فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الغصب

المعاملات

مذهبي

هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب

في متون المذاهب الأربعة

الحنفية
كتاب آخر
المبسوطالسرخسي، ١٬١٧٥ مسألة
  1. (قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إمْلَاءً:) (اعْلَمْ) بِأَنَّ الِاغْتِصَابَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِمَا هُوَ عُدْوَانٌ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَاللَّفْظُ مُسْتَعْمَلٌ لُغَةً فِي كُلِّ بَابٍ مَالًا كَانَ الْمَأْخُوذُ أَوْ غَيْرَ مَالٍ. يُقَالُ: غُصِبَتْ زَوْجَةُ فُلَانٍ وَوَلَدُهُ، وَلَكِنَّ فِي الشَّرْعِ تَمَامَ حُكْمِ الْغَصْبِ يَخْتَصُّ بِكَوْنِ الْمَأْخُوذِ مَالًا مُتَقَوِّمًا.

  2. ثُمَّ هُوَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ عُدْوَانٌ وَظُلْمٌ، وَقَدْ تَأَكَّدَتْ حُرْمَتُهُ فِي الشَّرْعِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

  3. أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فِسْقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ نَفْسِهِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَتِهِ: «أَلَا إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا فِي مَقَامِي هَذَا» (فَثَبَتَ) أَنَّ الْفِعْلَ عُدْوَانٌ مُحَرَّمٌ فِي الْمَالِ كَهُوَ فِي النَّفْسِ؛

  4. وَلِهَذَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَأْثَمُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» إلَّا إنَّ الْمَأْثَمَ عِنْدَ قَصْدِ الْفَاعِلِ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ.

  5. فَأَمَّا إذَا كَانَ مُخْطِئًا بِأَنْ ظَنَّ الْمَأْخُوذَ مَالَهُ أَوْ كَانَ جَاهِلًا بِأَنْ اشْتَرَى عَيْنًا ثُمَّ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهُ لَمْ يَكُنْ آثِمًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَالْمُرَادُ الْمَأْثَمُ.

  6. فَأَمَّا حُكْمُهُ فِي الدُّنْيَا فَثَابِتٌ سَوَاءٌ كَانَ آثِمًا فِيهِ أَوْ غَيْرَ آثَمْ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِحَقِّ صَاحِبِهِ وَحَقُّهُ مَرْعِيٌّ،

  7. وَإِنَّ الْآخِذَ مَعْذُورٌ شَرْعًا لِجَهْلِهِ وَعَدَمِ قَصْدِهِ، وَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ الثَّابِتُ بِالْغَصْبِ وُجُوبُ رَدِّ الْعَيْنِ عَلَى الْمَالِكِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا، وَلَا جَادًّا، فَإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِهِ أَحَقَّ بِالْعَيْنِ وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَى الْآخِذِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ مُفَوِّتٌ عَلَيْهِ يَدَهُ بِالْأَخْذِ، وَالْيَدُ لِصَاحِبِ الْمَالِ فِي مَالِهِ مَقْصُودٌ بِهِ يَتَوَصَّلُ إلَى التَّصَرُّفِ وَالِانْتِفَاعِ وَيُحَصِّلُ ثَمَرَاتِ الْمِلْكِ، فَعَلَى الْمُفَوِّتِ بِطَرِيقِ الْعُدْوَانِ نَسْخُ فِعْلِهِ لِيَنْدَفِعَ بِهِ الضَّرَرُ وَالْخُسْرَانُ عَنْ صَاحِبِهِ. وَأَتَمُّ

  8. وُجُوهِهِ رَدُّ الْعَيْنِ إلَيْهِ فَفِيهِ إعَادَةُ الْعَيْنِ إلَى يَدِهِ كَمَا كَانَ فَهُوَ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ لَا يُصَارُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ،

  9. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ بِهَلَاكِهِ فِي يَدِهِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمِثْلِ جُبْرَانًا لِمَا فَوَّتَ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْيَدِ الْمَقْصُودَةِ كَتَفْوِيتِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِهْلَاكِ.

  10. (ثُمَّ) الْمِلْكُ نَوْعَانِ كَامِلٌ وَقَاصِرٌ، فَالْكَامِلُ هُوَ الْمِثْلُ صُورَةً وَمَعْنًى. وَالْقَاصِرُ هُوَ الْمِثْلُ مَعْنًى أَيْ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ هُوَ الْمِثْلُ التَّامُّ إلَّا إذَا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمِثْلُ الْقَاصِرُ خَلَفًا عَنْ الْمِثْلِ التَّامِّ فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ.

  11. وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَعَلَيْهِ الْمِثْلُ عِنْدَنَا. وَقَالَ نُفَاةُ الْقِيَاسِ: عَلَيْهِ رَدُّ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الْعَيْنِ وَالْمَالِيَّةِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إيصَالُ الْعَيْنِ إلَيْهِ فَيَجِبُ إيصَالُ الْمَالِ إلَيْهِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَمَالِيَّةُ الشَّيْءِ عِبَارَةٌ عَنْ قِيمَتِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:

  12. {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَتَسْمِيَةُ الْفِعْلِ الثَّانِي اعْتِدَاءً بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ مَجَازًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} وَالْمُجَازَاةُ لَا تَكُونُ سَيِّئَةً، وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ أَمْثَالٌ مُتَسَاوِيَةٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ» وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجُبْرَانُ، وَذَلِكَ فِي الْمِثْلِ أَتَمُّ؛

  13. لِأَنَّ فِيهِ مُرَاعَاةَ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ، وَفِي الْقِيمَةِ مُرَاعَاةُ الْمَالِيَّةِ فَقَطْ، فَكَانَ إيجَادُ الْمِثْلِ أَعْدَلَ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِالِانْقِطَاعِ مِنْ أَيْدِي النَّاسِ فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى الْمِثْلِ الْقَاصِرِ، وَهُوَ الْقِيمَةُ لِلضَّرُورَةِ،

  14. ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَقْتَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ التَّحَوُّلَ إلَيْهِ الْآنَ يَكُونُ،

  15. فَإِنَّ الْمِثْلَ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ، وَهُوَ مَطْلُوبٌ لَهُ حَتَّى لَوْ صَبَرَ إلَى مَجِيءِ أَوَانِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْمِثْلِ، فَإِنَّمَا يَتَحَوَّلُ إلَى الْقِيمَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْخُصُومَةِ وَالْقَضَاءِ

  16. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمُسْتَهْلَكُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُنَاكَ،

  17. وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمِثْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِأَدَاءِ الْمِثْلِ بَلْ هُوَ مُطَالَبٌ بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ بِأَصْلِ السَّبَبِ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: لَمَّا انْقَطَعَ الْمِثْلُ فَقَدْ الْتَحَقَ بِمَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي وُجُوبِ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، وَالْخَلَفُ إنَّمَا يَجِبُ بِالسَّبَبِ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ وَذَلِكَ الْغَصْبُ، فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: أَصْلُ الْغَصْبِ أَوْجَبَ الْمِثْلَ خَلَفًا عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ، وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ،

  18. فَلَا يُوجِبُ الْقِيمَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ ضَمَانَيْنِ، وَلَكِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْقِيمَةِ لِلْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ الْمِثْلِ، وَذَلِكَ بِالِانْقِطَاعِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ فَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِآخِرِ يَوْمٍ كَانَ مَوْجُودًا فِيهِ فَانْقَطَعَ.

  19. وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ

  20. مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْجَوْزِ، وَالْبَيْضِ، وَالْفُلُوسِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْمِثْلِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا عَدَدًا،

  21. ثُمَّ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: الْمِثْلُ فِيمَا يُؤَدَّى بِهِ الضَّمَانُ مَنْصُوصٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَالْمُمَاثَلَةُ فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ غَيْرُ ثَابِتَةٍ بِالنَّصِّ بَلْ بِالِاجْتِهَادِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجْرِي فِيهَا الرِّبَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَمْثَالٍ مُتَسَاوِيَةٍ قَطْعًا، وَمَا كَانَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ،

  22. فَلَا يُؤَدَّى بِمَا هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَلَكِنْ لَا يُصَارُ إلَى الْقِيمَةِ لِتَعَذُّرِ أَدَاءِ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْمُمَاثَلَةُ فِي آحَادِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالْعُرْفِ فَهُوَ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَهُوَ جُبْرَانُ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي مُرَاعَاةِ الْجِنْسِ وَالْمَالِيَّةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا لِأَنَّ آحَادَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ إنَّمَا تَتَفَاوَتُ أَنْوَاعُهَا كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.

  23. وَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ.

  24. الْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ

  25. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ ضَمَانُ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدُّ الْعَيْنِ عِنْدَنَا وَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - الْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «كُنْتُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ فَأُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ مِنْ عِنْدِ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ فَضَرَبَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - الْقَصْعَةَ بِيَدِهَا فَانْكَسَرَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ جَاءَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِقَصْعَةٍ مِثْلِ تِلْكَ الْقَصْعَةِ فَرَدَّتْهَا، وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْغَيْرَةِ» وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَغْرُورِ: يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ، الْجَارِيَةُ بِالْجَارِيَةِ وَلَكِنَّا نَحْتَجُّ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «قَالَ فِي عَبْدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ يَعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا: فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا ضَمِنَ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا سَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» فَهَذَا تَنْصِيصٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ.

  26. وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ الرَّدَّ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ لَا عَلَى طَرِيقِ الضَّمَانِ، وَقَدْ كَانَتْ الْقَصْعَتَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُفَكُّ الْغُلَامُ بِالْغُلَامِ يَعْنِي بِقِيمَةِ الْغُلَامِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ أَنَّهُ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ.

  27. ثُمَّ بَدَأَ مُحَمَّدٌ الْكِتَابَ بِحَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَ: مَنْ كَسَرَ عَصَى فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: مَنْ كَسَرَ عَصَى فَهِيَ لَهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا،

  28. فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ: مُرَادُهُ بِالْمِثْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَالِيَّةِ خَاصَّةً وَذَلِكَ فِي الْقِيمَةِ أَوْ يُحْمَلُ

  29. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى الْعِصِيّ الصَّغِيرَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ الْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ لَا تَتَفَاوَتُ آحَادُهَا فِي الْمَالِيَّةِ كَالسِّهَامِ، وَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الْعِصِيّ الْكَبِيرَةِ، فَإِنَّهَا كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَفَاوِتَةِ؛ لِأَنَّ آحَادَهَا تَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ.

  30. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْكَسْرِ مَا يَكُونُ فَاحِشًا حَتَّى لَا يُمْكِنَ التَّقَضِّي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ،

  31. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْكَسْرُ يَسِيرًا فَلَيْسَ عَلَى الْكَاسِرِ إلَّا ضَمَانُ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَوِّتٍ لِلْمَنْفَعَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يُمَكِّنُ نُقْصَانًا فِي مَالِيَّتِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، وَفِي الْكَسْرِ الْفَاحِشِ هُوَ مُسْتَهْلِكٌ مِنْ وَجْهٍ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْعَيْنِ، فَكَانَ لِصَاحِبِهَا حَقُّ تَضْمِينِ الْقِيمَةِ إنْ شَاءَ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ عَيْنٍ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ،

  32. فَإِنَّ التَّعْيِيبَ هُنَاكَ فَاحِشًا كَانَ أَوْ يَسِيرًا يُثْبِتُ لِصَاحِبِهَا الْخِيَارَ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَ الْعَيْنَ وَلَا يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِشَيْءٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْعَيْنَ إلَيْهِ وَيُضَمِّنَهُ مِثْلَهُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ تَضْمِينَ النُّقْصَانِ مُتَعَذِّرٌ، فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يُسَلِّمُ لَهُ قَدْرَ مِلْكِهِ وَزِيَادَةً، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ النُّقْصَانَ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ لِلْجَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ قِيمَةً كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهَا قِيمَةً إذَا قُوبِلَتْ

  33. بِخِلَافِ جِنْسِهَا، وَلَهَا قِيمَةٌ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ تَفْوِيتِ الْغَاصِبِ الْجَوْدَةَ، وَمَا لَا يُتَقَوَّمُ شَرْعًا.

  34. فَالْجِنْسُ وَغَيْرُ الْجِنْسِ فِيهِ سَوَاءٌ، كَالْخَمْرِ وَالصَّنْعَةِ مِنْ الْمَلَاهِي وَالْمَعَازِفِ،

  35. ثُمَّ وُجُوبُ ضَمَانِ النُّقْصَانِ لَا يُؤَدِّي إلَى الرِّبَا،

  36. فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَا يَجْرِي بِالْمُقَابَلَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَادَلَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا خُصُوصًا عَلَى أَصْلِهِ،

  37. فَإِنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ فِي الْمَضْمُونِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ» يَعْنِي فِي الْمَالِيَّةِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْ هَذِهِ الْجَوْدَةِ حَتَّى لَوْ بَاعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ جَيِّدَةٍ بِقَفِيزِ حِنْطَةٍ رَدِيئَةٍ وَدِرْهَمٍ لَا يَجُوزُ، وَمَا يَكُونُ مُتَقَوِّمًا شَرْعًا فَالِاعْتِيَاضُ عَنْهُ جَائِزٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ حَالَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ عِنْدَنَا لَيْسَ لِفَوَاتِ الْجَوْدَةِ بَلْ لِلتَّغَيُّرِ الْمُتَمَكِّنِ بِفِعْلِهِ فِي الْعَيْنِ،

  38. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا قِيمَةَ لِلْجَوْدَةِ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ قُلْنَا: لَوْ ضَمَّنَهُ النُّقْصَانَ كَانَ فِيهِ إقْرَارٌ بِجَوْدَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ،

  39. فَأَمَّا إذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ إلَيْهِ،

  40. فَلَا يَكُونُ فِيهِ إقْرَارٌ بِجَوْدَتِهِ عَنْ الْأَصْلِ، وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ مَعَ الْأَصْلِ تَبَعًا، فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْمِثْلَ، وَقَوْلُ شُرَيْحٍ هُوَ دَلِيلٌ لَهُ عَلَى أَنَّ الْمَغْصُوبَ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا

  41. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الْبُحْتُرِيِّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَمِّكَ عَدَوْا عَلَى إبِلِي فَقَطَعُوا أَلْبَانَهَا، وَأَكَلُوا فِصْلَانَهَا فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذًا نُعْطِيكَ إبِلًا مِثْلَ إبِلِكَ، وَفِصْلَانًا مِثْلَ

  42. فِصْلَانِكَ، قَالَ: إذًا تَنْقَطِعُ أَلْبَانُهَا، وَيَمُوتُ فِصْلَانُهَا حَتَّى تَبْلُغَ الْوَادِي، فَغَمَزَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. فَقَالَ: بَيْنِي، وَبَيْنَكَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَعَمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَرَى أَنْ يَأْتِيَ هَذَا وَادِيهِ فَيُعْطَى ثَمَّةَ إبِلًا مِثْلَ إبِلِهِ، وَفِصْلَانًا مِثْلَ فِصْلَانِهِ فَرَضِيَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِذَلِكَ وَأَعْطَاهُ

  43. وَبِظَاهِرِ الْحَدِيثِ يَسْتَدِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي أَنَّ الْحَيَوَانَ مَضْمُونٌ بِالْمِثْلِ عِنْدَ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ فَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إلَّا أَنَّا نَقُولُ: لَمْ يَكُنْ هَذَا عَلَى طَرِيقِ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الصُّلْحِ بِالتَّرَاضِي؛

  44. لِأَنَّ الْمُتْلِفَ لَمْ يَكُنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَالْإِنْسَانُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِجِنَايَةِ بَنِي عَمِّهِ إلَّا أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَتَبَرَّعُ بِأَدَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ عَنْ بَنِي عَمِّهِ، وَيَقُولُ إنَّ قُوَّتَهُمْ وَنُصْرَتَهُمْ بِي، وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ فَرْطُ الْمَيْلِ إلَى أَقَارِبِهِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ ذَكَرَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الشُّورَى فَقَالَ: إنَّهُ كُلِّفَ بِأَقَارِبِهِ وَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِرًا مِنْهُ؛

  45. وَلِهَذَا جَاءَ الْأَعْرَابِيُّ يُطَالِبُهُ، وَإِنَّمَا غَمَزَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ بِعَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِمَا كَانَ بَيْنَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبَيْنَهُ مِنْ النُّفْرَةِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَعْلُومٌ.

  46. ثُمَّ فِيهِ دَلِيلُ جَوَازِ التَّحْكِيمِ وَأَنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ يُخَاصِمُهُ غَيْرُهُ فَلَهُ أَنْ يُحَكِّمَ بِرِضَى الْخَصْمِ مَنْ يَنْظُرُ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَدَّ مِثْلِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمُسْتَهْلَكِ يَجِبُ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ وَالِاسْتِهْلَاكِ؛

  47. لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكَمَ بِذَلِكَ وَانْقَادَ لَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْجُبْرَانُ، وَرَفْعُ الْخُسْرَانِ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ، وَذَلِكَ بِرَدِّ الْعَيْنِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَدَاءِ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛

  48. وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ تَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ.

  49. وَذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مُسْلِمًا كَسَرَ دِنًّا مِنْ خَمْرٍ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَضَمَّنَهُ شُرَيْحٌ قِيمَةَ الْخَمْرِ، وَبِهِ نَأْخُذُ،

  50. فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَنَا فِي حَقِّهِمْ لِتَمَامِ إحْرَازِهَا مِنْهُمْ بِحِمَايَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ فِيهَا الْمَالِيَّةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَالُ مُتَقَوِّمًا بِالْإِحْرَازِ، وَالْإِمَامُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ عَنْهُمْ الْأَيْدِي الْمُتَعَرِّضَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَكَانِ عَقْدِ الذِّمَّةِ فَيَتِمُّ إحْرَازُهَا مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَسَنُقَرِّرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.

  51. (ثُمَّ) فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْخَمْرِ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَ الْإِتْلَافِ دُونَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ عَاجِزٌ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ رَدِّ الْمِثْلِ يَكُونُ الْوَاجِبُ هُوَ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَضْمِينَ قِيمَةِ الدَّنِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْكِلٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرَّاوِي مَا هُوَ الْمُشْكِلُ، وَهُوَ تَضْمِينُهُ قِيمَةَ الْخَمْرِ.

  52. (وَإِذَا) غَصَبَ الرَّجُلُ جَارِيَةً تُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فَازْدَادَتْ عِنْدَهُ فَالزِّيَادَةُ نَوْعَانِ مُنْفَصِلَةٌ مُتَوَلِّدَةٌ

  53. مِنْهَا كَالْوَلَدِ وَالْعُقْرِ، وَمُتَّصِلَةٌ كَالسِّمَنِ وَانْجِلَاءِ الْبَيَاضِ عَنْ الْعَيْنِ، وَفِي الْكِتَابِ بَدَأَ بِبَيَانِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِبَيَانِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْدُثُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهَا عِنْدَنَا.

  54. (وَقَالَ) الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَحْدُثُ مَضْمُونَةً؛ لِأَنَّهَا لَمَّا تَوَلَّدَتْ مِنْ أَصْلٍ مَضْمُونٍ بِيَدٍ مُتَعَدِّيَةٍ فَتَحْدُثُ مَضْمُونَةً كَزَوَائِدِ الصَّيْدِ الْمُخْرَجِ مِنْ الْحَرَمِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ الْأَصْلِ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ كَالْأَصْلِ.

  55. (ثُمَّ) لَهُ فِي بَيَانِ الْمَذْهَبِ طَرِيقَانِ:

  56. (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الزِّيَادَةَ مَغْصُوبَةٌ بِمُبَاشَرَةٍ مِنْ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَمَلَّكُونَ بِهَذِهِ الْيَدِ، وَيُسَمُّونَهُ غَصْبًا، فَالشَّرْعُ أَبْطَلَ حُكْمَ الْمِلْكِ بِهَا فِي كُلِّ مُحْتَرَمٍ، وَأَثْبَتَ الضَّمَانَ، وَبَقِيَ حُكْمُ الْمِلْكِ بِهَا فِي كُلِّ مُبَاحٍ كَالصَّيْدِ،

  57. ثُمَّ إنَّمَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ الضَّمَانُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُثْبِتٌ يَدَهُ عَلَى الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ نَازَعَهُ فِيهِ إنْسَانٌ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ.

  58. (وَالثَّانِي) هُوَ أَنَّهُ غَاصِبٌ لِلْوَلَدِ تَسْبِيبًا،

  59. فَإِنَّ غَصْبَ الْأُمِّ وَإِمْسَاكَهَا إلَى وَقْتِ الْوِلَادَةِ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْوَلَدِ فِي يَدِهِ وَهُوَ مُعْتَادٌ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ السَّوَائِمِ يُمْسِكُونَ الْأُمَّهَاتِ لِتَحْصِيلِ الْأَوْلَادِ، وَهَذَا تَسْبِيبٌ هُوَ فِيهِ مُتَعَدٍّ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ يُضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ تَارَةً وَبِالْغَصْبِ أُخْرَى، وَفِي الْإِتْلَافِ الْمُسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا يُجْعَلُ كَالْمُبَاشِرِ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ فَكَذَلِكَ فِي الْغَصْبِ.

  60. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ وُجُوبَ ضَمَانِ الْغَصْبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ؛ وَلِهَذَا يُضَافُ إلَيْهِ الْحُكْمُ،

  61. وَلَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ فِي الزِّيَادَةِ تَسْبِيبًا وَلَا مُبَاشَرَةً؛ لِأَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ تَكُونُ يَدُهُ مُفَوِّتًا لِيَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ،

  62. فَلَا يَجِبُ إلَّا بِتَفْوِيتِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي الْغَصْبِ تَفْوِيتُ الْعَيْنِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِاعْتِبَارِ تَفْوِيتِ الْيَدِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيتَ بِإِزَالَةِ يَدِهِ عَمَّا كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ بِإِزَالَةِ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَخْذِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، وَمَا كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمَالِكِ قَطُّ،

  63. وَلَا زَالَ تَمَكُّنُهُ مِنْ أَخْذِهِ لِحُصُولِهِ فِي دَارِ الْغَاصِبِ مَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْغَاصِبُ مِنْهُ،

  64. فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ لِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ حَتَّى يُطَالِبَهُ بِالرَّدِّ،

  65. فَإِذَا مَنَعَهُ يَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ بِقَصْرِ يَدِهِ عَنْهُ بِالْمَنْعِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ إذَا هَبَّتْ

  66. بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِهِ، وَهَذَا

  67. بِخِلَافِ الِاسْتِيلَاءِ الْمُوجِبِ لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ حُكْمٌ مَقْصُودٌ عَلَى الْمَحِلِّ فَيَتِمُّ سَبَبُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَى الْمَحِلِّ، وَالضَّمَانُ جُبْرَانٌ لِحَقِّ الْمَالِكِ،

  68. فَلَا يَتِمُّ سَبَبُهُ إلَّا بِتَفْوِيتِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَبِخِلَافِ ضَمَانِ صَيْدِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَمَانٌ إتْلَافُ مَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ، فَإِنَّهُ بِالْحَرَمِ أَمَّنَ الصَّيْدَ، وَمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِي تَنْفِيرِهِ وَاسْتِيحَاشِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ الْأَيْدِي، فَإِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَيْهِ يَكُونُ إتْلَافًا لِمَعْنَى الصَّيْدِيَّةِ فِيهِ حُكْمًا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي الْوَلَدِ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ.

