يَقُولَ: اشْهَدَا عَلَيَّ. كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُ. ثُمَّ إِنْ قَلَّ مَا فِي الْكِتَابِ اعْتَمَدَا عَلَى حِفْظِهِ، وَإِلَّا كَتَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا نُسْخَةً بِهِ. وَيَقْبِضَانِ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَا ; لِئَلَّا يَدْفَعَ إِلَيْهِمَا غَيْرَهُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ولا يقبلُ الكتابُ إلا أن يشهد به شاهدان يحضرهما القاضي الكاتب فيقرأه عليهما ثم يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان ابن فلان ويدفعه إليهما، وإذا وصلا إلى المكتوب إليه دفعا إليه الكتاب وقالا: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك كتبه من عمله وأشهدنا عليه. والاحتياط أن يشهدا بما فيه ويختمه. ولا يشترط ختمه) .
أما كون كتاب القاضي لا يقبل الكتاب إلا أن يشهد به عدلان؛ فلأنه نقل حكمٍ أو نقل إثباتٍ. فلم يكن فيه بد من شهادة عدلين؛ كالشهادة على الشهادة.
وأما كون القاضي يحضرهما فيقرأه عليهما؛ فلأن تحمل الشهادة بغير معرفة المشهود به غير جائز.
وقول المصنف رحمه الله: فيقرأه عليهما ليس بواجب في القبول بل قراءته هي الواجبة، سواء كانت من الحاكم أو غيره لكن الأولى أن يقرأه الحاكم؛ لأنه أبلغ، ولذلك ذكره المصنف رحمه الله.
وأما كونه يقول: أُشهدكما أن هذا كتابي إلى فلان؛ فلأنه يحملهما الشهادة. فوجب أن يعتبر فيه إشهاده؛ كالشهادة على الشهادة. ويقوم مقام إشهاده بأن الكتابَ كتابه إشهادهما عليه بما في الكتاب.
فلو اقتصر على قوله: هذا كتابي إلى فلان لم يجز؛ لعدم الإشهاد المشترط.
وأما كونه يدفعه إليهما؛ فلأنه لو لم يدفعه إليهما لم يمكنهما الأداء إلا بناء على الخط، وهو غير جائز.
وأما كون الشاهدين إذا وصلا إلى المكتوب إليه يدفعان الكتاب ويقولان: نشهد أن هذا كتاب فلان إليك؛ فلأن القبول متوقف على ذلك.
وأما كونهما يقولان: كتبه من عَمَلِه وأشهدنا عليه؛ فلأن الكتاب إنما يقبل من قاضٍ وذلك يستدعي وجود الكتابة والإشهاد عليه في موضع قضائه.
وأما كون الاحتياط الإشهاد بما في الكتاب مع ختمه؛ فلأن ختم الكتاب أبلغ في المعنى.
وأما كون الكتاب لا يشترط ختمه؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتبَ كتاباً إلى قيصر ولم يختمه. فقيل: إنه لا يقرأُ كتاباً غير مختوم فاتخذَ الخاتم».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.