فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الصيد والذبائح

الأطعمة والأيمان والنذور

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
المبسوطالسرخسي، ١٬١٨٩ مسألة
  1. (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُحْرِمٌ دَلَّ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْمَدْلُولُ فَعَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَاجِبٌ بِقَتْلِ الصَّيْدِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا} الْآيَةَ، وَالدَّلَالَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ لِأَنَّ الْقَتْلَ فِعْلٌ مُتَّصِلٌ مِنْ الْقَاتِلِ بِالْمَقْتُولِ فَأَمَّا الدَّلَالَةُ وَالْإِشَارَةُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْمَحِلِّ وَهُوَ الصَّيْدُ وَالْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ فِيمَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ.

  2. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْحَلَالِ،

  3. وَلَا يَجِبُ عَلَى الدَّالِّ إذَا كَانَ حَلَالًا بِالِاتِّفَاقِ لِلْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لَا تَكُونُ أَقْوَى مِنْ حُرْمَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَنَفْسِهِ،

  4. وَلَا يَضْمَنَ الدَّالُّ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ،

  5. وَلَا عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا بِسَبَبِ الدَّلَالَةِ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ رَجُلًا سَأَلَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ إنِّي أَشَرْت إلَى ظَبْيٍ وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَتَلَهُ صَاحِبِي فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَاذَا تَرَى عَلَيْهِ فَقَالَ أَرَى عَلَيْهِ شَاةٌ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَأَنَا أَرَى عَلَيْهِ ذَلِكَ،

  6. وَأَنَّ عَلِيًّا وَابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَا عَنْ مُحْرِمٍ دَلَّ عَلَى بَيْضِ نَعَامَةٍ فَأَخَذَهُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ فَشَوَاهُ فَقَالَا عَلَى الدَّالِّ جَزَاؤُهُ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَمَا

  7. نُقِلَ عَنْهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ كَالْمَنْقُولِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ لَا أَظُنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا جُزَافًا، وَالْقِيَاسُ لَا يَشْهَدُ لِقَوْلِهِمْ حَتَّى يَقُولَ قَالُوا ذَلِكَ قِيَاسًا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا السَّمَاعُ ثُمَّ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ أَيْضًا فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي صَيْدٍ أَخَذَهُ أَبُو قَتَادَةَ، وَكَانُوا مُحْرِمِينَ هَلْ أَعَنْتُمْ هَلْ أَشَرْتُمْ هَلْ دَلَلْتُمْ» فَجَعَلَ الْإِشَارَةَ كَالْإِعَانَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْجَزَاءَ، وَبِهِ فَارَقَ صَيْدَ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَظْرِ هُنَاكَ مَعْنًى فِي الْحِلِّ، وَهُوَ أَمْنُ الصَّيْدِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مَنْ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ مُتَّصِلًا بِالْمَحِلِّ حَتَّى يَكُونَ جِنَايَةً فِي إزَالَةِ الْأَمْنِ عَنْ الْمَحِلِّ.

  8. وَهُنَا الْحَظْرُ بِسَبَبِ مَعْنًى فِي الْفَاعِلِ، وَهُوَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فَكَانَ فِعْلُهُ مَحْظُورًا لِإِحْرَامٍ،

  9. وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِالْمَحِلِّ، وَلِهَذَا كَانَ مَعْنَى الْجَزَاءِ هُنَا رَاجِحًا، وَمَعْنَى غَرَامَةِ الْمَحِلِّ هُنَاكَ رَاجِحٌ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ الْإِحْرَامُ عَقْدٌ خَاصٌّ، وَقَدْ ضَمِنَ لَهُ تَرْكَ التَّعَرُّضِ بِعَقْدِهِ فَإِذَا تَعَرَّضَ لَهُ بِالدَّلَالَةِ فَقَدْ بَاشَرَ

  10. بِخِلَافِ مَا الْتَزَمَهُ فَكَانَ قِيَاسَ الْمُودَعِ يَدُلُّ سَارِقًا عَلَى سَرِقَةِ الْوَدِيعَةِ

  11. بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِ وَنَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَا الْتَزَمَ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ بِعَقْدٍ خَاصٍّ ثُمَّ الْوَاجِبُ هُنَاكَ ضَمَانُ الْحَيَوَانِ فَيَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الْمَحِلِّ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ اتَّصَلَ فِعْلُهُ بِالْمَحِلِّ وَالدَّلَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ لِإِيجَابِ الْجَزَاءِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِمَكَانِ الصَّيْدِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَدْلُولُ عَالِمًا بِهِ فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ لِأَنَّ الْمَدْلُولَ مَا تَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ بِدَلَالَتِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَعَارَ الْمُحْرِمُ سِكِّينًا مِنْ غَيْرِهِ لِيَقْتُلَ صَيْدًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ الْغَيْرِ مَا يَقْتُلُ بِهِ الصَّيْدَ فَعَلَى الْمُعِيرِ الْجَزَاءُ،

  12. وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَقْتُلُ بِهِ الصَّيْدَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُعِيرِ لِأَنَّ تَمَكُّنَهُ مِنْ قَتْلِهِ لَمْ يَكُنْ بِإِعَارَةِ السِّكِّينِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الدَّالِّ الْجَزَاءُ إذَا صَدَّقَهُ الْمَدْلُولُ فِي دَلَالَتِهِ فَأَمَّا إذَا كَذَّبَهُ وَلَمْ يَتْبَعْ الصَّيْدَ بِدَلَالَتِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَصَدَّقَهُ وَقَتَلَ الصَّيْدَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ الثَّانِي إذَا كَانَ مُحْرِمًا دُونَ الْأَوَّلِ.

  13. وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ إنْسَانًا بِأَخْذِ الصَّيْدِ فَأَمَرَ الْمَأْمُورَ بِهِ إنْسَانًا آخَرَ فَالْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَ الْآمِرِ فَإِنَّهُ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ دُونَ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الدَّالِّ الْأَوَّلِ إذَا أَخَذَ الْمَدْلُولُ الصَّيْدَ، وَالدَّالُّ مُحْرِمٌ فَأَمَّا إذَا حَلَّ الدَّالُّ عَنْ إحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَدْلُولُ الصَّيْدَ فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ لِأَنَّ فِعْلَهُ إنَّمَا يَتِمُّ جِنَايَةً عِنْدَ زَوَالِ مَعْنَى النُّفْرَةِ بِإِثْبَاتِ يَدِ الْأَخْذِ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الدَّالُّ عِنْدَ ذَلِكَ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ أَخْذُ الْغَيْرِ فِي حَقِّهِ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ أَخْذِهِ بِنَفْسِهِ،

  14. وَلَوْ أَخَذَهُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فَكَذَا إذَا أَخَذَهُ غَيْرُهُ بِدَلَالَتِهِ.

  15. اشْتَرَكَ رَهْطٌ مُحْرِمُونَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ

  16. (قَالَ) وَإِذَا اشْتَرَكَ رَهْطٌ مُحْرِمُونَ فِي

  17. قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمَحِلُّ، وَلِهَذَا قَالَ الدَّالُّ الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ فِعْلُهُ بِالْمَحِلِّ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْمَحِلُّ هُنَا وَاحِد فَلَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَقَاسَ بِصَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْحَلَالِينَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ لَا يَلْزَمُهُمْ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ، وَقَاسَ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ أَيْضًا فَإِنَّ الصَّيْدَ إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لَا يَجِبُ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ لِصَاحِبِهِ كَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُجَّتُنَا مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاءُ فِعْلِهِ، وَفِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَاعِلِينَ كَامِلٌ جَنَى بِهِ عَلَى إحْرَامٍ كَامِلٍ فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَكَمَا فِي الْقِصَاصِ الْوَاجِبِ بِطَرِيقِ جَزَاءِ الْفِعْلِ يُجْعَلُ كُلُّ قَاتِلٍ كَالْمُنْفَرِدِ بِهِ، وَبِهِ فَارَقَ صَيْدَ الْحَرَمِ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ الْمَحِلِّ، وَيَسْلُكُ بِضَمَانِ الصَّيْدِ مَسْلَكَ الْغَرَامَاتِ، وَلِهَذَا لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِيهِ، وَفِي إبَاحَةِ الدَّمِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا فَالْغَرَامَاتُ تَكُونُ وَاجِبَةً بَدَلًا عَنْ الْمُتْلَفِ فَإِذَا كَانَ الْمُتْلَفُ وَاحِدًا لَا يَجِبُ إلَّا بَدَلٌ وَاحِدٌ كَالدِّيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْقَاتِلِينَ فَأَمَّا هَذِهِ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِطَرِيقِ جَزَاءِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْفَاعِلِينَ يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا حُرْمَةُ الْإِحْرَامِ، وَإِحْرَامُ زَيْدٍ غَيْرُ إحْرَامِ عَمْرٍو، وَهُنَاكَ الْمُعْتَبَرُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ، وَهِيَ مُتَّحِدَةٌ فِي حَقِّ الْفَاعِلِينَ فَأَمَّا ضَمَانُ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَوُجُوبُهُ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِإِيجَابِ بَدَلٍ وَاحِدٍ، وَمَا يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَلْحَقَهُ نُقْصَانٌ لِيَكُونَ مَا يَجِبُ لَهُ جُبْرَانًا.

  18. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْقَارِنُ إذَا قَتَلَ صَيْدًا فَعَلَيْهِ جَزَاءَانِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ، وَعِنْدَنَا هُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَالْقَارِنُ جَانٍ عَلَى إحْرَامَيْنِ، وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ تُبْنَى عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي أَشَرْنَا إلَيْهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ يَدْخُلُ إحْرَامُ الْعُمْرَةِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، وَلِهَذَا قَالَ يَطُوفُ الْقَارِنُ طَوَافًا وَاحِدًا فَيَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ، وَعِنْدَنَا لَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ فَإِنَّ الْقِرَانَ يُنْبِئُ عَنْ الضَّمِّ وَالْجَمْعِ دُونَ التَّدَاخُلِ فَصَارَ الْقَارِنُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ جَانِيًا عَلَى إحْرَامَيْنِ فَيَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إحْرَامُ الْعُمْرَةِ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ، وَلِهَذَا يَتَحَقَّقُ الْجَمْعُ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ أَدَاءً فَإِنَّ الْأَصْلَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَدَاءً كَالْحَجَّتَيْنِ وَالْعُمْرَتَيْنِ،

  19. وَإِذَا كَانَ تَبَعًا لَا يَظْهَرُ مَعَ الْأَصْلِ كَحُرْمَةِ الْحَرَمِ مَعَ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا جَزَاءٌ وَاحِدٌ،

  20. وَقِيلَ إنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ تَبَعٌ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ فَلَا يَظْهَرُ تَأْثِيرُهُ مَعَ الْإِحْرَامِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ

  21. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ أَصْلٌ مِثْلُ صَاحِبِهِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُمُّ الْبِقَاعَ كُلَّهَا فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ بَلْ يُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي إيجَابِ مُوجِبِهِ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ صَاحِبُهُ كَمَا أَنَّ حُرْمَةَ الْجِمَاعِ بِسَبَبِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، وَعَدَمِ الْمِلْكِ إذَا اجْتَمَعَا بِأَنْ زَنَى الصَّائِمُ فِي رَمَضَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا،

  22. وَكَذَلِكَ حُرْمَةُ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ لِعَيْنِهَا فَيَثْبُتُ بِالْيَمِينِ إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُهَا حُرْمَةٌ أُخْرَى ثُمَّ عِنْدَ الشُّرْبِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَالْكَفَّارَةُ جَمِيعًا، وَهَذَا

  23. بِخِلَافِ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِنَّهَا دُونَ حُرْمَةِ الْإِحْرَامِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَعُمُّ الْبِقَاعَ كُلَّهَا، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ دُخُولِ الْحَرَمِ،

  24. وَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّهُ لَا مَقْصُودَ هُنَاكَ سِوَى وُجُوبِ تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ بِإِحْرَامِهِ فَلَا يَزْدَادُ بِالْحَرَمِ فِي حَقِّهِ فَأَمَّا هُنَا الْعُمْرَةُ بِعَقْدٍ مَقْصُودٍ يَحْوِي تَرْكَ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ كَمَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ

  25. (قَالَ) فَإِنْ قَتَلَ حَلَالَانِ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْف جَزَاءٍ كَامِلٍ

  26. بِخِلَافِ مَا إذَا ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرْبَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَقْتَضِيهِ ضَرْبَتُهُ ثُمَّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِضَرْبَتَيْنِ لِأَنَّ عِنْدَ اتِّحَادِ فِعْلِهِمَا جَمِيعَ الصَّيْدِ صَارَ مُتْلَفًا بِفِعْلِهِمَا فَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْجَزَاءِ، وَعِنْدَ اخْتِلَافِ مَحَلِّ الْفِعْلِ الْجُزْءُ الَّذِي تَلِفَ بِضَرْبَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِإِتْلَافِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَالْبَاقِي مُتْلَفًا بِفِعْلِهِمَا فَضَمَانُهُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ قَرَّرْنَا هَذَا الْفَرْقَ فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ.

  27. (قَالَ) وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الصَّيْدِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ إنْ كَانَ الصَّيْدُ يُبَاعُ وَيُشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَإِلَّا فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِمَّا يُبَاعُ ذَلِكَ الصَّيْدُ وَيُشْتَرَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ مِنْ النَّعَمِ أَوْ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَهُ نَظِيرٌ يُنْظَرُ إلَى نَظِيرِهِ مِنْ النَّعَمِ الَّذِي يُشْبِهُهُ فِي الْمَنْظَرِ لَا إلَى الْقِيمَةِ حَتَّى يَجِبَ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ، وَفِي الْأَرَانِبِ عَنَاقٌ فِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ.

  28. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْحَمَامَةِ شَاةٌ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَزَعَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُشَابَهَةً مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعُبُّ، وَيَهْدُرُ، وَفِيمَا لَا نَظِيرَ لَهُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ، وَاحْتَجَّا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} ، وَحَقِيقَةُ الْمِثْلِ مَا يُمَاثِلُ الشَّيْءَ صُورَةً وَمَعْنًى،

  29. وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ، وَالنَّظِيرُ مِثْلٌ صُورَةً وَمَعْنًى

  30. وَالْقِيمَةُ مِثْلٌ مَعْنًى لَا صُورَةً، وَفِي قَوْلِهِ مِنْ النَّعَمِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً.

  31. وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَتْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا مَا سَمَّيْنَا مِنْ النَّظَائِرِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَخْذًا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ فَسَّرَ الْمِثْلَ بِالْقِيمَةِ، وَالْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ يَشْهَدُ لَهُ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي حَقِّ حُقُوقِ الْعِبَادَةِ يَكُونُ الْحَيَوَانُ مَضْمُونًا بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَا أَنَّ الْمِثْلَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ هُنَا فَكَذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَبْلَغُ مِنْهُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ النَّعَامَةُ مِثْلًا لِلنَّعَامَةِ كَيْفَ تَكُونُ الْبَدَنَةُ مِثْلًا لِلنَّعَامَةِ، وَالْمِثْلُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ الشَّيْءِ مِثْلًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِثْلًا لَهُ ثُمَّ لَا تَكُونُ النَّعَامَةُ مِثْلًا لِلْبَدَنَةِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ فَكَذَلِكَ لَا تَكُونُ الْبَدَنَةُ مِثْلًا لِلنَّعَامَةِ،

  32. وَإِذَا تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ صُورَةً وَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِالْمَعْنَى، وَهُوَ الْقِيمَةُ فَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ النَّعَمِ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَمَعْنَاهُ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ مِنْ النَّعَمِ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّ اسْمَ النَّعَمِ يَتَنَاوَلُ الْأَهْلِيَّ وَالْوَحْشِيَّ جَمِيعًا، وَمَعْنَاهُ فَجَزَاءٌ قِيمَةُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ الْوَحْشِيِّ، وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ فَجَزَاءٌ مَصْدَرٌ، وَمَا ذَكَرَ بَعْدَهُ وَصْفٌ فَإِنَّمَا يَكُونُ وَصْفًا لِلْمَذْكُورِ، وَذَلِكَ إذَا حُمِلَ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِيجَابُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لِهَذِهِ النَّظَائِرِ لَا بِاعْتِبَارِ أَعْيَانِهَا بَلْ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إلَّا أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَابَ الْمَوَاشِي فَكَانَ ذَلِكَ أَيْسَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ النُّقُودِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَدُ الْمَغْرُورِ يَفُكُّ الْغُلَامَ بِالْغُلَامِ، وَالْجَارِيَةَ بِالْجَارِيَةِ.

  33. الْمُرَادُ الْقِيمَةُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ أَحَدُهَا مَا بَيَّنَّا، وَالثَّانِي أَنَّ الَّذِي أَتَى الْحَكَمَيْنِ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ فَإِذَا ظَهَرَتْ قِيمَتُهُ فَالْخِيَارُ إلَى الْمُحْرِمِ بَيْنَ التَّكْفِيرِ بِالْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخِيَارُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فَإِذَا عَيَّنَا نَوْعًا عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَأَمَّا اعْتِبَارُ الْحَكَمَيْنِ بِالنَّصِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} .

  34. وَعَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ يَكْفِي الْوَاحِدُ لِلتَّقْوِيمِ،

  35. وَإِنْ كَانَ الْمَثْنَى أَحْوَطَ، وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ الْمَثْنَى بِالنَّصِّ، وَبَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَاهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا إنَّ صَاحِبِي هَذَا كَانَ مُحْرِمًا، وَإِنَّهُ رَمَى إلَى ظَبْيٍ، وَأَصَابَ أَحْشَاءَهُ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَسَارَّ عُمَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِشَيْءٍ

  36. ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ وَجَعَلَ السَّائِلُ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ إنَّ فَتْوَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا تُغْنِي عَنْك شَيْئًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ حَتَّى سَأَلَ غَيْرَهُ فَأَرَى أَنْ تَنْحَرَ رَاحِلَتَك هَذِهِ، وَتُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللَّهِ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَدَعَاهُ وَعَلَاهُ بِالدُّرَّةِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي لَا أُحِلُّ لَك مِنْ نَفْسِي شَيْئًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْك فَانْظُرْ لِنَفْسِك فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَاك حَسَنَ اللَّهْجَةِ وَالْبَيَانِ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فَأَنَا ذُو عَدْلٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ذُو عَدْلٍ،

  37. وَمَنْ يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى يُسَمَّى جَاهِلًا فِيكُمْ فَتَابَ الرَّجُلُ عَنْ مَقَالَتِهِ ثُمَّ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِظَاهِرِ الْآيَةِ فَإِنَّهُ قَالَ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَذَكَرَ الْهَدْيَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يَحْكُمُ أَوْ مَفْعُولُ حُكْمِ الْحُكْمِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ التَّعْيِينَ إلَى الْحَاكِمِ، وَفِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِعْلَهُمَا حُكْمًا دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْإِلْزَامَ إلَيْهِمَا، وَلَيْسَ إلَيْهِمَا إلْزَامُ أَصْلِ الْوَاجِبِ فَعَرَفْنَا أَنَّ إلَيْهِمَا التَّعْيِينَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا الْحَاجَةُ إلَى الْحَكَمَيْنِ لِإِظْهَارِ قِيمَةِ الصَّيْدِ فَبَعْدَ مَا ظَهَرَتْ الْقِيمَةُ فَهِيَ كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فَإِلَيْهِ التَّعْيِينُ لِمَا يُؤَدِّي بِهِ الْوَاجِبَ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَمَا فِي ضَمَانِ قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَإِنَّ تَعْيِينَ مَا يُؤَدَّى بِهِ الضَّمَانُ إلَيْهِ دُونَ الْمُقَوِّمِينَ فَكَذَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

  38. فَإِنْ اخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالْهَدْيِ فَعَلَيْهِ الذَّبْحُ فِي الْحَرَمِ، وَالتَّصَدُّقُ بِلَحْمِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَالْهَدْيُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ،

  39. وَإِنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ اشْتَرَى بِالْقِيمَةِ طَعَامًا فَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ،

  40. وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ يَصُومُ مَكَانَ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا،

  41. وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ طَعَامِ مِسْكِينٍ فَإِمَّا أَنْ يُطْعِمَ قَدْرَ الْوَاجِبِ،

  42. وَإِمَّا أَنْ يَصُومَ يَوْمًا كَامِلًا فَالصَّوْمُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَعِنْدَنَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الصَّوْمَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وَحَرْفُ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَقَاسَ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، وَقَالَ حَرْفُ " أَوْ " لَا يَنْفِي التَّرْتِيبَ فِي الْوَاجِبِ كَمَا فِي حَقِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي قَوْله تَعَالَى {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} الْآيَةَ، وَلَكِنْ هَذَا خِلَافُ الْحَقِيقَةِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْحَقِيقَةِ وَاجِبٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ، وَقِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ بَاطِلٌ،

  43. وَإِذَا اخْتَارَ الطَّعَامَ فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصَّيْدِ يُشْتَرَى بِهِ الطَّعَامُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُعْتَبَرُ قِيمَةُ النَّظِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ النَّظِيرُ فَإِنَّمَا يُحَوِّلُهُ إلَى الطَّعَامِ بِاخْتِيَارِهِ

  44. فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْوَاجِبِ، وَهُوَ النَّظِيرُ كَمَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَانْقَطَعَ الْمِثْلُ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ الْمِثْلِ، وَعِنْدَنَا الْوَاجِبُ قِيمَةُ الصَّيْدِ، وَالْأَصْلُ كَمَا بَيَّنَّا فَإِذَا اخْتَارَ أَدَاءَ الْوَاجِبِ بِالطَّعَامِ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ،

  45. وَإِنْ اخْتَارَ الصِّيَامَ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي طَعَامِ الْكَفَّارَةِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عِنْدَنَا يَتَقَدَّرُ بِنِصْفِ صَاعٍ، وَعِنْدَهُ بِمُدٍّ، وَمَذْهَبُهُ فِي هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

  46. (قَالَ) فَإِنْ أَخْرَجَ الْحَلَالُ صَيْدَ الْحَرَمِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ اسْتِحْسَانًا،

  47. وَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ مَا لَمْ يُعْلَمُ عَوْدُهُ إلَى الْحَرَمِ لِأَنَّهُ بِالْحَرَمِ كَانَ آمِنًا، وَقَدْ زَالَ هَذَا الْأَمْنُ بِإِخْرَاجِهِ فَيَكُونُ كَالْمُتْلِفِ لَهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ عَوْدُهُ إلَى الْحَرَمِ فَحِينَئِذٍ يَعُودُ إلَيْهِ الْأَمْنُ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ كَالْمُحْرِمِ يَأْخُذُ صَيْدًا فَيَمُوتُ فِي يَدَيْهِ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فَإِنَّ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي نَفْرِهِ، وَبُعْدِهِ عَنْ الْأَيْدِي.

  48. (قَالَ) وَإِذَا رَمَى الْحَلَالُ صَيْدًا مِنْ الْحِلِّ فِي الْحَرَمِ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ فِي الْحِلِّ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَهَذَا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ آمِنٌ بِالْحَرَمِ،

  49. وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحَرَمِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الرَّمْيِ إلَى الصَّيْدِ مِنْ الْحَرَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يُقَالُ أَحْرَمَ إذَا عَقَدَ عَقْدَ الْإِحْرَامِ، وَأَحْرَمَ إذَا دَخَلَ الْحَرَامَ كَمَا يُقَالُ أَشْأَمِ إذَا دَخَلَ الشَّامَ فَكَانَ فِي الْوَجْهَيْنِ مُرْتَكِبًا لِلنَّهْيِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الصَّيْدُ، وَالرَّامِي فِي الْحِلِّ فَرَمَاهُ ثُمَّ دَخَلَ الصَّيْدُ الْحَرَمَ فَيُصِيبُهُ فِيهِ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ لِأَنَّهُ فِي الرَّمْيِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ لِلنَّهْيِ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ، وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ فِي حِلِّ التَّنَاوُلِ حَالَةَ الْإِصَابَةِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ الْحِلَّ بِالذَّكَاةِ يَحْصُلُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ الصَّيْدُ صَيْدَ الْحَرَمِ لَمْ يَحِلَّ تَنَاوُلُهُ، وَعَلَى هَذَا إرْسَالُ الْكَلْبِ.