  69. فَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَمَحْفُوظَةٌ بِالْأَيْدِي،

  70. فَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الْمَالِ إتْلَافًا لِشَيْءٍ عَلَى الْمَالِكِ.

  71. يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ الْحَقَّ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ لِلشَّرْعِ، وَالشَّرْعُ يُطَالِبُهُ بِرَدِّ الْأَصْلِ مَعَ وَلَدِهِ إلَى مَأْمَنِهِ، فَإِنَّمَا وُجِدَ الْمَنْعُ مِنْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ سَبَبُ الضَّمَانِ. وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يَقُولُ: إذَا هَلَكَ الْوَلَدُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الرَّدِّ إلَى الْحَرَمِ لَا يَضْمَنُ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ هُوَ ضَامِنٌ،

  72. وَلَا وَجْهَ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الضَّمَانِ فِي الزِّيَادَةِ بِتَوَلُّدِهَا مِنْ الْأَصْلِ الْمَضْمُونِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَيْسَ فِي الْعَيْنِ بَلْ هُوَ فِي ذِمَّةِ الْغَاصِبِ، وَإِنَّمَا تُوصَفُ الْعَيْنُ بِهِ مَجَازًا. كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ مَغْصُوبٌ عَلَيْهِ، وَالْغَصْبُ صِفَةٌ لِلْغَاصِبِ

  73. بِخِلَافِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَحِلِّ، فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ حَقِيقَةً فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْوَلَدِ،

  74. وَإِنْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْوَلَدَ وَسَلَّمَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ لِوُجُودِ التَّعَدِّي مِنْهُ عَلَى الْأَمَانَةِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ.

  75. (فَإِنْ قِيلَ:) فَلَيْسَ فِي الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ فِي الْوَلَدِ. (قُلْنَا:) بَلْ فِيهِ تَفْوِيتُ يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِبَيْعِهِ وَتَسْلِيمِهِ، فَلِوُجُودِ التَّفْوِيتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ ضَامِنًا،

  76. فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ عِنْدَنَا حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْغَصْبِ،

  77. وَلَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَضْمُونَةٌ كَالزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عِنْدَهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا أَظْهَرُ،

  78. فَإِنَّ الزِّيَادَةَ تَصِيرُ مَغْصُوبَةً بِالْوُقُوعِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تَنْفَصِلُ عَنْ الْأَصْلِ فَمِنْ ضَرُورَةِ كَوْنِ يَدِهِ عَلَى الْأَصْلِ يَدَ غَصْبٍ أَنْ تَكُونَ عَلَى الزِّيَادَةِ يَدَ غَصْبٍ أَيْضًا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الْأَصْلِ لَيْسَ هُوَ يَدُ الْغَصْبِ بَلْ الْيَدُ الْغَاصِبَةِ؛

  79. لِأَنَّ لِيَدِ الْغَصْبِ حُكْمَ الْغَصْبِ، وَإِنَّمَا يُحَالُ بِالضَّمَانِ عَلَى أَصْلِ السَّبَبِ لَا عَلَى حُكْمِهِ فَأَصْلُ السَّبَبِ الْيَدُ الْغَاصِبَةُ الْمُفَوِّتَةُ لِيَدِ الْمَالِكِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الزِّيَادَةِ،

  80. وَإِنْ مَنَعَهَا بَعْدَ الطَّلَبِ فَفِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الزِّيَادَةُ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ قَصْرَ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا يَثْبُتُ بِالْمَنْعِ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً؛ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِالرَّدِّ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ لَا تَتَحَقَّقُ مُنْفَرِدَةً عَنْ الْأَصْلِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ

  81. رَدُّهَا بِدُونِ الْأَصْلِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِهَذَا الْمَنْعِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مَضْمُونٌ بِدُونِ هَذَا الْمَنْعِ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ.

  82. وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ لَوْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي بَدَنِهَا،

  83. ثُمَّ هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ إلَّا قِيمَتَهَا وَقْتَ الْغَصْبِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ إثْبَاتُ الْيَدِ، وَالْيَدُ مُسْتَدَامٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا يُسْتَدَامُ فَإِنَّهُ يُعْطَى لِاسْتِدَامَتِهِ حُكْمَ إنْشَائِهِ، فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يَصِيرُ كَالْمُجَدِّدِ لِلْغَصْبِ عِنْدَ الْهَلَاكِ.

  84. وَعِنْدَنَا سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ بِابْتِدَاءِ الْغَصْبِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهَا عِنْدَ ذَلِكَ،

  85. فَإِنْ بَاعَهَا وَسَلَّمَهَا بَعْدَ مَا صَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَيْنِ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي،

  86. ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبْضِ الْعَيْنِ،

  87. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي مُتَعَدٍّ بِقَبْضِهَا لِنَفْسِهِ عَلَى طَرِيقِ التَّمَلُّكِ، وَفِي هَذَا الْقَبْضِ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ حُكْمًا عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِرْدَادِهَا مِنْ الْغَاصِبِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِقَبْضِ الْمُشْتَرِي عَلَى طَرِيقِ التَّمَلُّكِ لِنَفْسِهِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا حَالَ قَبْضِهِ، وَذَلِكَ أَلْفَا دِرْهَمٍ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَصَبَهَا غَاصِبٌ مِنْ الْأَوَّلِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ،

  88. فَإِنَّ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ الثَّانِي قِيمَتَهَا وَقْتَ غَصْبِهِ. وَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا مَا بَيَّنَّا، وَالثَّانِي أَنَّ الْمَوْلَى بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الثَّانِي يَكُونُ مُبَرِّئًا لِلْغَاصِبِ الْأَوَّلِ؛ وَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِهَذَا الْإِبْرَاءِ تَصِيرُ يَدُهُ يَدَ الْمَالِكِ، وَالْغَاصِبُ الثَّانِي مُفَوِّتٌ لِهَذِهِ الْيَدِ،

  89. فَإِذَا صَارَتْ كَيَدِ الْمَالِكِ كَانَ هُوَ ضَامِنًا بِتَفْوِيتِهِ يَدَ الْمَالِكِ حُكْمًا،

  90. فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْبَائِعِ،

  91. فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْغَصْبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ،

  92. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا فِي الْكِتَابِ.

  93. (وَرَوَى) الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ قِيمَتَهَا.

  94. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَمَانَةً، وَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهَا بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ فَيَكُونُ ضَامِنًا لَهَا بِزِيَادَتِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مُنْفَصِلَةً، وَكَمَا لَوْ قَتَلَهَا بَعْدَ حُدُوثِ الزِّيَادَةِ، وَلِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْ الْغَاصِبِ سَبَبَانِ مُوجِبَانِ لِلضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالتَّسْلِيمُ بِحُكْمِ الْبَيْعِ، فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَهُ بِأَيِّ الشَّيْئَيْنِ شَاءَ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا بَعْدَ الْغَصْبِ.

  95. وَتَحْقِيقُ هَذَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالتَّسْلِيمَ اسْتِهْلَاكٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ مِنْهُ إلَيْهِ،

  96. فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالْمِلْكِ لَهُ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ لَهُ، فَهُوَ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ بَاشَرَ سَبَبًا لَوْ أَثْبَتَهُ الْمُشْتَرِي بِالْبَيِّنَةِ قَضَى الْقَاضِي بِالْمِلْكِ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكًا

  97. لِلْمِلْكِ عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ حُكْمًا، وَالِاسْتِهْلَاكُ بَعْدَ الْغَصْبِ يَتَحَقَّقُ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ كَالِاسْتِهْلَاكِ بِالْقَتْلِ.

  98. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ ضَمَانَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ ضَمَانُ غَصْبٍ، وَالْغَصْبُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمَغْصُوبِ لِوَجْهَيْنِ:

  99. (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَفْوِيتِ يَدِ الْمَالِكِ، وَالتَّفْوِيتُ بَعْدَ التَّفْوِيتِ مِنْ وَاحِدٍ لَا يَتَحَقَّقُ.

  100. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْأَسْبَابَ مَطْلُوبَةٌ لِأَحْكَامِهَا، وَتَكْرَارُ الْغَصْبِ مِنْ وَاحِدٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ غَيْرُ مُفِيدٍ شَيْئًا،

  101. فَلَا يُعْتَبَرُ كَتَكْرَارِ الْبَيْعِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ ضَمَانَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ ضَمَانُ غَصْبٍ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَاقٍ بَعْدَ بَيْعِ الْغَاصِبِ كَمَا بَعْدَ غَصْبِهِ.

  102. وَالِاسْتِهْلَاكُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَفْوِيتِ الْعَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ بِتَفْوِيتِ الْمِلْكِ فِيهِ حُكْمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يَضْمَنُ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَالْحُرُّ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ،

  103. وَكَذَلِكَ الْعَقَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ آخِرًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَضْمَنُ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ كَمَا لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ.

  104. (فَإِذَا) ثَبَتَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَنَقُولُ: السَّبَبُ الثَّانِي لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي الْأَصْلِ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الْغَصْبَ بَعْدَ الْغَصْبِ لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ الْأَوَّلِ،

  105. وَلَا وَجْهَ لِإِبْطَالِ حُكْمِ الضَّمَانِ الثَّابِتِ بِالْغَصْبِ الْأَوَّلِ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْمُسْقِطَ لِلضَّمَانِ عَنْهُ نَسَخَ فِعْلَهُ بِإِعَادَتِهِ إلَى يَدِ الْمَالِكِ لَا اكْتِسَابِ غَصْبٍ آخَرَ،

  106. وَلَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الثَّانِي فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَابِعَةٌ لِلْأَصْلِ،

  107. فَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِيهَا إلَّا بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ، وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُتَّصِلَةَ لَا تُفْرَدُ بِالْغَصْبِ،

  108. فَلَا تُفْرَدُ بِضَمَانِ الْغَصْبِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ الْأَصْلَ بِالْغَصْبِ مَلَكَ الْأَصْلَ بِزِيَادَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ؛ وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُهُ هُنَا، وَبَيْعُ مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ عَنْهُ، وَهَذَا

  109. بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَهَا؛ لِأَنَّ ذَاكَ ضَمَانُ إتْلَافٍ، وَالزِّيَادَةُ تُفْرَدُ بِالْإِتْلَافِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ السَّبَبِ الثَّانِي هُنَاكَ مُفِيدٌ فِي حَقِّ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ بِالْقَتْلِ يَجِبُ مُؤَجَّلًا عَلَى الْعَاقِلَةِ وَبِالْغَصْبِ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ السَّبَبِ الثَّانِي فِي حَقِّ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ مُفِيدًا،

  110. ثُمَّ يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الزِّيَادَةِ تَبَعًا لِلْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ إذَا ضَمِنَ الْأَصْلَ بِالْقَتْلِ لَا يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ،

  111. فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ أَنَّ الزِّيَادَةَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا أَنَّ الْمَغْصُوبَةَ لَوْ كَانَتْ دَابَّةً فَاسْتَهْلَكَهَا الْغَاصِبُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ هَلْ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا زَائِدَةً، ذَكَرَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا زَائِدَةً، فَظَنَّ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - أَنَّ ذَلِكَ الْجَوَابَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا، وَجَعَلَ يُفَرِّقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِاسْتِهْلَاكَ بَعْدَ الْغَصْبِ يَتَحَقَّقُ فِي الْأَصْلِ

  112. فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَأَمَّا الْغَصْبُ بَعْدَ الْغَصْبِ فَلَا يَتَحَقَّقُ.

  113. قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:

  114. وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْفَصْلَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَإِنَّهُ كَمَا لَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ ثَمَّةَ لَمْ يَذْكُرْ هُنَا قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ النَّوَادِرِ بَيَانَ الْخِلَافِ فِي الشَّاةِ إذَا ذَبَحَهَا الْغَاصِبُ وَأَكَلَهَا بَعْدَ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا زَائِدَةً، وَهَذَا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا كَانَ مُفِيدًا، وَحُكْمُ الِاسْتِهْلَاكِ فِي الدَّوَابِّ، وَحُكْمُ الْغَاصِبِ سَوَاءٌ؛

  115. لِأَنَّهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَهْلِكِ حَالًا، وَيَمْلِكُ الْمَضْمُونَ بِهِ، فَالِاسْتِهْلَاكُ وَإِنْ تَحَقَّقَ،

  116. فَلَا فَائِدَةَ فِي اعْتِبَارِهِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ

  117. بِخِلَافِ الْقَتْلِ فِي الْآدَمِيِّ،

  118. فَإِنَّ حُكْمَ ضَمَانِ الْقَتْلِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ ضَمَانِ الْغَصْبِ فَكَانَ اعْتِبَارُ السَّبَبِ الثَّانِي مُفِيدًا، وَهَذَا

  119. بِخِلَافِ صَيْدِ الْحَرَمِ إذَا بَاعَهَا، وَسَلَّمَهَا بَعْدَ الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّا نُثْبِتُ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبَيْعَ وَالتَّسْلِيمَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ بَعْدَ الْغَصْبِ، وَهُنَاكَ الزِّيَادَةُ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا إلَّا أَنْ تَصِيرَ مَضْمُونَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ،

  120. وَإِنْ اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِي بَطَلَ الْبَيْعُ، وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ مِنْهُ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ الْعَيْنِ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْمُشْتَرِي بِالْبَيْعِ، وَإِنَّمَا سُلِّمَ لَهُ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ،

  121. فَلَا يُسَلَّمُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ أَيْضًا، فَلِهَذَا اسْتَرَدَّ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ.

  122. (رَجُلٌ) غَصَبَ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ،

  123. ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّ الْجَارِيَةِ مَعَ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَقَدْ فَاتَ جُزْءٌ مَضْمُونٌ مِنْهَا،

  124. وَلَوْ فَاتَتْ كُلُّهَا ضَمِنَ الْغَاصِبُ قِيمَتَهَا، وَالْجُزْءُ مُعْتَبَرٌ بِالْكُلِّ،

  125. وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ حَيًّا فَعَلَيْهِ رَدُّهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْ الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَالِكَ الْأَصْلِ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي الْوَلَدِ عَلَى الْغَاصِبِ،

  126. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَمُؤْنَةِ الرَّدِّ فِي الْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ،

  127. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَيْهِ،

  128. فَإِذَا رَدَّهُمَا وَفِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءً بِنُقْصَانِ الْوِلَادَةِ لَمْ يَضْمَنْ الْغَاصِبُ مِنْ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ شَيْئًا عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ،

  129. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْوَلَدِ مِنْ النُّقْصَانِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ هُوَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ النُّقْصَانِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِفَوَاتِ جُزْءٍ مَضْمُونٍ مِنْهَا،

  130. فَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ، وَقَدْ انْعَدَمَ الْإِسْقَاطُ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ، وَهُوَ بِرَدِّ الْوَلَدِ لَا يَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الْمَضْمُونِ لَهُ، وَأَدَاءُ الضَّمَانِ مِلْكُ غَيْرِ الْمَضْمُونِ لَهُ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لِجُبْرَانِ مَا فَاتَ عَلَيْهِ، وَمِلْكَهُ لَا يَكُونُ جَابِرًا لِمِلْكِهِ،

  131. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ قَائِمًا مَقَامَ الْجُزْءِ الْفَائِتِ بِالْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، وَالْفَائِتُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فَكَيْفَ تَكُونُ الْأَمَانَةُ خَلَفًا عَنْ الْمَضْمُونِ.

  132. (أَلَا تَرَى) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَهَا عَيْبٌ آخَرُ فِي يَدِهِ، وَفِي

  133. قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِنُقْصَانِ ذَلِكَ الْعَيْبِ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ جَابِرًا لِذَلِكَ النُّقْصَانِ. وَشَبَّهَ هَذَا بِمَنْ قَطَعَ قَوَائِمَ شَجَرَةِ إنْسَانٍ فَنَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى لَمْ يَسْقُطْ الضَّمَانُ عَنْ الْقَاطِعِ بِمَا نَبَتَ؛ لِأَنَّ النَّابِتَ مِلْكُ الْمَضْمُونِ لَهُ

  134. بِخِلَافِ مَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُهَا فَأَخَذَ الْغَاصِبُ الْأَرْشَ فَرَدَّهَا مَعَ الْأَرْشِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ مَا تَوَلَّدَ مِنْ مِلْكِ الْمَضْمُونِ لَهُ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُؤَدِّيًا لِلضَّمَانِ بِهِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ قَلَعَ سِنَّهَا فَنَبَتَ مَكَانَهَا أُخْرَى أَوْ صَارَتْ مَهْزُولَةً ثُمَّ سَمِنَتْ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ انْعَدَمَ سَبَبُ الضَّمَانِ؛

  135. لِأَنَّ السَّبَبَ إفْسَادُ الْمَنْبَتِ لَا مُجَرَّدُ الْقَلْعِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَفْسَدَ الْمَنْبَتَ؛ وَلِهَذَا لَوْ كَانَ نَبَاتُ السِّنِّ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْغَاصِبِ شَيْءٌ أَيْضًا، وَهُنَا السَّبَبُ وَهُوَ النُّقْصَانُ قَائِمٌ مُشَاهَدٌ، وَالْوَلَدُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مَقَامَ ذَلِكَ النُّقْصَانِ.

  136. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِقِيمَتِهِ لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَتَخَيَّرْ بِهِ فَكَذَلِكَ قَبْلَهُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ مُنْعَدِمٌ هُنَا حُكْمًا، وَالنَّابِتُ حُكْمًا كَالثَّابِتِ حِسًّا أَوْ أَقْوَى مِنْهُ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ خَلَفٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ بِالْوِلَادَةِ بِطَرِيقِ اتِّحَادِ السَّبَبِ، وَهُوَ أَنَّ الْوِلَادَةَ أَوْجَبَتْ فَوَاتَ جُزْءٍ مِنْ مَالِيَّةِ الْأَصْلِ وَحُدُوثَ مَالِيَّةِ الْوَلَدِ؛

  137. لِأَنَّ الْوَلَدَ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الِانْفِصَالِ فَلَمْ يَكُنْ مَالًا بَلْ كَانَ عَيْبًا فِي الْأُمِّ أَوْ كَانَ وَصْفًا لَهَا، وَإِنَّمَا صَارَ مَالًا مَقْصُودًا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، وَالسَّبَبُ الْوَاحِدُ مَتَى أَثَّرَ فِي النُّقْصَانِ وَالزِّيَادَةِ كَانَتْ الزِّيَادَةُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ كَالْبَيْعِ لَمَّا زَالَ الْمَبِيعُ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ وَأَدْخَلَ الثَّمَنَ فِي مِلْكِهِ كَانَ الثَّمَنُ خَلَفًا عَنْ مَالِيَّةِ الْمَبِيعِ لَهُ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ، حَتَّى لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِ بِبَيْعِ شَيْءٍ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ،

  138. ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا،

  139. وَكَذَلِكَ الْأَرْشُ خَلَفٌ عَنْ مَالِيَّةِ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ، فَكَمَا يَنْعَدِمُ النُّقْصَانُ إذَا رُدَّ ذَلِكَ الْجُزْءُ بِعَيْنِهِ بِأَنْ غَصَبَ بَقَرَةً فَقَطَعَ جُزْءًا مِنْهَا،

  140. ثُمَّ رَدَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ مَعَ الْأَصْلِ فَكَذَلِكَ يَنْعَدِمُ النُّقْصَانُ بِرَدِّ الْخَلَفِ؛ لِأَنَّ الْخَلَفَ عَنْ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ فَوَاتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَصْلُ السِّمَنِ وَالسِّنِّ،

  141. فَإِنَّ الْحَادِثَ هُنَاكَ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْ الْفَائِتِ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فِي مَحَلِّ النُّقْصَانِ، وَتَأْثِيرُ السَّبَبِ فِي الْخِلَافَةِ أَكْثَرُ مِنْ تَأْثِيرِ الْمَحِلِّ،

  142. فَإِذَا جُعِلَ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ هُنَاكَ الْحَادِثُ خَلَفًا عَنْ الْفَائِتِ حَتَّى يَنْعَدِمَ بِهِ سَبَبُ الضَّمَانِ فَهَذَا أَوْلَى، وَبِهَذَا ظَهَرَ الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِ، فَإِنَّا لَا نَجْعَلُ الْغَاصِبَ مُؤَدِّيًا لِلضَّمَانِ بِرَدِّ الْوَلَدِ، وَلَكِنْ نُبَرِّئُهُ بِانْعِدَامِ سَبَبِ الضَّمَانِ، فَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ سَبَبُ الضَّمَانِ بِرَدِّ مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَكُونُ الْمَرْدُودُ مِلْكُهُ يُقَرِّرُ هَذَا الْمَعْنَى.

  143. (فَإِنْ قِيلَ:) كَيْف يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَالْوَلَدُ يَبْقَى مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بَعْدَ انْعِدَامِ النُّقْصَانِ. (قُلْنَا:) لِأَنَّهُ فِي الْمِلْكِ لَمْ يَكُنْ خَلَفًا إنَّمَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ بِكَوْنِهِ مُتَوَلِّدًا مِنْ مِلْكِهِ وَذَلِكَ بَاقٍ، وَإِنَّمَا

  144. كَانَ خَلَفًا فِي حُكْمِ الِانْجِبَارِ،

  145. فَلَا جَرَمَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النُّقْصَانِ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ جَابِرًا لِلنُّقْصَانِ، وَهُوَ كَالتُّرَابِ خَلَفٌ عَنْ الْمَاءِ فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ لَا فِي الْمِلْكِ، فَبَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ يَبْقَى التُّرَابُ مَمْلُوكًا لَهُ،

  146. وَلَا يَكُونُ خَلَفًا فِي حُكْمِ الطَّهَارَةِ.

  147. (وَإِذَا) ثَبَتَ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ وَفَاءٌ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ فِيهِ وَفَاءٌ بَعْدَ الْوِلَادَةِ قَبْلَ الرَّدِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْخِلَافَةِ بِاتِّحَادِ السَّبَبِ لَمَّا انْعَقَدَ فِيهِ فَالْحَادِثُ فِيهِ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ يَلْتَحِقُ بِالْمَوْجُودِ وَقْتَ السَّبَبِ، كَالزَّوَائِدِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَلْتَحِقُ بِالْمَوْجُودِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْخِلَافَةَ فِي حُكْمِ الِانْجِبَارِ لِيَكُونَ رَدُّ الْخَلَفِ كَرَدِّ الْأَصْلِ، وَهَذَا يَنْتَهِي بِالرَّدِّ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ بَعْدَ الرَّدِّ لَا تُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ عِنْدَ السَّبَبِ لِهَذَا كَالزِّيَادَةِ فِي الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا تُعْتَبَرُ فِي انْقِسَامِ الثَّمَنِ،

  148. فَأَمَّا فِي السِّنِّ يَتَبَيَّنُ انْعِدَامُ سَبَبِ الضَّمَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَادِثَ خَلَفٌ عَنْ الْفَائِتِ بِاتِّحَادِ الْمَحِلِّ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ،

  149. وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَدَمُ إفْسَادِ الْمَنْبَتِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الرَّدِّ كَمَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَهُ. وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ هُنَاكَ لَا يُشْتَرَطُ لِإِيجَابِ الضَّمَانِ بِالْقَلْعِ كَوْنُ الْأَصْلِ فِي ضَمَانِهِ عِنْدَ الْقَلْعِ، فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ بِالنَّبَاتِ بَقَاءُ الْأَصْلِ فِي ضَمَانِهِ

  150. بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَفِي قَطْعِ قَوَائِمِ الشَّجَرَةِ الْوَاجِبُ ضَمَانُ عَيْنِ مَا ذَهَبَ بِهِ الْقَاطِعُ وَهُوَ الْجُزْءُ الْمَقْطُوعُ، وَذَلِكَ لَا يَنْعَدِمُ بِنَبَاتِ مِثْلِهِ.

