وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةً دَيْنًا فَأَقَرَّ لَهُ،
الشروح عليها
مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلانِ دارًا في يَدِ غيرِهما شَرِكةً بينَهما بالسَّوِيَّةِ، فأَقرَّ لأحَدِهما بنصفِها، فالمُقَرُّ به بينَهما) نِصْفانِ . وجملةُ ذلك، أنَّهما إذا ادَّعَيا أنَّهما مَلَكَاها بِسَببٍ يُوجِبُ الاشْتِراكَ، مثلَ أن يَقُولَا: وَرِثْناها. أو : ابْتَعْناها معًا. فأقَرَّ المُدَّعَى عليه لأحدِهما بنِصْفِها، فذلك لهما جميعًا؛ لأنَّهما اعْتَرفَا أنَّ الدّارَ لهما مُشَاعةً،
فإذا غَصَب غاصِبٌ نِصْفَها، كان منهما، والباقى بينَهما،
وإن لم يكونا ادَّعيا شيئًا يَقْتَضِى الاشتراكَ، بل ادَّعىِ كلُّ واحدٍ منهما نِصْفَها ، فأقَرَّ لأحَدِهَما بما ادَّعَاه، لم يُشَارِكْه الآخرُ، وكان على خُصُومَتِه؛ لأنَّهما لم يَعْتَرِفا بالاشْتِراكِ،
فإن أقَرَّ لأَحدِهما بالكُلِّ، وكان المُقَرُّ له يَعْتَرِفُ للآخَرِ بالنِّصْفِ، سَلَّمَه إليه،
وكذلك إن كان قد تَقَدَّمَ إقْرارُه بالنِّصْفِ، وجَبَ تَسْلِيمُه إليه؛ لأَنَّ الذى هى في يَدِه قد اعْتَرفَ له بها، فصار بمَنْزِلَتِه، فَيَثْبُتُ لمَن يُقِرُّ له،
وإن لم يكُنِ اعْتَرفَ للآخَرِ، وادَّعَى جَمِيعَها، أو ادَّعَى أكْثَرَ مِن النِّصْفِ، فهو له.
فإن قِيلَ: فكَيْفَ يَمْلِكُ جَمِيعَها ولم يَدَّعِ إلَّا نِصْفَها؟ قلنا: ليس مِن شَرْطِ صِحّةِ الإِقْرارِ تَقَدُّمُ الدَّعْوَى، بل متى أقَرَّ بشئٍ لإِنْسانٍ فصَدَّقَه المُقَرُّ له، ثَبَتَ، وقد وُجِدَ التَّصْدِيقُ ههُنا في النِّصْفِ الذى لم يَسْبِقْ دَعْواه،
ويجوزُ أن يكونَ اقْتَصرَ على دَعْوَى النِّصْفِ؛ لأَنَّ له حُجَّةً به، أو لأَنَّ النِّصْفَ الآخَرَ قد اعْتَرَفَ له به، فادَّعَى النِّصْفَ الذى لم يَعْتَرِفْ له به.
فإن لم يُصَدِّقْه في إقْرارِه بالنِّصْفِ الذى لم يَدَّعِه، ولم يَعْتَرِفْ به للآخَرِ ، ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها، يَبْطُلُ الإقرارُ؛ لأنَّه أقَرَّ لمَن لا يَدَّعِيه. الثانى، يَنْزِعُه الحاكِمُ حتى يَثْبُتَ لِمُدَّعِيه، ويُؤْجِرُه، ويَحْفَظُ أُجْرَتَه لِمَالِكِه.
والثالثُ، يُدْفَعُ إلى مُدَّعِيه؛ لِعَدَمِ المُنازِعِ فيه. ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ في هذا الفَصْلَ على نحوِ ما ذَكَرْنا.
٥١٧٣ -
مسألة: (وإنِ ادَّعَى رَجُلٌ على المَيِّتِ مائةً دَيْنًا، فأقَرَّ له، ثم ادَّعَى آخَرُ مثلَ ذلك، فأقَرَّ له؛ فإن كان في مَجْلِسٍ واحدٍ، فهى بَيْنَهُما، وإن كان في مَجْلِسَيْنِ، فهى للأوَّلِ، ولا شئَ للثاني) وجملةُ ذلك، أنَّ المَيِّتَ إذا خَلَّفَ وارِثًا وتَرِكةً، فأقَرَّ الوارثُ لِرَجُلٍ بِدَيْنٍ على المَيِّتِ يَسْتَغْرِقُ المِيراثَ، فقد أقَرَّ بتَعَلّقِ دَيْنِه بجَمِيعِ التَّركةِ واسْتِحْقاقِه لها،
فإذا أقَرَّ بعدَ ذلك لآخَرَ وكان في المَجْلِسِ، صَحَّ الإِقْرارُ واشْتَرَكا في التَّرِكةِ؛ لأَنَّ حالةَ المَجْلِسِ كُلَّها كحالةٍ واحدةٍ، بدَلِيلِ صِحَّةِ القَبْضِ بها فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه، وإمْكانِ الفَسْخِ فيه، ولُحُوقِ الشَّهادَةِ في العَقْدِ، فكذلك في الإِقْرارِ.
وإن كان في مَجْلِسٍ آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ على غيرِه، فإنَّه يُقِرُّ بما يَقْتَضِى مُشارَكةَ الأَوَّلِ في التَّرِكةِ، ويَنْقُصُ حَقَّه منها، ولا يُقْبَلُ إقْرارُ الإنْسانِ على غيرِه.