  50. تَنَاوُلُ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ

  51. (قَالَ) وَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ تَنَاوُلُهُ، وَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الذَّكَاةِ فِي تَسْيِيلِ الدَّمِ النَّجِسِ مِنْ الْحَيَوَانِ، وَشَرْطُ الْحِلِّ التَّسْمِيَةُ نَدْبًا أَوْ وَاجِبًا عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُحْرِمِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْحَلَالِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ التَّنَاوُلَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْقَاتِلِ بِطَرِيقِ الْعُقُوبَةِ لِيَكُونَ زَجْرًا لَهُ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَمَا يُجْعَلُ الْمَقْتُولُ ظُلْمًا حَيًّا فِي حَقِّ الْقَاتِلِ حَتَّى لَا يَرِثَهُ، وَهُوَ مَيِّتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ

  52. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وَالْفِعْلُ الْمُوجِبُ لِلْحِلِّ مُسَمًّى بِاسْمِ الذَّكَاةِ شَرْعًا فَلَمَّا سَمَّاهُ قَتْلًا هُنَا عَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحِلِّ أَصْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأَصْحَابِ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - هَلْ أَعَنْتُمْ هَلْ أَشَرْتُمْ هَلْ دَلَلْتُمْ؟ فَقَالُوا: لَا فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَنْ فَكُلُوا» فَإِذَا ثَبَتَ بِالْأَثَرِ أَنَّ الْإِعَانَةَ مِنْ الْمُحْرِمِ تُوجِبُ الْحُرْمَةَ فَمُبَاشَرَةُ الْقَتْلِ هُنَا أَوْلَى فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال وَعِنْدَكُمْ الصَّيْدُ لَا يَحْرُمُ تَنَاوُلُهُ بِإِشَارَةِ الْمُحْرِمِ وَدَلَالَتِهِ قُلْنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هُمَا فِي الزِّيَادَاتِ،

  53. وَمِنْ ضَرُورَةِ حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ حُرْمَةُ التَّنَاوُلِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ فَإِنْ قَامَ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى انْتِسَاخِ هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ الْإِشَارَةِ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِهِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ هَذَا الِاصْطِيَادَ مُحَرَّمٌ لِمَعْنَى الدِّينِ، وَلِهَذَا حَرُمَ التَّنَاوُلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ نَظِيرَ اصْطِيَادِ الْمَجُوسِيِّ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ فِي حَقِّ الْكُلِّ فَهَذَا مِثْلُهُ.

  54. (قَالَ) فَإِنْ أَدَّى الْمُحْرِمُ جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،

  55. وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيمَا أَكَلَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ، وَحُجَّتُهُمَا أَنَّ صَيْدَ الْمُحْرِمِ كَالْمَيْتَةِ أَوْ كَذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ، وَتَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ لَا يُوجِبُ إلَّا الِاسْتِغْفَارَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَكَلَ مِنْهُ حَلَالٌ أَوْ مُحْرِمٌ آخَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ فَكَذَا إذَا أَكَلَ هُوَ مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَلَالَ إذَا ذَبَحَ صَيْدًا فِي الْحُرُمِ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ،

  56. وَكَذَلِكَ الْمُحْرِمُ إذَا كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ فَأَدَّى جَزَاءَهُ ثُمَّ شَوَاهُ فَأَكَلَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ آخَرُ كَذَا هَذَا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَنَاوَلَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ كَسَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَتْلَ هَذَا الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ، وَالْقَتْلُ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِلتَّنَاوُلِ مِنْهُ فَإِذَا كَانَ مَا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْجَزَاءُ بِهِ فَمَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَوْلَى

  57. بِخِلَافِ مُحْرِمٍ آخَرَ فَإِنَّ هَذَا التَّنَاوُلَ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ، وَبِخِلَافِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ الْأَمْنِ الثَّابِتِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ، وَذَلِكَ لِلصَّيْدِ لَا لِلَّحْمِ،

  58. وَكَذَلِكَ الْبَيْضُ، وُجُوبُ الْجَزَاءِ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَصْلُ الصَّيْدِ، وَبَعْدَ الْكَسْرِ انْعَدَمَ هَذَا الْمَعْنَى يُقَرِّرُهُ أَنَّ الْمَقْتُولَ بِغَيْرِ حَقٍّ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ كَالْحَيِّ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَرِثَ، وَكَالْمَيِّتِ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى تُعْتَقَ أُمُّ الْوَلَدِ إذَا قَتَلَتْ مَوْلَاهَا فَفِيمَا يَنْبَنِي أَمْرُهُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ جَعَلْنَاهُ كَالْحَيِّ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ، وَهُوَ جَزَاءُ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ بِالتَّنَاوُلِ جَزَاءٌ آخَرُ،

  59. وَأَمَّا جَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فِي الْإِيجَابِ فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا مَعْنَى

  60. اللَّحْمِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ فِيهِ الْجَزَاءَ.

  61. أَصَابَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَذَبَحَهُ

  62. (قَالَ) وَإِذَا أَصَابَ الْحَلَالُ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَذَبَحَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - دَعَاهُ إلَى الطَّعَامِ، وَكَانَ مُحْرِمًا فَرَأَى الْيَعَاقِيبَ فِي الْقَصْعَةِ فَقَامَ فَقِيلَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إنَّمَا قَامَ كَرَاهَةً لِطَعَامِك فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ مَا كَرِهْت طَعَامَهُ، وَلَكِنْ كُنْت مُحْرِمًا فَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجْلَ حِمَارِ وَحْشٍ فَرَدَّهُ فَرَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بِنَا رَدٌّ لِهَدِيَّتِك، وَلَكِنَّا حُرُمٌ» .

  63. (وَلَنَا) فِي ذَلِكَ حَدِيثُ طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «تَذَاكَرْنَا لَحْمَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَائِمٌ فِي حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إلَيْنَا فَقَالَ فِيمَ كُنْتُمْ؟ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بَأْسَ بِهِ» ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِالرَّوْحَاءِ مَعَ أَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَهُمْ مُحْرِمُونَ فَرَأَى حِمَارَ وَحْشٍ عَقِيرًا وَبِهِ سَهْمٌ ثَابِتٌ فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَخْذَهُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعُوهُ حَتَّى يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْزٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ رَمْيَتِي فَهِيَ لَك فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنْ يَقْسِمَهَا بَيْنَ الرِّفَاقِ» ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ تَصْحِيفٌ وَقَعَ مِنْ الرَّاوِي،

  64. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أُهْدِيَ إلَيْهِ حِمَارُ وَحْشٍ، وَلَئِنْ صَحَّ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرِّجْلِ الْقِطْعَةَ مِنْ اللَّحْمِ بَلْ هُوَ الْعَدَدُ مِنْ حِمَارِ الْوَحْشِ كَمَا يُقَالُ رِجْلُ جَرَادٍ لِلْجَمَاعَةِ مِنْهُ، وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنْ اصْطَادَ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُحْرِمِينَ صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ إلَّا مَا اصْطَدْتُمُوهُ أَوْ صِيدَ لَكُمْ» ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذِهِ اللَّامُ لَامُ التَّمْلِيكِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ صَيْدًا، وَسَوَاءٌ اصْطَادَ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُحْرِمٍ فَهُوَ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ صَيْدًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْمُحْرِمِ حِينَ يُهْدِيهِ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وَهُوَ عِنْدَ ذَلِكَ لَحْمٌ لَا صَيْدَ فِيهِ فَلِهَذَا حَلَّ تَنَاوُلُهُ.

  65. (قَالَ) مُحْرِمٌ كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَالْمَعْنَى فِيهِ، وَهُوَ أَنَّ الْبَيْضَ أَصْلُ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مُعَدٌّ لِيَكُونَ صَيْدًا مَا لَمْ يَفْسُدْ فَيُعْطَى لَهُ حُكْمُ الصَّيْدِ فِي إيجَابِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِإِفْسَادِهِ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ فِي الرَّحِمِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ مُنِعَ حُدُوثُ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ فَيُجْعَلُ كَالْمُتْلَفِ بَعْدَ الْحُدُوثِ بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ مَنَعَ

  66. حُدُوثَ الرِّقِّ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْفَرْخِ حَيًّا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَغْرَمُ إلَّا قِيمَةَ الْبَيْضَةِ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاةُ الْفَرْخِ قَبْلَ كَسْرِهِ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ الْبَيْضُ مَا لَمْ يَفْسُدْ فَهُوَ مُعَدٌّ لِيَخْرُجَ مِنْهُ فَرْخٌ حَيٌّ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَذَا الْأَصْلِ وَاجِبٌ حَتَّى يَظْهَرَ خِلَافُهُ، وَلِأَنَّ كَسْرَ الْبَيْضَةِ سَبَبٌ لِمَوْتِ الْفَرْخِ إذَا حَصَلَ قَبْلَ أَوَانِهِ فَإِذَا ظَهَرَ الْمَوْتُ عَقِيبَ هَذَا السَّبَبِ يُحَالُ بِهِ عَلَيْهِ،

  67. وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ بَطْنَ ظَبْيَةٍ فَطَرَحَتْ جَنِينًا مَيِّتًا ثُمَّ مَاتَتْ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا جَمِيعًا أَخْذًا فِيهِ بِالثِّقَةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ سَبَبٌ صَالِحٌ لِمَوْتِهِمَا، وَقَدْ ظَهَرَ الْمَوْتُ عَقِيبَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَخْذًا بِالثِّقَةِ الْإِشَارَةَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الضَّمَانِ الْوَاجِبِ لِحَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ مَنْ ضَرَبَ بَطْنَ جَارِيَةٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَمَاتَتْ لَمَّا وَجَبَ هُنَاكَ ضَمَانُ الْأَصْلِ لَمْ يَجِبْ ضَمَانُ الْجَنِينِ لِأَنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ الْجُزْءِ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي حُكْمِ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ، وَالضَّمَانُ الْوَاجِبُ لِحَقِّ الْعِبَادِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلَا يَجِبُ فِي مَوْضِعِ الشَّكِّ فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَلِهَذَا رُجِّحَ شِبْهُ النَّفْسِ فِي الْجَنِينِ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ جَزَاءَهُمَا.

  68. (قَالَ) وَإِذَا عَطِبَ الصَّيْدُ بِفُسْطَاطِ الْمُحْرِمِ أَوْ بِحَفِيرَةٍ حَفَرَهَا لِلْمَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

  69. بِخِلَافِ مَا إذَا نَصَبَ شَبَكَةً أَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً لِأَخْذِ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إلَّا أَنَّ التَّسَبُّبَ إذَا كَانَ تَعَدِّيًا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ عَلَى الطَّرِيقِ،

  70. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَعَدِّيًا لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَنَصْبُ الشَّبَكَةِ مِنْ الْمُحْرِمِ تَعَدٍّ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الِاصْطِيَادَ فَأَمَّا ضَرْبُ الْفُسْطَاطِ فَلَيْسَ بِتَعَدٍّ إذْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الِاصْطِيَادَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَلَالَ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ مَلَكَهُ حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ

  71. بِخِلَافِ مَا إذَا ضَرَبَ فُسْطَاطًا، وَعَلَى هَذَا إذَا فَزِعَ مِنْهُ الصَّيْدُ فَاشْتَدَّ فَانْكَسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ

  72. بِخِلَافِ مَا إذَا أَفْزَعَهُ هُوَ أَوْ حَرَّكَهُ فَإِنَّهُ وُجِدَ بِسَبَبٍ هُوَ فِيهِ مُتَعَدٍّ فَيَكُونُ هُوَ ضَامِنًا.

  73. (قَالَ) مُحْرِمٌ اصْطَادَ صَيْدًا فَأَرْسَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ مِنْ يَدِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الصَّيْدَ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالنَّصِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} فَلَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ كَمَنْ اشْتَرَى خَمْرًا لَا يَمْلِكُهَا لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةُ الْعَيْنِ فَإِذَا لَمْ يَمْلِكْهُ لَمْ يَكُنْ الْمُرْسِلُ مِنْ يَدِهِ مُتْلِفًا عَلَيْهِ شَيْئًا وَلِأَنَّهُ فَعَلَ عَيْنَ مَا يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ شَرْعًا فَهُوَ كَمَنْ أَرَاقَ الْخَمْرَ عَلَى الْمُسْلِمِ.

  74. (قَالَ) وَلَوْ قَتَلَهُ فِي يَدِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاؤُهُ أَمَّا الْقَاتِلُ فَلِأَنَّهُ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ،

  75. وَأَمَّا الْآخِذُ فَلِأَنَّهُ كَانَ مُتْلِفًا لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا بِإِثْبَاتِ يَدِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ الْآخِذُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى الْقَاتِلِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْآخِذَ لَمْ يَمْلِكْ الصَّيْدَ، وَلَا كَانَتْ لَهُ

  76. فِيهِ يَدٌ مُحْتَرَمَةٌ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ لَهُ عَلَى الْقَاتِلِ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلِأَنَّهُ بِالْقَتْلِ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ يُفْتَى بِهَا، وَيَخْرُجُ بِالصَّوْمِ مِنْهَا فَلَوْ رَجَعَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَرْجِعُ بِضَمَانِ الْمَالِيَّةِ، وَيُطَالَبُ بِهِ، وَيُحْبَسُ بِهِ،

  77. وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا لَزِمَهُ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ عَلَى هَذَا الصَّيْدِ كَانَتْ يَدًا مُعْتَبَرَةً لِحَقِّ الْآخِذِ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ الْإِرْسَالِ، وَإِسْقَاطِ الْجَزَاءِ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْقَاتِلُ يَصِيرُ مُفَوِّتًا عَلَيْهِ هَذِهِ الْيَدَ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ،

  78. وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ الْآخِذُ كَغَاضِبِ الْمُدَبَّرِ إذَا قَتَلَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَرَّرَ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، وَذَلِكَ سَبَبٌ مُثْبِتٌ لِلرُّجُوعِ عَلَيْهِ كَشُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَاَلَّذِي قَالَ يُفْتَى بِهِ، وَيَخْرُجُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ فَذَلِكَ لَيْسَ لِمَعْنًى رَاجِعٍ إلَى نَفْسِ الْحَقِّ بَلْ لِمَعْنًى مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ فَإِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِطَرِيقِ الْفَتْوَى، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ مَالِ عِبَادِهِ إنَّمَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ التَّعْظِيمَ لِأَمْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّفَاوُتِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ كَالْأَبِ إذَا غَصَبَ مُدَبَّرَ ابْنِهِ فَغَصَبَهُ مِنْهُ آخَرُ ثُمَّ إنَّ الِابْنَ ضَمِنَ أَبَاهُ رَجَعَ الْأَبُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْهُ،

  79. وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يُحْبَسُ فِيمَا لَزِمَهُ لِابْنِهِ، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْغَاصِبَ مِنْهُ فِيمَا يُطَالِبُهُ بِهِ.

  80. (قَالَ) وَلَوْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ ظَبْيٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْيَدِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْشَاءِ فَإِنَّ الْيَدَ مُسْتَدَامَةٌ، وَكَمَا أَنَّ إنْشَاءَ الْيَدِ مُتْلِفُ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ فَالِاسْتِدَامَةُ كَذَلِكَ.

  81. (قَالَ) فَإِنْ أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ فَعَلَى الْمُرْسِلِ قِيمَتُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِذِي الْيَدِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا شَيْءَ عَلَيْهِ اسْتِحْسَانًا، وَهُوَ نَظِيرُ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ أَتْلَفَ عَلَى غَيْرِهِ شَيْئًا مِنْ الْمَعَازِفِ فَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا فِعْلُهُ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِإِرْسَالِهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُهُ شَرْعًا فَفَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ لَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلضَّمَانِ كَمَنْ أَرَاقَ خَمْرَ مُسْلِمٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الصَّيْدُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ كَانَ مِلْكًا لَهُ مُتَقَوِّمًا، وَلَمْ يَبْطُلْ ذَلِكَ بِالْإِحْرَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّيْدَ لَوْ كَانَ فِي بَيْتِهِ بَقِيَ مَمْلُوكًا مُتَقَوِّمًا عَلَى حَالِهِ فَاَلَّذِي أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مِلْكًا مُتَقَوِّمًا فَيَضْمَنُ لَهُ

  82. بِخِلَافِ إرَاقَةِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثُمَّ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ يَدِهِ،

  83. وَلَوْ رَفَعَ بِنَفْسِهِ يَرْفَعُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفَوِّتُ مِلْكَهُ بَعْدَمَا يَحِلُّ مِنْ إحْرَامِهِ فَإِذَا فَوَّتَ هَذَا الْمُرْسِلُ مِلْكَهُ فَقَدْ زَادَ عَلَى مَا يَحِقُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهُ، وَهَذَا طَرِيقُهُ أَيْضًا فِي إتْلَافِ الْمَعَازِفِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ مَا إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ هُنَاكَ لَمْ يَمْلِكْهُ بِالْأَخْذِ فَالْمُرْسِلُ لَا يَكُونُ

  84. مُفَوِّتًا عَلَيْهِ مِلْكًا مُتَقَوِّمًا، وَهُنَا بِالْإِحْرَامِ لَمْ يَبْطُلْ مِلْكُهُ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَالدَّلِيلُ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا أَخَذَ صَيْدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهُ الْمُحْرِمُ فِي يَدِهِ بَعْدَمَا حَلَّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ،

  85. وَلَوْ أَحْرَمَ، وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ فَأَرْسَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَمَا حَلَّ فِي يَدِ غَيْرِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ مِنْهُ فَدَلَّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ.

  86. مُحْرِمٌ قَتَلَ سَبُعًا

  87. (قَالَ) مُحْرِمٌ قَتَلَ سَبُعًا فَإِنْ كَانَ السَّبُعُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَهُ فَآذَاهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنْ نَقُولَ مَا اسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ بِقَوْلِهِ «خَمْسٌ مِنْ الْفَوَاسِقِ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ، وَالْفَأْرَةَ، وَالْعَقْرَبَ، وَالْحَدَأَةَ، وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ» فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ،

  88. وَلَا عَلَى الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ بِقَتْلِ هَذِهِ الْخَمْسِ لِأَنَّ قَتْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحٌ مُطْلَقًا، وَهَذَا الْبَيَانُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَالْمُلْحَقِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ فَأَمَّا سِوَى الْخَمْسِ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ مِنْهَا شَيْئًا ابْتِدَاءً فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا اسْتَثْنَى الْخَمْسَ لِأَنَّ مِنْ طَبْعِهَا الْأَذَى فَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ طَبْعِهِ الْأَذَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْسِ مُسْتَثْنًى مِنْ نَصِّ التَّحْرِيمِ فَصَارَ كَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَا تَقْتُلُوا مِنْ الصَّيُودِ غَيْرَ الْمُؤْذِي،

  89. وَلَوْ كَانَ النَّصُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا مَا هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ غَيْرُ الْمُؤْذِي، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَثْنَى الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْأَسَدَ أَلَا تَرَى «أَنَّهُ حِينَ دَعَا عَلَى عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ قَالَ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك فَافْتَرَسَهُ أَسَدٌ بِدُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ حُرْمَةٌ مُمْتَدَّةٌ إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} ، وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَأْكُولَ اللَّحْمِ فَأَمَّا غَيْرُ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَمُحَرَّمُ التَّنَاوُلِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا النَّصُّ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ، وَاسْمُ الصَّيْدِ يَعُمُّ الْكُلَّ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ لِتَنَفُّرِهِ، وَاسْتِيحَاشِهِ، وَبُعْدِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَفْظَةَ الِاصْطِيَادِ بِهَذَا الْمَعْنَى تُطْلَقُ عَلَى أَخْذِ الرِّجَالِ قَالَ الْقَائِلُ

  90. صَيْدُ الْمُلُوكِ ثَعَالِبٌ وَأَرَانِبُ ...

  91. وَإِذَا رَكِبْتُ فَصَيْدِي الْأَبْطَالُ

  92. ثُمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ النَّصِّ خَمْسٌ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْخَمْسِ فَحُكْمُ النَّصِّ فِيهِ ثَابِتٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِيذَاءِ خَرَجَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا بِعَدَدِ الْخَمْسِ فَكَانَ هَذَا تَعْلِيلًا مُبْطِلًا لِلنَّصِّ ثُمَّ مَا سِوَى

  93. الْخَمْسِ فِي مَعْنَى الْأَذَى دُونَ الْخَمْسِ لِأَنَّ الْخَمْسَ مِنْ طَبْعِهَا الْبُدَاءَةُ بِالْأَذَى، وَمَا سِوَاهَا لَا يُؤْذِي إلَّا أَنْ يُؤْذَى فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ لِيَلْحَقَ بِهِ، وَلِذَا قَالَ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ إلَى غَايَةٍ فَحُرْمَةُ الِاصْطِيَادِ هَكَذَا لِأَنَّ النَّصَّ يُثْبِتُ حُرْمَةَ الِاصْطِيَادِ لَا حُرْمَةِ التَّنَاوُلِ، وَحُرْمَةُ الِاصْطِيَادِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ تَثْبُتُ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَمَا تَثْبُتُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ ثُمَّ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْجَزَاءَ يَجِبُ بِقَتْلِ الضَّبُعِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِأَنَّ عِنْدَهُ الضَّبُعَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ، وَعِنْدَنَا هُوَ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي لَمْ يَتَنَاوَلْهَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَفِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «حِينَ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هُوَ؟ فَقَالَ نَعَمْ فَقِيلَ أَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ فِيهِ؟ قَالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَسَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ نَعَمْ» ، وَلَكِنْ السَّبُعُ إنْ كَانَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ الْمُحْرِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجَزَاءُ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّيْدِ هَدَرٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْجَرْحِ أَيْ جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ.

  94. أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الضَّمَانِ الْوَاجِبِ لِحَقِّ الْعِبَادِ إذَا كَانَ السَّبُعُ مَمْلُوكًا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبُدَاءَةُ مِنْهُ أَوْ مِنْ السَّبُعِ فَكَذَلِكَ فِيمَا يَجِبُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَإِنَّهُ قَتَلَ ضَبُعًا فِي الْإِحْرَامِ فَأَهْدَى كَبْشًا، وَقَالَ إنَّا ابْتَدَأْنَاهُ فَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ بَيَانُ أَنَّ الْبُدَاءَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ السَّبُعِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ الْخَمْسَ مُسْتَثْنَاةً لِتَوَهُّمِ الْأَذَى مِنْهَا غَالِبًا، وَتَحَقُّقُ الْأَذَى يَكُونُ أَبْلَغُ مِنْ تَوَهُّمِهِ فَتَبَيَّنَ بِالنَّصِّ أَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ عَلَيْهِ قَتْلَ الصَّيْدِ، وَمَا أَلْزَمَهُ تَحَمُّلَ الْأَذَى مِنْ الصَّيْدِ فَإِذَا جَاءَ الْأَذَى مِنْ الصَّيْدِ صَارَ مَأْذُونًا فِي دَفْعِ أَذَاهُ مُطْلَقًا فَلَا يَكُونُ فِعْلُهُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ.

  95. وَبِهَذَا فَارَقَ ضَمَانَ الْعِبَادِ فَإِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ لِحَقِّ الْعِبَادِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْإِذْنُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ فِي إتْلَافِهِ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْقُطَ بِهِ الضَّمَانُ

  96. بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ،

  97. وَلَا يَدْخُلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَتْلُ الْمُحْرِمِ الْقَمْلَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ،

  98. وَإِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ قَمْلَةً وَجَدَهَا عَلَى الطَّرِيقِ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا لِأَنَّهَا مُؤْذِيَةٌ، وَلَكِنْ إذَا قَتَلَ الْقَمْلَ عَلَى نَفْسِهِ إنَّمَا يَضْمَنُ لِمَعْنَى قَضَاءِ التَّفَثِ بِإِزَالَةِ مَا يَنْمُو مِنْ بَدَنِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا

  99. بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ إذَا كَانَ مُضْطَرًّا فَقَتَلَ صَيْدًا لِأَنَّ الْإِذْنَ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ هُنَاكَ مُقَيَّدٌ، وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي حَقِّ الْمُضْطَرِّ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} الْآيَةَ، وَالْإِذْنُ عِنْدَ الْأَذَى ثَابِتٌ بِالنَّصِّ مُطْلَقًا فِي حَقِّ الصَّيْدِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ السَّبُعَ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ بِقَتْلِهِ لَا يُجَاوِزُ بِقِيمَتِهِ شَاةً عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ

  100. - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ عَلَى قِيَاسِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الصَّيُودِ هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْخِلَافَ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عِنْدَ زُفَرَ فِيمَا هُوَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ لَا يُجَاوِزُ بِقِيمَتِهِ شَاةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِأَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُعْتَبَرٌ بِالْوَاجِبِ لِحَقِّ الْعِبَادِ، وَهُنَاكَ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَبَيْنَ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ فَهُنَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ تَجِبُ الْقِيمَةُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا أَوْ لَا يُجَاوِزُ بِالْقِيمَةِ شَاةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فَقَطْ لَا بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَأْكُولٍ، وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَاةٍ كَسَائِرِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ فَأَمَّا فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ لِلَحْمِهِ بِفِعْلِهِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ،

  101. وَكَذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وُجُوبُ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْعَيْنِ فَيَتَقَدَّرُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ، وَهَذَا لِأَنَّ زِيَادَةَ الْقِيمَةِ فِي الْفَهْدِ، وَالنَّمِرِ، وَالْأَسَدِ لِمَعْنَى تَفَاخُرِ الْمُلُوكِ بِهِ لَا لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ شَاةٍ إنْ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ،

  102. وَإِنْ كَانَ قَارِنًا لَا يُجَاوِزُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَاتَيْنِ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ.