  151. ثُمَّ النَّبَاتُ هُنَاكَ لَيْسَ بِسَبَبِ الْقَطْعِ بَلْ بِبَقَاءِ الشَّجَرَةِ الْخَضِرَةِ النَّامِيَةِ، وَالِانْجِبَارُ بِحُكْمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ، وَبِالْوَلَدِ وَفَاءً بِقِيمَتِهَا فَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ: رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يُبَرَّأُ بِرَدِّ الْوَلَدِ؛

  152. لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى الْغَاصِبِ لِجُبْرَانِ حَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالْوَفَاءِ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْبَرُ بِالْوَلَدِ قَدْرَ نُقْصَانِ الْوِلَادَةِ، وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ لَا تُوجِبُ الْمَوْتَ فَالنُّقْصَانُ يَكُونُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ،

  153. فَأَمَّا مَوْتُ الْأُمِّ لَا يَكُونُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ، وَرَدُّ الْقِيمَةِ كَرَدِّ الْعَيْنِ،

  154. وَلَوْ رَدَّ عَيْنَ الْجَارِيَةِ كَانَ النُّقْصَانُ مُنْجَبِرًا بِالْوَلَدِ، فَكَذَلِكَ إذَا رَدَّ قِيمَتَهَا، (وَفِي) ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ الْغَصْبِ كَامِلَةً لِوَجْهَيْنِ:

  155. (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا لَمَّا مَاتَتْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْوِلَادَةَ كَانَتْ مَوْتًا مِنْ أَصْلِهِ كَالْجُرْحِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ زَهُوقُ الرُّوحِ يَكُونُ قَتْلًا مِنْ أَصْلِهِ لَا أَنْ يَكُونَ جُرْحًا،

  156. ثُمَّ قَتْلًا بِنَاءً عَلَيْهِ،

  157. وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْوِلَادَةَ مَوْتٌ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلزِّيَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ بِحُكْمِ اتِّحَادِ السَّبَبِ،

  158. فَإِذَا انْعَدَمَ هُنَاكَ لَمْ يَكُنِ الْوَلَدُ جَابِرًا لِلنُّقْصَانِ بِالْوِلَادَةِ،

  159. وَلَا قَائِمًا مَقَامَ الْأُمِّ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ اتِّحَادَ السَّبَبِ كَاتِّحَادِ الْمَحِلِّ، وَهُنَاكَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْحَادِثُ خَلَفًا عَنْ الْفَائِتِ إذَا كَانَ الْفَائِتُ بَعْضَ الْأَصْلِ

  160. كَالسِّمَنِ وَالسِّنِّ لَا مَا إذَا كَانَ الْفَائِتُ جَمِيعَ الْأَصْلِ، فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ اتِّحَادِ السَّبَبِ يُجْعَلُ الْحَادِثُ خَلَفًا عَنْ الْفَائِتِ إذَا كَانَ الْفَائِتُ بَعْضَ الْأَصْلِ لَا مَا إذَا كَانَ الْفَائِتُ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ الْحَادِثَ تَبَعٌ وَالتَّبَعُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ إنَّمَا يَقُومُ مَقَامَ تَبَعٍ مِثْلِهِ.

  161. يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ الْأَصْلَ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ مَلَكَ الْأَصْلَ بِالضَّمَانِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ النُّقْصَانَ حَادِثٌ عَلَى مِلْكِهِ،

  162. فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا يُجْبِرُهُ،

  163. بِخِلَافِ مَا إذَا رَدَّ الْأَصْلَ فَالْحَاجَةُ إلَى رَدِّ جَابِرِ النُّقْصَانِ هُنَا مُتَقَرِّرٌ، وَبِاعْتِبَارِ هَذِهِ الْحَاجَةِ يُجْعَلُ الْوَلَدُ خَلَفًا فِي حُكْمِ الِانْجِبَارِ بِهِ.

  164. (قَالَ:) وَإِذَا جَاءَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ يَدَّعِي جَارِيَتَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَهُوَ مُنْكِرٌ فَأَقَامَ شَاهِدًا أَنَّهَا جَارِيَتُهُ غَصَبَهَا هَذَا إيَّاهُ، وَأَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ عَلَى إقْرَارِ الْغَاصِبِ بِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا حِينَ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْقَوْلِ، وَالْآخَرُ بِالْفِعْلِ، إذْ الْفِعْلُ غَيْرُ الْقَوْلِ، وَبِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ.

  165. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْمِلْكِ لَهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ عَلَى إقْرَارِ الْغَاصِبِ لَهُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ، وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ،

  166. وَإِنْ شَهِدَا لَهُ بِالْمِلْكِ وَزَادَ أَحَدُهُمَا ذِكْرَ الْغَصْبِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي، وَتَفَرَّدَ إحْدَاهُمَا بِالشَّهَادَةِ بِالْغَصْبِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَقْضِي الْقَاضِي بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ،

  167. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا جَارِيَتُهُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهَا كَانَتْ جَارِيَتَهُ قَضَيْتُ بِهَا لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَهُوَ الْمَالِكُ لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ أَبَدًا حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ مِلْكِهِ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَظْهَرْ سَبَبُ ذَلِكَ، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا جَارِيَتُهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ وَرِثَهَا عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ؛

  168. لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ لَهُ بِمِلْكٍ هُوَ أَصْلٌ فِيهِ مُسْتَفَادٌ بِسَبَبٍ أَحْدَثَهُ وَهُوَ الشِّرَاءُ، وَالْآخَرُ شَهِدَ لَهُ بِمِلْكٍ هُوَ خَلَفٌ عَنْ مُوَرِّثِهِ فِيهِ، وَأَحَدُ الْمِلْكَيْنِ مُتَبَايِنٌ عَنْ الْآخَرِ.

  169. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَارِثَ يَرُدُّ بِالْعَيْبِ عَلَى بَائِعِ مُوَرِّثِهِ، وَيَصِيرُ مَغْرُورًا بِشِرَاءِ مُوَرِّثِهِ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَرُدُّ عَلَى بَائِعٍ بَائِعَهُ،

  170. وَلَا يَصِيرُ مَغْرُورًا بِسَبَبِ شِرَاءِ بَائِعِهِ.

  171. (وَإِذَا) اخْتَلَفَ الْمَشْهُودُ بِهِ حُكْمًا لَمْ يَتَمَكَّنْ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ.

  172. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالشِّرَاءِ مِنْ رَجُلٍ، وَالْآخَرُ بِالشِّرَاءِ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ أَوْ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ وَهُوَ السَّبَبُ، إمَّا لِأَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ غَيْرُ الشِّرَاءِ، أَوْ لِأَنَّ الشِّرَاءَ مِنْ زَيْدٍ غَيْرُ الشِّرَاءِ مِنْ عَمْرٍو،

  173. وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهَا جَارِيَتُهُ غَصَبَهَا إيَّاهُ هَذَا وَقَدْ بَاعَهَا الْغَاصِبُ مِنْ رَجُلٍ فَسَلَّمَ رَبُّ الْجَارِيَةِ الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ انْعَقَدَ مِنْ الْغَاصِبِ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ،

  174. فَإِنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ مَالَهُ مُجِيزٌ

  175. حَالَ وُقُوعِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ،

  176. وَأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنَّ الشَّرْطَ لِتَمَامِ الْعَقْدِ بِالْإِجَازَةِ بَقَاءُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالْمُجِيزِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بَاقٍ هُنَا.

  177. (وَقَدْ) ذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْمِلْكِ فَفَعَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ مِلْكَهُ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ دَفْعَ السَّبَبِ الْمُزِيلِ فَيُجْعَلُ نَاسِخًا لِلْبَيْعِ بِهَذَا. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي ظَهَرَ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ مِلْكٍ ظَاهِرٍ لَهُ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْبَيْعِ مَوْقُوفًا،

  178. فَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْبَيْعِ إذَا ظَهَرَ بِالْقَضَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى،

  179. فَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ قَدْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَهَلَكَ عِنْدَهُ هَلَكَ مِنْ مَالِ رَبِّ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ بِنُفُوذِ الْبَيْعَ صَارَ الْغَاصِبُ كَالْوَكِيلِ مِنْ جِهَتِهِ بِالْبَيْعِ بِطَرِيقِ أَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَحَقُّ قَبْضِ الثَّمَنِ إلَى الْوَكِيلِ، وَهُوَ أَمِينٌ فِيمَا يَقْبِضُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ لَمْ يَضْمَنْ فَكَذَلِكَ إذَا هَلَكَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ،

  180. وَلَا يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِ الْعَقْدِ بِالْإِجَازَةِ بَقَاءُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَعْقُودٌ بِهِ،

  181. وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي لِصِحَّةِ الْبَيْعِ بَعْدَ ابْتِدَاءٍ فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ بَقَاؤُهُ لِنُفُوذِ الْبَيْعِ بِالْإِجَازَةِ، وَكُلُّ مَا حَدَثَ لِلْجَارِيَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ وَلَدٍ أَوْ كَسْبٍ أَوْ أَرْشُ جِنَايَةٍ، وَمَا شَابَهَهَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ عِنْدَ إجَازَتِهِ يَنْفُذُ الْبَيْعُ، وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْبَيْعِ،

  182. فَإِنَّ سَبَبَ مِلْكِهِ هُوَ الْعَقْدُ، وَكَانَ تَامًّا فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْمِلْكِ بِهِ لِمَانِعٍ، وَهُوَ حَقُّ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ،

  183. فَإِذَا ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ مِنْ وَقْتِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الزَّوَائِدَ حَدَثَتْ عَلَى مِلْكِهِ،

  184. وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ الْمَبِيعَ، وَأَخَذَهَا أَخَذَ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مِلْكُهُ مُقَرَّرًا فِيهَا، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْكَسْبَ وَالْأَرْشَ وَالْوَلَدَ بِمِلْكِ الْأَصْلِ،

  185. فَإِنْ أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ عِنْدَنَا.

  186. (وَقَالَ) ابْنُ أَبِي لَيْلَى عِتْقُهُ نَافِذٌ، وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ قِيمَتَهَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَبْضٌ بِطَرِيقِ الْإِتْلَافِ، فَإِنَّهُ يَنْعَدِمُ بِهِ مَحَلِّيَّةُ الْبَيْعِ كَمَا بِالْإِتْلَافِ حَقِيقَةً، فَهُنَاكَ الْغَاصِبُ يَضْمَنُ قِيمَتَهَا، وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي إذَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا، فَهُنَا كَذَلِكَ اعْتِبَارًا لِلْحُكْمِيِّ بِالْحَقِيقِيِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حُصُولُ الْقَبْضِ وَالْإِتْلَافِ بِنُفُوذِ الْعِتْقِ لَا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، وَشَرْطُ نُفُوذِ الْعِتْقِ مِلْكُ الْمَحِلِّ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ» وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ ضَعِيفٌ فِي نَفْسِهِ،

  187. فَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ،

  188. فَإِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَوْ أَعْتَقَ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ لَمْ يُعْتَقْ،

  189. وَلَا يَصِيرُ قَابِضًا بِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ،

  190. بِخِلَافِ الْإِتْلَافِ فَإِنَّهُ حِسِّيٌّ يَتَحَقَّقُ فِي الْمِلْكِ

  191. وَغَيْرِ الْمِلْكِ، وَلَا نَقُولُ: الْمُشْتَرِي بِالْإِتْلَافِ يَصِيرُ مَالِكًا مَتَى كَانَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ،

  192. فَإِنْ أَجَازَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيْعَ بَعْدَ مَا أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ جَازَ الْبَيْعُ، وَلَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، هَكَذَا يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، (قَالَ) أَبُو سُلَيْمَانَ: وَكُنَّا سَمِعْنَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عِتْقٌ تَرَتَّبَ عَلَى عَقْدٍ تَوَقَّفَ نُفُوذُهُ لِحَقِّ الْمَالِكِ،

  193. فَلَا يَنْفُذُ بِنُفُوذِ الْعَقْدِ كَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَقْوَى مِنْ الْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ، وَيَتِمُّ بِمَوْتِ الْبَائِعِ وَبِسُكُوتِهِ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ.

  194. وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ، وَهُوَ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ وَبِمَوْتِ الْمَالِكِ،

  195. وَلَا يَتِمُّ بِدُونِ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعِتْقَ تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ مَالِكِ ظَاهِرِ الْمِلْكِ،

  196. فَإِنَّ الْمَالِكَ لَوْ أَجَازَ الْعِتْقَ عَنْ نَفْسِهِ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ،

  197. فَلَا يَنْفُذُ مِنْ جِهَةِ مَنْ يَحْدُثُ لَهُ بِالْمِلْكِ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُكْرَهِ إذَا أَعْتَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ،

  198. ثُمَّ رَضِيَ الْمُكْرَهُ بِالْبَيْعِ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْعِتْقَ تَوَقَّفَا عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ،

  199. ثُمَّ لَوْ أَجَازَ الْعِتْقَ بَطَلَ الْبَيْعُ فَكَذَلِكَ لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ يَبْطُلُ الْعِتْقُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَافَاةِ فِي حَقِّهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ، وَالْمِلْكُ الثَّابِتُ لَهُ بِالضَّمَانِ أَقْوَى مِنْ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لِلْمُشْتَرِي هُنَا حَتَّى يَنْفُذَ بَيْعُهُ لَوْ كَانَ بَاعَهُ هُنَاكَ،

  200. وَلَا يَنْفُذُ بَيْعُ الْمُشْتَرِي هُنَا لَوْ كَانَ بَاعَهُ،

  201. ثُمَّ هُنَاكَ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُهُ فَهُنَا يُتَقَوَّمُ.

  202. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ أَعْتَقَ،

  203. ثُمَّ إنَّ الْمَالِكَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ حَتَّى نَفَذَ بَيْعُهُ لَمْ يَنْفُذْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي فَكَذَلِكَ إذَا نَفَذَ الْبَيْعُ بِإِجَازَةِ الْمَالِكِ.

  204. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا عِتْقٌ تَرَتَّبَ عَلَى سَبَبِ مِلْكٍ تَامٍّ فَيَنْفُذُ بِدُونِ السَّبَبِ بِالْإِجَازَةِ، كَالْوَارِثِ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ، وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ بِالدَّيْنِ،

  205. ثُمَّ يَسْقُطُ الدَّيْنُ أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَارِثِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ. وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْعَقْدَ الْمَوْقُوفَ سَبَبٌ تَامٌّ فِي نَفْسِهِ، وَانْعِقَادُهُ بِكَلَامِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَهُمَا وِلَايَةٌ عَلَى أَنْفُسِهِمَا،

  206. فَإِذَا أَطْلَقَا الْعَقْدَ انْعَقَدَ بِصِفَةِ التَّمَامِ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَالِكُ، وَكَمَا لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَالِكِ بِانْعِقَادِ السَّبَبِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي تَمَامِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ إتْمَامِ السَّبَبِ اتِّصَالُ الْحُكْمِ بِهِ فَقَدْ يَتَرَاخَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَنْعَقِدُ خَالِيَةً عَنْ الْحُكْمِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ عَنْ السَّبَبِ، وَالضَّرَرُ عَلَى الْمَالِكِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي؛

  207. لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَتِهِ زَوَالَ مِلْكِهِ فَيَتَأَخَّرُ ذَلِكَ إلَى وَقْتِ الْإِجَازَةِ، وَيَبْقَى السَّبَبُ تَامًّا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِشْهَادَ عَلَى

  208. النِّكَاحِ يُعْتَبَرُ وَقْتَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَالنِّكَاحُ يَنْعَقِدُ مَعَ التَّوَقُّفِ، وَمَا يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِ فَالنِّكَاحُ لَا يَحْتَمِلُهُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْغَاصِبَيْنِ إذَا تَصَارَفَا وَتَقَابَضَا وَافْتَرَقَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكَانِ فَمُحَمَّدٌ يُوَافِقُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ، وَمَا يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِ لَا يَكُونُ عَفْوًا فِي الصَّرْفِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى تَمَامِ السَّبَبِ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَبِيعَ عِنْدَ الْإِجَازَةِ بِزَوَائِدِهِ الْمُنْفَصِلَةِ وَالْمُتَّصِلَةِ.

  209. (وَإِذَا) ثَبَتَ أَنَّ السَّبَبَ تَامٌّ فَنَقُولُ: الْعِتْقُ قَبْضٌ حَتَّى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَعْتَقَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَصِيرُ قَابِضًا، وَالْقَبْضُ بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ السَّبَبِ، وَيَنْفُذُ بِنُفُوذِهِ كَالْقَبْضِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَالَ لِلْغَاصِبِ: أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ عَنِّي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ نَفَذَ بِالْإِجَازَةِ الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ جَمِيعًا، فَهَذَا مِثْلُهُ بَلْ أَوْلَى؛

  210. لِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ هُنَاكَ مُضْمَرٌ، وَهُنَا مُفْصَحٌ بِهِ،

  211. وَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَوْ الْتَمَسَ هَذَا مِنْ الْمَالِكِ فَأَجَابَهُ إلَيْهِ كَانَ نَافِذًا فَكَذَلِكَ إذَا الْتَمَسَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ فَأَجَابَهُ إلَيْهِ وَأَجَازَهُ الْمَالِكُ، وَهَذَا

  212. بِخِلَافِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ غَيْرُ تَامٍّ،

  213. فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ مَقْرُونٌ بِالْعَقْدِ نَصًّا، وَتَعْلِيقُ الْعَقْدِ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ سَبَبًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ قِيَاسًا؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الشَّرْطَ عَلَى السَّبَبِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُجْعَلُ الشَّرْطُ دَاخِلًا عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ فَيَنْعَقِدُ أَصْلُ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ كَالْمُتَعَلِّقِ بِالشَّرْطِ، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالشَّرْطِ مَعْدُومٌ قَبْلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ عَبْدِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ الْيَوْمَ لَا يَجُوزُ

  214. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ غَدًا فَتَصَدَّقَ بِهِ الْيَوْمَ يَجُوزُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّوَقُّفَ لَا يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ مِنْهُ، يُوَضِّحُ الْفَرْقَ أَنَّ فِي الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ يُثْبِتُ مِلْكًا يَلِيقُ بِالسَّبَبِ، وَهُوَ الْمِلْكُ الْمَوْقُوفُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ لَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمَالِكِ،

  215. وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، فَإِنَّمَا تَرَتَّبَ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ فَيَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِهِ، وَيَنْفُذُ بِنُفُوذِهِ،

  216. فَأَمَّا الشَّرْطُ فِي مَسْأَلَةِ الْخِيَارِ كَمَا يَمْنَعُ الْمِلْكَ التَّامَّ يَمْنَعُ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ فَلَمْ يَتَرَتَّبْ عِتْقُ الْمُشْتَرِي عَلَى مِلْكٍ فِي الْمَحِلِّ أَصْلًا، وَمَسْأَلَةُ الْمُكْرَهِ قَدْ مَنَعَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -

  217. وَالْأَصَحُّ أَنْ نَقُولَ: بَيْعُ الْمُكْرَهِ فَاسِدٌ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ ضَعِيفٌ غَيْرُ تَامٍّ فِي حُكْمِ الْمِلْكِ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ،

  218. فَلَا يَثْبُتُ بِهِ مِلْكٌ تَامٌّ وَلَا مَوْقُوفٌ فِي الْمَحِلِّ؛ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَعِتْقُ الْمُشْتَرِي مُخَالِفٌ لِبَيْعِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَيْسَ بِقَبْضٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَصِيرُ بِهِ قَابِضًا، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَ تَمَامِ السَّبَبِ مَا هُوَ مِنْ حُقُوقِهِ، وَالْعِتْقُ مِنْ حُقُوقِهِ

  219. مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَبْضٌ،

  220. وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الشِّرَاءَ مُوجِبٌ، وَهُوَ شِرَاءُ الْقَرِيبِ، فَإِنَّهُ إعْتَاقٌ

  221. بِخِلَافِ الْبَيْعِ. يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْبَيْعَ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ، وَالْعِتْقَ مُنْهٍ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ،

  222. ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ بِحِصَّةِ الْعَيْبِ مِنْ الثَّمَنِ،

  223. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ فَلِكَوْنِ الْعِتْقِ مُنْهِيًا لِلْمِلْكِ يَتَوَقَّفُ بِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ حَتَّى إذَا تَمَّ انْتَهَى بِهِ، وَالْبَيْعُ لِكَوْنِهِ قَاطِعًا لِلْمِلْكِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ بِتَوَقُّفِ الْمِلْكِ، وَهَذَا

  224. بِخِلَافِ مَا لَوْ أَجَازَ الْمَالِكُ الْعِتْقَ؛ لِأَنَّهُ بِإِجَازَةِ الْعِتْقِ عَنْ نَفْسِهِ يَبْطُلُ مَحَلُّ الْبَيْعِ،

  225. فَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الْبَيْعِ بِهِ، وَبِإِجَازَةِ الْبَيْعِ يَمْتَدُّ مَحَلُّ الْعِتْقِ لِلْمُشْتَرِي، وَهُوَ الْمَالِكُ فَيَنْفُذُ الْعِتْقُ مِنْ جِهَتِهِ، وَهَذَا

  226. بِخِلَافِ الْغَاصِبِ إذَا أَعْتَقَ،

  227. ثُمَّ ضَمِنَ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَنِدَ لَهُ حُكْمُ الْمِلْكِ لَا حَقِيقَةُ الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الزَّوَائِدَ الْمُنْفَصِلَةَ، وَحُكْمُ الْمِلْكِ يَكْفِي لِنُفُوذِ الْبَيْعِ دُونَ الْعِتْقِ، كَحُكْمِ مِلْكِ الْمُكَاتَبِ فِي كَسْبِهِ، وَهَذَا الثَّابِتُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ؛ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ الزَّوَائِدَ الْمُنْفَصِلَةَ وَالْمُتَّصِلَةَ.