وقال الشّافعىُّ: يُقْبَلُ إقْرارُه، ويَشْتَرِكانِ فيها؛ لأَنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المَوْرُوثِ،
ولو أقَرَّ المَوْرُوثُ لهما لَقُبِلَ، فكذلك الوارِثُ، ولأَنَّ مَنْعَه مِن الإِقْرارِ يُفْضِى إلى إسْقاطِ حَقِّ الغُرَماءِ؛ لأنَّه قد لا يَتَّفِقُ حُضُورُهُم في مَجْلِس واحدٍ، فيَبْطُلُ حَقُّه بغَيْبَتِه ، ولأَنَّ مَن قُبِلَ إقْرارُه أوَّلًا، قبِلَ إقْرارُه ثانيًا إذا لم تَتَغَيَّرْ حالُه، كالمَوْروثِ. ولَنا، أنَّه إقْرارٌ بما يتَعَلّقُ بمَحَلٍّ تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه، تَعَلُّقًا يَمْنَعُ تَصَرُّفَه فيه على وَجْهٍ [يَضُرُّ به]، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ بجِنايةِ الرَّهْنِ أو الجانِى.
وأمّا المَوْرُوثُ، فإن أقَرَّ في صِحَّتِه، صَحَّ؛ لأَنَّ الدَّيْنَ لا يتَعَلَّقُ بمالِه،
وإن أقَرَّ في مَرَضِه، لم يُحاصَّ المُقَرُّ له غُرَماءَ الصِّحَّةِ؛ لذلك.
وإن أقَرَّ في مَرَضِه لغَرِيمٍ تَسْتَغْرِقُ تَرِكَتُه دَيْنَه، ثم أقَرَّ لآخَرَ في مَجْلِسٍ آخَرَ، فالفَرْقُ بينَهما، أنَّ إقْرارَه الأوَّلَ لم يَمْنَعْه التَّصرُّفَ في مالِه، ولا أن يُعَلِّقَ به دَيْنًا آخَرَ، بأن يَسْتَدِينَ دَيْنًا آخَرَ، فلم يَمْنَع ذلك تَعْلِيقَ الدَّيْنِ بتَرِكَتِه بالإقْرارِ،
بخِلافِ الوارِثِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُعَلقَ بالتَّرِكةِ دَيْنًا آخَرَ بفِعْلِه، فلا يَمْلِكُه بقَوْلِه، ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في التَّركةِ، ما لم يَلْتَزِمْ قَضاءَ الدَّيْنِ.
٥١٧٧ -
(وَإِنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِائَةً دَيْنًا) أَيْ: بِدَيْنٍ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ. قَالَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ. (فَأَقَرَّ لَهُ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَرَّ لَهُ) وَلَمْ يُخَلِّفِ الْمَيِّتُ إِلَّا مِائَةً
لا زيادة له على هذه المسألة.
وإنِ ادَّعَى رَجُلان دارًا فى يَدِ غيرِهما شَرِكَةً بينَهما بالسَّوِيَّةِ، فأقَرَّ لأحَدِهما بنِصْفِها، فالمُقَرُّ به بينَهما. هذا المذهبُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وغيرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «النَّظْمِ».
وَإِنْ قَالَ فِى مَرَضِ مَوْتِهِ: هَذَا الْمَالُ لُقَطَةٌ، فَتَصَدَّقُوا بِهِ. وَلَا
وقيل: إنْ أَضافَا الشَّرِكَةَ إلى سبَبٍ واحدٍ؛ كشِراءٍ، وإرْثٍ، ونحوِهما، فالنِّصْفُ بينَهما، وإلَّا فلا. زادَ فى «المُجَردِ»، و «الفُصولِ»: ولم يكُونَا قَبَضاه بعدَ المِلْكِ له. وتابعَهما فى «الوَجِيزِ» على ذلك. وعَزَاه فى «المُحَرَّرِ» إلى القاضى. قال فى «تَصْحيحِ المُحَرَّرِ»: وهو المذهبُ. وأَطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ».
وإنِ ادَّعَى رَجُلٌ على المَيِّتِ مِائَةً دَيْنًا، فأقَرَّ له، ثمَّ ادَّعَى آخَرُ مِثْلَ ذلك، فأقَرَّ له؛ فإنْ كانَ فى مَجْلِسٍ واحِدٍ، فهى بينَهما. يعْنِى، إذا كانتِ المِائَةُ جميعَ التَّرِكَةِ. وهذا المذهبُ. جزَم به الخِرَقِىُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم. قال فى «الفُروعِ»: قطَع به جماعةٌ. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وظاهرُ كلامِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، اشْتِراكُهما إنْ تَواصلَ الكَلامُ بإقْرارَيْه، وإلَّا فلا.
وقيل: هى للأَوَّلِ. وأَطْلَقَهُنَّ الزَّرْكَشِىُّ.
قال: (وإن ادَّعى رجلٌ على الميت مائة ديناً فأقرّ له، ثم ادعى آخر مثل ذلك فأقرّ له، فإن كان في مجلسٍ واحدٍ فهي بينهما. وإن كان في مجلسين فهي للأول ولا شيء للثاني) .
أما كون المائة المقر بها لهما بينهما إذا كان الإقرار في مجلسٍ واحدٍ؛ فلأن المجلس الواحد بمنزلة الوقت الواحد.
وأما كونها للأول ولا شيء للثاني إذا كان الإقرار في مجلسين؛ فلأن بإقراره الأول ظهر أنها للمقر له الأول. فإقراره بها للآخر رجوع عن الإقرار وذلك لا يصح؛ لما فيه من إبطال حق الأول.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.