  103. (قَالَ) وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا. وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْتَثْنَى مَكَانَ الْحَدَأَةِ الْغُرَابُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَبْقَعُ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ، وَيَخْلِطُ فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى فَأَمَّا الْعَقْعَقُ فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا، وَالْخِنْزِيرُ وَالْقِرْدُ يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِمَا عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ؛

  104. لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ مُؤْذٍ بِطَبْعِهِ، وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى قَتْلِهِ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُعِثْت لِكَسْرِ الصَّلِيبِ، وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ» ، وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِأَنَّهُ مُتَوَحِّشٌ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى غَالِبًا فَيَكُونُ نَصُّ التَّحْرِيمِ مُتَنَاوِلًا لَهُ،

  105. وَكَذَلِكَ السَّمُّورُ وَالدَّلَقُ يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِمَا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْفِيلُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ وَحْشِيًّا فَأَمَّا الْفَأْرَةُ مُسْتَثْنَاةٌ فِي الْحَدِيثِ وَحْشِيُّهَا وَأَهْلِيُّهَا سَوَاءٌ وَالسِّنَّوْرِ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ أَهْلِيًّا كَانَ أَوْ وَحْشِيًّا.

  106. وَفِي رِوَايَةِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْهُ بَرِّيًّا فَهُوَ مُتَوَحِّشٌ كَالصَّيُودِ يَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ فَأَمَّا الضَّبُّ فَلَيْسَ فِي مَعْنَى الْخَمْسَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى فَيَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ

  107. بِقَتْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَرَانِبُ وَالْيَرْبُوعُ يَجِبُ بِقَتْلِهِمَا الْقِيمَةُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي الْقُنْفُذِ رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْفَأْرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ جَعَلَهُ كَالْيَرْبُوعِ فَإِذَا بَلَغَتْ قِيمَةُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحَيَوَانِ حَمَلًا أَوْ عَنَاقًا لَمْ يُجْزِهِ الْحَمَلُ وَلَا الْعَنَاقُ مِنْ الْهَدْيِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَدْنَى مَا يَجْزِي فِي ذَلِكَ الْجَذَعُ الْعَظِيمُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دُونَ ذَلِكَ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ، وَجُعِلَ هَذَا قِيَاسُ الْأُضْحِيَّةِ فَكَمَا لَا يَجْزِي هُنَاكَ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ دَمِ الْحَمَلِ وَالْعَنَاقِ كَمَقْصُودٍ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالنَّصِّ هُنَا الْهَدْيُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَكَمَا لَا يُجْزِئُ الْحَمَلُ وَالْعَنَاقُ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ لَا يُجْزِئُ هُنَا، وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى جَوَّزُوا ذَلِكَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ اسْتِحْسَانًا بِالْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ بِهِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَالُوا فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَلِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُسَمِّي الدَّرَاهِمَ وَالثَّوْبَ هَدْيًا أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَالْحَمَلُ وَالْعَنَاقُ أَوْلَى فِي ذَلِكَ،

  108. وَلَا يَسْتَقِيمُ قِيَاسُهُ عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ، وَلِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ يَكُونُ عَنَاقًا وَفَصِيلًا وَجَدْيًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى نَاقَةً فَنَتَجَتْ كَانَ وَلَدُهَا هَدْيًا مَعَهَا يُنْحَرُ،

  109. وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَدْيٍ لَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِهِ كَذَلِكَ قَبْلَ النَّحْرِ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أُجَوِّزُهُ هَدْيًا تَبَعًا لَا مَقْصُودًا كَمَا يُجَوِّزُ بِهِ التَّضْحِيَةَ تَبَعًا لَا مَقْصُودًا إذَا نَتَجَتْ الْأُضْحِيَّةُ

  110. (قَالَ) وَفِي بَيْضِ النَّعَامَةِ عَلَى الْمُحْرِمِ الْقِيمَةُ، وَفِي الْكِتَابِ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا أَوْجَبَا فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ الْقِيمَةَ

  111. (قَالَ) وَلَوْ أَنَّ الْمُحْرِمَ رَمَى صَيْدًا فَجَرَحَهُ ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ ثُمَّ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى لِأَنَّهُ صِيدَ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ الْجُرْحِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ انْتَهَى حُكْمُ ذَلِكَ الْجُرْحِ بِالتَّكْفِيرِ فَقَتْلُهُ الْآنَ جِنَايَةٌ أُخْرَى مُبْتَدَأَةٌ فَيَلْزَمُهُ بِهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى،

  112. وَإِنْ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ فِي الْأُولَى لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إذَا كَفَّرَ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ إلَّا مَا نَقَصَهُ الْجُرْحُ الْأَوَّلُ يُرِيدُ بِهِ إذَا كَفَّرَ بِقِيمَةِ صَيْدٍ صَحِيحٍ مَجْرُوحٍ فَأَمَّا إذَا كَفَّرَ بِقِيمَةِ صَيْدٍ صَحِيحٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ لِأَنَّ الْفِعْلَيْنِ مِنْهُ جِنَايَةٌ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ فِعْلٍ وَاحِدٍ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا لِأَنَّ حُكْمَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ بَاقٍ فَيُجْعَلُ الثَّانِي إتْمَامًا لَهُ فَأَمَّا بَعْدَ التَّكْفِيرِ قَدْ انْتَهَى حُكْمُ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الْفِعْلُ الثَّانِي جِنَايَةً مُبْتَدَأَةً.

  113. (قَالَ)

  114. مُحْرِمٌ جَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ كَفَّرَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ثُمَّ مَاتَ أَجْزَأَتْهُ الْكَفَّارَةُ الَّتِي أَدَّاهَا لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ جِنَايَتُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِجُرْحِ الصَّيْدِ فَإِنَّمَا أَدَّى الْوَاجِبَ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فَإِذَا تَمَّ الْوُجُوبُ بِذَلِكَ السَّبَبِ جَازَ الْمُؤَدِّي كَمَا لَوْ جَرَحَ مُسْلِمًا ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ.

  115. (قَالَ) وَإِذَا أَحْرَمَ الرَّجُلُ، وَلَهُ فِي مَنْزِلِهِ صَيْدٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَرِّضٌ لِلصَّيْدِ بِإِمْسَاكِهِ فِي مِلْكِهِ، وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ كَمَا لَوْ كَانَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ بِحَضْرَتِهِ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِالْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ لِأَنَّ النَّاسَ يُحْرِمُونَ وَلَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ بُرُوجُ الْحَمَامَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَتَكَلَّفْ أَحَدٌ لِإِرْسَالِ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَلَا أُمِرَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ لِإِزَالَةِ الصَّيْدِ عَنْ مِلْكِهِ، وَتَعَرُّضُهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي يَدِهِ بِحَضْرَتِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الصَّيْدُ غَائِبًا عَنْهُ فِي بَيْتِهِ لَا يَكُونُ هُوَ مُتَعَرِّضًا لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّعَرُّضُ لِلصَّيْدِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّطَيُّبُ وَلُبْسُ الْمَخِيطِ فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ مِلْكِهِ.

  116. (قَالَ) وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ الشَّاةَ وَالدَّجَاجَةَ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الصَّيُودِ فَإِنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِمَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مُتَوَحِّشًا فَمَا لَا يَكُونُ جِنْسُهُ مُمْتَنِعًا مُتَوَحِّشًا لَا يَكُونُ صَيْدًا.

  117. (قَالَ) وَكَذَلِكَ الْبَطُّ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ النَّاسِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْكَسْكَرِيُّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْحِيَاضِ هُوَ كَالدَّجَاجِ مُسْتَأْنَسٌ بِجِنْسِهِ فَأَمَّا الْبَطُّ الَّذِي يَطِيرُ فَهُوَ صَيْدٌ يَجِبُ الْجَزَاءُ فِيهِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْحَمَامُ أَصْلُهُ صَيْدٌ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ فِي الْمُسَرْوَلِ مِنْ الْحَمَامِ شَيْءٌ عَلَى الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ مُسْتَأْنَسٌ لَا يَفِرُّ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْحَمَامُ بِجِنْسِهِ مُمْتَنِعٌ مُتَوَحِّشٌ فَكَانَ صَيْدًا،

  118. وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ قَدْ اُسْتُؤْنِسَ كَالنَّعَامَةِ وَحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَغَيْرِهِمَا.

  119. الَّذِي يُرَخَّصُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ

  120. (قَالَ) وَاَلَّذِي يُرَخَّصُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ هُوَ السَّمَكُ خَاصَّةً فَأَمَّا طَيْرُ الْبَحْرِ لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْمُحْرِمِ،

  121. وَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ صَيْدَ الْبَحْرِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} الْآيَةَ فَالْمُحْرِمُ وَالْحَلَالُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلِأَنَّ الْمُحَرَّمَ بِالنَّصِّ قَتْلُ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْقَتْلُ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَلِأَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ مَا يَكُونُ بَحْرِيَّ الْأَصْلِ وَالْمَعَاشِ كَالسَّمَكِ فَأَمَّا الطَّيْرُ فَهُوَ بَرِّيُّ الْأَصْلِ بَحْرِيُّ الْمَعَاشِ لِأَنَّ تَوَالُدَهُ يَكُونُ فِي الْبَرِّ دُونَ الْمَاءِ فَيَكُونُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَا يَكُونُ مَائِيَّ الْأَصْلِ،

  122. وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ كَالضُّفْدَعِ جُعِلَ مَائِيًّا بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِهِ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ مَا يَكُونُ بَرِّيَّ الْأَصْلِ لَا يُرَخَّصُ لِلْمُحْرِمِ فِيهِ.

  123. (قَالَ) مُحْرِمٌ اصْطَادَ

  124. ظَبْيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ أَوْ بَعْدَ مَا حَلَّ ثُمَّ ذَبَحَهَا، وَوَلَدَهَا فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا جَمِيعًا لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَ الظَّبْيَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهَا لِإِزَالَةِ جِنَايَتِهِ، وَذَلِكَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فِي الْحِلِّ شَرْعًا فَيَسْرِي إلَى الْوَلَدِ،

  125. وَيَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ وَلَدِهَا مَعَهَا، وَمَا كَانَ مِنْ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ فِي الْعَيْنِ أَوْ فِي الْمَعْنَى لَا يَرْتَفِعُ بِخُرُوجِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ فَإِذَا ذَبَحَهُمَا فَقَدْ فَوَّتَ الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِمَا شَرْعًا فَلِهَذَا وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُمَا جَمِيعًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الصَّيْدُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ لَكَانَ الرَّدُّ فِيهِمَا مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمَالِكِ فَبِذَبْحِهِمَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُمَا فَهَذَا مِثْلُهُ أَوْ أَوْلَى.

  126. (قَالَ) وَأَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَرِيَ الصَّيْدَ، وَأَنْهَاهُ عَنْهُ لِأَنَّ الصَّيْدَ فِي حَقِّهِ مُحَرَّمُ الْعَيْنِ فَلَا يَكُونُ مَالًا مُتَقَوِّمًا كَالْخَمْرِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ أَصْلًا،

  127. وَإِنْ اشْتَرَاهُ مِنْ مُحْرِمٍ أَوْ حَلَالٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَخَذَهُ فَإِنْ عَطِبَ فِي يَدِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِجِنَايَتِهِ عَلَى الصَّيْدِ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ إتْلَافٌ لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ،

  128. وَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ جَزَاؤُهُ أَيْضًا إنْ كَانَ مُحْرِمًا لِأَنَّهُ جَانٍ عَلَى الصَّيْدِ بِتَسْلِيمِهِ إلَى الْمُشْتَرِي مُفَوِّتٌ لِمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ مِنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ فَكَانَ ضَامِنًا لِلْجَزَاءِ.

  129. (قَالَ) وَإِنْ اصْطَادَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ،

  130. وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ مَعْنًى بِإِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَالْإِتْلَافُ الْحُكْمِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْإِتْلَافِ الْحَقِيقِيِّ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَطَعَ إحْدَى قَوَائِمِ الظَّبْيِ

  131. (قَالَ) مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ أَخْرَجَ صَيْدًا مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ عَلَى الْحَرَمِ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْحَرَمِ آمِنًا صَيْدًا، وَقَدْ أَزَالَ ذَلِكَ الْأَمْنَ عَنْهُ بِإِخْرَاجِهِ فَعَلَيْهِ إعَادَةُ أَمْنِهِ بِأَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْحَرَمِ فَيُرْسِلَهُ فِيهِ، وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ هُوَ مُتَعَدٍّ فِي فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ نَسْخُ ذَلِكَ الْفِعْلِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» ، وَنَسَخَ فِعْلَهُ بِأَنْ يُعِيدَهُ كَمَا كَانَ.

  132. (قَالَ) فَإِنْ أَرْسَلَهُ فِي الْحِلِّ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّهُ مَا أَعَادَهُ آمِنًا كَمَا كَانَ فَإِنَّ الْأَمْنَ كَانَ ثَابِتًا بِسَبَبِ الْحَرَمِ فَمَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْحَرَمِ لَا يَعُودُ إلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْنُ،

  133. وَلَا يَخْرُجُ الْجَانِي عَنْ عُهْدَةِ فِعْلِهِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إذَا رَدَّهُ عَلَى غَيْرِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُحِيطَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ وَصَلَ إلَى الْحَرَمِ سَالِمًا فَحِينَئِذٍ يَبْرَأُ عَنْ جَزَائِهِ كَمَا إذَا وَصَلَ الْمَغْصُوبُ إلَى يَدِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

  134. (قَالَ) ، وَكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُحْرِمُ بِالصَّيْدِ مِمَّا يُتْلِفُهُ مِنْهُ أَوْ يُعَرِّضُهُ لِلتَّلَفِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ إلَّا أَنْ يُحِيطَ عِلْمُهُ بِأَنَّهُ سَلِمَ فَحِينَئِذٍ يَتِمُّ انْتِسَاخُ حُكْمِ فِعْلِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْرَحَهُ فَتَنْدَمِلَ الْجِرَاحَةُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ أَوْ يَنْتِفَ رِيشَهُ فَيَنْبُتَ مَكَانَهُ آخَرُ أَوْ يَقْلَعَ سِنَّهُ فَيَنْبُتَ مَكَانَهُ آخَرُ فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَاسَا هَذَا بِالضَّمَانِ الْوَاجِبِ فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّ

  135. ذَلِكَ يَسْقُطُ إذْ لَمْ يَبْقَ لِلْفِعْلِ أَثَرٌ فِي الْمَحَلِّ فَكَذَا هُنَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا أَوْصَلَ مِنْ الْأَلَمِ إلَى الصَّيْدِ لِأَنَّ بِانْدِمَالِ الْجِرَاحَةِ لَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ الْأَلَمَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتِبَارُ الْأَلَمِ أَيْضًا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ حَتَّى أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي ثَمَنَ الدَّوَاءِ، وَأُجْرَةَ الطَّبِيبِ إلَى أَنْ تَنْدَمِلَ الْجِرَاحَةُ.

  136. (قَالَ) وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَلَالِ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُحْرِمَ عَلَى قَتْلِ الصَّيْدِ لِأَنَّ فِعْلَ الْمُحْرِمِ مَعْصِيَةٌ، وَالْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُعِينَ شَرِيكًا، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدِ فَإِذَا اشْتَغَلَ بِالْإِعَانَةِ فَقَدْ أَتَى بِضِدِّ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَكَانَ عَاصِيًا فِيهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ لَيْسَ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ إنَّمَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِلتَّوْبَةِ.

  137. (قَالَ) وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ لِأَنَّ بَيْعَهُ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلِأَنَّ فِي امْتِنَاعِهِ عَنْ الشِّرَاءِ زَجْرًا لِلْمُحْرِمِ عَنْ اصْطِيَادِهِ فَإِنَّهُ تَقِلُّ رَغْبَتُهُ فِي الِاصْطِيَادِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى مِنْهُ الصَّيْدُ، وَسَوَاءٌ أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ عِنْدَنَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً جَزَاءٌ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ} الْآيَةَ فَالتَّقْيِيدُ بِالْعَمْدِيَّةِ لِإِيجَابِ الْجَزَاءِ يَمْنَعُ وُجُوبَهُ عَلَى الْمُخْطِئِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبُهُ الْإِتْلَافَ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْعَامِدُ وَالْخَاطِئُ كَغَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ، وَهَذِهِ كَفَّارَةٌ تُوجِبُ جَزَاءً لِلْفِعْلِ فَيَكُونُ وَاجِبًا عَلَى الْمُخْطِئِ كَالْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ، وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ قَتْلَ الصَّيْدِ مُطْلَقًا، وَارْتِكَابُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ مُوجِبٌ لِلْجَزَاءِ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً فَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِالْعَمْدِ فِي الْآيَةِ فَلَيْسَ لِأَجْلِ الْجَزَاءِ بَلْ لِأَجْلِ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} إلَى قَوْلِهِ {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} وَهَذَا الْوَعِيدُ عَلَى الْعَامِدِ دُونَ الْمُخْطِئِ ثُمَّ ذَكَرَ الْعَمْدَ هُنَا لِلتَّنْبِيهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الْعَمْدِيَّةِ فِي الْقَتْلِ مَانِعَةٌ مِنْ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ لِتَمَحُّضِ الْحَظْرِيَّةِ فَذَكَرَهُ اللَّهُ هُنَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ هُنَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ عَمْدًا وَجَبَ إذَا كَانَ خَطَأً بِطَرِيقِ الْأَوْلَى،

  138. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَتْلُ أَوَّلَ مَا أَصَابَ أَوْ أَصَابَ قَبْلَهُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: يَجِبُ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُبْتَدِئِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فَأَمَّا الْعَائِدُ إلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ اذْهَبْ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْك لِظَاهِرِ

  139. قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ، وَلَكِنَّا نَقُولُ بِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْعَوْدِ إلَيْهِ، وَجَزَاءُ الْجِنَايَةِ يَجِبُ عِنْدَ الْعَوْدِ إلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ جِنَايَةَ الْعَائِدِ أَظْهَرُ مِنْ جِنَايَةِ الْمُبْتَدِئِ بِالْفِعْلِ مَرَّةً فَأَمَّا الْآيَةُ فَالْمُرَادُ مِنْ عَادَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الرِّبَا {وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} يَعْنِي مَنْ عَادَ إلَى الْمُبَاشَرَةِ بَعْدَ الْعِلْمِ - بِالْحُرْمَةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْعَوْدَ إلَى الْقَتْلِ بَعْدَ الْقَتْلِ.

  140. قَتَلَ الْحَلَالُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ

  141. (قَالَ) وَإِذَا قَتَلَ الْحَلَالُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ فَ قَوْله تَعَالَى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: أَحْرَمَ، إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ، كَمَا يُقَالُ: أَشْتَى، إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ.

  142. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» فَإِذَا ثَبَتَ أَمْنُ صَيْدِ الْحَرَمِ بِهَذِهِ النُّصُوصِ كَانَ الْقَاتِلُ جَانِيًا بِإِتْلَافِهِ مَحِلًّا مُحْتَرَمًا مُتَقَوِّمًا فَيَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ، وَالْجَزَاءُ قِيمَةُ الصَّيْدِ كَمَا فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ إلَّا أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا أَنَّ جَزَاءَ صَيْدِ الْحَرَمِ يَتَأَدَّى بِإِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ،

  143. وَلَا يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَفِي التَّأَدِّي بِالْهَدْيِ رِوَايَتَانِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ أَيْضًا،

  144. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَهُ أَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا الْكَفَّارَةُ كَالْوَاجِبِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لِمَحْضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الْوَاجِبُ جَزَاءَ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَالَ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا،

  145. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَعْنَى الْغَرَامَةِ وَالْمُقَابَلَةِ بِالْحِلِّ يَغْلِبُ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ الْمُتْلَفِ بِالنَّصِّ إمَّا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْأَصْلِ لِيَقُومَ مَقَامَهُ فَكَانَ جَانِبُ الْمَحِلِّ هُوَ الرَّاعِي فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ بِالنَّصِّ فَكَذَلِكَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ.

  146. وَأَمَّا عِنْدَنَا الْوَاجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ مَعْنَى جَزَاءِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ فِي الْمَحِلِّ إنَّمَا الْمُحَرَّمُ فِي الْمُبَاشِرِ، وَهُوَ إحْرَامُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَعْدَمَا حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ يَجُوزُ لَهُ الِاصْطِيَادُ،

  147. وَإِنْ لَمْ يَتَبَدَّلْ وَصْفُ الْمَحِلِّ، وَجَزَاءُ الْفِعْلِ يَجِبُ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَأَمَّا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ وُجُوبُ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ ثَابِتٍ فِي الْمَحِلِّ، وَهُوَ صِفَةُ الْأَمْنِ الثَّابِتِ لِلصَّيْدِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ وَصْفِ الْمَحِلِّ بِخُرُوجِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ ضَمَانُ الصَّيْدِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ يَجِبُ ضَمَانُ النَّامِي مِنْ الْأَشْجَارِ النَّامِيَةِ فِي الْحَرَمِ لِمَا فِيهَا مِنْ حَيَاةِ مِثْلِهَا، وَثُبُوتِ الْأَمْنِ

  148. لَهَا بِسَبَبِ الْحَرَمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَا يَجِبُ بِقَطْعِ الْأَشْجَارِ يَكُونُ غُرْمَ الْمَحِلِّ فَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ بِقَتْلِ صَيْدِ الْحَرَمِ يَكُونُ غُرْمَ الْمَحِلِّ فَكَانَ هَذَا بِغَرَامَاتِ الْمَالِيَّةِ أَشْبَهَ فَكَمَا لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِي غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ،

  149. وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَإِتْلَافِ مَالِ الزَّكَاةِ، وَالْعُشْرِ فَكَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِي جَزَاءِ صَيْدِ الْحَرَمِ يُقَرِّرُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا أَزَالَ الْأَمْنَ عَنْ مَحَلِّ أَمْنٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَلْزَمُهُ بِمُقَابَلَتِهِ إثْبَاتُ صِفَةِ الْأَمْنِ عَنْ الْجُوعِ لِلْمِسْكِينِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِالْإِطْعَامِ يَحْصُلُ دُونَ الصِّيَامِ فَأَمَّا فِي صَيْدِ الْإِحْرَامِ لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ لِارْتِكَابِهِ فِعْلًا مُحَرَّمًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى يَتَأَدَّى ذَلِكَ بِفِعْلِ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ الصِّيَامُ، وَفِي الْهَدْيِ رِوَايَتَانِ هُنَا فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَقُولُ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ بَلْ بِالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ حَتَّى يُشْتَرَطَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ فَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِهِ،

  150. وَكَذَلِكَ إنْ سُرِقَ الْمَذْبُوحُ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِإِرَاقَةِ الدَّمِ فِي الْغَرَامَاتِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ فِيهِ التَّمَلُّكُ مِنْ الْمُحْتَاجِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي اللَّحْمِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَقُولُ يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ حَتَّى إذَا سُرِقَ الْمَذْبُوحُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

  151. وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ قَبْلَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ لِأَنَّ الْهَدْيَ مَالٌ يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ طَرِيقٌ صَالِحٌ لِجَعْلِ الْمَالِ خَالِصًا بِمَنْزِلَةِ التَّصَدُّقِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ يَجْعَلُ الْأُضْحِيَّةَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى بِإِرَاقَةِ دَمِهَا فَكَذَلِكَ هُنَا

  152. (قَالَ) وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ لِأَنَّ الْأَمْنَ بِسَبَبِ الْحَرَمِ يَثْبُتُ لِحَقِّ الشَّرْعِ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي الْمُبَاحِ دُونَ الْمَمْلُوكِ كَالْأَشْجَارِ فَإِنَّ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فِي الْحَرَمِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ، وَقَاسَ هَذَا بِالِاسْتِرْقَاقِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُ الِاسْتِرْقَاقَ لِحَقِّ الشَّرْعِ ثُمَّ لَا يُزِيلُ الرِّقَّ الثَّابِتَ قَبْلَهُ فَكَذَا هَذَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الصَّيْدِ كَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ فَكَمَا أَنَّ الْحُرْمَةَ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ تَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ حَتَّى يَجِبَ إرْسَالُهُ فَكَذَلِكَ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الْحَرَمِ، وَلَيْسَ هَذَا نَظِيرَ الْأَشْجَارِ لِأَنَّ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ أَصْلًا بِمَنْزِلَةِ الْأَهْلِيِّ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَأَمَّا الصَّيْدُ مَمْلُوكًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَمْلُوكٍ فَهُوَ مَحَلٌّ لِثُبُوتِ الْأَمْنِ لَهُ بِسَبَبِ الْحَرَمِ فَإِنْ بَاعَ الصَّيْدَ بَعْدَمَا أَدْخَلَهُ الْحَرَمَ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا يُرَدُّ إنْ كَانَ الصَّيْدُ قَائِمًا،

  153. وَإِنْ كَانَ فَائِتًا فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ فِي الصَّيْدِ مَانِعَةٌ مِنْ بَيْعِهِ كَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ.