  228. فَأَمَّا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ نَفَذَ الْبَيْعُ بِتَضْمِينِ الْغَاصِبِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَنْفُذُ الْعِتْقُ أَيْضًا، هَكَذَا ذَكَرَ هِلَالٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كِتَابِ الْوَقْفِ فَقَالَ: يَنْفُذُ وَقْفُهُ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ فَالْعِتْقُ يُتَقَوَّمُ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ يَقُولُ: هُنَاكَ الْمُشْتَرِي يَمْلِكُهُ مِنْ جِهَةِ الْغَاصِبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَسْتَنِدُ لِلْغَاصِبِ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ فَكَيْف يَسْتَنِدُ لِمَنْ يَمْلِكُ مِنْ جِهَتِهِ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَهُنَا إنَّمَا يَسْتَنِدُ الْمِلْكُ لَهُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ الْمُجِيزِ، وَالْمُجِيزُ كَانَ مَالِكًا لَهُ حَقِيقَةً فَيُمْكِنُ إثْبَاتُ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْنَا: فَلِهَذَا نَفَذَ عِتْقُهُ.

  229. وَإِنْ مَاتَتْ الْجَارِيَةُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي،

  230. ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ لَمْ يَتِمَّ؛ لِأَنَّ إجَازَتَهُ إنَّمَا تَصِحُّ فِي حَالٍ يَصِحُّ إذْنُهُ بِالْبَيْعِ، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي يَثْبُتُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ مَقْصُودًا بِسَبَبِهِ.

  231. وَإِنْ كَانَ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، وَالْمَيِّتُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ مَقْصُودًا بِسَبَبِهِ.

  232. وَإِنْ لَمْ يَمُتْ وَلَمْ يُسَلِّمْ رَبُّ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَ، وَلَكِنَّ الْغَاصِبَ اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ إقْدَامَ الْمَالِكِ عَلَى بَيْعِهَا مِنْ الْغَاصِبِ إبْطَالٌ مِنْهُ لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ الْغَاصِبِ بِهَذَا الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ حَادِثٌ، وَالْبَيْعُ الْمَوْقُوفُ إذَا تَمَّ أَوْجَبَ الْمِلْكَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ مَا تَوَقَّفَ عَلَى حَقِّهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الرِّضَا بِتَمْلِيكِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ؛

  233. فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ بَعْدَ شِرَاءِ الْغَاصِبِ،

  234. وَكَذَلِكَ إنْ أَجَازَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ طَرَأَ مِلْكٌ نَافِذٌ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ فَكَانَ مُبْطِلًا لِلْمَوْقُوفِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَالْبَيْعُ بَعْدَ مَا بَطَلَ لَا يَلْحَقُهُ الْإِجَازَةُ،

  235. وَكَذَلِكَ لَوْ وَهَبَهَا مَوْلَاهَا لِلْغَاصِبِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا

  236. عَلَيْهِ أَوْ مَاتَتْ فَوَرِثَهَا مِنْهُ، فَهَذَا كُلُّهُ مُبْطِلٌ لِلْمِلْكِ الْمَوْقُوفِ بِطَرَيَانِ الْمِلْكِ النَّافِذِ فِي الْمَحِلِّ.

  237. (رَجُلٌ) غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً فَعَيَّبَهَا فَأَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَدْ غَصَبَ جَارِيَةً لَهُ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَجِيءَ بِهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، (وَكَانَ) أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْغَاصِبِ بِذَلِكَ؛

  238. لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ،

  239. فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلِ الْغَصْبِ لَا تُقْبَلُ مَعَ جَهَالَةِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إثْبَاتُ الْمِلْكِ لِلْمُدَّعِي فِي الْمَغْصُوبِ،

  240. وَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَجْهُولِ،

  241. وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ صَحِيحَةٌ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ،

  242. فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ إحْضَارِ الْمَغْصُوبِ عَادَةً، وَحِينَ يَغْصِبُ فَإِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْ الشُّهُودِ مُعَايَنَةُ فِعْلِ الْغَاصِبِ دُونَ الْعِلْمِ بِأَوْصَافِ الْمَغْصُوبِ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ عِلْمِهِمْ بِالْأَوْصَافِ؛ لِأَجْلِ التَّعَذُّرِ، وَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ فِعْلُ الْغَصْبِ فِي مَحَلٍّ هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، فَصَارَ ثُبُوتُ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ كَثُبُوتِهِ بِإِقْرَارِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَجِيءَ بِهِ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الرَّدِّ عَلَى الْغَاصِبِ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الْفِعْلِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ شَهَادَتِهِمْ، فَيَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِهِ؛

  243. فَلِهَذَا يَحْبِسُهُ حَتَّى يَجِيءَ بِهَا وَيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا،

  244. فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: قَدْ مَاتَتْ أَوْ قَدْ بِعْتُهَا وَلَا أَقْدِرُ عَلَيْهَا تَلَوَّمَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ زَمَانًا، وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ بِقَضَائِهِ يَتَحَوَّلُ الْحَقُّ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الْقِيمَةِ، وَفِيهِ نَوْعُ ضَرَرٍ عَلَى صَاحِبِهَا، فَعَيْنُ الْمِلْكِ مَقْصُودٌ لِصَاحِبِهَا كَمَالِيَّتُهَا، وَرُبَّمَا يَتَعَلَّلُ الْغَاصِبُ بِذَلِكَ لِتَسَلُّمِ الْعَيْنِ عِنْدَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ؛

  245. فَلِهَذَا لَا يُعَجِّلُ بِالْقَضَاءِ بِهَا، وَلَيْسَ لِمُدَّةِ التَّلَوُّمِ مِقْدَارٌ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى رَأْيِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ، وَهَذَا التَّلَوُّمُ إذَا لَمْ يَرْضَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَهُ،

  246. فَأَمَّا إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ أَوْ تَلَوَّمَ لَهُ الْقَاضِي فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْجَارِيَةِ،

  247. فَإِنْ اتَّفَقَا فِي قِيمَتِهَا عَلَى شَيْءٍ أَوْ أَقَامَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يَدَّعِي مِنْ قِيمَتِهَا قَضَى لَهُ الْقَاضِي بِذَلِكَ،

  248. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَدَّعِي الزِّيَادَةَ وَهُوَ مُنْكِرٌ لَهَا.

  249. فَإِنْ اُسْتُحْلِفَ فَنَكِلَ كَانَ نُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ بِمَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ،

  250. وَإِنْ حَلَفَ قُضِيَ لَهُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْغَاصِبُ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ انْتَفَى عَنْهُ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يُقِمْ الْمَالِكُ حُجَّةً عَلَيْهِ،

  251. فَإِنْ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ،

  252. فَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالنُّكُولِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ مِنْ الْغَاصِبِ بِمَا ادَّعَى الْمَالِكُ فَالْجَارِيَةُ لَهُ لَا سَبِيلَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَيْهَا،

  253. وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ بِزَعْمِ الْغَاصِبِ بَعْدَ مَا يَحْلِفُ يُخَيَّرُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ،

  254. فَإِنْ شَاءَ اسْتَرَدَّهَا وَرَدَّ مَا قَبَضَ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإِنْ شَاءَ

  255. أَمْسَكَ تِلْكَ الْقِيمَةَ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا. قَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا بَعْدَ مَا ظَهَرَتْ أَكْثَرَ مِمَّا قَالَ الْغَاصِبُ،

  256. فَأَمَّا إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْغَاصِبُ،

  257. فَلَا خِيَارَ لَهُ فِي اسْتِرْدَادِهَا؛ لِأَنَّهُ يُوَفِّرُ عَلَيْهِ بَدَلَ مِلْكِهِ بِكَمَالِهِ. وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْجَوَابُ مُطْلَقٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ رِضَاهُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ الْعَيْنِ إذَا لَمْ يُعْطَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ الْقِيمَةِ، وَثُبُوتُ الْخِيَارِ لَهُ لِانْعِدَامِ تَمَامِ الرِّضَا مِنْ جِهَتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قِيمَتِهَا فَقَدْ لَا يَرْضَى الْإِنْسَانُ بِزَوَالِ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِهِ بِقِيمَتِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُنَا، أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْجَارِيَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهَا فَيَسْتَرِدُّهَا إذَا ظَهَرَتْ، وَيَرُدُّ مَا قَبَضَ مِنْ الْقِيمَةِ.

  258. (وَبَعْضُ) الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَقُولُ: سَبَبُ الْمِلْكِ عِنْدَنَا يُقَرِّرُ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ لِكَيْ لَا يَجْتَمِعَ الْبَدَلُ، وَالْمُبْدَلُ فِي مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: الْمَضْمُونَاتُ تُمْلَكُ بِالضَّمَانِ، وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ عِنْدَنَا يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ؛

  259. وَلِهَذَا نَفَذَ بَيْعُ الْغَاصِبِ وَسُلِّمَ الْكَسْبُ لَهُ.

  260. (وَبَعْضُ) الْمُتَأَخِّرِينَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: يَقُولُ الْغَصْبُ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْمِلْكِ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ، وَهَذَا أَيْضًا وَهْمٌ،

  261. فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ لِلْغَاصِبِ حَقِيقَةً؛ وَلِهَذَا لَا يُسَلَّمُ لَهُ الْوَلَدُ.

  262. وَلَوْ كَانَ الْغَصْبُ هُوَ السَّبَبُ لِلْمِلْكِ لَكَانَ إذَا تَمَّ لَهُ الْمِلْكُ بِذَلِكَ السَّبَبِ يَمْلِكُ الزَّوَائِدَ الْمُتَّصِلَةَ وَالْمُنْفَصِلَةَ كَالْبَيْعِ الْمَوْقُوفِ إذَا تَمَّ بِالْإِجَازَةِ يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِزَوَائِدِهِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، وَمَعَ هَذَا فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ بَعْضُ الشُّنْعَةِ فَالْغَصْبُ هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، وَالْمِلْكُ حُكْمٌ مَشْرُوعٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ، فَيَكُونُ سَبَبُهُ مَشْرُوعًا مَرْغُوبًا فِيهِ،

  263. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ الْعُدْوَانُ الْمَحْضُ سَبَبًا لَهُ، فَإِنَّهُ تَرْغِيبٌ لِلنَّاسِ فِيهِ لِتَحْصِيلِ مَا هُوَ مَرْغُوبٌ لَهُمْ بِهِ،

  264. وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ مِثْلِهِ إلَى الشَّرْعِ، فَالْأَسْلَمُ أَنْ يَقُولَ: الْغَصْبُ مُوجِبٌ رَدَّ الْعَيْنِ وَرَدَّ الْقِيمَةِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ الْعَيْنِ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ مَقْصُودًا بِهَذَا السَّبَبِ،

  265. ثُمَّ يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ لِلْغَاصِبِ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَا حُكْمًا ثَابِتًا بِالْغَصْبِ مَقْصُودًا؛ وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الْوَلَدَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ، وَالْوَلَدُ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالْقِيمَةِ، وَهُوَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ لَيْسَ يَتْبَعُ،

  266. فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِيهِ

  267. بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، فَإِنَّهُ تَبَعٌ مَحْضٌ، وَالْكَسْبُ كَذَلِكَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ فَيَكُونُ تَبَعًا مَحْضًا، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ كَثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ فِي الْمَتْبُوعِ مَقْصُودًا بِسَبَبِهِ أَوْ شَرْطًا لِغَيْرِهِ. وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فَاَللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ أَكْلَ مَالِ الْغَيْرِ قِسْمَيْنِ قِسْمٌ بِالْبَاطِلِ، وَقِسْمٌ بِالتِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ، وَهَذَا

  268. لَيْسَ بِتِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ فَيَكُونُ أَكْلًا بِالْبَاطِلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْغَصْبَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شُبْهَةُ الْإِبَاحَةِ بِوَجْهٍ مَا،

  269. فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْمِلْكِ كَالْقَتْلِ. وَتَأْثِيرُهُ مَا قُلْنَا: أَنَّ الْمِلْكَ حُكْمٌ مَشْرُوعٌ فَيَسْتَدْعِي سَبَبًا مَشْرُوعًا، وَالْعُدْوَانُ الْمَحْضُ ضِدُّ الْمَشْرُوعِ، فَأَدْنَى دَرَجَاتِ الْمَشْرُوعِ أَنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا بِهِ،

  270. وَأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَالْعُدْوَانُ الْمَحْضُ ضِدُّهُ،

  271. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ الْمِلْكَ بِضَمَانِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ جُبْرَانٍ فَيَكُونُ بِمُقَابَلَةِ الْفَائِتِ بِالْغَصْبِ، وَالْفَائِتُ بِالْغَصْبِ يَدُ الْمَالِكِ لَا مِلْكُهُ.

  272. فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ بِمُقَابَلَةِ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِ الْغَاصِبِ لَا أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ؛ وَلِهَذَا قُلْتُمْ: لَوْ هَشَّمَ قُلْبَ فِضَّةٍ لِإِنْسَانٍ، وَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ،

  273. ثُمَّ افْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَا يَبْطُلُ الْقَضَاءُ،

  274. وَلَوْ كَانَ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ كَانَ صَرْفًا فَيَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الضَّمَانَ بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ،

  275. فَلَا يَكُونُ الْجُبْرَانُ بِتَفْوِيتِ مَا هُوَ قَائِمٌ بَلْ هُوَ بِإِحْيَاءِ مَا هُوَ فَائِتٌ، وَمِلْكُهُ فِي الْعَيْنِ كَانَ قَائِمًا،

  276. فَلَوْ جَعَلْنَاهُ زَائِلًا بِالْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ لَهُ كَانَ هَذَا تَفْوِيتًا لَا جُبْرَانًا،

  277. وَلَا كَانَتْ الْقِيمَةُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ فَهُوَ حَلِفٌ يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ وُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَلِفِ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الْعَيْنِ كَمَا لَوْ قَلَعَ سِنَّ إنْسَانٍ فَاسْتُوْفِيَ بِهِ حَوْلًا كَامِلًا،

  278. ثُمَّ قَضَى لَهُ بِالْأَرْشِ فَقَبَضَ،

  279. ثُمَّ نَبَتَ سِنُّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ مِنْ الْأَرْشِ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَاعْتِمَادُهُمْ عَلَى فَصْلِ الْمُدَبَّرِ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ جَمِيعُ مَا قُلْنَا،

  280. فَإِنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمُدَبَّرِ، وَسَبَبُ الْمِلْكِ عِنْدَكُمْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُدَبَّرِ، وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالْقِيمَةِ لَا يَزُولُ عَنْ مِلْكِهِ،

  281. وَلَوْ كَانَ شَرْطُ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ انْعِدَامَ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ أَوْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ لَمَا قَضَى الْقَاضِي بِهَا فِي مَحَلٍّ لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ،

  282. وَإِنْ تَمَّ بِقَضَاءِ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْ الْمُدَبَّرِ، كَمَا لَوْ قَضَى بِجَوَازِ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ.

  283. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ «قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الشَّاةِ الْمَغْصُوبَةِ الْمَصْلِيَّةِ: أَطْعِمُوهَا الْأَسَارَى» فَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا،

  284. وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوهَا لَمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّصَدُّقِ بِهَا؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ بِمِلْكِ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مَالِكُهُ مَعْلُومًا لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ يُحْفَظُ عَلَيْهِ عَيْنُ مِلْكِهِ،

  285. فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ يُبَاعُ، وَيُحْفَظُ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ مُخْتَصٌّ بِمَحِلٍّ هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ بِهِ إذَا أَمْكَنَ كَالْبَيْعِ وَالصُّلْحِ.

  286. وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ غَصْبَ الْحُرِّ لَا يَتَحَقَّقُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ،

  287. وَكَذَلِكَ غَصْبُ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ اخْتِصَاصَ السَّبَبِ بِمَحِلٍّ لَا يَكُونُ إلَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِحُكْمٍ يَخْتَصُّ بِذَلِكَ الْمَحِلِّ، فَالْمَحِلُّ الَّذِي هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ يَخْتَصُّ بِصِحَّةِ التَّمْلِيكِ فِيهِ، فَلَمَّا اخْتَصَّ الْغَصْبُ الْمُوجِبُ لِلضَّمَانِ بِهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ إنَّمَا اخْتَصَّ بِهَذَا الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الَّذِي

  288. هُوَ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، وَإِزَالَةُ الْيَدِ الْمُحْتَرَمَةِ لَا تَخْتَصُّ بِمَحِلٍّ هُوَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ.

  289. ثُمَّ حَقِيقَةُ الْمَعْنَى أَنَّ الضَّمَانَ الْوَاجِبَ عَلَى الْغَاصِبِ بَدَلُ الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَوِّمُ الْعَيْنَ بِهِ، وَأَنَّهُ يُسَمِّي الْوَاجِبَ قِيمَةَ الْعَيْنِ، وَيَتَقَدَّرُ بِمَالِيَّةِ الْعَيْنِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَمَقْصُودُ صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ عَيْنُ الدَّرَاهِمِ لِامْتِلَاءِ كِيسِهِ بِهَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يُقْضَى بِهَا جُبْرَانًا، وَالْجُبْرَانُ يَسْتَدْعِي الْفَوَاتَ لَا مَحَالَةَ؛

  290. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجِيزُ الْفَائِتَ دُونَ الْقَائِمِ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ انْعِدَامُ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ فَيَكُونُ جُبْرَانًا لِمَا هُوَ فَائِتٌ، وَمَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِشَرْطٍ،

  291. فَإِذَا وَقَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِهِ يُقَدَّمُ شَرْطُهُ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، كَمَا إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَهُ، يُقَدَّمُ التَّمْلِيكُ مِنْهُ عَلَى نُفُوذِ الْعِتْقِ مِنْهُ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي الْمَحِلِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: أَعْتِقْهُ عَنِّي سَبَبًا لِلتَّمْلِيكِ مَقْصُودًا.

  292. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْعُدْوَانِ الْمَحْضِ مَا هُوَ حَسَنٌ مَشْرُوعٌ بِهِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ بِالْقِيمَةِ جُبْرَانًا لِحَقِّهِ فِي الْفَائِتِ،

  293. ثُمَّ انْعِدَامُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ لَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِهِ هَذَا الْمَشْرُوعُ يَثْبُتُ بِهِ، وَيَكُونُ حَسَنًا بِجِنْسِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّقَابُضِ فِيمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ مَقْصُودٌ إلَّا فِيمَا يَثْبُتُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي قَوْلِهِ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ؛

  294. لِأَنَّ شَرْطَ الْقَبُولِ فِي سَبَبِ مِلْكٍ مَقْصُودٍ لَا فِيمَا هُوَ شَرْطٌ لِغَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَغْصُوبَ،

  295. وَإِنْ كَانَ هَالِكًا عِنْدَ الْقَضَاءِ بِالْقِيمَةِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْهَالِكَ مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّمْلِيكَ مَقْصُودٌ بِسَبَبِهِ لَا شَرْطًا لِغَيْرِهِ،

  296. وَكَذَلِكَ يَقُولُ: إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِزَعْمِ الْغَاصِبِ فَالْعَيْنُ لَا تَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ، وَلَكِنْ يَتَخَيَّرُ عِنْدَ ظُهُورِهِ لِعَدَمِ تَمَامِ الرِّضَى بِهِ، كَالْمُشْتَرِي إذَا وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا.

  297. (فَأَمَّا) الْمُدَبَّرُ فَفِي تَخْرِيجِهِ طَرِيقَانِ:

  298. أَحَدُهُمَا: أَنَّ هُنَاكَ لَا يَقُولُ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ بَعْدَ تَقَرُّرِ حَقِّهِ فِي الْقِيمَةِ بَلْ يُجْعَلُ زَائِلًا عَنْ مِلْكِهِ لِتَحْقِيقِ هَذَا الشَّرْطِ؛ وَلِهَذَا لَوْ لَمْ يَظْهَرْ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَظَهَرَ لَهُ كَسْبٌ فَذَلِكَ الْكَسْبُ يَكُونُ لِلْغَاصِبِ دُونَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ الْمُدَبَّرُ يُعَادُ إلَيْهِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُدَبَّرِ،

  299. فَإِنَّ حَقَّ الْعِتْقِ ثَبَتَ لَهُ بِالتَّدْبِيرِ عِنْدَنَا.

  300. الثَّانِي: أَنَّ فِي الْمُدَبَّرِ الْقِيمَةَ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ عَنْ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطُهُ وَهُوَ انْعِدَامُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فِي الْمُدَبَّرِ، فَيُجْعَلُ هَذَا خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِهِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَفِي كُلِّ مَحَلٍّ يُمْكِنُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ لَا تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ فَيُجْعَلُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ،

  301. وَإِذَا تَعَذَّرَ اتِّحَادُ الشَّرْطِ يُجْعَلُ خَلَفًا عَنْ النُّقْصَانِ الَّذِي حَلَّ بِيَدِهِ، وَنَظِيرُهُ فَصْلَانِ:

  302. أَحَدُهُمَا ضَمَانُ الْعِتْقِ، فَإِنَّهُ بِمُقَابَلَةِ الْعَيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يُمْكِنُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ، وَهُوَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ، وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ

  303. اتِّحَادَ هَذَا الشَّرْطِ كَالْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ عِنْدَهُمْ لَا يُجْعَلُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ،

  304. وَكَذَلِكَ ضَمَانُ الصُّلْحِ، فَإِنَّهُ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِالتَّرَاضِي كَانَ الْمَأْخُوذُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ، وَفِي كُلِّ مَحَلٍّ لَا يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ يُجْعَلُ الْمَأْخُوذُ بِمُقَابَلَةِ الْجِنَايَةِ الَّتِي حَلَّتْ بِيَدِهِ،

  305. وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْقِيمَةَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَفِيمَا تَلَا مِنْ الْآيَةِ بَيَانُ أَنَّ الْأَكْلَ بِالتِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ جَائِزٌ لَا أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ مَقْصُودًا عَلَيْهِ،

  306. ثُمَّ مَعْنَى التِّجَارَةِ عَنْ تَرَاضٍ يَنْدَرِجُ هُنَا مِنْ وَجْهٍ،

  307. فَإِنَّ الْمَالِكَ هُنَا مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تَظْهَرَ الْعَيْنُ فَيَأْخُذَهَا.

  308. فَحِينَ طَالَبَ بِالْقِيمَةِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْعِدَامَ مِلْكِهِ فِي الْعَيْنِ، فَقَدْ صَارَ رَاضِيًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ شَيْئًا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ كَانَ رَاضِيًا بِالشَّرْطِ كَمَا يَكُونُ رَاضِيًا بِمَطْلُوبِهِ.