  154. (قَالَ) رَجُلٌ أَدْخَلَ الْحَرَمَ بَازِيًا أَوْ صَقْرًا فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ لِأَنَّهُ صَيْدٌ مُمْتَنِعٌ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْأَمْنُ بِسَبَبِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ كَمَا لَوْ أَخَذَهُ فِي الْحَرَمِ

  155. فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَجَعَلَ يَقْتُلُ حَمَامَاتِ الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّهُ بِالْإِرْسَالِ مَا قَصَدَ الِاصْطِيَادَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مُبَاشَرَةَ مَا هُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَهُوَ رَفْعُ الْيَدِ عَنْ الصَّيْدِ الْآمِنِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ عُهْدَةُ مَا يَفْعَلُهُ الصَّيْدُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنْ كَفَّارَتِهِ فَجَعَلَ الْعَبْدُ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ لَا يَكُونُ عَلَى الْمُعْتِقِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا مِثْلُهُ.

  156. (قَالَ) وَلَا خَيْرَ فِيمَا يُرَخِّصُ فِيهِ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ الْحَجَلِ وَالْيَعَاقِيبِ،

  157. وَلَا يُدْخِلُ الْحَرَمَ شَيْئًا مِنْهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَهْدَى إلَيْهِ بِمَكَّةَ بَيْضَ نَعَامٍ وَظَبْيَيْنِ حَيَّيْنِ فَلَمْ يَقْبَلْهُمَا، وَقَالَ أَهْدَيْتُهُمَا إلَيَّ آمِنَيْنِ مَا كَانَا أَيْ مَا دَامَا يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُمَا صَارَا آمِنَيْنِ بِإِدْخَالِهِمَا فِي الْحَرَمِ حَيَّيْنِ، وَالْحَجَلُ وَالْيَعَاقِيبُ مِنْ الصُّيُودِ فَبِإِدْخَالِ الْحَرَمِ إيَّاهُمَا حَيَّيْنِ يَثْبُتُ الْأَمْنُ فِيهِمَا فَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَعَادَةُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي هَذَا التَّرْخِيصُ

  158. بِخِلَافِ النَّصِّ فَيَكُونُ سَاقِطَ الِاعْتِبَارِ فَإِنْ ذَبَحَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْحَرَمَ فَلَا بَأْسَ بِتَنَاوُلِهِمَا فِي الْحَرَمِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَدْخَلَ اللَّحْمَ فِي الْحَرَمِ، وَاللَّحْمُ لَيْسَ بِصَيْدٍ.

  159. (قَالَ) وَإِنْ رَمَى صَيْدًا بَعْضُ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ جَزَاءَ صَيْدِ الْحَرَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْخَطَرِ، وَالْمُوجِبُ لِلْإِبَاحَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ يَغْلِبُ الْمُوجِبُ لِلْخَطَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا اجْتَمَعَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ فِي شَيْءٍ إلَّا غَلَبَ الْحَرَامُ الْحَلَالَ» فَلَا يَحِلُّ تَنَاوُلُ هَذَا الصَّيْدِ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا.

  160. (قَالَ) وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحَرَمِ، وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الِاصْطِيَادَ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ كَمَا هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ فَهَذَا، وَمَا لَوْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ سَوَاءٌ،

  161. وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي الْحِلِّ، وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا قِطْعَةً مِنْ الْحَرَمِ فَمَرَّ فِيهَا السَّهْمُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

  162. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ لِأَنَّا إنْ اعْتَبَرْنَا الرَّامِيَ فَهُوَ حَلَالٌ فِي الْحِلِّ،

  163. وَإِنْ اعْتَبَرْنَا جَانِبَ الصَّيْدِ فَهُوَ صَيْدُ الْحِلِّ، وَبِمُرُورِ السَّهْمِ فِي هَوَاءِ الْحَرَمِ لَا تَثْبُتُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الصَّيْدِ،

  164. وَلَا فِي حَقِّ الرَّامِي، وَالسَّهْمُ لَيْسَ بِمَحَلِّ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الرَّامِي شَيْءٌ، وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.

  165. (قَالَ) وَإِنْ جَرَحَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ، وَهُوَ حَلَالٌ فَدَخَلَ الْحَرَمَ ثُمَّ مَاتَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي وَقْتِ الْجَرْحِ كَانَ مُبَاحًا، وَالسِّرَايَةُ أَثَرُ الْفِعْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَصْلُ فِعْلِهِ مُوجِبًا لِلْجَزَاءِ لَا يَكُونُ أَثَرُهُ مُوجِبًا كَمَنْ جَرَحَ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ هَذَا الصَّيْدِ لِأَنَّ فِعْلَهُ كَانَ مُذَكِّيًا لَهُ مُوجِبًا لِلْحِلِّ حَتَّى لَوْ مَاتَ مِنْهُ فِي الْحِلِّ حَلَّ تَنَاوُلُهُ، وَلَكِنَّهُ كُرِهَ أَكْلُهُ اسْتِحْسَانًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ حِلَّ التَّنَاوُلِ حُكْمٌ يَثْبُتُ عِنْدَ زُهُوقِ الرُّوحِ عَنْهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ صَيْدُ

  166. الْحَرَمِ فَاعْتِبَارُ هَذَا الْجَانِبِ يُحَرِّمُ التَّنَاوُلَ، وَاعْتِبَارُ جَانِبِ الْجَرْحِ يُبِيحُ تَنَاوُلَهُ فَيَتَرَجَّحُ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ عَلَى الْمُوجِبِ لِلْحِلِّ.

  167. (قَالَ) وَإِذَا ذَبَحَ الْهَدْيَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِالْكُوفَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْهَدْيِ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْحَرَمُ كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّبْلِيغِ إلَى الْحَرَمِ هُنَا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} وَلَكِنْ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِثْلَ قِيمَةِ الصَّيْدِ أَجْزَأَهُ مِنْ الطَّعَامِ إذَا أَصَابَ كُلُّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ عَلَى قِيَاسِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إذْ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ثَوْبًا وَاحِدًا أَجْزَأَهُ مِنْ الطَّعَامِ دُونَ الْكِسْوَةِ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ مَا أَصَابَ كُلَّ مِسْكِينٍ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.

  168. (قَالَ) وَإِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ بِالْكُوفَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِأَنَّ الصَّوْمَ قُرْبَةٌ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ فَأَمَّا صَيْدُ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الْحَلَالِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلصَّوْمِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا أَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَحِينَئِذٍ تَتَأَدَّى كَفَّارَتُهُ بِالصَّوْمِ لِأَنَّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لَا يَظْهَرُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَتَجَزَّأُ فَلِهَذَا يَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَلَّ مُحْرِمٌ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ

  169. بِخِلَافِ الْحَلَالِ إذَا دَلَّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحَرَمِ لَا يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ كَالْمُحْرِمِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ حَتَّى تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ فَيَكُونُ الدَّالُّ فِيهِ كَالْمُبَاشِرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْفَصْلِ مِثْلَ قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.

  170. أَكَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ

  171. (قَالَ) وَإِذَا أَكَلَ الْمُحْرِمُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَدُّقِ تَعَلَّقَ بِالْمَذْبُوحِ فَإِذَا صَرَفَهُ إلَى حَاجَتِهِ صَارَ ضَامِنًا قِيمَتَهُ لِلْمَسَاكِينِ،

  172. وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَهُ بَعْدَمَا ذَبَحَهُ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَذْبُوحًا

  173. بِخِلَافِ مَا إذَا سُرِقَ فَإِنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ حِينَ ذَبَحَهُ بِمَكَّةَ، وَبَقِيَ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ مُعَلَّقًا بِعَيْنِ الْمَذْبُوحِ فَإِذَا هَلَكَ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

  174. وَإِذَا اسْتَهْلَكَهُ بِالْأَكْلِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ لِلْفُقَرَاءِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الزَّكَاةِ فَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْقِيمَةِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَهُ بِمَنْزِلَةِ اللَّحْمِ إذَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ

  175. بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَارَ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِ لَا أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ لِأَنَّ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ فِي حَقِّ كُلِّ مِسْكِينٍ مُقَدَّرٌ بِنِصْفِ صَاعٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَأَمَّا فِي الْهَدْيِ فَالتَّكْفِيرُ يَحْصُلُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ دُونَ التَّصْدِيقِ بِاللَّحْمِ ثُمَّ التَّصَدُّقُ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّكَاةِ فَإِنْ شَاءَ صَرَفَ الْكُلَّ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ،

  176. وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي التَّكْفِيرِ بِالطَّعَامِ إذَا أَعْطَى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعِ فَفَضَلَ

  177. مُدٌّ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هَذَا الْمِقْدَارَ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ،

  178. وَإِنْ اخْتَارَ الصَّوْمَ يَصُومُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمُدِّ يَوْمًا كَامِلًا أَوْ يُطْعِمُ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ، وَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الصَّوْمَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} فَإِنْ شَاءَ تَابَعَ، وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ.

  179. قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْجَرَادَ

  180. (قَالَ) وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْجَرَادَ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْقِيمَةُ لِأَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَقِصَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَهْلَ حِمْصَ أَصَابُوا جَرَادًا كَثِيرًا فِي إحْرَامِهِمْ فَجَعَلُوا يَتَصَدَّقُونَ مَكَانَ كُلِّ جَرَادَةٍ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَى دَرَاهِمَكُمْ كَثِيرَةً يَا أَهْلَ حِمْصَ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.

  181. (قَالَ) وَلَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَالْحَلَمَةِ وَالْقُرَادِ شَيْءٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ مِنْ الصَّيُودِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفِرُ مِنْ بَنِي آدَمَ،

  182. وَلَوْ كَانَتْ مِنْ الصَّيُودِ كَانَتْ مُؤْذِيَةً بِطَبْعِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُقَرِّدُ بَعِيرَهُ فِي إحْرَامِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعِكْرِمَةَ مَوْلَاهُ قُمْ فَقَرِّدْ الْبَعِيرَ فَقَالَ أَنَا مُحْرِمٌ فَقَالَ لَوْ أَمَرْتُك بِنَحْرِهِ هَلْ كُنْت تَنْحَرُهُ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ كَمْ مِنْ قُرَادٍ وَحَمْنَانَةٍ تُقْتَلُ بِالنَّحْرِ بَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْقُرَادِ وَالْحَمْنَانَةِ شَيْءٌ،

  183. وَيُكْرَهُ لَهُ قَتْلُ الْقَمْلَةِ لَا لِأَنَّهُ صَيْدٌ، وَلَكِنْ لِأَنَّهُ يَنْمُو مِنْ بَدَنِهِ فَيَكُونُ قَتْلُهُ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إزَالَةِ الشَّعْرِ فَإِنْ قَتَلَهَا فَمَا تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ خَيْرٌ مِنْ الْقَمْلَةِ إذْ لَا خَيْرَ فِي الْقَمْلِ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْقَمْلَةُ ضَالَّةٌ لَا تُلْتَمَسُ فَلِهَذَا يَخْرُجُ عَنْ الْوَاجِبِ بِمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ.

  184. الِاغْتِسَال لِلْمُحْرِمِ

  185. (قَالَ) ، وَلَا بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ فَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اغْتَسَلَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَيَقُولُ إنَّ الْمَاءَ يَقْتُلُ هَوَامَّ الرَّأْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمَاءُ لَا يَزِيدُهُ إلَّا شَعَثًا.

  186. (قَالَ) وَلَوْ أَنَّ حَلَالًا أَصَابَ بَيْضًا مِنْ بَيْضِ الصَّيْدِ فَأَعْطَاهُ مُحْرِمًا فَشَوَاهُ فَعَلَى الْمُحْرِمِ جَزَاؤُهُ لِأَنَّ الْبَيْضَ أَصْلُ الصَّيْدِ، وَقَدْ أَفْسَدَهُ الْمُحْرِمُ بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ،

  187. وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ بِخِلَافِ الصَّيْدِ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ بِفِعْلِ الْمُحْرِمِ مَا يَحْتَاجُ فِي حِلِّهِ إلَى الذَّكَاةِ،

  188. وَلَا حَاجَةَ إلَى الذَّكَاةِ فِي حِلِّ تَنَاوُلِ الْبَيْضِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالْمَجُوسِيَّ فِيهِ سَوَاءٌ فَكَذَا الْمُحْرِمُ وَالْحَلَالُ، وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ كَمَا لَوْ دَلَّ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ،

  189. وَلَا يَحْرُمُ بِهِ تَنَاوُلُ الصَّيْدِ.

  190. (قَالَ) مُحْرِمٌ أَصَابَ صَيْدًا كَثِيرًا عَلَى قَصْدِ الْإِحْلَالِ وَالرَّفْضِ لِإِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ دَمٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ

  191. - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهِ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ لِأَنَّهُ مُرْتَكِبُ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ بِقَتْلِ صَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ رَفْضَ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا لِأَنَّ قَصْدَهُ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَرْتَفِضُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فَكَانَ وُجُودُ هَذَا الْقَصْدِ كَعَدَمِهِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ الْعِبْرَةَ لِلْمَحَلِّ دُونَ الْفِعْلِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِقَصْدِهِ إلَى الرَّفْضِ بِفِعْلِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَارْتِكَابُ مَحْظُورَاتِ الْعِبَادَةِ يُوجِبُ ارْتِفَاضَهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْإِحْرَامَ لَازِمًا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَعْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ يَرْتَفِضُ بِارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ،

  192. وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا أَوْ الْمَرْأَةُ إذَا أَحْرَمَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا بِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَازِمًا فِي حَقِّ الزَّوْجِ كَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا بِفِعْلِ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ بِهَا فَكَانَ هُوَ فِي قَتْلِ الصَّيُودِ هُنَا قَاصِدًا إلَى تَعْجِيلِ الْإِحْلَالِ لَا إلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ، وَتَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا كَمَا فِي حَقِّ الْمُحْصَرِ

  193. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ رَفْضِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِقَتْلِ كُلِّ صَيْدٍ فَيَلْزَمُهُ جَزَاءُ كُلِّ صَيْدٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ يَنْبَنِي عَلَى قَصْدِهِ حَتَّى أَنَّ ضَارِبَ الْفُسْطَاطِ لَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْجَزَاءِ بِخِلَافِ نَاصِبِ الشَّبَكَةِ.

  194. (قَالَ) وَلَا يَتَصَدَّقُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الزَّكَاةِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ مَالٌ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى،

  195. وَإِنْ أَعْطَى مِنْهُ ذِمِّيًّا أَجْزَأَهُ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ كُلُّ صَدَقَةِ وَاجِبَةٍ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْفُصُولَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ثَمَّةَ.

  196. (قَالَ) وَإِذَا بَلَغَ جَزَاءُ الصَّيْدِ جَزُورًا فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهِ أَغْنَامًا لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَيْهِ التَّعْظِيمُ فِي الْهَدَايَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} فَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّعْظِيمِ فَهُوَ أَوْلَى،

  197. وَإِنْ اشْتَرَى أَغْنَامًا فَذَبَحَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا أَجْزَأَهُ عَلَى قِيَاسِ سَائِرِ الْهَدَايَا نَحْوَ هَدْيِ الْإِحْصَارِ وَهَدْيِ الْمُتْعَةِ.

  198. (قَالَ) وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَ بِالْجَزُورِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ،

  199. وَلَا أَنْ يُقَلِّدَهُ لِأَنَّ سُنَّةَ التَّقْلِيدِ وَالتَّعْرِيفِ فِيمَا يَكُونُ نُسُكًا، وَهَذَا دَمُ كَفَّارَةٍ فَلَا يُسَنُّ فِيهِ التَّعْرِيفُ وَالتَّقْلِيدُ،

  200. وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهُ، وَعَلَى هَذَا هَدْيُ الْإِحْصَارِ وَالْكَفَّارَاتِ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَا يَكُونُ نُسُكًا فَالتَّشْهِيرُ فِيهِ أَوْلَى لِيَكُونَ بَاعِثًا لِغَيْرِهِ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَهُ فَأَمَّا مَا يَكُونُ كَفَّارَةً فَسَبَبُهُ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ فَالسِّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مِثْلِهِ أَوْلَى مِنْ التَّشْهِيرِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذَا الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ يَسْتُرْ اللَّهُ

  201. تَعَالَى عَلَيْهِ».

  202. رَمَى الصَّيْدَ وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ أَحْرَمَ

  203. (قَالَ) وَإِذَا رَمَى الصَّيْدَ وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ أَحْرَمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي الرَّمْيِ كَانَ مُبَاحًا مُطْلَقًا، وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِمَا يَتَعَقَّبُهُ لَا بِمَا يَسْبِقُهُ.

  204. (قَالَ) وَإِذَا رَمَى طَائِرًا عَلَى غُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الْحِلِّ لَمْ يُنْظَرْ إلَى أَصْلِهَا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ إلَى مَوْضِعِ الطَّائِرِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْغُصْنُ فِي الْحِلِّ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ،

  205. وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْجَزَاءُ لِأَنَّ قِوَامَ الصَّيْدِ لَيْسَ بِالْغُصْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَلَمْ يَرَوْا إلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلَّا اللَّهُ} فَكَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ مَوْضِعَ الصَّيْدِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْ هَوَاءِ الْحَرَمِ فَالصَّيْدُ صَيْدُ الْحَرَمِ،

  206. وَإِنْ كَانَ مِنْ هَوَاءِ الْحِلِّ فَالصَّيْدُ صَيْدُ الْحِلِّ فَأَمَّا فِي قَطْعِ الْغُصْنِ فَيُنْظَرُ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ فَإِنْ كَانَ فِي الْحِلِّ فَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ،

  207. وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ لِأَنَّ قِوَامَ الْأَغْصَانِ بِالشَّجَرَةِ فَيُنْظَرُ إلَى أَصْلِ الشَّجَرَةِ فَيُجْعَلُ حُكْمُ الْأَغْصَانِ حُكْمَ أَصْلِهَا،

  208. وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَصْلِ فِي الْحَرَمِ، وَبَعْضُهُ فِي الْحِلِّ فَهُوَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ أَيْضًا لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْحَظْرِ وَالْمُوجِبُ لِلْحِلِّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَيْدٍ قَائِمُ بَعْضِ قَوَائِمِهِ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهَا فِي الْحَرَمِ يَكُونُ مِنْ صَيْدِ الْحَرَمِ

  209. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ قَوَائِمُ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ قِوَامَهُ بِقَوَائِمِهِ دُونَ رَأْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا وَرَأْسُهُ فِي الْحَرَمِ فَحِينَئِذٍ قِوَامُهُ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَإِذَا كَانَ جُزْءٌ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ ثُمَّ الْأَصْلُ فِي حُرْمَةِ أَشْجَارِ الْحَرَمِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا» قَالَ هِشَامٌ سَأَلْت مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ كُلُّ مَا لَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ.

  210. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَطَعَ دَوْحَةً كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الطَّوَافِ تُؤْذِي الطَّائِفِينَ فَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهَا، وَحُرْمَةُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ كَحُرْمَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ فَإِنَّ صَيْدَ الْحَرَمِ يَأْوِي إلَى أَشْجَارِ الْحَرَمِ، وَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَتَّخِذُ الْأَوْكَارَ عَلَى أَغْصَانِهَا فَكَمَا تَجِبُ الْقِيمَةُ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهُ فَكَذَلِكَ تَجِبُ الْقِيمَةُ عَلَى مَنْ قَطَعَهُ، وَشَجَرُ الْحَرَمِ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ لَا مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ فَأَمَّا مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً لَيْسَ لَهُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ سَوَاءٌ أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ أَوْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَزْرَعُونَ وَيَحْصُدُونَ فِي الْحَرَمِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ،

  211. وَلَا زَجْرِ زَاجِرٍ فَأَمَّا مَا لَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ عَادَةً إذَا أَنْبَتَهُ إنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَطْعِهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالْتَحَقَ فِعْلُهُ بِمَا يَنْبُتُهُ النَّاسُ عَادَةً فَأَمَّا إذَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فَلَهُ حُرْمَةُ الْحَرَمِ،

  212. وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ بِأَنْ نَبَتَ فِي مِلْكِهِ حَتَّى قَالُوا لَوْ نَبَتَ فِي مِلْكِ رِجْلِ أُمِّ غِيلَانٍ فَقَطَعَهُ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِحَقِّ الشَّرْعِ

  213. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا فِي الْحَرَمِ.

  214. (قَالَ) وَإِنْ قَطَعَ رَجُلَانِ شَجَرَةً مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِمَا قِيمَةُ وَاحِدَةٍ عَلَى قِيَاسِ صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا قَتَلَهُ رَجُلَانِ إلَّا أَنَّ هُنَا يَسْتَوِي إنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ أَوْ حَلَالَيْنِ

  215. بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ فَيَتَكَامَلُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَمَّا حُرْمَةُ الشَّجَرَةِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّجَرَةِ فَلِهَذَا كَانَ الْمُحْرِمُ وَالْحَلَالُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً وَيَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْقِيمَةِ،

  216. وَلَا يُجْزِئُ فِيهِ الصِّيَامُ إنَّمَا يُهْدِي أَوْ يُطْعِمُ عَلَى قِيَاسِ مَا بَيَّنَّا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الْحَلَالِ.

  217. (قَالَ) وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَدَّى قِيمَتَهَا لِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لَتَطَرَّقَ النَّاسُ إلَى مِثْلِهِ فَلَا تَبْقَى أَشْجَارُ الْحَرَمِ، وَفِي ذَلِكَ إيحَاشُ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَكِنَّهُ لَوْ انْتَفَعَ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ صَارَ مَمْلُوكًا بِمَا غَرِمَ مِنْ الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَقْطُوعِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ بَعْدَ الْقَطْعِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ذَبَحَ صَيْدَ الْحَرَمِ ثُمَّ تَنَاوَلَهُ بَعْدَمَا أَدَّى الْجَزَاءَ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالتَّنَاوُلِ شَيْءٌ فَهَذَا مِثْلُهُ فَإِنْ غَرَسَهَا فَنَبَتَتْ فَلَهُ أَنْ يَقْطَعَهَا، وَيَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ مِلْكُهُ، وَهُوَ الَّذِي أَنْبَتَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَا يُنْبِتُهُ النَّاسُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ.

  218. مَا تَكَسَّرَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَبِسَ حَتَّى سَقَطَ

  219. (قَالَ) وَمَا تَكَسَّرَ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَيَبِسَ حَتَّى سَقَطَ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْحَرَمِ بِمَا يَكُونُ نَامِيًا فِيهِ حَيَاةَ مِثْلِهِ، وَالْمُتَكَسِّرُ وَمَا يَبِسَ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى النُّمُوِّ فَلَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ.

  220. (قَالَ) ، وَلَا يُخْتَلَى حَشِيشُ الْحَرَمِ،

  221. وَلَا يُقْطَعُ إلَّا الْإِذْخِرُ فَإِنَّهُ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ الْعَبَّاسَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا قَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهَا لِقُبُورِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ، أَوْ لِبُيُوتِهِمْ وَقُبُورِهِمْ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا الْإِذْخِرَ» ، وَتَأْوِيلُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَصْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا أَنَّ الْعَبَّاسَ سَبَقَهُ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ أَوْحَى أَنْ يُرَخَّصَ فِيمَا يَسْتَثْنِيهِ الْعَبَّاسُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَمَا لَا يُرَخَّصُ فِي قَطْعِ الْحَشِيشِ فِي الْحَرَمِ بِالْمِنْجَلِ فَكَذَلِكَ لَا يُرَخَّصُ فِي رَعْيِ الدَّوَابِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا بَأْسَ بِالرَّعْيِ لِأَنَّ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْحَرَمَ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَكُونُونَ عَلَى الدَّوَابِّ،

  222. وَلَا يُمْكِنُهُمْ مَنْعُ الدَّوَابِّ مِنْ رَعْيِ الْحَشِيشِ فَفِي ذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى فَيُرَخَّصُ فِيهِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا بَأْسَ بِأَنْ يُحْتَشَّ، وَيُرْعَى لِأَجْلِ الْبَلْوَى، وَالضَّرُورَةِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ حَمْلُ عَلَفِ الدَّوَابِّ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ

  223. - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَفِي الِاحْتِشَاشِ» ارْتِكَابُ النَّهْيِ،

  224. وَكَذَلِكَ فِي رَعْيِ الدَّوَابِّ لِأَنَّ مَشَافِرِ الدَّوَابِّ كَالْمَنَاجِلِ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْبَلْوَى فِيمَا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ لَا مُعْتَبَرَ بِهِ

  225. (قَالَ) وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ الْكَمْأَةِ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلْ هُوَ مُودَعٌ فِيهِ،

  226. وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَخْذِ حِجَارَةِ الْحَرَمِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِالْعَادَةِ الْجَارِيَةِ الظَّاهِرَةِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ بِإِخْرَاجِ الْقُدُورِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْحَرَمِ، وَلِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْحَجَرِ فِي الْحَرَمِ مُبَاحٌ، وَمَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْحَرَمِ يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْحَرَمِ أَيْضًا ثُمَّ حُرْمَةُ الْحَرَمِ خَاصَّةٌ بِمَكَّةَ عِنْدَنَا، وَلَيْسَ لِلْمَدِينَةِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ فِي حَقِّ الصَّيُودِ، وَالْأَشْجَارِ وَنَحْوِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمَدِينَةِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ حَتَّى أَنَّ مَنْ قَتَلَ صَيْدًا فِيهَا فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ «إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَرَّمَ مَكَّةَ، وَأَنَا أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يَعْنِي الْمَدِينَةَ، وَقَالَ مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَصْطَادُ فِي الْمَدِينَةِ فَخُذُوا ثِيَابَهُ» ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَى بَعْضَ الصِّبْيَانِ بِالْمَدِينَةِ طَائِرًا فَطَارَ مِنْ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» اسْمُ ذَلِكَ الطَّيْرِ، وَهُوَ طَيْرٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الْعُصْفُورِ،

  227. وَلَوْ كَانَ لِلصَّيْدِ فِي الْمَدِينَةِ حُرْمَةُ الْحَرَمِ لَمَا نَاوَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيًّا، وَلِأَنَّ هَذِهِ بُقْعَةٌ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَتَكُونُ قِيَاسَ سَائِرِ الْبُلْدَانِ

  228. بِخِلَافِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا مُحْرِمًا

  229. قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْبَازِيَ الْمُعَلَّمَ

  230. (قَالَ) وَإِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْبَازِيَ الْمُعَلَّمَ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْكَفَّارَةُ غَيْرَ قِيمَتِهِ مُعَلَّمًا لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فَكَوْنُهُ مُعَلَّمًا صِفَةٌ عَارِضَةٌ لَيْسَتْ مِنْ الصَّيْدِيَّةِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي تَنَفُّرِهِ، وَبِكَوْنِهِ مُعَلَّمًا يُنْتَقَصُ ذَلِكَ،

  231. وَلَا يَزْدَادُ لِأَنَّ تَوَحُّشَهُ مِنْ النَّاسِ يَقِلُّ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ زَائِدًا فِي الْجَزَاءِ

  232. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَمْلُوكًا لِإِنْسَانٍ فَإِنَّ مُتْلِفَهُ يَغْرَمُ قِيمَتَهُ مُعَلَّمًا لِأَنَّ وُجُوبَ الْقِيمَةِ هُنَاكَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ، وَمَالِيَّتُهُ بِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَذَلِكَ يَزْدَادُ بِكَوْنِهِ مُعَلَّمًا،

  233. وَكَذَلِكَ الْحَمَامَةُ إذَا كَانَتْ تَجِيءُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا فَفِي ضَمَانِ قِيمَتِهَا عَلَى الْمُحْرِمِ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَفِي ضَمَانِ قِيمَتِهَا لِلْعِبَادِ يُعْتَبَرُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ تُصَوِّتُ فَتَزْدَادُ قِيمَتُهَا لِذَلِكَ فَفِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْجَزَاءُ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي شَيْءٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ وَصْفٌ ثَابِتٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحَمَامِ إذَا كَانَ مُطَوَّقًا

  234. (قَالَ) وَإِذَا اُضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إلَى قَتْلِ الصَّيْدِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَقْتُلَهُ لِيَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهِ، وَيُؤَدِّيَ الْجَزَاءَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا

  235. سَبَقَ أَوْرَدَ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ إلَى مَيْتَةٍ أَوْ صَيْدٍ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَتَنَاوَلُ مِنْ هَذَا الصَّيْدِ، وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَنَاوَلُ مِنْ الْمَيْتَةِ لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ صَارَ مَيْتَةً فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ، وَلَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا غُنْيَةٌ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَيْتَةَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ حُرْمَةُ الْمَيْتَةِ أَغْلَطُ أَلَا تَرَى أَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ تَرْتَفِعُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ، وَحُرْمَةَ الْمَيْتَةِ لَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّزَ عَنْ أَغْلَظِ الْحُرْمَتَيْنِ بِالْإِقْدَامِ عَلَى أَهْوَنِهِمَا، وَقَتْلُ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ وَلَكِنَّهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْحَلْقِ عِنْدَ الْأَذَى فَلِهَذَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَيَتَنَاوَلُ مِنْ لَحْمِهِ، وَيُؤَدِّي الْجَزَاءَ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ

  1. (بَابُ الْمُحْصَرِ) (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْأَصْلُ فِي حُكْمِ الْإِحْصَارِ قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أَيْ مُنِعْتُمْ مِنْ إتْمَامِهِمَا {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} شَاةٍ تَبْعَثُونَهَا إلَى الْحَرَمِ لِتُذْبَحَ ثُمَّ تَحْلِقُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فَعَلَى الْمُحْصَرِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ أَنْ يَبْعَثَ بِثَمَنِ هَدْيٍ يُشْتَرَى لَهُ بِمَكَّةَ فَيُذْبَحَ عَنْهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَيُحِلُّ عَنْ إحْرَامِهِ، وَهَذَا قَوْلُ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَدْيَ الْإِحْصَارِ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَمِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ، وَلَكِنْ يُذْبَحُ الْهَدْيُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْصَرُ فِيهِ، وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ مَعَ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - مُعْتَمِرًا فَأُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَذَبَحَ هَدَايَاهُ وَحَلَقَ بِهَا، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعُودَ مِنْ قَابِلٍ فَيُخْلُوا لَهُ مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَيَقْضِي عُمْرَتَهُ» فَإِنَّمَا «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدْيَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُحْصِرَ فِيهِ» ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَعَثَ بِالْهَدْيِ لَا يَأْمَنُ أَنْ لَا يَفِيَ الْمَبْعُوثُ عَلَى يَدِهِ أَوْ يَهْلِكَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ،

  2. وَإِذَا ذَبَحَهُ فِي مَوْضِعِهِ يُتَيَقَّنُ بِوُصُولِ الْهَدْيِ إلَى مَحِلِّهِ، وَخُرُوجِهِ مِنْ الْإِحْرَامِ بَعْدَ إرَاقَةِ دَمِهِ فَكَانَ هَذَا أَوْلَى، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} بَعْدَمَا ذَكَرَ الْهَدَايَا وَلِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِإِرَاقَةِ دَمٍ هُوَ قُرْبَةٌ وَإِرَاقَةُ الدَّمِ لَا يَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْحَرَمُ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ فَفِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً، وَنَقِيسُ هَذَا

  3. الدَّمَ بِدَمِ الْمُتْعَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَحَلَّلَ بِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ فَكَذَا هَذَا،

  4. وَأَمَّا مَا رُوِيَ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي نَحْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْهَدَايَا حِينَ أُحْصِرَ فَرُوِيَ «أَنَّهُ بَعَثَ الْهَدَايَا عَلَى يَدَيْ نَاجِيَةَ لِيَنْحَرَهَا فِي الْحَرَمِ حَتَّى قَالَ نَاجِيَةُ: مَاذَا أَصْنَعُ فِيمَا يَعْطَبُ مِنْهَا؟ قَالَ انْحَرْهَا وَاصْبُغْ نَعْلَهَا بِدَمِهَا، وَاضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا، وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا رُفْقَتُك مِنْهَا شَيْئًا» ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْآيَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} فَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ إنْ صَحَّتْ فَنَقُولُ: الْحُدَيْبِيَةُ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنَّ نِصْفَهَا مِنْ الْحِلِّ وَنِصْفَهَا مِنْ الْحَرَمِ الْحَرَمِ، وَمَضَارِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ فِي الْحِلِّ، وَمُصَلَّاهُ كَانَ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا سِيقَتْ الْهَدَايَا إلَى جَانِبِ الْحَرَمِ مِنْهَا، وَنُحِرَتْ فِي الْحَرَمِ فَلَا يَكُونُ لِلْخَصْمِ فِيهِ حُجَّةٌ،

  5. وَقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَجِدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَنْ يَبْعَثُ الْهَدَايَا عَلَى يَدِهِ إلَى الْحَرَمِ.

  6. (قَالَ) ثُمَّ إذَا بَعَثَ الْهَدْيَ إلَى الْحَرَمِ فَذُبِحَ عَنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ حَلْقٌ،

  7. وَلَا تَقْصِيرٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْحَلْقُ نُسُكٌ فَعَلَى الْمُحْصَرِ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ هَكَذَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَمَّا قَضَاءُ الْحَجِّ فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ حِينَ لَمْ تَصِرْ مُؤَدَّاةً،

  8. وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ صَارَ خَارِجًا مِنْهَا بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ قَبْلَ أَدَائِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهُوَ نَظِيرُ الشَّارِعِ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إذَا أَفْسَدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ،

  9. وَأَمَّا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ فَلِأَنَّهُ صَارَ فِي مَعْنَى فَائِتِ الْحَجِّ حِينَ كَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ، وَعَلَى فَائِتِ الْحَجِّ أَعْمَالُ الْعُمْرَةِ فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ أَيْضًا.

  10. (قَالَ) وَإِذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ فَإِنْ شَاءَ أَقَامَ مَكَانَهُ،

  11. وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ مَمْنُوعًا مِنْ الذَّهَابِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْمُقَامِ وَالِانْصِرَافِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُحْصَرًا بِعَدُوٍّ فَإِنْ كَانَ مُحْصَرًا بِمَرَضٍ أَصَابَهُ فَعِنْدَنَا هُوَ وَالْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ سَوَاءٌ يَتَحَلَّلُ بِبَعْثِ الْهَدْيِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَتَحَلَّلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ ذَلِكَ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَلَكِنَّهُ يَصْبِرُ إلَى أَنْ يَبْرَأَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْآيَةُ فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ} ،

  12. وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْصَرًا بِالْعَدُوِّ فَفِيمَا لَمْ يَرِدْ

  13. فِيهِ النَّصُّ يَتَمَسَّكُ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ لُزُومُ الْإِحْرَامِ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْأَفْعَالَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّحَلُّلُ لَهُ حَقًّا بِالشَّرْطِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ ضُبَاعَةَ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضِي اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ شَاكِيَةً فَقَالَ لَهَا أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَاشْتَرِطِي أَنْ تَحِلِّي حَيْثُ حُبِسْت» فَلَوْ كَانَ لَهَا أَنْ تَتَحَلَّلَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَمَّا أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالشَّرْطِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ لَا يَزُولُ بِالتَّحَلُّلِ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ كَاَلَّذِي ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ أَوْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ

  14. بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ فَإِنَّ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ هُنَاكَ يَزُولُ بِالتَّحَلُّلِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِهِ فَيَنْدَفِعُ شَرُّ الْعَدُوِّ عَنْهُ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ إنَّ الْإِحْصَارَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَرَضِ، فَفِي الْعَدُوِّ يُقَالُ حُصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَفِي الْمَرَضِ يُقَالُ أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَالُ فِي الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ جَمِيعًا أُحْصِرَ، وَحُصِرَ فِي الْعَدُوِّ خَاصَّةً فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ الْإِحْصَارِ تَتَنَاوَلُ الْمَرِيضَ، وَقَوْلُهُ {فَإِذَا أَمِنْتُمْ} لَا يَمْنَعُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَرَضِ، وَمَعْنَاهُ إذَا بَرِئْتُمْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الزُّكَامُ أَمَانٌ مِنْ الْجُذَامِ، وَالدَّمَامِلُ أَمَانٌ مِنْ الطَّاعُونِ» فَعَرَفْنَا أَنَّ لَفْظَةَ الْأَمْنِ تُطْلَقُ فِي الْمَرَضِ.

  15. وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» فَذُكِرَ لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَقَالَا صَدَقَ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ خَرَجْنَا مِنْ الْبَصْرَةِ عُمَّارًا أَيْ مُعْتَمِرِينَ فَلُدِغَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَعْرَضْنَا الطَّرِيقَ لِنَسْأَلَ مَنْ نَجِدُهُ فَإِذَا نَحْنُ بِرَكْبٍ فِيهِمْ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِيَبْعَثْ صَاحِبُكُمْ بِدَمٍ وَيُوَاعَدْ الْمَبْعُوثَ عَلَى يَدَيْهِ أَيَّ يَوْمٍ شَاءَ فَإِذَا ذَبَحَ عَنْهُ حَلَّ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ ثَبَتَ حَقُّ التَّحَلُّلِ لِلْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ مَوْجُودٌ هُنَا، وَهُوَ زِيَادَةُ مُدَّةِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ أَنْ يُؤَدِّيَ أَعْمَالَ الْحَجِّ، وَبِتَعَذُّرِ الْأَدَاءِ تَزْدَادُ مُدَّةُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ، وَيَلْحَقُهُ فِي ذَلِكَ ضَرْبُ مَشَقَّةٍ فَأَثْبَتَ لَهُ الشَّرْعُ حَقَّ التَّحَلُّلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ هُنَا فَقَدْ يَزْدَادُ عَلَيْهِ مُدَّةُ الْإِحْرَامِ بِسَبَبِ الْمَرَضِ وَالْمَشَقَّةُ عَلَيْهِ فِي الْمُكْثِ مُحْرِمًا مَعَ الْمَرَضِ أَكْثَرُ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّحَلُّلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى هَذَا لَا مَا قَالَ إنَّ الْعَدُوَّ إذَا أَحَاطُوا بِهِ مِنْ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ حَبَسُوهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَزُولُ مَا بِهِ بِالتَّحَلُّلِ بِأَنْ إنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ إلَى أَهْلِهِ مَعَ ذَلِكَ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ التَّحَلُّلِ عَرَفْنَا أَنَّ الْمَعْنَى مَا قُلْنَا فَأَمَّا الَّذِي ضَلَّ الطَّرِيقَ عِنْدَنَا فَلَيْسَ مُحْصَرًا لِأَنَّهُ إنْ وَجَدَ مَنْ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ عَلَى يَدِهِ فَذَلِكَ الرَّجُلُ يَهْدِيهِ إلَى الطَّرِيقِ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى

  16. التَّحَلُّلِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ، وَعَلَى يَدَيْهِ فَإِنَّمَا يَتَحَلَّلُ لِعَجْزِهِ عَنْ تَبْلِيغِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ، وَاَلَّذِي أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَائِتُ الْحَجِّ، وَفَائِتُ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ فَأَمَّا إذَا سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ فَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ،

  17. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ فَهُوَ مُحْصَرٌ يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ، وَهَكَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا أَنَّهُ قَالَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْبَيْتِ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ وَإِلَّا فَلَا،

  18. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْمَشْيُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَيَلْزَمُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ حَجَّةُ التَّطَوُّعِ ابْتِدَاءً، وَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إذَا شَرَعَ فِيهَا، وَالْفَقِيرُ لَا يَلْزَمُهُ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَيَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ إذَا شَرَعَ فِيهَا

  19. (قَالَ) وَإِذَا كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَأُحْصِرَ يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ حُكْمُ الْإِحْصَارِ لِمَنْ يَخَافُ الْفَوْتَ، وَالْمُعْتَمِرُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ» ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَلْدُوغِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ زِيَادَةُ مُدَّةِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ، وَالْمُعْتَمِرُ فِي هَذَا كَالْحَاجِّ فَيَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ هُنَا إلَّا أَنَّهُ إذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ هُنَا يُوَاعِدُ صَاحِبَهُ يَوْمًا أَيُّ يَوْمٍ شَاءَ لِأَنَّ عَمَل الْعُمْرَةِ لَا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ فَكَذَا الْهَدْيُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ بِهِ عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ

  20. بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ بِالْحَجِّ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ أَعْمَالَ الْحَجِّ مُخْتَصَّةٌ بِوَقْتِ الْحَجِّ فَكَذَلِكَ الْهَدْيُ الَّذِي بِهِ يَتَحَلَّلُ مُؤَقَّتٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ،

  21. وَإِذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ مَكَانَهَا لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِيهَا قَدْ صَحَّ

  22. (قَالَ) وَالْقَارِنُ يَبْعَثُ بِهَدْيَيْنِ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ، وَتَحَلُّلُهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْصُلُ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ فَلِهَذَا يَبْعَثُ بِهَدْيَيْنِ،

  23. وَإِذَا تَحَلَّلَ بِهِمَا فَعَلَيْهِ عُمْرَتَانِ، وَحَجَّةٌ يَقْضِيهُمَا بِقِرَانٍ أَوْ إفْرَادٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ إحْدَى الْعُمْرَتَيْنِ تَلْزَمُهُ لِلتَّحَلُّلِ عَنْ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَالْأُخْرَى لِلتَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُفْرِدِ بِالْحَجِّ أَنَّ عَلَيْهِ عُمْرَةً وَحَجَّةً إذَا تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ.

  24. (قَالَ) وَإِنْ بَعَثَ الْقَارِنُ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِيَتَحَلَّلَ بِهِ مِنْ أَحَدِ الْإِحْرَامَيْنِ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ،

  25. وَلَا يَتَحَلَّلُ بِهِ لِأَنَّ أَوَانَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامَيْنِ فِي حَقِّ الْقَارِنِ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَا أُحِلُّ مِنْهُمَا» ، وَبِالْهَدْيِ الْوَاحِدِ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُمَا فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ أَصْلًا.

  26. (قَالَ) وَإِذَا بَعَثَ بِهَدْيَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُعَيِّنَ الَّذِي لِلْعُمْرَةِ مِنْهُمَا وَاَلَّذِي لِلْحَجِّ لِأَنَّ هَذَا التَّعْيِينَ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلَا يُعْتَبَرُ أَصْلًا ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ لَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ حَتَّى لَوْ وَاعَدَ الْمَبْعُوثَ عَلَى يَدِهِ بِأَنْ يَذْبَحَ عَنْهُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْعَشْرِ جَازَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَخْتَصُّ بِيَوْمٍ فَالْإِهْدَاءُ دَمٌ يَتَحَلَّلُ بِهِ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَهَدْيِ

  27. الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَصَّ فِي هَدْيِ الْإِحْصَارِ عَلَى مَكَان بِقَوْلِهِ {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} فَالتَّقْيِيدُ بِالزَّمَانِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ بِالرَّأْيِ ثُمَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ لِلْإِحْلَالِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَلِهَذَا لَا يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ، وَدِمَاءُ الْكَفَّارَاتِ تَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ وَلَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ

  28. بِخِلَافِ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ نُسُكٌ يُبَاحُ التَّنَاوُلُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْأُضْحِيَّةِ.

  29. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ إذَا بَعَثَ بِالْهَدْيِ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ جَمِيعًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ لِأَدَاءِ الْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الْحَجِّ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْبَدَلِ، وَقَدْ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْبَدَلِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ فَإِذَا أَدْرَكَ هَدْيَهُ صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَقَدْ كَانَ عَيَّنَهُ لِمَقْصُودٍ، وَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْهُ،

  30. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ وَالْهَدْيِ جَمِيعًا لَا يَلْزَمُهُ التَّوَجُّهُ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ لَمْ يَنْعَدِمْ بِزَوَالِ الْإِحْصَارِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ،

  31. وَإِنْ تَوَجَّهَ لِيَتَحَلَّلَ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ فَلَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فَائِتُ الْحَجِّ، وَفَائِتُ الْحَجِّ يَتَحَلَّلُ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، وَلَهُ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ غَرَضٌ، وَهُوَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ،

  32. وَأَمَّا إذَا قَدَرَ عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إدْرَاكِ الْهَدْيِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ هَذَا عِنْدَ أَبِي حَنَفِيَّة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عِنْدَهُمَا لِأَنَّ عِنْدَهُمَا هَذَا الْهَدْيُ يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إدْرَاكُ الْحَجِّ دُونَ الْهَدْيِ ثُمَّ فِي الْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ قَدْ ارْتَفَعَ بِزَوَالِ الْإِحْصَارِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ، وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ فَقَالَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ لِأَنَّهُ لَوْ تَوَجَّهَ ضَاعَ مَالُهُ فَإِنَّ الْهَدْيَ مِلْكُهُ جَعَلَهُ لِمَقْصُودٍ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ فَإِنْ كَانَ لَا يُدْرِكُهُ،

  33. وَلَا يَتَحَلَّلُ بِهِ يُضَيِّعُ مَالَهُ، وَحُرْمَةُ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ فَكَمَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى نَفْسِهِ عُذْرًا لَهُ فِي التَّحَلُّلِ فَكَذَلِكَ الْخَوْفُ عَلَى مَالِهِ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَتَوَجَّهَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْوَفَاءِ بِمَا وَعَدَ، وَهُوَ أَدَاءُ مَا شَرَعَ فِيهِ

  34. (قَالَ) وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ،

  35. وَلَا زَوْجٌ يَخْرُجُ مَعَهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِسَفَرِ الْحَجِّ إلَّا مَعَ مُحْرِمٍ أَوْ زَوْجٍ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا وَجَدَتْ رُفْقَةَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ فَلَهَا أَنْ تَخْرُجَ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مُحْرِمًا، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاشْتِرَاطُ الْمُحْرِمِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَمِثْلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ

  36. تَعْدِلُ عِنْدَكُمْ النَّسْخَ ثُمَّ هَذَا سَفَرٌ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَحْرَمُ كَسَفَرِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ الَّتِي أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَهَا أَنْ تُهَاجِرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، وَهَذَا لِأَنَّ شَرَائِطَ إقَامَةِ الْفَرْضِ مَا يَكُونُ فِي وُسْعِ الْمَرْءِ عَادَةً،

  37. وَلَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَى الْمَحْرَمِ فِي إحْرَامِهِ،

  38. وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَحْرَمِ الْخُرُوجُ مَعَهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ لِأَجْلِ هَذَا الْخُرُوجِ بِالِاتِّفَاقِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَحْرَمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ إلَّا أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَرَّزَ عَنْ الْفِتْنَةِ، وَفِي اخْتِلَاطِهَا بِالرِّجَالِ فِتْنَةٌ، وَهِيَ تَسْتَوْحِشُ بِالْوَحْدَةِ فَتَخْرُجُ مَعَ رُفْقَةِ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ لِتَسْتَأْنِسَ بِهِنَّ،

  39. وَلَا تَحْتَاجُ إلَى مُخَالَطَةِ الرِّجَالِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ إنِّي أُرِيدُ الْخُرُوجَ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَإِنَّ امْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَمَاذَا أَصْنَعُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُخْرُجْ مَعَهَا، لَا تُفَارِقْهَا» فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ السَّفَرِ الَّذِي ذَكَرَهُ سَفَرَ الْحَجِّ حَتَّى قَالَ السَّائِلُ مَا قَالَ، وَفِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزَّوْجَ بِأَنْ يَتْرُكَ الْغَزْوَ، وَيَخْرُجَ مَعَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ.