  309. (رَجُلٌ) غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ،

  310. ثُمَّ حَضَرَ صَاحِبُهَا فَادَّعَاهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَأَقَرَّ لَهُ بِهَا ذُو الْيَدِ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لَهَا، وَحَقِيقَةُ الْحُرِّيَّةِ لِلْوَلَدِ تَثْبُتُ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ،

  311. فَإِنَّ مَنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ وَلِهَذَا لَوْ نَازَعَهُ غَيْرُهُ فِيهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ،

  312. فَلَا يُصَدِّقُهُ فِي إبْطَالِ حَقِّهِمَا، وَلَكِنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ أَقَرَّ أَنَّهَا كَانَتْ مَغْصُوبَةً فِي يَدِهِ، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهَا عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّ عَيْنِهَا، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ بِفِعْلِهِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ (قَالَ:)

  313. وَلَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْعُقْرِ، وَذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ زُفَرَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ زُفَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْعُقْرِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَهِيَ مَغْصُوبَةٌ فِي يَدِهِ، وَالْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَدٍّ أَوْ عُقْرٍ، وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ بِشُبْهَةٍ فَيَجِبُ الْعُقْرُ، كَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ أَنَّ الْوَلَدَ مِلْكُ الْمُقَرِّ لَهُ، وَقَدْ اُحْتُبِسَ عِنْدَهُ بِفِعْلِهِ كَالْأُمِّ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ؛

  314. لِأَنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ بِالْمَبِيعِ أَوْ يُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمَغْرُورِ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ عُقْرُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ فَهَذَا مِثْلُهُ. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الضَّمَانِ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِإِقْرَارِهِ، وَهُوَ مَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْعُقْرِ عَلَيْهِ إنَّمَا أَقَرَّ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛

  315. لِأَنَّ وَطْءَ الْجَارِيَةِ الْمَغْصُوبَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْغَاصِبِ دُونَ الْمُقِرِّ.

  316. وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ لَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ إلَّا بِمَنْعٍ مِنْهُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ رَدُّهُ لِحُرِّيَّتِهِ شَرْعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ امْتَنَعَ رَدُّهُ بِمَوْتِهِ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِوُجُوبِ الْعُقْرِ وَلَا بِوُجُوبِ قِيمَةِ الْوَلَدِ،

  317. فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ غَصَبَهَا هَذَا مِنْهُ، قُضِيَ لَهُ بِهَا وَبِوَلَدِهَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْعُقْرَ

  318. وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ لَهُ بِالْعُقْرِ؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ لَمَّا أَنْكَرَ فَقَدْ صَارَ إنْكَارُهُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَقَدْ أَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَلْزَمُهُ الْعُقْرُ،

  319. فَإِنْ لَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ غَصَبَهَا وَلَمْ يُقِرَّ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ فُلَانٍ فَأَرَدْتُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْجَارِيَةِ لِلَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، هَلْ يَسْتَحْلِفُهُ بِاَللَّهِ مَا بِعْتُهُ وَلَا أَذِنْتُ لَهُ فِيهِ، وَلَمْ يَدَّعِ ذُو الْيَدِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (قَالَ:) لَا أَسْتَحْلِفُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ؛

  320. لِأَنَّ الْقَاضِيَ نُصِّبَ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ لَا لِتَهْيِيجِهَا، وَلِأَنَّ الِاسْتِحْلَافَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ،

  321. فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ ذُو الْيَدِ ذَلِكَ،

  322. فَلَا مَعْنَى لِلِاسْتِحْلَافِ، وَإِذَا ادَّعَاهُ فَحِينَئِذٍ يُسْتَحْلَفُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ.

  323. (وَرُوِيَ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أَنَّ الْقَاضِي يَسْتَحْلِفُهُ،

  324. وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذُو الْيَدِ ذَلِكَ صِيَانَةً لِقَضَاءِ نَفْسِهِ.

  325. وَإِنْ أَقَامَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْمَبِيعَ أَخَذَ رَبُّ الْجَارِيَةِ الثَّمَنَ مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلِأَنَّ إجَازَةَ الْبَيْعِ فِي الِانْتِهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ.

  326. فَإِنْ تَصَادَقَ الْأَوَّلُ وَالْجَارِيَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهَا قَبْلَ هَذَا الْبَيْعِ لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمُشْتَرِي بِمَا أَثْبَتَ مِنْ الْبَيْعِ وَإِجَازَةِ الْمَالِكِ بِالْبَيِّنَةِ،

  327. فَلَا يُصَدَّقَانِ عَلَى إبْطَالِ مِلْكِهِ، وَلَكِنْ إنْ أَقَامَتْ الْجَارِيَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْأَوَّلَ كَانَ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا هَذَا فَإِنَّهَا تُعْتَقُ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ حُرِّيَّتَهَا بِإِعْتَاقِ مَنْ كَانَ يَمْلِكُهَا بِالْحُجَّةِ،

  328. ثُمَّ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْعُقْرُ لِلْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، وَهِيَ حُرَّةٌ وَالْوَلَدُ وَلَدُهُ بِغَيْرِ قِيمَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهَا بِالْبَيِّنَةِ فَيَنْفَصِلُ الْوَلَدُ عَنْهَا حُرًّا بِذَلِكَ السَّبَبِ لَا بِالْغُرُورِ، فَلِهَذَا لَا يَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ.

  329. وَلَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ جَاءَ أَخُوهُ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْجَارِيَةَ لَهُ قَضَيْتُ بِهَا لَهُ، وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ وَالْعُقْرِ؛ لِأَنَّ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ هُنَا بِسَبَبِ الْغُرُورِ لَا بِسَبَبِ مِلْكِ الْأَخِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَقُ ابْنُ الْأَخِ عَلَى عَمِّهِ بَعْدَ تَمَلُّكِهِ، وَهُنَا الْوَلَدُ كَانَ حُرَّ الْأَصْلِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي مِلْكِ الْمُدَّعِي حَتَّى يُجْعَلَ عِتْقُهُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ.

  330. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ بِسَبَبِ الْغُرُورِ فَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ، بِهِ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْوَلَدِ لِأَجْلِ الْغُرُورِ،

  331. وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ بِمَا نَالَ مِنْ لَذَّةِ الْوَطْءِ،

  332. فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ.

  333. (رَجُلٌ) غَصَبَ جَارِيَةً أَوْ شَاةً أَوْ بَقَرَةً فَوَلَدَتْ وَلَدًا،

  334. ثُمَّ ذَبَحَ الْوَلَدَ أَوْ بَاعَهُ أَوْ اسْتَخْدَمَهُ حَتَّى إذَا مَاتَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ قِيمَتِهِ يَوْمَ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَانَ أَمَانَةً عِنْدَهُ، وَقَدْ أَتْلَفَهُ بِالذَّبْحِ أَوْ الِاسْتِخْدَامِ حَتَّى مَاتَ مِنْهُ، وَصَارَ مُتَعَدِّيًا عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ

  335. وَالتَّسْلِيمِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ كَالْمُودِعِ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْوَدِيعَةِ،

  336. وَإِنْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْأُمَّ مَاتَتْ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الْأُمِّ يَوْمَ غَصَبَهَا وَيَأْخُذَ الْأَوْلَادَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْأُمِّ يَثْبُتُ لِلْغَاصِبِ شَرْعًا لِتَقَرُّرِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى الْوَلَدِ،

  337. فَإِنَّ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ لَا يَعْدُو مَوْضِعَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ السَّبَبِ لِلضَّمَانِ هُوَ الْغَصْبُ، وَوُجُوبُهُ حَقِيقَةً بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ،

  338. فَأَمَّا قَبْلَ مَوْتِهَا الْوَاجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ، فَالْمِلْكُ يَثْبُتُ بِهِ كَذَلِكَ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ وَقْتَ الْغَصْبِ إنَّمَا يُثْبِتُ لَهُ حُكْمَ الْمِلْكِ لَا حَقِيقَةَ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ يَكْفِي لِسَلَامَةِ الْكَسْبِ دُونَ الْوَلَدِ، كَحُكْمِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لِلْمُكَاتَبِ بِالْكِتَابَةِ، حَتَّى أَنَّ كَسْبَهُ لَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى، وَوَلَدُهُ يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ.

  339. (رَجُلٌ) غَصَبَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهَا أَلْفَيْنِ،

  340. ثُمَّ قَتَلَهَا رَجُلٌ خَطَأً فَالْمَغْصُوبُ مِنْهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مَالِهِ حَالًّا،

  341. وَإِنْ شَاءَ أَتْبَعَ عَاقِلَةَ الْقَاتِلِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَانٍ فِي حَقِّهِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي التَّضْمِينِ،

  342. فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، فَإِنَّمَا يُضَمِّنُهُ بِاعْتِبَارِ الْغَصْبِ فَيَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا عِنْدَ ذَلِكَ، وَضَمَانُ الْغَصْبِ يَجِبُ حَالًّا عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ،

  343. ثُمَّ الْغَاصِبُ يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ مُؤَجَّلًا فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ يَمْلِكُ بِالضَّمَانِ فَيَظْهَرُ أَنَّ الْقَاتِلَ جَانٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، أَوْ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمَّا ضَمَّنَهُ فَقَدْ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي الرُّجُوعِ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ.

  344. وَهُوَ لَوْ اخْتَارَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِمْ أَخَذَ مِنْهُمْ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ قِيمَتَهَا وَقْتَ الْقَتْلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِاعْتِبَارِ الْقَتْلِ بَدَلُ النَّفْسِ فَيَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلًا، فَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ،

  345. ثُمَّ يُسَلِّمُ لَهُ مِمَّا يَقْبِضُ أَلْفًا قَدْرَ مَا ضَمِنَ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْأَلْفِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ بِكَسْبٍ خَبِيثٍ، وَهُوَ الْغَصْبُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلِأَنَّهُ رِبْحٌ حَصَلَ لَا عَلَى مِلْكِهِ فَيَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِهِ كَالرِّبْحِ الْحَاصِلِ لَا عَلَى ضَمَانِهِ،

  346. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْجَارِيَةِ يَوْمَ غَصَبَهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَيَوْمَ قَتَلَهَا الْقَاتِلُ كَذَلِكَ، فَمَوْلَاهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فِي مَالِهِ حَالَّةً بِسَبَبِ الْغَصْبِ،

  347. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ عَاقِلَةَ الْقَاتِلِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ بِسَبَبِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِهَذَا السَّبَبِ بَدَلُ النَّفْسِ، وَبَدَلُ نَفْسِ الْأَمَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ كَبَدَلِ نَفْسِ الْحُرَّةِ، وَيُنْقِصُ لِلرِّقِّ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةً،

  348. فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ يَرْجِعُ الْغَاصِبُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، إمَّا لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَوْ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّ جِنَايَةَ الْقَاتِلِ كَانَتْ عَلَى مِلْكِهِ.

  349. فَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ هِيَ الَّتِي قَتَلَتْ رَجُلًا خَطَأً أَخَذَهَا مَوْلَاهَا

  350. وَدَفَعَهَا أَوْ فَدَاهَا؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْغَصْبِ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهَا، وَمُوجِبُ جِنَايَةِ الْمَمْلُوكِ أَنْ يُخَيَّرَ مَوْلَاهَا بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِنْ الْفِدَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا لَزِمَهُ بِسَبَبٍ كَانَ مِنْهَا فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَجِنَايَتُهَا فِي ضَمَانِ الْغَاصِبِ كَجِنَايَةِ الْغَاصِبِ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الرَّدَّ لَمْ يُسَلَّمْ حِينَ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ الْمَوْلَى بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفِدَاءُ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ بِالْأَقَلِّ؛

  351. لِأَنَّهُ فِي الْتِزَامِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَقَلِّ مُخْتَارٌ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَخَلَّصُ بِاخْتِيَارِ الْأَقَلِّ،

  352. فَإِنْ كَانَتْ مَاتَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتَهَا مِنْ الْغَاصِبِ بِسَبَبِ الْغَصْبِ فَيَدْفَعُهَا إلَى أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُسْتَحَقَّةً لَهُمْ بِالْجِنَايَةِ، وَقَدْ فَاتَتْ، وَاخْتَلَفَتْ بَدَلًا فَيَسْتَحِقُّونَ بَدَلَهَا بِاسْتِحْقَاقِهَا،

  353. وَإِذَا دَفَعَ الْقِيمَةَ إلَيْهِمْ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ مَرَّةً أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْغَاصِبِ، وَلِأَنَّ اسْتِرْدَادَ الْقِيمَةِ كَاسْتِرْدَادِ الْعَيْنِ،

  354. وَلَوْ اسْتَرَدَّهَا وَدَفَعَهَا بِالْجِنَايَةِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِقِيمَتِهَا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَرَدَّ قِيمَتَهَا، وَدَفَعَهَا بِالْجِنَايَةِ.

  355. رَجُلٌ غَصَبَ دَارَ رَجُلٍ وَسَكَنَهَا

  356. (رَجُلٌ) غَصَبَ دَارَ رَجُلٍ وَسَكَنَهَا،

  357. فَإِنْ انْهَدَمَتْ مِنْ سُكْنَاهُ أَوْ مِنْ عَمَلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ لِمَا انْهَدَمَ بِفِعْلِهِ، وَالْإِتْلَافُ يَتَحَقَّقُ فِي الْعَقَارِ كَمَا فِي الْمَنْقُولِ،

  358. وَإِنْ انْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمَا فِي الْعَقَارِ، وَالْحُكْمُ يَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ وَأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ لَا يُضْمَنُ بِالْغَصْبِ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُضْمَنُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -.

  359. حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» فَقَدْ أَطْلَقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفْظَ الْغَصْبِ عَلَى الْعَقَارِ.

  360. وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ يُقَالُ: غَصَبَ دَارَ فُلَانٍ،

  361. وَمِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ دَعْوَى الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ تُسْمَعُ حَتَّى لَا تَنْدَفِعَ بِإِقَامَةِ ذِي الْيَدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ،

  362. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغَصْبَ يَتَحَقَّقُ فِيهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ.

  363. أَمَّا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَقُولُ: الْعَقَارُ يُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ يَدًا فَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ يَدًا كَالْمَنْقُولِ.

  364. وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ الْغُزَاةَ إذَا فَتَحُوا بَلْدَةً يَمْلِكُونَ عَقَارَهُمْ، وَتَأْثِيرُهُ مَا بَيَّنَّا عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ حَدَّ الْغَصْبِ التَّعَدِّي بِإِثْبَاتِ الْيَدِ لِنَفْسِهِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ جَمِيعًا وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: الْعَقَارُ يُضْمَنُ بِالْعَقْدِ الْجَائِزِ وَالْفَاسِدِ فَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ كَالْمَنْقُولِ، وَتَحْقِيقُهُ هُوَ أَنَّ

  365. وُجُوبَ ضَمَانِ الْغَصْبِ يَعْتَمِدُ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ بِالنَّقْلِ، وَلَكِنْ فِيمَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ،

  366. فَأَمَّا فِيمَا لَا يَتَأَتَّى يُقَامُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الِاسْتِيلَاءُ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُهُ بِالسُّكْنَى وَإِخْرَاجِ الْمَالِكِ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ الْإِشَارَةُ إلَى الْعَيْنِ فِي الْمَنْقُولِ الَّذِي يُمْكِنُ إحْضَارُهُ،

  367. ثُمَّ فِي الْعَقَارِ لَمَّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ يُقَامُ ذِكْرُ الْحُدُودِ مَقَامَهُ، وَشَرْطُ تَمَامِ الْهِبَةِ الْقَبْضُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فِيمَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقِسْمَةُ،

  368. ثُمَّ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ تُقَامُ التَّخْلِيَةُ مَقَامَهُ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا،

  369. وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ: إنَّ فِعْلَهُ فِي الْمَالِكِ هُنَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ مِلْكَهُ فَيَسْكُنُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِتَفْوِيتِ الْيَدِ، وَهُوَ فَوْتُ مَنْفَعَةِ الْمِلْكِ وَثَمَرَاتِهِ عَلَيْهِ يَحْصُلُ بِهَذَا،

  370. وَيَجُوزُ إقَامَةُ فِعْلِهِ فِي غَيْرِ الْمَضْمُونِ مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْمَضْمُونِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي الطَّرِيقِ فِعْلُهُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الْمَارِّ،

  371. ثُمَّ يُجْعَلُ ذَلِكَ قَائِمًا مَقَامَ فِعْلِهِ فِي الْمَارِّ الْوَاقِعِ فِي الْبِئْرِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ.

  372. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ،

  373. فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ جَزَاءَ غَاصِبِ الْعَقَارِ الْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الضَّمَانَ فِي الدُّنْيَا، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَذْكُورَ جَمِيعُ جَزَائِهِ،

  374. وَلَوْ كَانَ الضَّمَانُ وَاجِبًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُبَيِّنَ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ أَمَسُّ، وَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْغَصْبِ عَلَيْهِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحَقُّقِ الْغَصْبِ فِيهِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ؛ لِأَنَّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْبَيْعِ عَلَى الْحُرِّ بِقَوْلِهِ: مَنْ بَاعَ حُرًّا، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ الْمُوجِبَ لِحُكْمِهِ حَقِيقَةً يُتَصَوَّرُ فِي الْحُرِّ،

  375. وَكَذَلِكَ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ لَفْظَ السَّرِقَةِ عَلَى الْعَقَارِ كَمَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْغَصْبِ، وَقَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ أَيْضًا،

  376. ثُمَّ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَقَارِ السَّرِقَةُ الْمُوجِبَةُ لِحُكْمِهَا عَلَى أَنَّا نَقُولُ: يَتَحَقَّقُ أَصْلُ الْغَصْبِ فِي الْعَقَارِ، وَلَكِنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ. وَبَيَانُ هَذَا أَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَجِبُ جُبْرَانًا لِلْفَائِتِ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ،

  377. وَلَا يَتَحَقَّقُ تَفْوِيتُ الْيَدِ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ بِدُونِ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ مَتَى كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى مَالِهِ فِي مَكَان تَبْقَى مَا يَبْقَى الْمَالُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ حُكْمًا إلَّا أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى غَيْرِهِ بِمُبَاشَرَةِ سَبَبِهِ،

  378. وَمِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ الْغَاصِبُ وَإِنْ سَكَنَ الدَّارَ فَالْمَالِكُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ فَيَسْكُنَ،

  379. فَإِنْ مَنَعَهُ فَذَلِكَ فِعْلٌ فِي الْمَالِكِ لَا فِي الْمِلْكِ، وَفِعْلُهُ فِي الْمَالِكِ لَا يُفَوِّتُ يَدَهُ عَنْ الْمَالِ،

  380. فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ كَمَا لَوْ حُبِسَ الْمَالِكُ حَتَّى تَلِفَتْ مَوَاشِيهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ الْمَنْقُولَ بِالتَّخَلِّي بِهِ قَبْلَ النَّقْلِ فَكَذَلِكَ الْعَقَارُ.

  381. وَإِقَامَةُ الشَّيْءِ الْآخَرِ مَقَامَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ طَرِيقٌ فِيمَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِيهِ أَنْ يُوجِبَهُ

  382. الْحُكْمُ، فَأَمَّا الْغَصْبُ لَا يَأْذَنُ الشَّرْعُ فِيهِ، وَالْحُكْمُ يَمْنَعُ مِنْهُ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ حُكْمًا، وَلَكِنْ إنْ صَادَفَ الْفِعْلُ مَحِلًّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ يَثْبُتُ حُكْمُهُ،

  383. وَإِنْ صَادَفَ مَحِلًّا لَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ كَمَنْ زَنَى بِرَتْقَاءَ، وَأَتَى بِمَا فِي وُسْعِهِ مِنْ الْمُعَالَجَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ،

  384. وَإِنْ قَضَى شَهْوَتَهُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَدُّ فِعْلِ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَا الْمَحِلِّ،

  385. فَلَا يَشْتَغِلُ بِإِقَامَةِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ،

  386. وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَبِهِ فَارَقَ ضَمَانَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُهُ الْحُكْمُ فَيَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِطَرِيقٍ حُكْمِيٍّ، وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ مُعْتَبَرٌ بِالْجَائِزِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ،

  387. فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يُرَدُّ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ،

  388. وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْحُدُودِ فِي الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ يَجُوزُ أَنْ تَقُومَ مَقَامَ الْإِشَارَةِ فِي التَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُهُ الْحُكْمُ، وَيَأْذَنُ فِيهِ الشَّرْعُ،

  389. وَكَذَلِكَ الْقَبْضُ فِي بَابِ الْهِبَةِ،

  390. فَإِنَّ الشَّرْعَ يَأْذَنُ فِيهِ فَيُصَارُ إلَى إيجَادِهِ بِطَرِيقِ التَّمَكُّنِ،

  391. وَلَوْ كَانَ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ إقَامَةِ الْفِعْلِ فِي الْمَالِكِ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي الْمَالِ صَحِيحًا لَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ فِي الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى حِفْظِ الْمَنْقُولِ بِالْيَدِ أَظْهَرُ مِنْهُ إلَى حِفْظِ الْعَقَارِ،

  392. وَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَافِرِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَالَ بَلْ بِإِقَامَةِ الشَّرْطِ مَقَامَ السَّبَبِ لَمَّا تَعَذَّرَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، وَهُوَ نَقْلُهُ فِي نَفْسِهِ، وَمُسَبِّبُهُ إذَا كَانَ لَا يُعْلَمُ، وَالْحَافِرُ أَوْجَدَ شَرْطَ الْوُقُوعِ بِإِزَالَةِ السِّكَّةِ، وَإِقَامَةُ الشَّرْطِ مَقَامَ السَّبَبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَالْإِتْلَافُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَحَقَّقُ،

  393. فَأَمَّا هُنَا الْفِعْلُ فِي الْمَالِكِ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَا سَبَبٍ،

  394. وَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ تَفْوِيتُ الْيَدِ الثَّابِتَةِ حُكْمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ هُنَاكَ مَعَ أَنَّ الْإِتْلَافَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْحَافِرِ بِالْمُبَاشَرَةِ بِأَنْ يُلْقِيَهُ فِي الْبِئْرِ يُقَامُ الْحَفْرُ مَقَامَهُ، وَهُنَا فِيمَا يَتَأَتَّى الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا يُقَامُ الْفِعْلُ فِي الْمَالِكِ مَقَامَ الْفِعْلِ فِي الْمَالِ.

  395. وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا مَا قَالَهُ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا وَهَبَ الرَّجُلُ دَارًا بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَمْتِعَةِ فَهَلَكَتْ الْأَمْتِعَةُ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ،

  396. ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْمَوْهُوبَ لَهُ؛ لِأَنَّ فِي جَوَابِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ نَظَرًا فَقِيلَ: هُوَ مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ،

  397. وَقِيلَ: لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُوَافِقُنَا فِي الْمَنْقُولِ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ قَبْلَ النَّقْلِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.

  398. (ثُمَّ) الْعُذْرُ أَنَّ الْوَاهِبَ نَقَلَ يَدَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَيَدُ الْوَاهِبِ فِي الْأَمْتِعَةِ كَانَتْ مُفَوِّتَةً لِيَدِ الْمَالِكِ فَانْتَقَلَتْ بِصِفَتِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ.

  399. (فَإِنْ قِيلَ:) أَلَيْسَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَنْقُولًا وَخُلِّيَ بَيْنَهُ فَهَلَكَ قَبْلَ النَّقْلِ،

  400. ثُمَّ جَاءَ مُسْتَحِقٌّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِ.؟ (قُلْنَا:) لَا كَذَلِكَ فَالْبَيْعُ يُوجِبُ الْمِلْكَ، وَالْيَدُ لِلْمُشْتَرِي،

اعرض ٧٧٦ مسألة أخرى
المالكية
كتاب آخر
المدونةمالك بن أنس، برواية سحنون، ٥٣٨ مسألة
  1. ِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي كَسَرْتُ صَحْفَةً لِرَجُلٍ كَسْرًا فَاسِدًا صَيَّرْتُهَا فِلْقَتَيْنِ، أَوْ كَسَرْتُهُمَا كَسْرًا غَيْرَ فَاسِدٍ، أَوْ كَسَرْتُ لَهُ عَصًا كَسْرًا فَاسِدًا أَوْ غَيْرَ فَاسِدٍ، أَوْ شَقَقْتُ لَهُ ثَوْبًا فَأَفْسَدْتُ الثَّوْبَ، شَقَقْتُهُ بِنِصْفَيْنِ أَوْ شَقَقْتُهُ شَقًّا قَلِيلًا؟

  2. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَفْسَدَ لِرَجُلٍ ثَوْبًا، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْفَسَادُ يَسِيرًا رَأَيْتُ أَنْ يَرْفُوهُ ثُمَّ يَغْرَمَ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ الرَّفْوِ،

  3. وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ كَثِيرًا فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الثَّوْبَ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ يَوْمَ أَفْسَدَهُ لِرَبِّ الثَّوْبِ.

  4. وَكَذَلِكَ الْمَتَاعُ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ، فَكُلُّ الَّذِي سَأَلْت عَنْهُ هُوَ عِنْدِي عَلَى مِثْلِ هَذَا الْمَحْمَلِ.

  5. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: لَا أُسَلِّمُ الثَّوْبَ وَقَدْ أَفْسَدَهُ فَسَادًا فَاحِشًا، فَقَالَ لَا أُسَلِّمُهُ وَلَكِنِّي أُتْبِعُهُ بِمَا أَفْسَدَهُ مِنْ ثَوْبِي؟

  6. قَالَ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ فَعَلَ،

  7. وَإِنْ شَاءَ احْتَبَسَهُ وَأَخَذَ مَا نَقَصَهُ. وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَا بَيْنَهُ إذَا أَفْسَدَهُ فَسَادًا كَثِيرًا وَإِذَا أَفْسَدَهُ فَسَادًا يَسِيرًا، أَنَّ الْيَسِيرَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى صَاحِبِهِ. فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ وَلَمْ يَلْزَمْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنَّهُ حِينَ أَفْسَدَهُ فَسَادًا كَثِيرًا، فَصَاحِبُهُ يَحْتَجُّ يَقُولُ أَبْطَلَ عَلَيَّ ثَوْبِي فَلِذَلِكَ يُخَيَّرُ.

  8. قَالَ: وَلَقَدْ كَانَ مَالِكٌ - دَهْرَهُ - يَقُولُ لَنَا فِي الْفَسَادِ يَغْرَمُ مَا نَقَصَهُ وَلَا يَقُولُ يَسِيرًا وَلَا كَثِيرًا،

  9. ثُمَّ وَقَفَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ. وَهُوَ أَيْضًا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى الَّذِي أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَطْرَحُ عَنْهُ بِقَدْرِ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدَيْ صَاحِبِ الثَّوْبِ، وَهُوَ قِيمَتُهُ الَّتِي كَانَ يَغْرَمُ. وَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ يُخَيَّرُ فِيهِ، إنَّمَا هَذِهِ جِنَايَاتٌ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يُخَيَّرُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ.

  10. فِيمَنْ اغْتَصَبَ جَارِيَةً فَزَادَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ قَتَلَهَا

  11. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ وَقِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَزَادَتْ عِنْدَهُ حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ،

  12. ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ أَوْ وَهَبَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا

  13. فَفَاتَتْ الْجَارِيَةُ، مَا يَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ؟ وَهَلْ يَكُونُ رَبُّ الْجَارِيَةِ مُخَيَّرًا فِي هَذَا، فِي أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ يُجِيزَ بَيْعَهُ؟ هَلْ يَكُونُ مُخَيَّرًا فِي هَذَا كُلِّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  14. قَالَ: أَمَّا إذَا فَاتَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ وَقَدْ زَادَتْ قِيمَتُهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ عِنْدَ مَالِكٍ شَيْءٌ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا.

  15. وَأَمَّا إذَا بَاعَهَا، فَرَبُّ الْجَارِيَةِ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا،

  16. وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ بَيْعَهُ وَأَخَذَ الثَّمَنَ.

  17. وَأَمَّا إنْ قَتَلَهَا الْغَاصِبُ وَقَدْ زَادَتْ عِنْدَهُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ نَقَصَتْ لَكَانَ ضَامِنًا لَقِيمَتِهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا زَادَتْ،

  18. وَلَا يُشْبِهُ الْأَجْنَبِيَّ إذَا قَتَلَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَلَيْسَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قَتَلَهَا، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ لِصَاحِبِ الْجَارِيَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصَبَهَا الْغَاصِبُ، فَيَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ تَمَامُ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصَبَهَا.

  19. فِيمَنْ اغْتَصَبَ جَارِيَةً فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ فَمَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَأَتَى سَيِّدُهَا

  20. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ فَمَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَأَتَى سَيِّدُهَا، مَا يَكُونُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  21. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِسَيِّدِهَا عَلَى هَذَا الَّذِي اشْتَرَاهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ وَتَكُونُ لِسَيِّدِهَا عَلَى الَّذِي اغْتَصَبَهَا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا إنْ أَحَبَّ،

  22. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْغَاصِبُ فَذَلِكَ لَهُ.

  23. قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ يَوْمَ بَاعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  24. قَالَ: لَا.

  25. قُلْتُ: وَلِمَ أَجَزْتَ لَهُ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ الْغَاصِبِ الْجَارِيَةَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْبَيْعُ السَّاعَةَ حِينَ يُجِيزُ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ وَالْجَارِيَةُ مَيْتَةٌ، وَبَيْعُ الْمَوْتَى لَا يَحِلُّ؟

  26. قَالَ: لَيْسَ هَذَا بَيْعُ الْمَوْتَى، إنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أَخَذَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ،

  27. وَلَا يُلْتَفَتُ فِي هَذَا إلَى حَيَاتِهَا وَلَا إلَى مَوْتِهَا إذَا رَضِيَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

  28. اغْتَصَبَ جَارِيَة فَبَاعَهَا فَاشْتَرَاهَا رَجُل لَا يَعْلَم بِالْغَصْبِ فَقَتَلت عِنْده فَأَخَذَ أرشها ثُمَّ قَدِمَ سَيِّدُهَا

  29. فِيمَنْ اغْتَصَبَ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ فَقُتِلَتْ عِنْدَهُ فَأَخَذَ لَهَا أَرْشًا ثُمَّ قَدِمَ سَيِّدُهَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَبَاعَهَا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، فَقُتِلَتْ عِنْدَهُ فَأَخَذَ لَهَا أَرْشًا،

  30. ثُمَّ قَدِمَ سَيِّدُهَا فَاسْتَحَقَّهَا؟

  31. قَالَ: سَيِّدُهَا مُخَيَّرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَتَهَا مِنْ الْغَاصِبِ يَوْمَ غَصَبَهَا،

  32. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْغَاصِبُ.

  33. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ لِسَيِّدِهَا أَيْضًا، إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْعَقْلَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ الَّذِي قَتَلَ الْجَارِيَةَ، يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي إنْ أَخَذَ السَّيِّدُ مِنْهُ ذَلِكَ الْعَقْلَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ.

  34. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ نَفْسُهُ قَتَلَهَا، فَأَرَادَ سَيِّدُ الْجَارِيَةِ حِينَ اسْتَحَقَّهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ جَارِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ

  35. الَّذِي قَتَلَهَا؟

  36. قَالَ: ذَلِكَ لَهُ، وَمَا سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ.

  37. قُلْتُ: فَإِنْ ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا لِقَتْلِهِ إيَّاهَا، أَتَرُدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ؟

  38. قَالَ: نَعَمْ.

  39. قَالَ: وَإِنَّمَا قُلْتُ لَكَ: إنَّهُ يُضَمَّنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ ثِيَابًا، فَأَكَلَ الطَّعَامَ أَوْ لَبِسَ الثِّيَابَ، فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ رَجُلٌ: إنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَأْخُذُ مِنْ الْمُشْتَرِي طَعَامًا مِثْلَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الثِّيَابِ،

  40. وَكَذَلِكَ قَتْلُهُ الْجَارِيَةَ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَنْهُ مَوْتُهَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى يُعْرَفُ، وَالثِّيَابُ وَالطَّعَامُ كَذَلِكَ أَيْضًا، لَوْ جَاءَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ يُعْرَفُ فَهَلَكَ، لَمْ يَضْمَنْ الْمُشْتَرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا.

  41. فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَقَطَعَ يَدَهَا أَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ

  42. ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَقَطَعْتُ يَدَهَا أَوْ فَقَأْتُ عَيْنَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَارِيَةَ وَيُضَمِّنَنِي مَا نَقَصَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  43. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ يَشْتَرِيهِ الرَّجُلُ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَلْبَسُهُ فَيَتَغَيَّرُ مِنْ لُبْسِهِ ثُمَّ يَسْتَحِقُّهُ رَجُلٌ: إنَّهُ يَأْخُذُهُ وَيَضْمَنُ الْمُشْتَرِي مَا نَقَصَ لُبْسُهُ الثَّوْبَ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُمْضِيَ الْبَيْعَ فَذَلِكَ لَهُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي هَذَا مِثْلُ الثَّوْبِ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ وَيُضَمِّنَكَ مَا نَقَصَهَا جِنَايَتُكَ.

  44. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مُشْتَرِي الثَّوْبِ إذَا أَخَذَ رَبُّ الثَّوْبِ الثَّوْبَ، وَأَخَذَ مِنْهُ مَا نَقَصَهُ اللُّبْسُ، أَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  45. قَالَ: نَعَمْ.

  46. فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً مَغْصُوبَةً وَلَا عِلْمَ لَهُ فَأَصَابَهَا أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ

  47. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ مَغْصُوبَةٌ - وَلَا أَعْلَمُ - فَأَصَابَهَا عِنْدِي عَيْبٌ مِنْ السَّمَاءِ؟ - ذَهَابُ عَيْنٍ أَوْ ذَهَابُ يَدٍ - أَيَكُونُ لِسَيِّدِهَا إذَا اسْتَحَقَّهَا أَخْذُهَا، وَيُضَمِّنُنِي مَا نَقَصَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  48. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ شَاءَ نَاقِصَةً،

  49. وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ،

  50. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْغَاصِبُ وَيُسَلِّمَهَا، وَهَذَا فِي الثَّمَنِ قَوْلُ مَالِكٍ،

  51. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، وَهَذَا أَيْضًا قَوْلُ مَالِكٍ.

  52. قُلْتُ: وَلِمَ لَا تَجْعَلُهُ يَأْخُذُ جَارِيَتَهُ، وَيَأْخُذُ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ الَّذِي حَدَثَ بِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ؟

  53. قَالَ: لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ لَمْ يَبِعْهَا وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ فَذَهَبَتْ عَيْنُهَا مِنْ أَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْجَارِيَةِ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ مَا نَقَصَهَا عِنْدَهُ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا مَعِيبَةً وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا.

  54. قُلْتُ: فَلِمَ قُلْتَ إذَا بَاعَهَا الْغَاصِبُ فَحَدَثَ بِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ: إنَّهُ يَأْخُذُ جَارِيَتَهُ،

  55. وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي مِمَّا نَقَصَهَا الْعَيْبُ؟

  56. قَالَ: أَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَهَا عِنْدَهُ مِنْ السَّمَاءِ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا

  57. الْغَاصِبُ، فَإِنَّمَا امْتَنَعْتُ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ عَلَيْهِ مَا نَقَصَ الْجَارِيَةَ الْعَيْبُ الَّذِي أَصَابَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنِّي لَوْ جَعَلْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِي بُدٌّ مِنْ أَنْ أَجْعَلَ الْغَاصِبَ يَرُدُّ الثَّمَنَ عَلَى الْمُشْتَرِي إذَا أُخِذَتْ الْجَارِيَةُ مِنْهُ،

  58. فَإِذَا رَدَّ الثَّمَنَ وَجَعَلْتُ عَلَى الْغَاصِبِ أَيْضًا قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَيَكُونُ الْغَاصِبُ رَدَّ الْجَارِيَةَ وَأُغْرِمَ قِيمَةَ الْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَضْمَنُ عِنْدَ مَالِكٍ مَا أَصَابَهَا عِنْدَهُ مِنْ عَيْبٍ مِنْ السَّمَاءِ إذَا اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ.

  59. فَلَا أَرَى لِرَبِّهَا إنْ أَصَابَهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ، إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا نَاقِصَةً، أَوْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، أَوْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فَيَأْخُذَ الثَّمَنَ.

  60. غَصْب دَابَّة فَبَاعَهَا فِي سُوق الْمُسْلِمِينَ فَقَطَعَ يَدهَا أَوْ فَقَأَ عَيْنهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُل

  61. فِيمَنْ اغْتَصَبَ دَابَّة فَبَاعَهَا فِي سُوق الْمُسْلِمِينَ فَقَطَعَ يَدهَا أَوْ فَقَأَ عَيْنهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُل قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اغْتَصَبْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً أَوْ جَارِيَةً، فَبِعْتُهَا مَنْ رَجُلٍ، فَأَتَى رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا وَهِيَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِحَالِهَا لَمْ تَحِلَّ عَنْ حَالِهَا، فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَنِي قِيمَتَهَا؟

  62. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُجِيزَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا، فَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصَبَهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا جَارِيَتُهُ أَوْ دَابَّتُهُ أَوْ ثَمَنُهَا، إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْغَاصِبِ.

  63. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَلَهَا فَأَعْجَفَهَا أَوْ أَدْبَرَهَا أَوْ نَقَصَهَا،

  64. فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَةَ دَابَّتِهِ يَوْمَ غَصْبِهَا. فَقُلْتُ لَهُ: أَفَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَأْخُذَ كِرَاءَ مَا اسْتَعْمَلَهَا؟

  65. قَالَ: لَا، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ وَجَدَهَا عَلَى حَالِهَا، أَوْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا إذَا كَانَ دَخَلَهَا نَقْصٌ،

  66. وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ عَمَلِهَا.

  67. قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا خَرَجَتْ مِنْ يَدِهِ إلَى غَيْرِهِ بِبَيْعٍ بَاعَهَا فَلَمْ تَتَغَيَّرْ، فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إذَا وَجَدَهَا بِحَالِهَا إلَّا سِلْعَتَهُ، أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْغَاصِبُ.

  68. وَلَا يُنْظَرُ فِي هَذَا وَإِنْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ.

  69. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فِي الْغَصْبِ: إنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى ذَلِكَ.

  70. فِيمَنْ اغْتَصَبَ جَارِيَةً فَأَصَابَهَا عَيْبٌ مُفْسِدٌ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا أَوْ وَلَدَتْ عِنْدَهُ فَأَتَى رَبُّهَا

  71. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً أَوْ عَبْدًا، فَأَصَابَهَا عِنْدَهُ عَيْبٌ قَلِيلٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ، فَاسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا. وَقَالَ الْغَاصِبُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، إنَّمَا لَكَ أَنْ تَأْخُذَ جَارِيَتَكَ وَأَضْمَنُ لَكَ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ غَيْرُ مُفْسِدٍ.

  72. مَا الْقَوْلُ فِي هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  73. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ إلَّا جَارِيَتُهُ إلَّا أَنْ تَنْقُصَ فِي بَدَنِهَا،

  74. وَلَمْ يَقُلْ لِي نُقْصَانُ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، وَذَلِكَ عِنْدِي سَوَاءٌ إنْ نَقَصَتْ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهَا مَعِيبَةً عَلَى حَالِهَا،

  75. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا فَذَلِكَ لَهُ

  76. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ جَارِيَتِي، فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا فَمَاتَ الْأَوْلَادُ عِنْدَهُ، أَيَضْمَنُهُمْ لِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  77. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَتَلَهُمْ، أَيَضْمَنُهُمْ؟

  78. قَالَ: نَعَمْ.

  79. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ عَبْدِي، أَوْ يَدَ أَمَتِي، أَوْ فَقَأَ أَعْيُنَهُمَا، أَوْ قَطَعَ أَيْدِيَهُمَا، أَوْ قَطَعَ أَرْجُلَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا، مَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  80. قَالَ: يَضْمَنُ الْجَانِي عَلَى الْعَبْدِ قِيمَةَ الْعَبْدِ كُلَّهَا إذَا كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَيْهِ قَدْ أَفْسَدَتْهُ، بِمَنْزِلَةِ مَا أَفْسَدَ مِنْ الْعُرُوضِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّهُ إذَا كَانَ فَسَادًا لَا مَنْفَعَةً فِي الْعَبْدِ حَتَّى يُضَمَّنَهُ مَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ مَثَّلَ بِعَبْدِهِ، وَهُوَ رَأْيِي وَرَأْيُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

  81. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَ دَابَّتِي، أَوْ رِجْلَهَا، أَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا، أَوْ قَطَعَ أُذُنَهَا، أَوْ ذَنَبَهَا؟

  82. قَالَ: الدَّابَّةُ بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ إنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهَا بِهِ عَيْبًا أَفْسَدَ الدَّابَّةَ حَتَّى يَكُونَ فِيهَا كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ، أَخَذَهَا الْجَانِي عَلَيْهَا وَغَرِمَ جَمِيعَ قِيمَتِهَا لِرَبِّهَا، بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الثَّوْبِ.

  83. وَإِنْ كَانَ عَيْبًا يَسِيرًا أُغْرِمَ مَا نَقَصَهَا مِثْلُ مَا قُلْتُ لَكَ فِي الثَّوْبِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: وَالْغَنَمُ وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ، إذَا أَصَابَهَا رَجُلٌ بِعَيْبٍ؟

  84. قَالَ: هَذَا كُلُّهُ مِثْلُ الثَّوْبِ عِنْدَ مَالِكٍ.

  85. مَا جَاءَ فِي اغْتِصَابِ الْجَوَارِي

  86. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اغْتَصَبَ رَجُلٌ جَارِيَةً صَغِيرَةً، فَكَبُرَتْ عِنْدَهُ حَتَّى نَهَدَتْ فَمَاتَتْ، وَقِيمَتُهَا يَوْمَ اغْتَصَبَهَا مِائَةُ دِينَارٍ، وَقِيمَتُهَا الْيَوْمُ حِينَ مَاتَتْ أَلْفُ دِينَارٍ؟

  87. قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَضْمَنَ إلَّا قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا وَلَا يَضْمَنُ الزِّيَادَةَ.

  88. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

  89. قَالَ: مَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ السَّاعَةَ.

  90. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً شَابَّةً، فَكَبِرَتْ عِنْدَهُ حَتَّى صَارَتْ عَجُوزًا،

  91. ثُمَّ أَقَمْت عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ فَأَرَدْتُ أَنْ أُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا مِنِّي. وَقَالَ الْغَاصِبُ هَذِهِ جَارِيَتُكَ خُذْهَا؟

  92. قَالَ: الْهَرَمُ فَوْتٌ، وَلَهُ الْقِيمَةُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ غَصَبَهَا فَأَصَابَهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ عَيْبٌ مُفْسِدٌ، كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا عِنْدَ مَالِكٍ يَوْمَ غَصْبِهَا،

  93. وَكَذَلِكَ الْهَرَمُ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ الْمُفْسِدِ،

  94. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْهَرَمِ: إنَّهُ فِي الْبُيُوعِ فَوْتٌ، فَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْغَصْبِ عِنْدِي.

  95. أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى أَنَّ فُلَانًا غَصَبَهُ جَارِيَتَهُ

  96. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت شَاهِدًا وَاحِدًا، عَلَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ غَصَبَنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ

  97. وَأَقَمْت آخَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَنِيهَا؟

  98. قَالَ: هَذِهِ الشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ.

  99. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنِّي أَقَمْتُ شَاهِدًا عَلَى أَنَّهُ غَصَبَنِيهَا، وَأَقَمْتُ آخَرَ عَلَى أَنَّهَا جَارِيَتِي؟

  100. قَالَ: لَا أَرَاهَا شَهَادَةً وَاحِدَةً،

  101. فَإِنْ كَانَ دَخَلَ الْجَارِيَةَ نَقْصٌ، حَلَفَ مَعَ الَّذِي شَهِدَ لَهُ أَنَّهُ غَصَبَهَا وَأَخَذَ قِيمَتَهَا إنْ شَاءَ، وَقَدْ كَانَ قَالَ: أَرَى أَنَّ شَهَادَتَهُمَا جَائِزَةٌ.

  102. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى أَرْضٍ أَنَّهَا لَهُ وَأَقَامَ آخَرَ أَنَّهَا حَيِّزَهُ.

  103. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَاهَا لَهُ؛ لِأَنَّ حَيِّزَهُ تَرِكَتُهُ فَأَرَاهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ.

  104. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا مَعْنَى حَيِّزُهُ؟

  105. قَالَ: هُوَ كَقَوْلِكَ: هَذَا حَيِّزُ فُلَانٍ وَهَذَا حَيِّزُ فُلَانٍ.

  106. اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً فَبَاعَهَا فَضَاعَ الثَّمَنُ عِنْدَهُ فَأَجَازَ الْبَيْعَ

  107. َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً فَبَاعَهَا، فَضَاعَ الثَّمَنُ عِنْدَهُ فَأَجَزْتُ الْبَيْعَ، أَيَكُونُ عَلَى الْغَاصِبِ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  108. قَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ أَرَادَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فَذَلِكَ لَهُ وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْغَاصِبِ.

  109. قُلْتُ: وَلَا تَرَاهُ إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ قَدْ جَعَلَ الْغَاصِبَ مُؤْتَمَنًا فِي الثَّمَنِ؟

  110. قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَزَلْ ضَامِنًا لِلْجَارِيَةِ حِينَ غَصَبَهَا، أَوْ لِلثَّمَنِ حِينَ بَاعَهَا إنْ أَرَادَ رَبُّ الْجَارِيَةِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ،

  111. فَلَا يُبْرِئُهُ مِنْ ضَمَانِهِ الَّذِي لَزِمَهُ الْأَدَاءُ.

  112. فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةَ رَجُلٍ فَبَاعَهَا فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَأَتَى رَبُّهَا فَأَجَازَ الْبَيْعَ

  113. َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبْتُ جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ فَبِعْتُهَا، فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَأَتَى رَبُّهَا فَأَجَازَ الْبَيْعَ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  114. قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا بَاعَهَا الْغَاصِبُ فَأَرَادَ بِهَا أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَسْتُ أَلْتَفِتُ إلَى وِلَادَتِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي. أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ هِيَ نَفْسُهَا، فَأَجَازَ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ أَخَذَ الثَّمَنَ، وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا؟ فَلَسْتُ أَلْتَفِتُ إلَى نُقْصَانِ الْجَارِيَةِ وَلَا إلَى زِيَادَتِهَا إذَا أَجَازَ الْبَيْعَ؛

  115. لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجِيزُ الْيَوْمَ أَمْرًا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْيَوْمِ،

  116. فَإِذَا أَجَازَ الْيَوْمَ فَالْجَارِيَةُ لَمْ تَزَلْ لِلْمُشْتَرِي مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا، فَنَمَاؤُهَا لَهُ وَنُقْصَانُهَا عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَهُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا إذَا أَجَازَ رَبُّ الْجَارِيَةِ الْبَيْعَ.