  40. وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهَا تُنْشِئُ سَفَرًا عَنْ اخْتِيَارٍ فَلَا يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ إلَّا مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ كَسَائِرِ الْأَسْفَارِ

  41. بِخِلَافِ الْمُهَاجِرَةِ فَإِنَّهَا لَا تُنْشِئُ سَفَرًا، وَلَكِنَّهَا تَقْصِدُ النَّجَاةَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَصَلَتْ إلَى جَيْشٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى صَارَتْ آمِنَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَحْرَمٍ، وَلِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ هُنَاكَ لِخَوْفِهَا عَلَى نَفْسِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِدَّةَ هُنَاكَ لَا تَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ، وَهُنَا لَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِلْحَجِّ، وَتَأْثِيرُ فَقْدِ الْمَحْرَمِ فِي الْمَنْعِ مِنْ السَّفَرِ كَتَأْثِيرِ الْعِدَّةِ فَإِذَا مُنِعَتْ مِنْ الْخُرُوجِ لِسَفَرِ الْحَجِّ بِسَبَبِ الْعِدَّةِ فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ فَقْدِ الْمَحْرَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ عُرْضَةٌ لِلْفِتْنَةِ، وَبِاجْتِمَاعِ النِّسَاءِ تَزْدَادُ الْفِتْنَةُ،

  42. وَلَا تُرْفَعُ إنَّمَا تُرْفَعُ بِحَافِظٍ يَحْفَظُهَا،

  43. وَلَا يَطْمَعُ فِيهَا، وَذَلِكَ الْمَحْرَمُ، وَتَفْسِيرُهُ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِسَبَبِ قَرَابَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْلُوَ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يَطْمَعُ فِيهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ أَبَدًا فَكَذَلِكَ يُسَافِرُ بِهَا.

  44. (قَالَ) وَيَسْتَوِي أَنْ يَكُونَ الْمَحْرَمُ حُرًّا أَوْ مَمْلُوكًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ كُلَّ ذِي دِينٍ يَقُومُ بِحِفْظِ مَحَارِمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجُوسِيًّا فَحِينَئِذٍ لَا تَخْرُجُ مَعَهُ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهَا لَهُ فَلَا يَنْقَطِعُ طَمَعُهُ عَنْهَا فَلِهَذَا لَا تُسَافِرُ مَعَهُ، وَلَا يَخْلُو بِهَا.

  45. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا لَمْ تَجِدْ الْمَحْرَمَ، وَقَدْ أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْخُرُوجِ شَرْعًا فَصَارَتْ كَالْمُحْصَرِ تَبْعَثُ بِالْهَدْيِ فَتَتَحَلَّلُ بِهِ،

  46. وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ، وَأَرَادَتْ

  47. أَنْ تَخْرُجَ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَعَ الْمَحْرَمِ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِأَنَّهَا صَارَتْ كَالْمَمْلُوكَةِ لَهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَثَبَتَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَهِيَ بِهَذَا الْخُرُوجِ تَحُولُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَبَيْنَ حَقِّهِ أَوْ تَلْزَمُهُ مَشَقَّةُ السَّفَرِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِزِيَارَةِ الْأَقَارِبِ، وَكَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ لَكِنَّا نَقُولُ فَرْضُ الْحَجِّ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهَا بِاسْتِجْمَاعِ الشَّرَائِطِ فَكَانَ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ، وَبِسَبَبِ عَقْدِ النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ وِلَايَةُ الْمَنْعِ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مِنْ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْمَوْلَى لَا يَمْنَعُ مَمْلُوكَهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ حَقِّهِ فَهَذَا مِثْلُهُ

  48. بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا فَإِنَّ هُنَاكَ الْفَرْضَ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهَا لِانْعِدَامِ شَرَائِطِهِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ لَا تَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ بِأَنْ كَانَ بَيْنَهَا، وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا،

  49. وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَحْرَمِ لِلسَّفَرِ لَا لِمَا دُونَهُ،

  50. وَأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ فَالْخُرُوجُ لِأَجْلِهِ لَمْ يَصِرْ مُسْتَثْنًى مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهَا فَإِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجَّةِ التَّطَوُّعِ كَانَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا، وَيُحَلِّلَهَا إلَّا أَنَّ هُنَا لَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ، وَلَكِنْ يُحَلِّلُهَا مِنْ سَاعَتِهِ، وَعَلَيْهَا هَدْيٌ لِتَعَجُّلِ الْإِحْلَالِ، وَعُمْرَةٌ، وَحَجَّةٌ لِصِحَّةِ شُرُوعِهَا فِي الْحَجِّ

  51. بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ لِأَنَّ هُنَاكَ لَا حَقَّ لِلزَّوْجِ فِي مَنْعِهَا لَوْ وَجَدَتْ مَحْرَمًا، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ لِفَقْدِ الْمَحْرَمِ فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ، وَهُنَا تَعَذَّرَ الْخُرُوجُ لِحَقِّ الزَّوْجِ، وَكَمَا لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُبْطِلَ حَقَّ الزَّوْجِ، لَا يَكُونُ لَهَا أَنْ تُؤَخِّرَ حَقَّ الزَّوْجِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ سَاعَتِهِ، وَتَحْلِيلُهُ لَهَا أَنْ يَنْهَاهَا، وَيَصْنَعَ بِهَا أَدْنَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا فِي الْإِحْرَامِ مِنْ قَصِّ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ،

  52. وَلَا يَكُونُ التَّحْلِيلُ بِالنَّهْيِ،

  53. وَلَا بِقَوْلِهِ حَلَلْتُك لِأَنَّ عَقْدَ الْإِحْرَامِ قَدْ صَحَّ فَلَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ إلَّا بِارْتِكَابِ مَحْظُورِهِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتُك، وَهُوَ نَظِيرُ الصَّوْمِ إذَا صَحَّ الشُّرُوعُ فِيهِ لَا يَصِيرُ خَارِجًا إلَّا بِارْتِكَابِ مَحْظُورٍ حَتَّى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ نَهَاهَا عَنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ لَا تَصِيرُ خَارِجَةً عَنْ الصَّوْمِ بِمُجَرَّدِ نَهْيِهِ،

  54. وَكَذَلِكَ الْمَمْلُوكُ يُهِلُّ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يُحَلِّلَهُ لِقِيَامِ حَقِّهِ فِي خِدْمَتِهِ، وَمَنَافِعِهِ، وَالْمَمْلُوكُ فِي هَذَا كَالزَّوْجَةِ فِي حَجَّةِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا بَيَّنَّا

  55. (قَالَ) وَالْمُحْصَرُ بِالْحَجِّ إذَا بَعَثَ بِهَدْيَيْنِ حَلَّ بِأَوَّلِهِمَا لِأَنَّهُ مَا لَزِمَهُ لِلتَّحَلُّلِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا مُعَيَّنٌ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَالثَّانِي يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَالْإِحْلَالُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَدْيِ التَّطَوُّعِ

  56. (قَالَ) وَإِنْ حَلَّ الْمُحْصَرُ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْلَالِهِ لِأَنَّهُ حَلَّ قَبْلَ أَوَانِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تَحْلِقُوا

  57. رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} ، وَيَعُودُ حَرَامًا كَمَا كَانَ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ لِأَنَّ ذَبْحَ الْهَدْيِ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّحَلُّلِ فَلَا يَحِلُّ بِغَيْرِهِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ لَمَّا كَانَ مُتَعَيَّنًا لِلْإِحْلَالِ بِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ لَا يَحْصُلُ الْإِحْلَالُ بِغَيْرِهِ

  58. (قَالَ) وَإِنْ كَانَ الْمُحْصَرُ مُعْسِرًا لَمْ يَحِلَّ أَبَدًا إلَّا بِدَمٍ لِأَنَّ الدَّمَ مُتَعَيَّنٌ لِإِحْلَالِهِ بِالنَّصِّ كَمَا أَنَّ طَوَافَ الزِّيَارَةِ مُتَعَيَّنٌ لِإِحْلَالِهِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَكَمَا لَا يَحْصُلُ الْإِحْلَالُ بِغَيْرِهِ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ هَذَا، وَكَانَ عَطَاءٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ نَظَرَ إلَى قِيمَةِ الْهَدْيِ فَجَعَلَ ذَلِكَ طَعَامًا يُطْعِمُ بِهِ الْمَسَاكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ، أَوْ يَصُومُ مَكَانَ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا فَيَتَحَلَّلُ بِهِ بِمَنْزِلَةِ الْهَدْيِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي، وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَكَذَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ صَامَ مَكَانَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ عَلَى قِيَاسِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ لَكِنَّا نَقُولُ هَذَا كُلُّهُ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْمَنْصُوصِ،

  59. وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ بَلْ الْمَرْجِعُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إلَى مَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ،

  60. وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ

  61. مَا صَنَعَهُ الْمُحْصَرُ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ

  62. (قَالَ) وَكُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُحْصَرُ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْرِمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحْصَرٍ،

  63. وَكَذَلِكَ إنْ ذُبِحَ عَنْ الْمُحْصَرِ هَدْيُهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَبْقَى حَرَامًا عَلَى حَالِهِ حَتَّى يَبْعَثَ بِهَدْيٍ فَيُذْبَحَ عَنْهُ فِي الْحَرَمِ،

  64. وَإِنْ كَانَ قَدْ حَلَّ قَبْلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِإِحْلَالِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا

  65. (قَالَ) وَيُجْزِئُهُ فِي هَدْيِ الْإِحْصَارِ الْجَذَعُ الْعَظِيمُ مِنْ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ، وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «أَشْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّ سَبْعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي بَدَنَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ» فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الْوَاجِبَ هُنَا مَا يَجْزِي فِي الضَّحَايَا، وَاَلَّذِي يَجْزِي فِي الضَّحَايَا مَا سَمَّيْنَا فَكَذَا هُنَا،

  66. وَإِنْ سُرِقَ الْهَدْيُ بَعْدَمَا ذُبِحَ عَنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ الَّذِي ذَبَحَهُ بَعْدَمَا ذُبِحَ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ مَا أَكَلَ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْ الْمُحْصَرِ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمَبْعُوثِ عَلَى يَدِهِ لَا تَأْكُلْ أَنْتَ، وَلَا رُفْقَتُك مِنْهَا شَيْئًا» ، وَلِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ التَّصَدُّقُ بِجَمِيعِ اللَّحْمِ عَنْ الْمُحْصَرِ فَإِذَا أَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ ضَامِنًا بَدَلَهُ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْمُبْدَلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِبَدَلِهِ عَنْ الْمُحْصَرِ أَيْضًا

  67. (قَالَ) وَإِنْ قَدِمَ مَكَّةَ قَارِنًا فَطَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى بَعْضِ الْآفَاقِ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ فَأُحْصِرَ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ وَيَحِلُّ بِهِ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ مَكَانَ حَجَّتِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِهِ لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ عُمْرَتِهِ حِينَ طَافَ لَهَا وَسَعَى، وَإِنَّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ لِلْعُمْرَةِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ فَلِهَذَا لَا يَبْعَثُ بِهَدْيٍ لِأَجْلِ

  68. الْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ لِلتَّحَلُّلِ عَنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ طَافَ وَسَعَى لِحَجَّتِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْفِيَهُ ذَلِكَ لِلتَّحَلُّلِ كَمَا فِي فَائِتِ الْحَجِّ قُلْنَا مَا أَتَى بِهِ مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بَلْ كَانَ ذَلِكَ طَوَافَ التَّحِيَّةِ،

  69. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِمِثْلِهِ فَلِهَذَا يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ لِلْحَجِّ، وَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ الطَّوَافَ، وَالسَّعْيَ صَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فِي حُكْمِ الْإِحْصَارِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَقْصِيرِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَهَذَا الدَّمُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْحَلْقُ لِلْعُمْرَةِ يَتَوَقَّتُ بِالْحَرَمِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا

  70. وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ

  71. (قَالَ) فَإِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ ثُمَّ أُحْصِرَ لَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا لِأَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أَحُصِرْتُمْ} أَيْ مُنِعْتُمْ عَنْ إتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَإِنَّمَا مُنِعَ هَذَا بَعْدَ الْإِتْمَامِ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ مُحْصَرًا، وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا يَثْبُتُ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوْتِ، وَبَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ فَلَا يَكُونُ مُحْصَرًا، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَوَافَ الصَّدَرِ، وَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ دَمٌ، وَلِتَأْخِيرِ الطَّوَافِ دَمٌ، وَلِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ دَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ شَيْءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ إنَّكُمْ قُلْتُمْ إذَا ازْدَادَتْ عَلَيْهِ مُدَّةُ الْإِحْرَامِ يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِحْصَارِ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ ازْدَادَتْ مُدَّةُ الْإِحْرَامِ هُنَا فَلِمَاذَا لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْإِحْصَارِ فِي حَقِّهِ؟

  72. قُلْنَا: لَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ إلَّا مِنْ النِّسَاءِ،

  73. وَإِنْ كَانَ يَلْزَمُهُ بَعْضُ الدِّمَاءِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْعُذْرُ الْمُوجِبُ لِلتَّحَلُّلِ هُنَا

  74. (قَالَ) وَإِذَا قَدِمَ مَكَّةَ فَأُحْصِرَ بِهَا لَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا، وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ سَأَلْت أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْمُحْرِمِ يُحْصَرُ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ لَا يَكُونُ مُحْصَرًا فَقُلْت أَلَيْسَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ» ، وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ فَقَالَ إنَّ مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ كَانَتْ دَارَ الْحَرْبِ فَأَمَّا الْيَوْمُ فَهِيَ دَارُ الْإِسْلَامِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْصَارُ فِيهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَإِنَّمَا أَنَا أَقُولُ إذَا غَلَبَ الْعَدُوُّ عَلَى مَكَّةَ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَهُوَ مُحْصَرٌ،

  75. وَالْأَصَحُّ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ جَمِيعًا فَهُوَ مُحْصَرٌ،

  76. وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مُحْصَرًا لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ الطَّوَافِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ فَيَتَحَلَّلَ بِالطَّوَافِ، وَالسَّعْيِ،

  77. وَإِنْ يَكُنْ مَمْنُوعًا مِنْ الْوُقُوفِ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ لِيُتِمَّ حَجَّهُ، وَإِنْ كَانَ

  78. مَمْنُوعًا مِنْهُمَا فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ وَالتَّحَلُّلُ بِالطَّوَافِ فَيَكُونُ مُحْصَرًا كَمَا لَوْ أُحْصِرَ فِي الْحِلِّ

  79. (قَالَ) رَجُلٌ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ مَعًا فَسَارَ إلَى مَكَّةَ لِيَقْضِيَهُمَا ثُمَّ أُحْصِرَ قَالَ يَبْعَثُ بِالْهَدْيِ لِوَاحِدٍ. وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ نَقُولَ: مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَتَيْنِ مَعًا أَوْ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِهِمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِعَيْنِهِ بَلْ لِأَدَاءِ الْأَفْعَالِ بِهِ،

  80. وَلَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ حَجَّتَيْنِ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ،

  81. وَلَا أَدَاءُ عُمْرَتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَالْعَقْدُ إذَا خَلَا عَنْ مَقْصُودِهِ لَا يَكُونُ مُنْعَقِدًا أَصْلًا فَإِذَا خَلَا أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ هُنَا عَمَّا هُوَ مَقْصُودٌ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِحْرَامُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا، وَقَاسَا بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَفِي صَلَاتَيْنِ بِتَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَصِيرُ شَارِعًا إلَّا فِي أَحَدِهِمَا، وَهَذَا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاضِحٌ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْإِحْرَامَ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ الْإِحْرَامُ مِنْ الشَّرَائِطِ فَفِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ جُعِلَ مِنْ الْأَرْكَانِ.

  82. أَلَا تَرَى أَنَّ فَائِتَ الْحَجِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْإِحْرَامَ إلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَجَّ بِهِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ،

  83. وَلَوْ كَانَ مِنْ الشَّرَائِطِ لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْأَرْكَانِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْمَثْنَى مِنْهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ كَالْوُقُوفِ لِحَجَّتَيْنِ وَالطَّوَافِ لِعُمْرَتَيْنِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَثْبُتُ أَحَدُهُمَا وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُنَافَاةٌ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَنْ لَا يَثْبُتَ أَحَدُهُمَا كَنِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ مَعًا،

  84. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ انْعَقَدَ الْإِحْرَامُ ثُمَّ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ لَا يَتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ، وَالتَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي أَدَاءِ الْأَفْعَالِ،

  85. وَإِذَا كَانَ أَدَاءُ الْأَفْعَالِ لَا يَتَّصِلُ بِالْإِحْرَامِ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا

  86. بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَالشُّرُوعُ هُنَاكَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَيَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ وَالْوَقْتُ مِعْيَارُ الصَّوْمِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ الصَّوْمَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ثُمَّ الْإِحْرَامُ سَبَبٌ لِالْتِزَامِ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْأَدَاءُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّذْرِ.

  87. وَالنَّذْرُ بِالْعُمْرَتَيْنِ صَحِيحٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرَائِطِ ابْتِدَاءً،

  88. وَإِنْ أَعُطِيَ لَهُ حُكْمُ الْأَرْكَانِ انْتِهَاءً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُنَافَاةُ فِيهِ كَمَنْ تَطَهَّرَ لِأَدَاءِ الصَّلَاتَيْنِ إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ عَقَدَ إحْرَامَهُ بِهِمَا يَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ كَمَا فَرَغَ مِنْ الْإِحْرَامِ جَاءَ أَوَانُ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ، وَالْمُنَافَاةُ مُلْتَحِقَةٌ فَيَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِهَا، وَيَمْضِي فِي الْآخَرِ فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِعُمْرَتَيْنِ فَعَلَيْهِ

  89. قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي رَفَضَهَا،

  90. وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ بِحَجَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ لِرَفْضِ أَحَدِهِمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا مَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِالْعَمَلِ لِلْآخَرِ، فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ كَمَا يَسِيرُ إلَى مَكَّةَ لِأَدَاءِ الْأَعْمَالِ يَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَا لَمْ يَأْخُذْ فِي الطَّوَافِ لَا يَصِيرُ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَنَافَ الْإِحْرَامَانِ ابْتِدَاءً لَا يَتَنَافَيَانِ بَقَاءً بَلْ الْبَقَاءُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، وَإِنَّمَا الْمُنَافَاةُ فِي الْأَعْمَالِ فَمَا لَمْ يَشْتَغِلْ بِعَمَلِ أَحَدِهِمَا لَا يَصِيرُ رَافِضًا لِلْآخَرِ، وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ إنَّمَا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أُحْصِرَ قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إلَى مَكَّةَ.

  91. قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْعَثُ بِهَدْيَيْنِ لِلتَّحَلُّلِ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّمَا أُحْصِرَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا إحْرَامٌ وَاحِدٌ فَلَا يَبْعَثُ إلَّا بِهَدْيٍ وَاحِدٍ،

  92. وَإِنْ كَانَ سَارَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ أُحْصِرَ فَإِنَّمَا يَبْعَثُ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ صَارَ رَافِضًا لِأَحَدِهِمَا حِينَ سَارَ فِي عَمَلِ الْآخَرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِلرَّفْضِ، وَدَمٌ آخَرُ لِلتَّحَلُّلِ فَأَمَّا حُكْمُ الْقَضَاءِ فَإِنَّ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتَيْنِ،

  93. وَإِنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّتَيْنِ، وَعُمْرَتَيْنِ

  94. (قَالَ) رَجُلٌ أَهَلَّ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ لَا يَنْوِي حَجَّةً وَلَا عُمْرَةً يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ مَعَ الْإِبْهَامِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا، وَأَبَا مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَمَّا قَدِمَا مِنْ الْيَمَنِ قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَ أَهْلَلْتُمَا قَالَا أَهْلَلْنَا بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَقَدْ صَحَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْرَامَهُمَا مَعَ الْإِبْهَامِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْإِحْرَامَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِلنُّسُكِ ابْتِدَاءً، وَالْإِبْهَامُ فِيهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَبَعْدَمَا انْعَقَدَ الْإِحْرَامُ مُبْهَمًا فَلِلْخُرُوجِ مِنْهُ طَرِيقَانِ شَرْعًا أَمَّا الْحَجُّ أَوْ أَعْمَالُ الْعُمْرَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا إنْ شَاءَ خَرَجَ عَنْهُ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ،

  95. وَإِنْ شَاءَ بِأَعْمَالِ الْحَجِّ، وَكَانَ تَعْيِينُهُ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ التَّعْيِينِ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِنْ أُحْصِرَ قَبْلَ أَنْ يُعَيِّنَ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَالتَّحَلُّلُ عَنْ إحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَةٍ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ لِأَنَّ إحْرَامَهُ إنْ كَانَ لِلْحَجِّ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ فِي قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الْمُتَيَقَّنُ بِهِ يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ فَقَطْ، وَالْمُتَيَقَّنُ الْعُمْرَةُ، وَلَمَّا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ هَذَا الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْإِحْصَارِ بِأَدَاءِ الْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْصَارِ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ الْعُهْدَةِ بِأَدَاءِ الْعُمْرَةِ.

  96. (قَالَ) وَإِنْ لَمْ يُحْصَرْ فَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ فَإِنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَنْوِيَ شَيْئًا فَهِيَ عُمْرَةٌ لِأَنَّ طَوَافَ

  97. الْعُمْرَةِ وَاجِبٌ، وَالتَّحِيَّةُ فِي الْحَجِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَلِهَذَا جَعَلْنَا طَوَافَهُ لِلْعُمْرَةِ، وَيَحْصُلُ التَّعْيِينُ بِهِ.

  98. (قَالَ) وَكَذَلِكَ إذَا جَامَعَ قَبْلَ التَّعْيِينِ فَعَلَيْهِ دَمُ الْجِمَاعِ وَالْمُضِيُّ فِي أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ وَقَضَاءُ عُمْرَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْمُتَيَقَّنُ بِهِ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَصِيرَ دَيْنًا، وَالْمُتَيَقَّنُ هُوَ الْعُمْرَةُ فَلِهَذَا تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ لِلْحَجِّ، وَقَدْ أَفْسَدَهَا بِالْجِمَاعِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَيَفُوتُهُ الْحَجُّ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ أَصْلًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ،

  99. وَإِذَا تَعَيَّنَ لِلْعُمْرَةِ، لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ فَلِهَذَا تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ لِلْعُمْرَةِ.

  100. (قَالَ) وَلَوْ أَهَلَّ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ كَمَا بَيَّنَّا، وَسَمَّى ثُمَّ نَسِيَهُ وَأُحْصِرَ بَعَثَ بِهَدْيٍ وَاحِدٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ.

  101. (قَالَ) وَإِذَا تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ فَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ، وَهَذَا احْتِيَاطٌ وَأَخْذٌ بِالثِّقَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حِينَ أَحْرَمَ نَوَى الْحَجَّ فَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ

  102. بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْحَجَّ عِنْدَ إحْرَامِهِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ نِيَّةِ الْحَجِّ فَإِذَا تَيَقَّنَ هُنَاكَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْحَجَّ لَا يَكُونُ لِلْأَمْرِ بِالِاحْتِيَاطِ مَعْنًى، وَهُنَا هُوَ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ حِينَ أَحْرَمَ نَوَى الْحَجَّ فَكَانَ هَذَا أَوَانَ الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فَلِهَذَا يَحْتَاطُ وَيَقْضِي عُمْرَةً وَحَجَّةً.

  103. وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ فِي الِابْتِدَاءِ وَبَيْنَ مَا إذَا عَيَّنَ ثُمَّ نَسِيَ ظَاهِرٌ فِي الْمَسَائِلِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ إحْدَى أَمَتَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَهُمَا، وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَعْتَقَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ نَسِيَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَهُمَا إلَّا أَنْ يَتَذَكَّرَ،

  104. وَكَذَا إنْ لَمْ يُحْصَرْ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَلَكِنَّهُ وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عُمْرَةً وَحَجَّةً، وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْقَارِنَ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَوَى إحْرَامَ الْحَجِّ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَوَى إحْرَامَ الْعُمْرَةِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لَا يَعْرِفُهَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ اسْتِحْسَانًا فَكَذَلِكَ هُنَا.

  105. (قَالَ) وَلَوْ جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ لِلْجِمَاعِ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ إتْمَامُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ فَكَمَا أَنَّ قَبْلَ الْإِفْسَادِ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِالْإِفْسَادِ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ، وَالْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ صِحَّةِ النُّسُكَيْنِ.

  106. (قَالَ) وَلَوْ جَامَعَ بَعْدَمَا نَوَى أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَحَجَّةً، وَلَبَّى بِهِمَا فَعَلَيْهِ دَمَانِ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ بَعْدَمَا لَبَّى بِهِمَا أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ بِطَرِيقَةِ إضَافَةِ أَحَدِ الْإِحْرَامَيْنِ إلَى الْآخَرِ فَعَلَيْهِ دَمَانِ لِلْجِمَاعِ، وَحُكْمُهُ فِي الْقَضَاءِ مِثْلُ الْأَوَّلِ كَمَا بَيَّنَّا

  107. (قَالَ) وَلَوْ أَهَلَّ بِشَيْئَيْنِ ثُمَّ نَسِيَهُمَا فَأُحْصِرَ بَعَثَ بِهَدْيَيْنِ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ فَإِذَا تَحَلَّلَ بِهَدْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ عُمْرَتَانِ

  108. وَحَجَّةٌ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ حَجَّتَانِ وَعُمْرَتَانِ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ نَوَى عِنْدَ إحْرَامِهِ حَجَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتَيْنِ وَحَجَّتَيْنِ احْتِيَاطًا، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ فِعْلُ الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَعَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْفَسَادِ إلَّا بَعْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى الصِّحَّةِ فَلَوْ جَعَلْنَا إحْرَامَهُ بِحَجَّةٍ عُمْرَةً كَانَ فِيهِ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَعَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ، وَهُوَ الْقِرَانُ،

  109. وَلَوْ جَعَلْنَا إحْرَامَهُ بِحَجَّتَيْنِ كَانَ فِيهِ حَمْلُ أَمْرِهِ عَلَى الْفَسَادِ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَدَاءً فَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ كَالْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِذَا تَحَلَّلَ بِهَدْيَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ عُمْرَتَانِ وَحَجَّةٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَارِنِ،

  110. وَإِنْ لَمْ يُحْصَرْ وَوَصَلَ إلَى الْبَيْتِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَحَجَّةً كَمَا يَعْمَلُ الْقَارِنُ اسْتِحْسَانًا، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقْضِيَ عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ وَحَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ كَانَ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرَفْضِ أَحَدِهِمَا، وَقَضَاءٌ، وَحَجَّةٌ، وَعُمْرَةٌ،

  111. وَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ فَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ فَقُلْنَا إنَّهُ يَحْتَاطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَيَقْضِي عُمْرَتَهُ وَحَجَّتَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِاحْتِمَالِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ثُمَّ عَلَيْهِ دَمٌ وَقَضَاءُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ لِاحْتِمَالِ الْجَانِبِ الْآخَرِ،

  112. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فَقَدْ أَتَى بِأَعْمَالِ إحْدَاهُمَا، وَقَضَى الْأُخْرَى مَعَ قَضَاءِ الْحَجِّ فَيَصِيرُ خَارِجًا مِمَّا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَجَعَلَهُ قَارِنًا حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَعَلَى مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ ثُمَّ عَلَيْهِ دَمٌ وَقَضَاءُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ،

  113. وَكَذَلِكَ لَوْ جَامَعَ فِيهِمَا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَارِنِ إذَا جَامَعَ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ الْفَاسِدَ مُعْتَبَرٌ بِالصَّحِيحِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ

  1. (بَابُ الْجِمَاعِ) (قَالَ) وَاذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُهِلَّانِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يَقِفَا بِعَرَفَةَ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاةٌ وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ، هَكَذَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ وَاقَعَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا مُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ، قَالَ: يُرِيقَانِ دَمًا وَيَمْضِيَانِ فِي حَجَّتِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: إذَا رَجَعَا لِلْقَضَاءِ يَفْتَرِقَانِ مَعْنَاهُ أَنْ يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ صَاحِبِهِ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ فَقَالَ كَمَا خَرَجَا مِنْ بَيْتِهِمَا فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَفْتَرِقَا، وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ مِنْ الْفِقْهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُوَاقِعَهَا مَا لَمْ يُحْرِمَا، وَالِافْتِرَاقُ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ الْمُوَاقَعَةِ

  2. فَلَا مَعْنَى لِلْأَمْرِ بِالِافْتِرَاقِ فِي وَقْتٍ تَحِلُّ الْمُوَاقَعَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ نُسُكٌ بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَوَانَ أَدَاءِ مَا هُوَ نُسُكٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ فَإِنَّ الِافْتِرَاقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ فِي الْأَدَاءِ فَلَا يَكُونُ نُسُكًا فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا قَرُبَا مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ يَفْتَرِقَانِ لِأَنَّهُمَا لَا يَأْمَنَانِ إذَا وَصَلَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَنْ تَهِيجَ بِهِمَا الشَّهْوَةُ فَيُوَاقِعَهَا فَيَفْتَرِقَانِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا؛

  3. لِأَنَّهُ إنَّمَا وَاقَعَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْقَائِمِ بَيْنَهُمَا فَلَوْ وَجَبَ الِافْتِرَاقُ إنَّمَا يَجِبُ عَنْ النِّكَاحِ، وَأَحَدٌ لَا يَأْمُرُ بِهَذَا ثُمَّ إذَا بَلَغَا إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَتَأَمَّلَا فِيمَا لَحِقَهُمَا مِنْ الْمَشَقَّةِ بِسَبَبِ لَذَّةٍ يَسِيرَةٍ ازْدَادَا نَدَمًا وَتَحَرُّزًا عَنْ ذَلِكَ ثَانِيًا لِكَيْ لَا يُصِيبَهُمَا الْآنَ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ مُرَادُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ إنْ خَافَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْفِتْنَةَ لَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِمَا كَمَا يُنْدَبُ الشَّابُّ إلَى الِامْتِنَاعِ عَنْ التَّقْبِيلِ فِي حَالَةِ الصِّيَامِ إذَا كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مَا سِوَى ذَلِكَ.

  4. (قَالَ) وَإِنْ كَانَا قَارِنَيْنِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاتَانِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْرِمٌ بِإِحْرَامَيْنِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضَاءُ عُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ الْمُوَاقَعَةِ وَقَدْ سَقَطَ دَمُ الْقِرَانِ عَنْهُمَا لِفَسَادِ نُسُكِهِمَا وَإِنْ لَزِمَهُمَا الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ؛

  5. لِأَنَّ هَذَا دَمُ نُسُكٍ فَلَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مِنْ جَمْعٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ الْجِمَاعِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ دَمَانِ؛ لِأَنَّ بِالطَّوَافِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَنْ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ مَا لَمْ يَحْلِقْ، وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعُمْرَةِ هُنَا؛

  6. لِأَنَّهُ إنَّمَا جَامَعَ بَعْدَ مَا أَدَّى عُمْرَتَهُ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْعُمْرَةِ هُوَ الطَّوَافُ فَلَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ بِهَذَا، وَإِنَّمَا فَسَدَ حَجُّهُ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُ دَمُ الْقِرَانِ بِفَسَادِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ.

  7. وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ مَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَمْ يَفْسُدْ وَاحِدٌ مِنْ النُّسُكَيْنِ عِنْدَنَا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ جَزُورٌ لِجِمَاعِهِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ وَشَاةٌ لِجِنَايَتِهِ عَلَى إحْرَامِ الْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى النُّسُكَيْنِ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ

  8. (قَالَ) : وَاذَا جَامَعَ الْحَاجُّ بَعْدَمَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ فَأَهْدَى جَزُورًا ثُمَّ جَامَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ شَاةٌ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ إحْرَامَهُ نُقْصَانٌ بِالْجِمَاعِ الْأَوَّلِ فَالْجِمَاعُ الثَّانِي صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصًا فَيَكْفِيهِ شَاةٌ

  9. بِخِلَافِ الْجِمَاعِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَإِنَّ هُنَاكَ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فَكَانَ عَلَيْهِ جَزُورٌ

  10. (قَالَ) : وَإِنْ طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ بَعْدَ مَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ فِي حُكْمِ التَّحَلُّلِ

  11. كَجَمِيعِ الطَّوَافِ فَكَمَا أَنَّهُ لَوْ أَتَمَّ الطَّوَافَ تَحَلَّلَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَكَذَلِكَ إذَا أَتَى بِأَكْثَرَ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا طَافَ جُنُبًا ثُمَّ جَامَعَ بَعْدُ قَبْلَ الْإِعَادَةِ فِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ طَافَ مُحْدِثًا؛

  12. لِأَنَّ التَّحَلُّلَ يَحْصُلُ بِطَوَافِ الْجُنُبِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ عَلَيْهِ دَمٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ طَوَافَ الْجُنُبِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ إلَّا فِي حُكْمِ التَّحَلُّلِ وَلِهَذَا لَوْ أَعَادَهُ انْفَسَخَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي فِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ فَصَارَ فِي الْمَعْنَى كَالْجِمَاعِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَهُنَا مَا أَتَى بِهِ مِنْ أَكْثَرِ أَشْوَاطِ الطَّوَافِ مُعْتَدٌّ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ مَا بَقِيَ هُنَا يَقُومُ الدَّمُ مَقَامَهُ فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرُ النُّقْصَانِ فِي طَوَافِ الْمُحْدِثِ،

  13. وَلَوْ طَافَ مُحْدِثًا ثُمَّ جَامَعَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ

  14. بِخِلَافِ مَا إذَا طَافَ جُنُبًا فَإِنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ لَا يَجِبُ بِمُقَابَلَةِ أَصْلِ الطَّوَافِ عِنْدَ فَوْتِ أَدَائِهِ وَهِيَ الْبَدَنَةُ فَجِمَاعُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَجِمَاعِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ قَبْلَ الطَّوَافِ حَتَّى جَامَعَ بَعْدَ مَا طَافَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِارْتِكَابِ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ التَّحَلُّلَ بِالطَّوَافِ لَا يَحْصُلُ إذَا لَمْ يَحْلِقْ

  15. (قَالَ) : وَالْمَسُّ وَالتَّقْبِيلُ عَنْ شَهْوَةٍ وَالْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ لَا يُفْسِدُ الْإِحْرَامَ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلٌ: إنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ يَفْسُدُ بِهِ الْإِحْرَامُ عَلَى قِيَاسِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِالتَّقْبِيلِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِنْزَالُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ فَسَادُ الْإِحْرَامِ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِارْتِكَابِ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ لَا يَفْسُدُ وَمَا تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ مِنْ الْعُقُوبَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ كَالْحَدِّ ثُمَّ مَا يَجِبُ هُنَا أَبْلُغُ مِمَّا يَجِبُ هُنَاكَ وَهُوَ الْقَضَاءُ فَيَكُونُ قِيَاسَ الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ وَلَا يَجِبُ بِالْجِمَاعِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ الْكَفَّارَةُ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ هُنَا الْقَضَاءُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ دَمٌ، أَمَّا إذَا أَنْزَلَ فَغَيْرُ مُشْكِلٍ

  16. وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُنْزِلْ عِنْدَنَا وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلٌ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا لَمْ يُنْزِلْ عَلَى قِيَاسِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا لَمْ يُنْزِلْ بِالتَّقْبِيلِ فَكَذَلِكَ فِي الْحَجِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مِنْ جُمْلَةِ الرَّفَثِ فَكَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِسَبَبِ الْإِحْرَامِ وَبِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ يَصِيرُ مُرْتَكِبًا مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي فِي الصَّوْمِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالرُّخْصَةِ فِي التَّقْبِيلِ هُنَاكَ ثُمَّ الْمُحَرَّمُ هُنَاكَ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّقْبِيلِ بِدُونِ الْإِنْزَالِ وَهُنَا الْمُحَرَّمُ الْجِمَاعُ بِدَوَاعِيهِ وَالتَّقْبِيلُ مِنْ جُمْلَتِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّطَيُّبَ مُحَرَّمٌ هُنَا وَلَا يُحَرَّمُ هُنَاكَ

  17. (قَالَ) : وَالنَّظَرُ لَا يُوجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ شَيْئًا وَإِنْ أَنْزَلَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ بِمَنْزِلَةِ التَّفَكُّرِ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ مِنْهُ صُنْعٌ بِالْمَحِلِّ،

  18. وَلَوْ تَفَكَّرَ فَأَمْنَى لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ إذَا

  19. نَظَرَ

  20. (قَالَ) : وَحُكْمُ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاحِدٌ إذَا كَانَ عَنْ نِسْيَانٍ أَوْ عَمْدٍ أَوْ فِي حَالِ نَوْمٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ طَوْعٍ إلَّا فِي الْإِثْمِ، أَمَّا النَّاسِي عِنْدَنَا يَفْسُدُ نُسُكُهُ بِالْجِمَاعِ وَيَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ الْعَامِدَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِعُذْرِ النِّسْيَانِ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلٌ: إنَّهُ لَا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِجِمَاعِ النَّاسِي عَلَى قِيَاسِ الصَّوْمِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا الْحُكْمُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ وَبِسَبَبِ النِّسْيَانِ لَا يَنْعَدِمُ عَيْنُ الْجِمَاعِ، وَهَذَا؛

  21. لِأَنَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ وَهُوَ هَيْئَةُ الْمُحْرِمَيْنِ فَلَا يُعْذَرُ بِالنِّسْيَانِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ

  22. بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِحَالَةِ مَا يَذْكُرُهُ فَجَعَلَ النِّسْيَانَ فِيهِ عُذْرًا فِي الْمَنْعِ مِنْ إفْسَادِ الصَّوْمِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ.

  23. (قَالَ) : وَإِنْ كَانَتْ نَائِمَةً أَوْ مُكْرَهَةً يَفْسُدُ حَجُّهَا عِنْدَنَا وَلَا يَفْسُدُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ مَتَى أَبَاحَ الْإِقْدَامَ أَعْدَمَ أَصْلَ الْفِعْلِ مِنْ الْمُكْرَهِ فِي الْأَحْكَامِ، وَالنَّوْمُ يُعْدِمُ أَصْلَ الْفِعْلِ مِنْ النَّائِمِ وَلِهَذَا قَالَ: لَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِهَذَا الْفِعْلِ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ أَوْ النَّوْمِ فَكَذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَعِنْدَنَا تَأْثِيرُ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ فِي دَفْعِ الْمَأْثَمِ لَا فِي إعْدَامِ أَصْلِ الْفِعْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الِاغْتِسَالُ وَيَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ فَكَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَسَادُ النُّسُكِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الزَّوْجُ مُحْرِمًا أَوْ حَلَالًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا أَوْ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً؛

  24. لِأَنَّ فَسَادَ النُّسُكِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ، وَذَلِكَ لَا يَنْعَدِمُ بِالْجُنُونِ وَالصِّغَرِ إذَا كَانَ يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الْإِحْرَامِ الرَّفَثُ، وَالرَّفَثُ اسْمُ الْجِمَاعِ

  25. (قَالَ) : رَجُلٌ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَجَامَعَ فِيهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِأُخْرَى يَنْوِي قَضَاءَهَا قَالَ: هِيَ هِيَ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِمَاعِ وَإِنْ فَسَدَ نُسُكُهُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَعْمَالِ فَنِيَّتُهُ فِي الْإِحْرَامِ بِالْإِهْلَالِ الثَّانِي لَغْوٌ؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي إيجَادَ الْمَوْجُودِ وَنِيَّةُ الْقَضَاءِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْإِحْرَامَ الْوَاحِدَ لَا يَتَّسِعُ لِلْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ فَكَانَ عَلَيْهِ دَمٌ لِلْجِمَاعِ وَيَفْرُغُ مِنْهَا وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ

  26. وَكَذَلِكَ هَذَا الْحُكْمُ لَوْ كَانَ مُهِلًّا بِالْحَجَّةِ

  27. (قَالَ) : وَإِنْ جَامَعَ فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ ثُمَّ أَضَافَ إلَيْهَا حَجَّةً يَقْضِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ الصَّحِيحَةِ جَائِزٌ فَإِلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ أَوْلَى، وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِفَسَادِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ.

  28. وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ دَمُ تَرْكِ الْوَقْتِ إذَا أَفْسَدَ بَعْدَ مَا أَحْرَمَ بِهِ يَعْنِي إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ حَلَالًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنْ أَفْسَدَهَا بِالْجِمَاعِ سَقَطَ عَنْهُ هَذَا الدَّمُ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ النُّسُكِ فَيَعُودُ فَيُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ؛

  29. لِأَنَّهُ يُؤَدِّي النُّسُكَ بِهَذَا الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يَتَأَدَّ نُسُكُهُ بِهَذَا الْإِحْرَامِ حِينَ أَفْسَدَهُ، وَلِهَذَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا

  30. (قَالَ) : الْمُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إذَا جَامَعَ النِّسَاءَ

  31. وَرَفَضَ إحْرَامَهُ وَأَقَامَ حَلَالًا يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ الْحَلَالُ مِنْ الطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ حَرَامًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ بِإِفْسَادِ الْإِحْرَامِ لَمْ يَصِرْ خَارِجًا مِنْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ

  32. وَكَذَلِكَ بِنِيَّةِ الرَّفْضِ وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى حَالِهِ إلَّا أَنَّ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ دَمًا وَاحِدًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ارْتِكَابَ الْمَحْظُورَاتِ اسْتَنَدَ إلَى قَصْدٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَعْجِيلُ الْإِحْلَالِ فَيَكْفِيهِ لِذَلِكَ دَمٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِهِ؛ لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ بِالشُّرُوعِ، وَالْأَدَاءُ بِصِفَةِ الْفَسَادِ لَا يَنُوبُ عَمَّا لَزِمَهُ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  1. (بَابُ الدُّهْنِ وَالطِّيبِ) (اعْلَمْ) بِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الدُّهْنِ وَالطِّيبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِلُ، وَقَالَ: يَأْتُونَ شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» وَاسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ وَالطِّيبِ يُزِيلُ هَذَا الْوَصْفَ وَمَا يَكُونُ صِفَةَ الْعِبَادَةِ يُكْرَهُ إزَالَتُهُ إلَّا أَنَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: إنْ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ فِي عُضْوٍ كَامِلٍ يَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَقَدْ فَسَّرَهُ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: كَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ وَنَحْوِهِمَا،

  2. وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا دُون ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّمِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ مِنْ الطِّيبِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ بِهِ؛ لِأَنَّ رَائِحَةَ الطِّيبِ تُوجَدُ مِنْهُ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ الْقَلِيلَ أَوْ الْكَثِيرَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْجَزَاءُ إنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا تَتَكَامَلُ الْجِنَايَةُ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، وَالْمُعْتَادُ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي عُضْوٍ كَامِلٍ فَتَمَّ بِهِ جِنَايَتُهُ وَفِيمَا دُونَ ذَلِكَ فِي جِنَايَتِهِ نُقْصَانٌ فَتَكْفِيهِ نُقْصَانُ الصَّدَقَةِ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوجِبُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّمِ وَاعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ كَمَا هُوَ أَصْلُهُ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى إذَا طَيَّبَ شَارِبَهُ أَوْ طَرَفًا مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ دُونَ الرُّبْعِ فَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ.

  3. وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الطِّيبَ فِي رُبْعِ رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ،

  4. وَكَذَلِكَ فِي رُبْعِ عُضْوٍ آخَرَ وَجَعَلَ الرُّبْعَ بِمَنْزِلَةِ الْكَمَالِ عَلَى قِيَاسِ الْحَلْقِ ثُمَّ الدُّهْنُ إذَا كَانَ مُطَيَّبًا كَدُهْنِ أَلْبَانٍ وَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ فَهُوَ طِيبٌ يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ،

  5. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدُّهْنُ قَدْ طُبِخَ وَجُعِلَ فِيهِ طِيبٌ،

  6. فَأَمَّا إذَا ادَّهَنَ بِزَيْتٍ أَوْ بِخَلٍّ غَيْرِ مَطْبُوخٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَوْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الشَّعْرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛

  7. لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ فِي الشَّعْرِ يُزِيلُ الشَّعَثَ فَيَكُونُ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ.

  8. وَأَمَّا فِي غَيْرِ الشَّعْرِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى

  9. قَضَاءِ التَّفَثِ وَلَا مَعْنَى اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ؛ لِأَنَّ الدُّهْنَ مَأْكُولٌ، وَلَيْسَ بِطِيبٍ فَيَكُونُ قِيَاسَ الشَّحْمِ وَالسَّمْنِ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّهُمَا قَالَا: اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ يَقْتُلُ الْهَوَامَّ فَيَكُونُ فِيهِ بَعْضُ الْجِنَايَةِ فَيَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الدُّهْنُ أَصْلُ الطِّيبِ فَإِنَّ الرَّوَائِحَ تُلْقَى فِي الدُّهْنِ فَيَصِيرُ تَامًّا فَيَجِبُ بِاسْتِعْمَالِ أَصْلِ الطِّيبِ مَا يَجِبُ بِاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ كَمَا إذَا كَسَرَ الْمُحْرِمُ بَيْضَ الصَّيْدِ يَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ كَمَا يَجِبُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ.

  10. (قَالَ) : وَإِذَا دَهَنَ شُقَاقَ رِجْلِهِ بِزَيْتٍ أَوْ شَحْمٍ أَوْ سَمْنٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ التَّدَاوِي، وَالتَّدَاوِي غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ فَإِنْ دَهَنَ بِهِ شُقَاقَ رِجْلِهِ أَوْلَى

  11. (قَالَ) : وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُمَّ الطِّيبَ وَالزَّعْفَرَانَ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ مَسُّ الطِّيبِ وَهُوَ لَمْ يَمَسَّهُ وَإِنْ شَمَّ رَائِحَتَهُ كَمَنْ اجْتَازَ فِي سُوقِ الْعَطَّارِينَ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا مَعَ أَنَّ الرَّيْحَانَ مِنْ جُمْلَةِ نَبَاتِ الْأَرْضِ لَا مِنْ الطِّيبِ فَهُوَ كَالتُّفَّاحِ وَالْبِطِّيخِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛

  12. لِأَنَّ فِي الطِّيبِ مَعْنَى الرَّائِحَةِ، وَاسْتِعْمَالُ عَيْنِ الطِّيبِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْ الطِّيبِ رَائِحَتُهُ فَمَا يُوجِدُ رَائِحَةَ الطِّيبِ يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُمَّهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي التُّفَّاحِ هَكَذَا وَمَنْ فَرَّقَ فَقَالَ: الْمَقْصُودُ هُنَاكَ الْأَكْلُ فَأَمَّا الرَّيْحَانُ فَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُودٌ سِوَى رَائِحَتِهِ فَيُمْنَعُ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْإِحْرَامِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛

  13. لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ لَا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ اشْتِمَامِ الرَّائِحَةِ بِمَنْزِلَةِ الْجُلُوسِ عِنْدَ الْعَطَّارِ وَنَحْوِهِ، وَذَكَرَ حَمْرَانِ عَنْ أَبَانَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ أَيَدْخُلُ الْبُسْتَانَ، قَالَ: نَعَمْ وَيَشُمُّ الرَّيْحَانَ فَهُوَ دَلِيلٌ لِمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

  14. (قَالَ) : فَإِنْ كَانَ تَطَيَّبَ أَوْ ادَّهَنَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ وَجَدَ رِيحَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَضُرَّهُ،

  15. وَكَذَلِكَ إنْ أَجْمَرَ ثِيَابَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ لَبِسَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا دَخَلَ بَيْتًا قَدْ أُجْمِرَ فِيهِ فَطَالَ مُكْثُهُ حَتَّى عَلِقَ ثَوْبَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ،

  16. وَلَوْ أَجْمَرَ ثِيَابَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَارَ إذَا كَانَ فِي الْبَيْتِ فَعَيْنُ الطِّيبِ لَمْ يَتَّصِلْ بِثَوْبِهِ وَلَا بِبَدَنِهِ إنَّمَا نَالَ رَائِحَتَهُ فَقَطْ

  17. بِخِلَافِ مَا إذَا أَجَمَرَ ثِيَابَهُ فَإِنَّ عَيْنَ الطِّيبِ قَدْ عَلِقَ بِثِيَابِهِ فَإِذَا كَانَ الْإِجْمَارُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا عَنْ اسْتِعْمَالِ عَيْنِ الطِّيبِ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا بَقِيَ مَعَ الْمُحْرِمِ رَائِحَتُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ

  18. (قَالَ) : وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ الَّذِي فِيهِ الزَّعْفَرَانُ أَوْ

  19. الطِّيبُ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ السِّكْبَاجَ الْأَصْفَرَ فِي إحْرَامِهِ، وَلِأَنَّ قَصْدَهُ بِهَذَا الطَّعَامِ التَّغَذِّي لَا التَّطَيُّبُ،

  20. وَإِنْ أَكَلَ الزَّعْفَرَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الطَّعَامِ فَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ كَانَ كَثِيرًا؛ لِأَنَّ الزَّعْفَرَانَ لَا يُتَغَذَّى بِهِ كَمَا هُوَ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ تَبَعًا لِلطَّعَامِ.