  117. فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ فَبَاعَهَا الْغَاصِبُ ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ

  118. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَنِي جَارِيَةً - وَبِعَيْنِهَا بَيَاضٌ - فَبَاعَهَا الْغَاصِبُ.

  119. ثُمَّ ذَهَبَ الْبَيَاضُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، فَجَاءَ رَبُّهَا فَأَجَازَ الْبَيْعَ،

  120. ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ قَدْ

  121. ذَهَبَ مَنْ عَيْنِهَا، فَقَالَ: إنَّمَا أَجَزْت الْبَيْعَ وَلَا أَعْلَمُ بِذَهَابِ الْبَيَاضِ مِنْ عَيْنِهَا، وَأَنَا الْآنَ لَا أُجِيزُ؟

  122. قَالَ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ.

  123. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

  124. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ اكْتَرَى مَنْ رَجُلٍ دَابَّةً فَتَعَدَّى عَلَيْهَا فَضَلَّتْ مِنْهُ فِي تَعَدِّيهِ، فَضَمَّنَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ قِيمَتَهَا،

  125. ثُمَّ أَصَابَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْمُتَعَدِّي، فَأَرَادَ رَبُّ الدَّابَّةِ أَخْذَهَا.

  126. قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لَهُ فِيهَا، وَهِيَ لِلْمُتَعَدِّي؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا.

  127. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ شَاءَ صَبَرَ وَلَمْ يُعَجِّلْ حَتَّى يَنْظُرَ أَيَجِدُهَا أَمْ لَا.

  128. قُلْتُ: فَمَسْأَلَتِي لَا تُشْبِهُ هَذِهِ قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ لَوْ شَاءَ رَبُّ الْجَارِيَةِ اسْتَثْبَتَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ.

  129. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ الْغَاصِبِ فَأَعْتَقَهَا،

  130. ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَأَجَازَ الْبَيْعَ، أَتَكُونُ حُرَّةً بِالْعِتْقِ الَّذِي أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ رَبُّهَا الْبَيْعَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  131. قَالَ: نَعَمْ.

  132. قُلْتُ: فَمَتَى جَازَ الْبَيْعُ، أَقَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ بَعْدَ الْعِتْقِ؟

  133. قَالَ: لَمْ يَزَلْ الْبَيْعُ جَائِزًا،

  134. فَإِنْ رَدَّ الْبَيْعَ رَبُّهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ،

  135. وَإِنْ أَجَازَهُ فَلَمْ يَزَلْ جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ يَوْمَ وَقَعَ الْبَيْعُ فَصَارَ بَيْعًا جَائِزًا، إلَّا أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ الْمُسْتَحِقُّ، فَلِذَلِكَ جَازَ الْعِتْقُ وَصَارَ نَمَاؤُهُ وَنُقْصَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي.

  136. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقَهَا الْمُشْتَرِي، فَأَتَى سَيِّدُهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ وَيَرُدَّهَا فِي الرِّقِّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  137. قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَقَصَتْ أَوْ زَادَتْ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيُبْطِلَ الْعِتْقَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  138. قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

  139. فِيمَنْ بَاعَ الْجَارِيَةَ فَأَقَرَّ أَنَّهُ اغْتَصَبَهَا مِنْ فُلَانٍ أَيُصَدَّقُ عَلَى الْمُشْتَرِي

  140. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ جَارِيَةً،

  141. ثُمَّ إنِّي أَقْرَرْت أَنِّي قَدْ غَصَبَتْهَا مَنْ فُلَانٍ، أَأُصَدَّقُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  142. قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى أَنْ يُصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَأَرَاهُ ضَامِنًا لَقِيمَتِهَا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ يَوْمَ غَصْبِهَا، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمَغْصُوبُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ فَذَلِكَ لَهُ.

  143. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اغْتَصَبْت جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ فَبِعْتُهَا مَنْ رَجُلٍ،

  144. ثُمَّ لَقِيتُ الَّذِي اغْتَصَبْتهَا مِنْهُ فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْهُ،

  145. ثُمَّ أَرَدْت أَنْ آخُذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنِّي؟

  146. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَكَ، وَأَرَى بَيْعَكَ فِيهَا جَائِزًا وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ قَبْلَ اشْتِرَائِكَ إيَّاهَا؛ لِأَنَّكَ إنَّمَا تَحَلَّلْتَ صَنِيعَكَ فِي الْجَارِيَةِ مِنْ الَّذِي اغْتَصَبْتَهَا مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْكَ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ حِينَ اشْتَرَيْتَهَا مِنْهُ وَلَسْتَ أَنْتَ فِي هَذَا كَغَيْرِكَ، وَأَرَى الْبَيْعَ الَّذِي كَانَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مُشْتَرِي الْجَارِيَةِ مِنْكَ جَائِزًا، لَيْسَ لَكَ أَنْ تَنْقُضَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُضَ بَيْعَكَ إلَّا الْمَغْصُوبَ مِنْهُ الْجَارِيَةَ، أَوْ مُشْتَرِيَهَا مِنْكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا غَصْبٌ، وَكَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا؛

  147. لِأَنَّ رَبَّ الْجَارِيَةِ إنْ أَحَبَّ أَخْذَ جَارِيَتِهِ فَذَلِكَ لَهُ، وَيَكُونُ هَذَا نَقْضًا لِلْبَيْعِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ الْغَاصِبُ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ رَبُّ الْجَارِيَةِ بَعِيدًا فَقَالَ: أَنَا أَرُدُّهَا وَلَا أَضْمَنُهَا، فَيَكُونُ رَبُّهَا عَلَيَّ بِالْخِيَارِ إذَا جَاءَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ رَأْيِي.

  148. وَإِنْ وَجَدَهَا رَبُّهَا عِنْدَ رَجُلٍ، فَبَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ قَدْ رَآهَا وَقَدْ عَرَفَ شَأْنَهَا أَيْضًا مِنْ غَيْرِ

  149. الْغَاصِبِ، وَمِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ، فَهُوَ أَيْضًا نَقْضٌ لِبَيْعِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ رَبِّهَا، لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْ الْغَاصِبِ.

  150. قُلْتُ: فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْجَارِيَةَ مَغْصُوبَةٌ، وَأَتَى رَبُّهَا فَقَالَ: قَدْ أَجَزْت الْبَيْعَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَقْبَلُ الْجَارِيَةَ؛ لِأَنَّهَا غُصِبَتْ.

  151. قَالَ: يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ.

  152. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَفْتَاتُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَبِيعُ سِلْعَتَهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي فَيُرِيدُ رَدَّهَا وَيَقُولُ بَائِعُهَا: أَنَا أَسَتَأْنِي رَأْيَ صَاحِبِهَا فِيهَا.

  153. قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا. قَالَ:

  154. فَإِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا كَانَ بِحَالِ مَنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهِ،

  155. وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَأَجَازَ الْبَيْعَ جَازَ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ إذَا أَجَازَهُ رَبُّ السِّلْعَةِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَرُدَّ إذَا كَانَ رَبُّ السِّلْعَةِ غَائِبًا؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا أُوقِفُ جَارِيَةً فِي يَدِي أُنْفِقُ عَلَيْهَا وَصَاحِبُهَا عَلَيَّ بِالْخِيَارِ فِيهَا. وَهَذَا رَأْيِي.

  156. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَنِي جَارِيَةً، وَالْجَارِيَةُ مُسْتَهْلَكَةٌ وَلَا يَعْرِفُ الشُّهُودُ مَا قِيمَتُهَا، أَيُقَالُ لَهُمْ: صِفُوهَا فَيُدْعَى لِصِفَتِهَا الْمُقَوِّمُونَ؟

  157. قَالَ: نَعَمْ.

  158. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهُ غُصِبَ مِنْهُ جَارِيَةٌ،

  159. وَلَا نَدْرِي الْجَارِيَةَ أَهِيَ الْمَغْصُوبَةُ مِنْهُ أَمْ لَا؟

  160. قَالَ: إذَا شَهِدُوا أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ فَهِيَ عِنْدَنَا لَهُ، وَقَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ نَزَعَ هَذَا الثَّوْبَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، غَصَبَهُ إيَّاهُ السَّاعَةَ، وَلَكِنْ قَالُوا: لَا نَدْرِي الثَّوْبُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَمْ لَا، أَمَا كُنْتَ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ؟ فَالْأَمَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

  161. فِيمَنْ غَصَبَ جَارِيَةً فَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ اسْتَهْلَكَهَا أَوْ قَالَ هَلَكَتْ فَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهَا

  162. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً فَادَّعَى أَنَّهُ اسْتَهْلَكَهَا، أَوْ قَالَ: هَلَكَتْ الْجَارِيَةُ، فَاخْتَلَفْنَا فِي صِفَتِهَا أَنَا وَالْغَاصِبُ؟

  163. قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ فِي الصِّفَةِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ مَعَ يَمِينِهِ،

  164. فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْجَارِيَةُ فِي الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ.

  165. قُلْتُ: فَإِنْ ضَمِنَهَا قِيمَتَهَا،

  166. ثُمَّ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَرُدَّ الْقِيمَةَ؟

  167. قَالَ: إنْ عَلِمَ أَنَّ الْغَاصِبَ أَخْفَاهَا عَلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ.

  168. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاصِبُ حَلَفَ عَنْ صِفَتِهَا وَغَرِمَ قِيمَةَ تِلْكَ الصِّفَةِ، فَظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مُخَالِفَةً لِتِلْكَ الصِّفَةِ خِلَافًا بَيِّنًا، فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْجَارِيَةُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ وَيَأْخُذَ جَارِيَتَهُ،

  169. وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا وَحَبَسَ مَا أَخَذَ مِنْ قِيمَةِ جَارِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَحَدَهُ بَعْضَ الْقِيمَةِ، فَلِذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِاَلَّذِي جَحَدَهُ.

  170. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  171. قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

  172. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ انْتَهَبَ مِنْ رَجُلٍ صُرَّةَ دَنَانِيرَ وَنَاسٌ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَادَّعَى الَّذِي اُنْتُهِبَتْ مِنْهُ أَنَّ فِيهَا كَذَا

  173. وَكَذَا، وَقَالَ الَّذِي انْتَهَبَهَا: إنَّمَا فِيهَا كَذَا

  174. وَكَذَا أَقَلُّ عَدَدًا مَنْ الَّذِي ادَّعَى الْمَنْهُوبَةَ مِنْهُ.

  175. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مَعَ يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا.

  176. فِيمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَهُ جَارِيَةً وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ

  177. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْت الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَنِي هَذِهِ الْجَارِيَةَ، وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ مَنْ غَيْرِ الْغَاصِبِ، أَيُقْضَى بِهَا وَبِوَلَدِهَا لِلَّذِي اسْتَحَقَّهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  178. قَالَ: نَعَمْ، وَيُقَامُ عَلَى الْغَاصِبِ الْحَدُّ إذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا،

  179. وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهِ مِنْهَا.

  180. وَأَمَّا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِتَزْوِيجٍ أَوْ شِرَاءٍ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الَّذِي تَزَوَّجَهَا أَوْ اشْتَرَاهَا، وَيَكُونُ الْوَلَدُ فِي التَّزْوِيجِ رَقِيقًا لِسَيِّدِ الْجَارِيَةِ، وَيَكُونُ فِي الشِّرَاءِ عَلَى أَبِيهِمْ - قِيمَتُهُمْ يَوْمَ يَحْكُمُ فِيهِمْ - إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُمْ بِمَنْزِلَةِ الَّتِي تُغَرُّ مِنْ نَفْسِهَا أَنَّهَا حُرَّةٌ.

  181. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعْتَقَهَا أَوْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوْلَادًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ سُرِقَتْ مِنْهُ أَوْ غُصِبَتْ مِنْهُ، أَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى سَرِقَةٍ وَلَا غَصْبٍ، أَيَأْخُذُ الْجَارِيَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  182. قَالَ: أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَيَرُدَّهَا رَقِيقًا،

  183. وَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا، وَأَحَبُّ قَوْلَيْهِ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَأْخُذَ قِيمَةَ وَلَدِهَا.

  184. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَاتَتْ بَعْدَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ سَيِّدُهَا، فَأَتَى سَيِّدُهَا فَاسْتَحَقَّهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ، أَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا الْمُشْتَرِي أَمْ لَا؟

  185. قَالَ: لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يُدْرِكَهَا حَيَّةً، فَيَأْخُذَهَا وَيَأْخُذَ قِيمَةَ مَا أَدْرَكَ مِنْ وَلَدِهَا حَيًّا.

  186. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  187. قَالَ: نَعَمْ

  188. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَضَيْت عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الْوَلَدِ، أَيُقْضَى لَهُ عَلَى بَائِعِهِ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟

  189. قَالَ: لَا أَقْضِي عَلَيْهِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ.

  190. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

  191. قَالَ: لَا، وَمَا سَمِعْتُ مَالِكًا يَذْكُرُ أَنَّهُ يُقْضَى عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ.

  192. غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ أَمَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ فَبَاعَهَا الْغَاصِبُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ

  193. ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اغْتَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ أَمَةً، وَقِيمَتُهَا يَوْمَ اغْتَصَبَهَا مِنْهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ، فَبَاعَهَا الْغَاصِبُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ فَذَهَبَ بِهَا الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْضِعِهَا، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ أَيَّ الْقِيمَتَيْنِ شَاءَ،

  194. وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  195. قَالَ: لَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصْبِهَا أَوْ الثَّمَنُ.

  196. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ غَصَبَ رَجُلًا ثَوْبًا فَبَاعَهُ، فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَلَبِسَهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى أَبْلَاهُ،

  197. ثُمَّ جَاءَ رَبُّهُ فَاسْتَحَقَّهُ: فَإِنَّهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الثَّوْبِ يَوْمَ لَبِسَهُ،

  198. وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الثَّوْبِ يَوْمَ غَصْبِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ قَدْ

  199. تَلِفَ، وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَخَذَ الثَّمَنَ. فَالْغَاصِبُ لَا يُشْبِهُ مَنْ اشْتَرَى؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ أَصَابَهُ عِنْدَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ لَكَانَ ضَامِنًا، وَالْمُشْتَرِي لَوْ أَصَابَهُ عِنْدَهُ أَمْرٌ مِنْ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَامِنًا فَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ يَوْمَ غَصْبِهِ أَوْ ثَمَنِهِ،

  200. وَلَوْ كَانَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، لَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ مَاتَتْ إذَا كَانَتْ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ إذَا مَاتَتْ فِي يَدَيْهِ أَوْ فَاتَتْ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، أَوْ ثَمَنُهَا إذَا كَانَ أَخَذَ لَهَا ثَمَنًا.

  201. فِيمَنْ اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا أَوْ إدَامًا فَاسْتَهْلَكَهُ

  202. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ طَعَامًا أَوْ إدَامًا فَاسْتَهْلَكَهُ، مَاذَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  203. قَالَ: عَلَيْهِ مِثْلُهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ.

  204. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ لَقِيَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ شَيْئًا.

  205. قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ قِيمَةُ الْإِدَامِ أَوْ الطَّعَامِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ لَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتُهُ فِي بِلَادِهِ حَيْثُ غَصَبَهُ.

  206. قَالَ: لَا إنَّمَا لَهُ قَبْلَهُ طَعَامٌ أَوْ إدَامٌ، فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غَصَبَهُ فِيهِ مِنْهُ، وَلَيْسَ لَهُ قَبْلَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

  207. فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ

  208. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَ لَهُ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ؟

  209. قَالَ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.

  210. قُلْتُ: فَإِنْ لَقِيَهُ بِغَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي اغْتَصَبَهُ فِيهِ؟

  211. قَالَ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ - قِيمَتُهُ فِي الْبِلَادِ الَّتِي غَصَبَهُ فِيهَا - أَوْ يَأْخُذَهُ بِالْقِيمَةِ حِينَمَا وَجَدَهُ.

  212. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟

  213. قَالَ: نَعَمْ.

  214. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُجْعَلُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ،

  215. وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قِيمَتِهِ إنْ كَانَتْ قَدْ زَادَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ نَقَصَتْ.

  216. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اغْتَصَبَ حَيَوَانًا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ اغْتَصَبَهُ، فَلَسْتُ أَلْتَفِتُ إلَى نُقْصَانِ قِيمَةِ الْحَيَوَانِ أَوْ زِيَادَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

  217. فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ لِرَجُلٍ سَمْنًا أَوْ عَسَلًا

  218. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَهْلَكْت لِرَجُلٍ سَمْنًا أَوْ عَسَلًا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَلَمْ أَجِدْ لَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكْته فِيهِ سَمْنًا وَلَا عَسَلًا، أَيَكُونُ عَلِيّ قِيمَتُهُ أَمْ لَا؟

  219. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ إلَّا مِثْلُهُ، تَأْتِي بِهِ ذَلِكَ لَك لَازِمٌ إلَّا أَنْ تَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا اسْتَهْلَكَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَهْلَكَهُ فِيهِ.

  220. فِيمَنْ اغْتَصَبَ جَارِيَةً فَأُعْوِرَتْ عِنْدَهُ أَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُهَا أَوْ جُنِيَ عَلَيْهَا

  221. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، فَأَصَابَهَا عِنْدَهُ عَوَرٌ أَوْ عَمًى أَوْ

  222. ذَهَابُ يَدٍ مَنْ السَّمَاءِ،

  223. ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا فَأَرَادَ سَيِّدُهَا أَنْ يَأْخُذَ الْجَارِيَةَ وَيَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ؟

  224. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعَيْنِهَا،

  225. وَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا وَيُسَلِّمُ الْجَارِيَةَ.

  226. قُلْتُ: لِمَ؟

  227. قَالَ: لِأَنَّ الْغَاصِبَ كَانَ ضَامِنًا لَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا، فَمَا أَصَابَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ فَلَيْسَ الْغَاصِبُ بِضَامِنٍ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ ضَامِنٌ لِلْقِيمَةِ الَّتِي كَانَ لَهَا ضَامِنًا بِالْغَصْبِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَصَابَهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. وَإِنَّمَا يَضْمَنُ قِيمَتَهَا أَنْ لَوْ مَاتَتْ.

  228. فَأَمَّا إذَا أَصَابَهَا عَيْبٌ مِنْ ذَهَابِ عَيْنٍ أَوْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِرَبِّهَا خُذْ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبَتِهَا، أَوْ خُذْ جَارِيَتَكَ وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ.

  229. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: لَا أَغْرَمُ جَمِيعَ قِيمَتِهَا وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ، فَخُذْهَا مِنِّي وَخُذْ مِنِّي مَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ عِنْدِي، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؟

  230. قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا صَحِيحَةً بِحَالِ مَا أَخَذَهَا.

  231. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا سَيِّدُهَا، إلَّا أَنَّ الْأَسْوَاقَ قَدْ حَالَتْ وَالْجَارِيَةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ وَلَا نُقْصَانِ بَدَنٍ، أَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا إذَا جَاءَ رَبُّهَا؟

  232. قَالَ: لَا، وَلَا يُلْتَفَتُ فِي هَذَا إلَى حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، وَيُقَالُ لِرَبِّ الْجَارِيَةِ: خُذْ جَارِيَتَكَ وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.

  233. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ يَدَهَا، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ مَا نَقَصَهَا الْقَطْعُ، وَيَأْخُذَ جَارِيَتَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  234. قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ يَدَهَا جِنَايَةٌ مِنْهُ وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا.

  235. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ قَطَعَ يَدَهَا أَجْنَبِيٌّ مَنْ النَّاسِ فَهَرَبَ، فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، فَأَتَى رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ وَيُضَمِّنَ الْغَاصِبَ مَا نَقَصَهَا؟

  236. قَالَ: لَا، لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ وَيَتْبَعَ الْجَانِي إنْ أَحَبَّ، أَوْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا مِنْ الْغَاصِبِ، وَيَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِي بِمَا جَنَى عَلَيْهَا.

  237. فِيمَنْ اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فَأَثْمَرَتْ أَوْ غَنَمًا فَتَوَالَدَتْ

  238. ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اغْتَصَبْت مِنْ رَجُلٍ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ غَنَمًا أَوْ إبِلًا، فَأَثْمَرَتْ الشَّجَرُ عِنْدِي وَتَوَالَدَتْ الْغَنَمُ أَوْ الْإِبِلُ، فَجَزَزْتُ أَصْوَافَهَا وَشَرِبْت أَلْبَانَهَا وَأَكَلْت سُمُونَهَا وَجُبْنَهَا،

  239. ثُمَّ قَدِمَ رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي مَا أَكَلْتُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَأْخُذَهَا مِنِّي بِأَعْيَانِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  240. قَالَ: نَعَمْ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ مَكِيلَتِهِ أَوْ وَزْنِهِ.

  241. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ، أَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ مَا أَكَلْتُ مِنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  242. قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ دَابَّةً أَوْ جَارِيَةً فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ أَوْلَادًا،

  243. ثُمَّ هَلَكَتْ الْأُمُّ، فَأَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يَأْخُذَ وَلَدَهَا وَقِيمَةُ الْأُمِّ مِنْهُ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ. وَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ الْأُمِّ وَيُسَلِّمُ الْأَوْلَادَ أَوْ يَأْخُذَ الْأَوْلَادَ،

  244. وَلَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْأُمَّهَاتِ. فَكَذَلِكَ مَا أَكَلَ أَوْ بَاعَ إذَا مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا، فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ أُمَّهَاتِهَا أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَ بِهِ، أَوْ قِيمَةُ مَا أَكَلَ. بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ

  245. وَجَدَ أَوْلَادَهَا وَقَدْ هَلَكَتْ أُمَّهَاتُهَا، فَمَا أَكَلَ أَوْ بَاعَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَوْلَادِ إذَا وَجَدَهُمْ، وَهُوَ رَأْيِي الَّذِي آخُذُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُغْتَصِبَ بَاعَهَا مِنْ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ،

  246. ثُمَّ هَلَكَتْ أُمَّهَاتُهَا فَأَتَى رَبُّهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَوْلَادَهَا، وَقِيمَةَ الْأُمِّ مِنْ الْمُغْتَصِبِ؟ وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَوْلَادَ، وَيَتْبَعُ الْمُغْتَصِبُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ الْغَاصِبِ، أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ غَصْبِهَا وَيَتْرُكُ الْوَلَدَ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي،

  247. وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ قِيمَتُهَا وَيُتْبَعُ بِالثَّمَنِ. فَالْمُغْتَصِبُ فِي مَوْتِ أُمَّهَاتِهَا وَمَنْ مَاتَتْ عِنْدَهُ مِمَّنْ اشْتَرَاهَا مِنْ الْمُغْتَصِبِ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٌ. إذَا مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ وَبَلَغَنِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ.