اعرض ٧٩٠ مسألة أخرى
المالكية
كتاب آخر
مختصر خليلخليل، ١٤٣ مسألة
باب في الذكاة١٠٣ مسألة
  1. الذكاة قطع مميز يناكح تَمَامُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ مِنْ الْمُقَدَّمِ

  2. بِلَا رَفْعٍ قبل التمام

  3. وفي النحر طعن بلبة

  4. وشهر أيضا الاكتفاء بنصف الحلقوم والودجين

  5. وإن سامريا

  6. أو مجوسيا تنصر

  7. وذبح لنفسه مستحله

  8. وإن أكل الميتة إن لم يغب

  9. لا صبي ارتد

  10. وذبح لصنم

  11. أَوْ غَيْرُ حِلٍّ لَهُ إنْ ثَبَتَ بِشَرْعِنَا

  12. وإلا كره

  13. كجزارته

  14. وبيع وإجارة لعبده

  15. وشراء ذبحه

  16. وتسلف ثمن خمر

  17. وبيع به

  18. لا أخذه قضاء

  19. وشحم يهودي

  20. وذبح لصليب أو عيسى

  21. وقبول متصدق به لذلك

  22. وذكاة خنثى

  23. وخصي

  24. وفاسق

  25. وفي ذبح كتابي لمسلم قولان

  26. وجرح مسلم مميز وحشيا وإن تأنس عجز عنه إلا بعسر

  27. لا نعم شرد أو تردى بكوة

  28. بسلاح محدد

  29. وحيوان علم

  30. بإرسال من يده

  31. بلا ظهور ترك

  32. ولو تعدد مصيده

  33. أو أكل

  34. أو لم ير بغار أو غيضة

  35. أو لم يظن نوعه من المباح

  36. أو ظهر خلافه

  37. لا إن ظنه حراما

  38. أو أخذ غير مرسل عليه

  39. أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُبِيحُ فِي شَرِكَةِ غَيْرٍ كماء

  40. أو ضرب بمسموم

  41. أو كلب مجوسي

  42. أَوْ بِنَهْشِهِ مَا قَدَرَ عَلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ

  43. أو أغرى في الوسط

  44. أَوْ تَرَاخَى فِي اتِّبَاعِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أنه لا يلحقه

  45. أَوْ حَمَلَ الْآلَةَ مَعَ غَيْرٍ

  46. أَوْ بِخُرْجٍ

  47. أو بات

  48. أو صدم أو عض بلا جرح

  49. أو قصد ما وجد

  50. أَوْ أَرْسَلَ ثَانِيًا بَعْدَ مَسْكِ أَوَّلٍ وَقَتَلَ

  51. أو اضطرب فأرسل ولم ير إلا أن ينوي المضطرب وغيره: فتأويلان

  52. ووجب نيتها

  53. وتسمية إن ذكر

  54. ونحر إبل

  55. وذبح غيره إن قدر

  56. وجاز للضرورة

  57. إلا البقر فيندب الذبح

  58. كالحديد

  59. وإحداده

  60. وقيام إبل

  61. وضجع ذبح على أيسر

  62. وتوجهه

  63. وإيضاح المحل

  64. وفري ودجى صيد أنفذ مقتله

  65. وَفِي جَوَازِ الذَّبْحِ بِالْعَظْمِ وَالسِّنِّ أَوْ إنْ انفصلا أو بالعظم ومنعهما خلاف

  66. وحرم اصطياد مأكول لا بنية الذكاة

  67. إلا بكخنزير فيجوز

  68. كَذَكَاةِ مَا لَا يُؤْكَلُ إنْ أَيِسَ مِنْهُ.

  69. وكره ذبح بدور حفرة

  70. وسلخ أو قطع قبل الموت

  71. كقول مضح: اللهم منك وإليك

  72. وتعمد إبانة رأس

  73. وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى عَدَمِ الْأَكْلِ: إنْ قَصَدَهُ أولا

  74. ودون نصف أبين ميتة إلا الرأس

  75. وملك الصيد المبادر

  76. وإن تنازع قادرون فبينهم

  77. وإن ند ولو من مشتر فللثاني

  78. لا إن تأنس ولم يتوحش

  79. وَاشْتَرَكَ طَارِدٌ مَعَ ذِي حِبَالَةٍ قَصَدَهَا وَلَوْلَاهُمَا لم يقع بحسب فعليهما

  80. وإن لم يقصد وأيس منه فلربها

  81. وعلى تحقيق بغيرها فله

  82. كالدار إلا أن يطرده لها فلربها

  83. وضمن مار أمكنت ذكاته وترك

  84. كترك تخليصه مُسْتَهْلَكٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ بِيَدِهِ أَوْ شهادته أو بإمساك وثيقة أو تقطيعها

  85. وفي قتل شاهدي حق: تردد

  86. وترك مواساة وجبت بخيط لجائفة

  87. وفضل طعام أو شراب لمضطر

  88. وعمد وخشب فيقع الجدار

  89. وله الثمن إن وجد

  90. وأكل المذكي وإن أيس من حياته بتحرك قوي مطلقا وسبل دم إن صحت

  91. إلا الموقوذة وما معها المنفوذة المقاتل:

  92. بقطع نخاع

  93. ونثر دماغ

  94. وحشوة

  95. وَفَرْيِ وَدَجٍ

  96. وَثَقْبِ مُصْرَانِ

  97. وَفِي شَقِّ الْوَدَجِ: قولان

  98. وَفِيهَا أَكْلُ مَا دُقَّ عُنُقُهُ أَوْ مَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إنْ لَمْ يَنْخَعْهَا.

  99. وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إنْ تَمَّ بِشَعْرٍ

  100. وإن خرج حيا ذكي

  101. إلا أن يبادر فيفوت

  102. وذكي المزلق إن حيي مثله

  103. وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ ولو لم يعجل كقطع جناح.

  1. المباح طعام طاهر

  2. والبحري وإن ميتا

  3. وطير ولو جلالة

  4. وذا مخلب

  5. ونعم

  6. ووحش لم يفترس:

  7. كَيَرْبُوعٍ

  8. وَخُلْدٍ

  9. وَوَبْرٍ

  10. وَأَرْنَبٍ

  11. وَقُنْفُذٍ

  12. وَضَرْبُوبٍ

  13. وَحَيَّةٍ أمن سمها

  14. وخشاش أرض

  15. وعصير:

  16. وفقاع

  17. وسوبيا

  18. وعقيد أمن سكره

  19. وللضرورة ما يسد غير آدمي وخمر

  20. إلا لغصة

  21. وقدم الميت على خنزير

  22. وصيد لمحرم

  23. لا لحمه

  24. وطعام غير إن لم يخف القطع

  25. وقاتل عليه

  26. والمحرم النجس

  27. وبغل

  28. وفرس

  29. وحمار ولو وحشيا دجن

  30. وَالْمَكْرُوهُ سَبْعٌ

  31. وَضَبُعٌ

  32. وَثَعْلَبٌ

  33. وَذِئْبٌ

  34. وَهِرٌّ وَإِنْ وحشيا

  35. وفيل

  36. وكلب ماء

  37. وخنزير

  38. وشراب خليطين

  39. ونبذ بكدباء

  40. وفي كره القرد والطين ومنعه: قولان.

الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ٨٢ مسألة
  1. ذكاة الحيوان المأكول بذبحه في حلق أو لبة إن قدر عليه

  2. وإلا فبعقر مزهق حيث كان

  3. وشرط ذابح وصائد حل مناكحته

  4. وتحل ذكاة أمة كتابية

  5. ولو شارك مجوسي مسلما في ذبح أو اصطياد حرم

  6. ولو أرسلا كلبين أو سهمين فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح حل

  7. ولو انعكس أو جرحاه معا أو جهل أو مرتبا ولم يذفف أحدهما حرم

  8. ويحل ذبح صبي مميز

  9. وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر

  10. وتكره ذكاة أعمى

  11. ويحرم صيده برمي وكلب في الأصح

  12. وتحل ميتة السمك والجراد ولو صادهما مجوسي

  13. وكذا الدود المتولد من طعام كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح

  14. ولا يقطع بعض سمكة

  15. فإن فعل أو بلع سمكة حية حل في الأصح

  16. وإذا رمى صيدا متوحشا أو بعيرا ند أو شاة شردت بسهم أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا من بدنه ومات في الحال حل

  17. ولو تردى بعير ونحوه في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فكناد.

  18. قلت: الأصح لا يحل بإرسال الكلب وصححه الروياني والشاشي والله أعلم

  19. ومتى تيسر لحوقه بعدو أو استعانة بمن يستقبله فمقدرو عليه

  20. ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق.

  21. وقيل: يشترط مذفف

  22. وإذا أرسل سهما أو كلبا أو طائرا على صيد فأصابه ومات فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير بأن سل السكين فمات قبل إمكان أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة حل

  23. وإن مات لتقصيره بأن لا يكون معه سكين أو غصبت أو نشبت في الغمد حرم

  24. ولو رماه فقده نصفين حلا

  25. ولو أبان منه عضوا بجرح مذفف حل العضو والبدن

  26. أو بغير مذفف ثم ذبحه أو جرحه جرحا آخر مذففا حرم العضو وحل الباقي

  27. فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح حل الجميع.

  28. وقيل: يحرم العضو

  29. وذكاة كل حيوان قدر عليه بقطع كل الحلقوم وهو مخرج النفس والمرىء وهو مجرى الطعام

  30. ويستحب قطع الودجين

  31. وهما عرقان في صفحتي العنق

  32. ولو ذبحه من قفاه عصى

  33. فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة حل وإلا فلا

  34. وكذا إدخال سكين بإذن ثعلب

  35. ويسن نحر إبل وذبح بقر وغنم

  36. ويجوز عكسه

  37. وأن يكون البعير قائما معقول ركبة

  38. والبقر والشاة مضجعة لجنبها الأيسر وتترك رجلها اليمنى ويشد باقي القوائم

  39. وإن يحد شفرته

  40. ويوجه للقبلة ذبيحته

  41. وأن يقول بسم الله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم

  42. ولا يقل باسم الله واسم محمد.

  43. فصل

  44. يحل ذبح مقدور عليه وجرح غيره بكل محدد يجرح كحديد ونحاس وذهب وخشب وقصب وحجر وزجاج

  45. إلا ظفرا وسنا وسائر العظام

  46. فلو قتل بمثقل أو ثقل محدد كبندقة وسوط وسهم بلا نصل ولا حد أو سهم وبندقة أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما أو انخنق بأحبولة أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل ثم سقط منه حرم

  47. ولو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض ومات حل

  48. ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير ككلب وفهد وباز وشاهين

  49. بشرط كونها معلمة بان تنزجر جارحة السباع بزجر صاحبه ويسترسل بإرساله ويمسك الصيد ولا يأكل منه

  50. ويشترط ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر

  51. ويشترط تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة

  52. ولو ظهر كونه معلما ثم أكل من لحم صيد لم يحل ذلك الصيد في الأظهر

  53. فيشترط تعليم جديد

  54. ولا أثر للعق الدم

  55. ومعض الكلب من الصيد نجس

  56. والأصح أنه لا يعفى عنه

  57. وأنه يكفي غسله بماء وتراب

  58. ولا يجب أن يقور ويطرح

  59. ولو تحاملت الجارحة على صيد فقتلته بثقلها حل في الأظهر

  60. ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها أو مريئها أو استرسل كلب بنفسه فقتل لم يحل

  61. وكذا لو استرسل كلب فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح

  62. ولو أصابه سهم بإعانة ريح حل

  63. ولو أرسل سهما لاختبار قوته أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله حرم في الأصح

  64. ولو رمى صيد أظنه حجرا أو سرب ظباء فأصاب واحدة حلت

  65. وإن قصد واحدة فأصاب غيرها حلت في الأصح

  66. ولو غاب عنه الكلب والصيد ثم وجده ميتا حرم

  67. وإن جرحه وغاب ثم وجده ميتا حرم في الأظهر.

  68. فصل

  69. يملك الصيد بضبطه بيده وبجرح مذفف وبازمان وكسر جناح وبوقوعه في شبكة نصبها وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه

  70. ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدورا عليه بتوحل وغيره لم يملكه في الأصح

  71. ومتى ملكه لم يزل ملكه بانفلاته

  72. وكذا بإرسال المالك له في الأصح

  73. ولو تحول حمامه إلى برج غيره لزمه رده

  74. فإن اختلط وعسر التمييز لم يصح بيع أحدهما وهبته شيأ منه لثالث

  75. ويجوز لصاحبه في الأصح

  76. فإن باعهما والعدد معلوم والقيمة سواء صح وإلا فلا

  77. ولو جرح الصيد اثنان متعاقبان فإن ذفف الثاني أو أزمن دون الأول فهو للثاني

  78. وإن ذفف الأول فله

  79. وإن أزمن فله

  80. ثم إن ذفف الثاني بقطع حلقوم ومريء فهو حلال وعليه للأول ما نقص بالذبح

  81. وإن ذفف لا بقطعهما أو لم يذفف ومات بالجرحين فحرام ويضمنه الثاني للأول

  82. وإن جرحا معا وذففا أو أزمنا فلهما

  83. وإن ذفف أحدهما أو أزمن دون الآخر فله

  84. وإن ذفف واحد وأزمن آخر وجهل السابق حرم على المذهب.

الحنابلة
كتاب آخر
المحرر في الفقهمجد الدين ابن تيمية، ٤١ مسألة
باب الذكاة١٤ مسألة
  1. لا يباح شيء من الحيوان بغير ذكاة إلا الجراد والسمك وكل مالا يعيش إلا في الماء فإنه لا ذكاة له وعنه تباح ميتة كل بحرى من سمك وغيره وعنه لا تباح ميتة يجري سوى السمك وعنه في الجراد لا يؤكل ما مات منه بلا سبب ويخرج في السمك الطافئ مثله.

  2. ويشترط للذكاة أن يكون المذكي عاقلا مسلما أو كتابيا وإن كان مراهقا أو امرأة أو أقلف أو أعمى فلا تباح ذكاة سكران ولا مجنون وفيما صاده مجوسي ونحوه من سمك وجراد روايتان.

  3. وتباح الذكاة بكل محدد من حديد وحجر وقصب وغيره إلا الظفر والسن وفي العظم غير السن روايتان وفي الآلة المغصوبة وجهان.

  4. والمعتبر في تزكية المقدور عليه قطع الحلقوم والمريء لا غير وعنه يشترط معه قطع الودجين والسنة نحر الإبل وذبح غيرها فإن نحر ما يذبح أو بالعكس جاز وإذا أبان الرأس بالذبح لم يحرم به المذبوح وحكى أبو بكر رواية بتحريمه.

  5. وإذا ذبح الحيوان من قفاه سهوا فأتت السكين على موضع ذبحه وهو حي ويعلم ذلك بوجود الحركة حل وإن فعله عمدا فعلى روايتين ذكرهما القاضي.

  6. وذكاة ما عجز عنه من الصيد والنعم المتوحشة والواقعة في بئر ونحوه بجرحه

  7. في أي موضع كان من بدنه إلا أن يعينه غيره بأن يكون رأسه في ماء ونحوه فلا يباح.

  8. وما أصابه سبب الموت من منخضة وموقودة ومتردية ونطيحة وأكيلة سبع إذا أدرك ذكاته وفيه حياة يمكن أن تزيد على حركة المذبوح حل بشرط أن يتحرك عند الذبح ولو بيد أو رجل أو طرف عين أو مضع ذئب ونحوه فإن فقد ذلك لم يحل وعنه أن ما يمكن أن يبقى معظم اليوم يحل وما يعلم موته لأقل منه في حكم الميت وعنه ما يتيقن أنه يموت من السبب فهو كالميت مطلقا نقلها الأثرم.

  9. وتحصل ذكاة الجنين بتذكية أمه إذ خرج ميتا أو متحركا كحركة المذبوح أشعر أو لم يشعر وإذا خرج بحياة معتبرة فهو كالمنخنقة وعنه إذا مات بالقرب فهو حلال ولو كان الجنين محرما كما لا يؤكل أبوه لم يقدح في زكاة الأم.

  10. ويكره أن يذبح بآلة كالة وأن يحد الآلة والحيوان يبصره وأن يوجه لغير القبلة وأن يكسر عنقه أو يسلخه قبل أن يبرد فإن فعل أساء وحل ويكره أكل الغدة وأذن القلب نص عليه وجزم أبو بكر بتحريمها.

  11. وإذا ذبح الكتابي ما حرم عليه كذي الظفر من الإبل ونحوها حرم علينا وقيل لا يحرم كما لا يحرم ما يتيقنه محرما عندي كحال الرئة ونحوها.

  12. وإذا ذبح ما يحل له فهل تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهي شحم الثرب والكليتين على وجهين وقيل روايتين فإن قلنا لا تحرم جاز أن نتملكها منهم ولا يحل لمسلم أن يطعمهم شحما من ذبحنا نص عليه وفي بقاء تحريم السبت عليهم وجهان.

  13. وإذا ذبح الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم إلا أن يذكر عليه اسم غير الله ففيه روايتان منصوصتان أصحهما عندي تحريمه.

  14. ومن ذبح حيوانا فوجد جرادا في بطنه أو حبا في حوصلته أو روثه لم يحرم وعنه يحرم.

باب الصيد٢٧ مسألة
  1. لا يحل الصيد المقتول في الاصطياد إلا بأربعة شروط صائد من أهل الذكاة وآلة مخصوصة وإرسالها قاصدا للصيد والتسمية عند الإرسال على الأصح.

  2. وإذا اشترك مسلم ومجوسي في قتل صيد بسهميهما أو جارحتيهما لم يحل فإن أصاب مقتله أحدهما فقط غلب حكمه وعنه تغلب الحرمة.

  3. وإذا أرسل مسلم سهمه فأعانته ريح لولاها ما وصل أو أرسل كلبه فزجره مجوسي فزاد عدوه أو رد عليه كلب المجوسي الصيد فقتله أو أمسك مجوسي ما يذبحه المسلم حتى ذبحه حل فيهن.

  4. ولو أرسل مجوسي كلبا فأعانه المسلم أو كلبه لم يحل بذلك ومن رمى سهما ثم ارتد أو مات ثم أصاب سهمه صيدا حل.

  5. والآلة المشروطة نوعان محدد وحيوان فالمحدد هو ما يشترط في آلة الذبح ويشترط أن يجرح فإن قتله بثقله لم يبح وإذا صاد بالمقراض حل ما قتل بحده دون ما قتل بعرضه.

  6. وإذا نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيدا أبيح.

  7. وإذا قتله بسهم فيه سم لم يبح إذا غلب على الظن أنه أعان على قتله.

  8. وإذا رماه في الهواء فوقع بالأرض فمات حل.

  9. وإن وقع في ماء أو تردى من جبل أو وطئ عليه شيء فمات لم يبح إلا أن يكون الجرح موحيا فعلى روايتين

  10. وكذلك الذبيحة وإن رماه فغاب عنه ثم وجده ميتا وفيه أثر سهمه حل بشرط أن لا يكون به أثر آخر يحتمل أنه أعان في قتله وعنه إن كان جرحه موحيا حل وإلا فلا وعنه إن وجده

  11. في يومه حل وإلا فلا

  12. وكذلك حكم الكلب إذا عقره ثم غاب ثم وجده وحده فأما إن وجده في فمه أو وهو يعبث به فإنه يحل ولو غاب قبل تحقق الإصابة ثم وجده عقيرا وحده والسهم أو الكلب ناحية لم يبح.

  13. وإذا ضرب صيدا فأبان منه عضوا وبقيت فيه حياة معتبرة لم يحل ما بان منه إلا أن يكون مما تباح ميته كالحوت فيحل وإن بقي العضو معلقا بجلدة حل بحله وإن أبانه ومات في الحال حل الجميع وعنه لا يحل مابان منه.

  14. وما ليس بمحدد كالبندق والحجر والشبكة والفخ فلا يحل ما قتله لأنه وقيد.

  15. وأما الحيوان فالجوارح المعلمة فيباح ما قتلته جرحا وفيما قتلته خنقا أو صدما روايتان إلا الكلب الأسود البهيم فإنه لا يباح صيده.

  16. وتعليم ذي الناب من هذه الجوارح كالكلب والفهد بأن يسترسل إذا أرسل وينزجر إذا زجر وإذا أمسك لم يأكل ولا يعتبر تكرر ذلك منه وقيل يعتبر مرتين فيباح صيده في الثالثة وقيل ثلاثا فيباح في الرابعة.

  17. وتعليم ذي المخلب كالصقر والبازي والشاهين والباشق بأن يسترسل إذا أرسله ويرجع إذا دعاه ولا يعتبر الأكل وعدمه.

  18. وإذا أكل ذو الناب المعلم من صيده لم تحرم صيوده المتقدمة على الأصح وفيما أكل منه روايتان فإن حرمناه وهو الأصح فعاد فصاد ولم يأكل منه أبيح على ظاهر كلامه ويحتمل أن يكون كالمبتدأ تعليمه وهل يجب غسل ما أصابه فم الكلب على وجهين.

  19. وإذا استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده إلا أن يزجره فيزيد في طلبه فإنه يباح.

  20. ومن أرسل سهمه أو كلبه إلى هدف أو لإرادة الصيد وهو لا يرى صيدا

  21. فأصاب صيدا لم يحل وإن رمى هدفا يظنه صيدا فأصاب صيدا فوجهان وإن رمى صيدا فأصاب غيره أو واحدا فأصاب جماعة حل الكل.

  22. ومن صاد صيدا بسهم أو جارحه فأدركه وفيه كحركة المذبوح أو أزيد لكن لا يتسع الزمان لذكاته حل كما لو أدركه ميتا وإن اتسع الزمان لذكاته لم يبح إلا بالذبح فان مات بدونه لم يبح بحال وعنه إن مات بجرحه قبل أن يمضي عليه معظم يوم أو باستيلاء الصائد عليه لفقد آلة الذبح حتى قتله حل وإلا فلا وعنه يحل بالموت عن قرب الزمان دون الاستيلاء وعن بالعكس واختارها الخرقي.

  23. وإن رمى صيدا فأثبته ملكه وإذا رماه آخر فمات حل فيما إذا أصاب الأول مقتله أو الثاني مذبحه ولم يضمن الثاني إلا ما خرق من جلده وفيما عدا ذلك لا يحل ويضمن الثاني قيمته مجروحا بالجرح الأول إذا لم يدرك الأول ذكاته فإن أدركها فلم يزكه حتى مات فقيل يضمنه كذلك وقال القاضي يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرحين مع أرش ما نقصه بجرحه وعندي إنما يضمن نصف قيمته مجروحا بالجرح الأول لا غير ومن رمى صيدا ولم يثبته فدخل خيمة إنسان فهو له قاله أبو الخطاب وكذا قال الخرقي.

  24. ومن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حجره فهي له دون صاحب السفينة وقيل هو قبل أن يأخذه على الإباحة فيهما كما لو حصل في أرضه صيد أو عشش فيها طائر ولو فتح حجره أو نصب خيمته للأخذ ملكهما كمن صنع بركة للسمك ملكه بحصوله فيها ومن وقع في شبكته صيد فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني.

  25. ومن أطلق صيدا من يده أو قال أعتقته لم يزل عن ملكه وقيل يزول فيملكه من أخذه.

  26. وتشترط التسمية لحل الذبيحة والصيد وعنه هي سنة وعنه تشترط مع

  27. الذكر دون السهو وعنه تشترط للصيد دون الذبيحة وعنه تشترط إلا في الذبيحة سهوا اختارها الخرقي وعنه تشرط إلا سهوا في الذبح وصيد السهم خاصة والكتابي كالمسلم فيها وعنه يختص المسلم باشتراطهما والسنة أن يقول معها الله أكبر ومن هلل أو سبح أو كبر بدلا منها لم يجزئه ويحتمل أن يجزئه ويكفي للأخرس أن يومىء بها إلى السماء وإذا سمى بغير العربية من يحسنها فعلى وجهين ويكره أن يصلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند التذكية وقال ابن شاقلا لا بأس به

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريمسألة ١٥٢٢، مسألة ١٥٢٣، مسألة ١٥٢٤١٦ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، بَابُ الْمُحْصَرِ، بَابُ الْجِمَاعِ لِلْمُحْرِمِ١٬١٨٩ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الذَّبَائِحِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ]، الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ.، الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟٢٨٢ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب الفدية وجزية الصيد، كتاب الصيد والذبائح١٬٥٢٦ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»باب الصيد والذبائح٥٣١ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَصْلٌ، بَابُ صَيْدِ الْحَرَمِ وَنَبَاتِهِ٨٦٥ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريمبحث ذبح الذبائح، وعمل الأطعمة في المآتم، مباحث الصيد والذبائح، دليله١٩٩ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقافالمبحث الأول: التسمية، المبحث الثاني: إنهار الدم، المبحث الثالث: ما هو القدر الواجب الذي يكتفى به في حصول التذكية؟٣٦٠ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الصيد والذبائح