  248. قُلْتُ: وَهَذِهِ النَّخْلُ وَهَذِهِ الشَّجَرُ وَهَذَا الْحَيَوَانُ الَّذِي غَصَبْتُهُ فَأَكَلْتُ ثَمَرَتَهُ، إنْ كُنْتُ قَدْ سَقَيْتُهُ وَعَالَجْتُهُ وَعَمِلْتُ فِيهِ وَرَعَيْتُ الْغَنَمَ وَأَنْفَقْتُ عَلَيْهَا فِي رِعَايَتِهَا وَمَصْلَحَتِهَا، أَيَكُونُ مَا أَنْفَقْتُ فِي ذَلِكَ لِي؟

  249. قَالَ: لَا شَيْءَ لَكَ فِيمَا أَنْفَقْتَ عَلَى النَّخْلِ،

  250. وَلَا فِيمَا رَعَيْتَ الْغَنَمَ، وَلَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ لَكَ فِيمَا عَلَيْكَ مِنْ قِيمَةِ الْغَلَّةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ مِمَّا اغْتَنَمْتَ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ دَابَّةً فَحَلَبَهَا أَشْهُرًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا،

  251. ثُمَّ أَتَى رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ فِيمَا عَلِفَ وَسَقَى، وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ.

  252. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟

  253. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا رَأْيِي.

  254. فِيمَنْ غَصَبَ دُورًا وَرَقِيقًا وَدَوَابَّ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ

  255. َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدُّورَ وَالْعَبِيدَ إذَا غَصَبَهُمْ رَجُلٌ زَمَانًا، وَالْأَرْضِينَ فَاكْتَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ زَرَعَ الْأَرْضَ أَوْ سَكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ، وَلَمْ يُكْرِ وَلَمْ يَزْرَعْ الْأَرْضَ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ أَنَّهُ غَصَبَهَا مِنْهُ

  256. وَكَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، أَيَكُونُ لَهُ عَلَى الْغَاصِبِ كِرَاءُ هَذِهِ الدُّورِ وَهَذِهِ الْأَرْضِينَ وَهَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ هَذِهِ السِّنِينَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  257. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ فَتُقِيمُ عِنْدَهُ أَشْهُرًا فَيَسْتَعْمِلُهَا: أَنَّهُ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا، فَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْحَيَوَانِ.

  258. قَالَ سَحْنُونٌ: وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرْضُونَ،

  259. فَإِنْ كَانَ زَرَعَهَا أَوْ سَكَنَهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَهَا،

  260. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَكَنَ وَلَا أَكْرَى وَلَا زَرَعَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.

  261. قَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ.

  262. قَالَ سَحْنُونٌ: وَهُوَ أَحْسَنُ،

  263. وَإِنْ كَانَ أَكْرَاهَا غَرِمَ مَا أَخَذَ مِنْ الْكِرَاءِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَكَنَ أَوْ زَرَعَ.

  264. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إنْ كَانَ اسْتَخْدَمَهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاؤُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  265. قَالَ: لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ.

  266. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَاقِلَةَ، هَلْ تَحْمِلُ دِيَةَ الْعَبْدِ إذَا قَتَلَهُ رَجُلٌ عَمْدًا كَانَ أَوْ خَطَأً؟

  267. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ دِيَةَ الْعَبْدِ خَطَأً كَانَ أَوْ عَمْدًا عِنْدَ مَالِكٍ.

  268. فِيمَنْ اغْتَصَبَ دَارًا فَلَمْ يَسْكُنْهَا وَانْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ سُكْنَى

  269. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اغْتَصَبْت دَارًا فَلَمْ أَسْكُنْهَا، فَانْهَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ سُكْنَايَ، أَأَضْمَنُ

  270. قِيمَتَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  271. قَالَ: نَعَمْ، تَضْمَنُ قِيمَتَهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ غَصَبَ دَابَّةً أَوْ غُلَامًا فَمَاتَ عِنْدَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ، فَكَذَلِكَ الدَّارُ.

  272. قُلْتُ: أَفَيَكُونُ عَلَيَّ كِرَاءُ الدَّارِ لِلسِّنِينَ الَّتِي اغْتَصَبْتُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  273. قَالَ: لَا.

  274. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ السَّارِقِ يَسْرِقُ الدَّابَّةَ فَيَسْتَعْمِلُهَا، فَيُرِيدُ رَبُّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ وَيَأْخُذَ كِرَاءَ مَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ؟

  275. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَابَّتُهُ إذَا كَانَتْ عَلَى حَالِهَا.

  276. فَإِذَا كَانَ قَدْ أَعْجَفَهَا أَوْ نَقَصَهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا فَذَلِكَ لَهُ،

  277. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَهَا مَعِيبَةً فَذَلِكَ لَهُ.

  278. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ كَانَتْ أَسْوَاقُهَا قَدْ اخْتَلَفَتْ وَهِيَ عَلَى حَالِهَا فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ سَرَقَهَا؟

  279. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إذَا وَجَدَهَا عَلَى حَالِهَا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَابَّتُهُ.

  280. فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً أَوْ أَكْثَرَ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا

  281. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَهَا مِنِّي إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا تَعَدَّى إلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَآخُذُ دَابَّتِي؟

  282. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، إنْ كَانَ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ تَعَدِّيًا بَعِيدًا، كَانَ رَبُّ الدَّابَّةِ بِالْخِيَارِ فِي قِيمَةِ دَابَّتِهِ يَوْمَ تَعَدَّى، أَوْ فِي كِرَاءِ مَا تَعَدَّى فِيهِ وَيَأْخُذُ دَابَّتَهُ.

  283. قُلْتُ: فَإِنْ رَدَّهَا بِحَالِهَا أَوْ أَحْسَنَ حَالًا؟

  284. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ رَدَّهَا بِحَالِهَا أَوْ أَحْسَنَ حَالًا فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا وَمَنَافِعِهَا.

  285. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْكِرَاءُ إذَا تَعَدَّى فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  286. قَالَ: الْكِرَاءُ وَالْعَارِيَّةُ إذَا تَعَدَّى فِيهِمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَهُمَا سَوَاءٌ، الْقَوْلُ فِيهِمَا وَاحِدٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

  287. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: إذَا كَانَ تَعَدِّيهِ فِي الْكِرَاءِ مِثْلَ الْأَمْيَالِ أَوْ الْبَرِيدِ أَوْ الْيَوْمِ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ،

  288. ثُمَّ أَتَى بِهَا وَهِيَ عَلَى حَالِهَا، فَأَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يُلْزِمَهُ قِيمَتَهَا؟

  289. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ تَعْطَبَ فِيهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ مَا تَعَدَّى عَلَيْهَا إذَا أَتَى بِهَا عَلَى حَالِهَا.

  290. قُلْتُ: فَإِنْ أَصَابَهَا فِي ذَلِكَ الْبَرِيدِ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ عَيْبٌ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ الدَّابَّةِ؟

  291. قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا.

  292. وَإِنْ كَانَ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ، فَأَرَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَعَدَّى عَلَى بَهِيمَةِ رَجُلٍ فَضَرَبَهَا.

  293. وَإِنْ كَانَ عَيْبًا يَسِيرًا فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا،

  294. وَإِنْ كَانَ عَيْبًا مُفْسِدًا لَزِمَهُ جَمِيعُ قِيمَتِهَا وَأَخْذُهَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يَرَ الْبَرِيدَ وَمَا أَشْبَهَهُ تَعَدِّيًا يَضْمَنُ بِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ قِيمَتَهَا إذَا رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا، وَإِنَّمَا ضَمِنَهُ إذَا عَطِبَتْ فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي. فَهُوَ فِي هَذَا الْبَرِيدِ إذَا تَعَدَّى فَأَصَابَهَا فِيهِ عَيْبٌ، بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ تَعَدَّى عَلَى دَابَّةِ رَجُلٍ، فَبَقَرَهَا أَوْ ضَرَبَهَا.

  295. لِأَنَّهُ حِينَ تَعَدَّى هَذَا الْبَرِيدَ لَمْ يَضْمَنْ قِيمَتَهَا بِالتَّعَدِّي سَاعَةَ تَعَدَّى، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا حَدَثَ فِيهَا مِنْ عَيْبٍ.

  296. قُلْتُ: فَمَا الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ يَسْرِقُ الدَّابَّةَ فَيَسْتَعْمِلُهَا، وَيُرِيدُ رَبُّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ وَيَأْخُذَ كِرَاءَ مَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ؟

  297. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَابَّتُهُ إذَا كَانَتْ عَلَى حَالِهَا.

  298. فَإِذَا كَانَ أَعْجَفَهَا أَوْ نَقَصَهَا، فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَتَهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ

  299. يَأْخُذَهَا مَعِيبَةً فَذَلِكَ لَهُ

  300. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالسَّارِقِ وَبَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُتَكَارِي؟

  301. قُلْتُ فِي الْمُتَكَارِي وَالْمُسْتَعِيرِ: إنَّهُ إذَا رَدَّ الدَّابَّةَ وَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا الْعَيْبُ، إنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ الدَّابَّةَ بِعَيْنِهَا وَيَأْخُذَ كِرَاءَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُتَكَارِي وَالْمُسْتَعِيرَ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا.

  302. وَإِنْ رَدَّهَا صَحِيحَةً وَكَانَ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ بِبَرِيدٍ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَلَكِنْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَيْضًا إنْ شَاءَ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا،

  303. وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دَابَّتَهُ وَأَخَذَ كِرَاءَهَا. وَقُلْتُ فِي السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ: إنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْكِرَاءَ، إنَّمَا لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ دَابَّتَهُ إذَا وَجَدَهَا بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ بِحَالِهَا يَوْمَ غُصِبَتْ أَوْ سُرِقَتْ.

  304. وَإِنْ كَانَتْ أَسْوَاقُهَا قَدْ حَالَتْ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا دَابَّتُهُ مُعَيَّنَةً أَوْ قِيمَتُهَا يَوْمَ غَصَبَهَا أَوْ سَرَقهَا،

  305. وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْوَجْهَيْنِ كِرَاءٌ.

  306. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمُتَكَارِي: إذَا حَبَسَهَا عَنْ أَجَلِهَا الَّذِي تَكَارَاهَا لَهُ، كَانَ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا حَبَسَهَا فِيهِ،

  307. وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْهَا وَهِيَ عَلَى حَالِهَا قَائِمَةً عَلَى مَدَاوِدِهَا،

  308. وَإِنْ كَانَ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا فَلِرَبِّهَا أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ حَبَسَهَا.

  309. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي السَّارِقِ إذَا سَرَقَهَا فَحَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا وَمَنَافِعِهَا، فَوَجَدَهَا صَاحِبُهَا عَلَى حَالِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى سَارِقِهَا قِيمَةٌ وَلَا كِرَاءٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا دَابَّتُهُ بِعَيْنِهَا. فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ. وَالْمُغْتَصِبُ بِمَنْزِلَةِ السَّارِقِ، وَالْمُسْتَعِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَكَارِي.

  310. وَلَوْلَا مَا قَالَ مَالِكٌ، لَجَعَلْتُ عَلَى السَّارِقِ مِثْلَ مَا أَجْعَلُ عَلَى الْمُتَكَارِي مِنْ كِرَاءِ رُكُوبِهِ إيَّاهَا، وَأُضَمَّنُهُ قِيمَتَهَا إذَا حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا، وَلَكِنِّي أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي آخُذَ بِهِ فِيهَا. وَلَقَدْ قَالَ جُلُّ النَّاسِ: إنَّمَا السَّارِقُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْغَاصِبُ وَالْمُتَكَارِي بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا كِرَاءَ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إلَّا الْقِيمَةُ، أَوْ يَأْخُذُ دَابَّتَهُ.

  311. فَكَيْفَ يَجْعَلُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ وَالسَّارِقِ كِرَاءً؟

  312. قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْضَ وَالدُّورَ، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَرْضِ: إذَا غَصَبَهَا رَجُلٌ فَزَرَعَهَا إنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَهَا وَيَرُدُّهَا؟

  313. قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَالدُّورُ عِنْدَ مَالِكٍ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إنْ سَكَنَهَا الَّذِي غَصَبَهَا، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَا سَكَنَ؟

  314. قَالَ: نَعَمْ.

  315. قُلْتُ: فَالدَّابَّةُ إذَا سَرَقَهَا فَرَكِبَهَا، لِمَ قُلْتَ لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ؟

  316. قَالَ: كَذَلِكَ سَمِعْنَا مِنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَهَا فَحَبَسَهَا حِينًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا وَكَبِرَتْ الدَّابَّةُ - وَالْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ - فَاسْتَحَقَّهُمْ صَاحِبُهُمْ، أَنَّهُ يَأْخُذُهُمْ بِزِيَادَتِهِمْ وَلَا نَفَقَةَ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ فِي طَعَامِهِمْ وَلَا كُسْوَتِهِمْ وَلَا عَلُوفَةِ الدَّوَابِّ وَإِنَّ الدُّورَ لَوْ أَحْدَثَ فِيهَا عَمَلًا، وَالْأَرْضَ،

  317. ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَخَذَ الْغَاصِبُ مَا كَانَ لَهُ فِيهَا، وَلِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وُجُوهٌ تَنْصَرِفُ

  318. فِيمَنْ سَرَقَ دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ فَأَكْرَاهَا

  319. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ رَجُلٌ دَابَّةً فَأَكْرَاهَا، فَاسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا بَعْدَمَا رَكِبَهَا الْمُتَكَارِي

  320. وَأَخَذَ السَّارِقُ كِرَاءَهَا، أَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أَنْ يَأْخُذَ دَابَّتَهُ، وَيَأْخُذَ كِرَاءَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ السَّارِقُ حَابَى فِي الْكِرَاءِ، أَيَضْمَنُ مَا حَابَى بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟

  321. قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ السَّارِقِ يَسْرِقُ الدَّابَّةَ، فَيَجِدُهَا صَاحِبُهَا عِنْدَهُ وَقَدْ نَقَصَهَا وَاسْتَعْمَلَهَا، مَاذَا تَرَى لَهُ فِيهَا؟

  322. قَالَ: أَرَى لَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ سَرَقَهَا.

  323. قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَكِرَاءَ مَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ؟

  324. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرَى أَنْ يَأْخُذَ دَابَّتَهُ،

  325. وَلَا كِرَاءَ لَهُ إذَا كَانَتْ الدَّابَّةُ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا.

  326. وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَقَصَتْ كَانَ عَلَى السَّارِقِ قِيمَتُهَا يَوْمَ سَرَقَهَا،

  327. وَلَا كِرَاءَ لِصَاحِبِهَا فِيمَا أَكْرَاهَا بِهِ السَّارِقُ؛ لِأَنِّي لَوْ جَعَلْتُ لِصَاحِبِهَا كِرَاءً، لَجَعَلْتُ لَهُ فِيمَا اسْتَعْمَلَهَا السَّارِقُ كِرَاءً؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لَهَا، وَلَجَعَلْتُ لِلسَّارِقِ فِي قِيَامِهِ عَلَيْهَا عَلَى رَبِّهَا كِرَاءً، وَأَعْطَيْتُهُ نَفَقَتَهُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا.

  328. وَلَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانُ الدُّورَ وَلَا الْأَرْضِينَ فِيمَا سُكِنَ أَوْ زُرِعَ، وَإِنَّمَا الدُّورُ وَالْأَرْضُونَ فِيمَا سُكِنَ أَوْ زُرِعَ، بِمَنْزِلَةِ مَا أَكَلَ الْغَاصِبُ أَوْ لَبِسَ، وَهَذَا رَأْيِي فِي السَّارِقِ. وَالسَّارِقُ وَالْغَاصِبُ مُخَالِفَانِ لَلْمُكَارِي وَلِلْمُسْتَعِيرِ، وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ ذَلِكَ

  329. فِيمَنْ اسْتَعَارَ أَوْ اكْتَرَاهَا فَتَعَدَّى عَلَيْهَا

  330. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت دَابَّةَ رَجُلٍ أَوْ اكْتَرَيْتهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَتَعَدَّيْتُ عَلَيْهَا فَنَفَقَتْ الدَّابَّةُ؟

  331. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْكَ قِيمَةَ دَابَّتِهِ يَوْمَ تَعَدَّيْتَ عَلَيْهَا، أَوْ يَأْخُذَ مِنْكَ كِرَاءَ مَا تَعَدَّيْتَ بِهِ عَلَيْهَا،

  332. وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ.

  333. فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَكْرَاهَا مِنْهُ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا فَمَاتَتْ،

  334. فَإِنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهَا، أَوْ الْكِرَاءَ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبَ مِنْهُ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَدَّى فِيهِ،

  335. وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِيمَا رَكِبَهَا فِي حَالِ تَعَدِّيهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.

  336. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَهَا إلَى الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَعَدَّى، وَكِرَاءَ مَا تَعَدَّى،

  337. وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الدَّابَّةِ فَذَلِكَ لَهُ.

  338. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا - وَأَنَا عِنْدَهُ - عَنْ رَجُلٍ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيُشَيِّعَ عَلَيْهَا الْحَاجَّ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ تَنَحَّى قَرِيبًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلَ ثُمَّ رَجَعَ فَنَفَقَتْ الدَّابَّةُ فِي رُجُوعِهِ.

  339. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَنَحَّى إلَيْهِ مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ الَّتِي يَنْزِلُونَهَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،

  340. وَإِنْ كَانَ تَعَدَّى مَنَازِلَ النَّاسِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا

  341. فِيمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ إدَامًا فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ وَقَدْ أَكَلَهُ

  342. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ إدَامًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ - وَقَدْ أَكَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ لَبِسَ الثِّيَابَ فَأَبْلَاهَا - فَضَمَّنَهُ الْمُسْتَحِقُّ قِيمَةَ مَا أَبْلَى أَوْ أَكَلَ،

  343. أَيَكُونُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  344. قَالَ: إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَبَدًا إذَا كَانَ الْوَاهِبُ عَدِيمًا لَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوَاهِبِ.

  345. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَاهِبُ مَلِيًّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ،

  346. فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنَّمَا لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ ذَلِكَ الْوَاهِبَ.

  347. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ عَدِيمًا، فَضَمَّنَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَوْهُوبَ لَهُ، أَيَكُونُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  348. قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا،

  349. وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ

  350. فِيمَنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا أَوْ اسْتَأْجَرَهُ فَاسْتُحِقَّ فِي يَدَيْهِ

  351. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مَنْ رَجُلٍ ثَوْبًا شَهْرَيْنِ لِأَلْبَسَهُ، فَلَبِسْتُهُ شَهْرَيْنِ فَنَقَصَهُ لُبْسِي، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الثَّوْبَ، وَاَلَّذِي أَعَارَنِي الثَّوْبَ عَدِيمٌ لَا شَيْءَ لَهُ، أَيَكُونُ لِلَّذِي اسْتَحَقَّهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي مَا نَقَصَ لُبْسِي الثَّوْبَ؟

  352. قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الِاشْتِرَاءِ.

  353. قُلْتُ: فَإِنْ ضَمَّنَنِي، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَعَارَنِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  354. قَالَ: لَا أَرَى لَكَ أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ مَعْرُوفٌ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ لِهِبَتِهِ ثَوَابًا فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ.

  355. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ؟ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ الثَّوْبَ فَلَبِسْتُهُ فَنَقَصَهُ لُبْسِي، فَأَتَى رَبُّ الثَّوْبِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي؟

  356. قَالَ: نَعَمْ. مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي شِرَاءِ الثَّوْبِ: إنَّهُ إذَا لَبِسَهُ وَقَدْ اشْتَرَاهُ فَنَقَصَهُ لُبْسُهُ، إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهُ لُبْسُهُ،

  357. وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ هِيَ عِنْدِي مِثْلُ الْبَيْعِ.

  358. قُلْتُ: فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي آجَرَهُ الثَّوْبَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ مِنْ الْإِجَارَةِ؟

  359. قَالَ: نَعَمْ كَمَا يَرْجِعُ فِي الْبَيْعِ بِالثَّمَنِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ وَقَدْ اشْتَرَاهُ فَنَقَصَهُ اللُّبْسُ، فَضَمِنَ مَالِكُ الْمُشْتَرَى مَا نَقَصَ اللُّبْسُ الثَّوْبَ وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ، وَهُوَ فِي الْبَيْعِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْإِجَارَةُ رَأْيِي.

  360. فِيمَنْ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ

  361. ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَسْتَحْلِفَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  362. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ أَنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَهَا عَلَى نَفْسِهَا.

  363. قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، رَأَيْتُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَدَّ.

  364. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ، رَأَيْتُ أَنْ يَنْظُرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْغَصْبُ فِي الْأَمْوَالِ، إذَا ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ غَصْبًا،

  365. فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ،

  366. فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، رَأَيْتُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُؤَدِّبَ الَّذِي ادَّعَى ذَلِكَ،

  367. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ، نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَأَحْلَفَهُ.

  368. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ هَذَا الْغَاصِبَ كَانَ مِمَّنْ

  369. يُتَّهَمُ بِذَلِكَ، فَاسْتَحْلَفَهُ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، أَيَقْضِي عَلَيْهِ بِالْمَالِ أَمْ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي؟

  370. قَالَ: لَا يَقْضِي عَلَيْهِ حَتَّى يُحَلِّفَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنْ تُرَدَّ الْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ هَذَا فِي مَسْأَلَتِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ.

  371. اخْتِلَافُ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ فِي الصِّفَةِ

  372. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا، فَادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ خَلَقًا، وَقَالَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ: غَصَبْتَنِيهِ جَدِيدًا؟

  373. قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ.

  374. قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَحْلَفَهُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ فَحَلَفَ، وَأَخَذَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ الثَّوْبَ خَلَقًا،

  375. ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً بَعْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ جَدِيدًا، أَتُجِيزُ بَيِّنَتَهُ بَعْدَ الْيَمِينِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  376. قَالَ: نَعَمْ، إذَا لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً يَوْمَ اسْتَحْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ حَقًّا وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ يَعْلَمُ بِهَا، فَاسْتَحْلَفَهُ وَرَضِيَ بِيَمِينِهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِ السُّلْطَانِ،

  377. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

  378. قَالَ: فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ الْبَيِّنَةَ وَرَضِيَ بِيَمِينِهِ.

  379. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَجَحَدَهُ فَاسْتَحْلَفَهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي قَبْلَهُ،

  380. ثُمَّ أَصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيِّنَةً يَشْهَدُونَ لَهُ.

  381. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَيُقْضَى لَهُ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَعْلَمْ بِبَيِّنَةٍ حِينَ أَحْلَفَهُ، فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا.

  382. فِيمَنْ اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ أَوْ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ قَمْحًا فَطَحَنَهُ

  383. ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اغْتَصَبْت مِنْ رَجُلٍ سَوِيقًا فَلَتَتّهُ بِسَمْنٍ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ السَّوِيقَ؟

  384. قَالَ: تَضْمَنُ لَهُ سَوِيقًا مِثْلَ ذَلِكَ السَّوِيقِ.

  385. قُلْتُ: فَإِنْ اغْتَصَبَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَحْمَرَ أَوْ أَصْفَرَ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهُ؟

  386. قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الْغَاصِبِ قِيمَةَ صَبْغِهِ وَيَأْخُذَ ثَوْبَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إلَى الْغَاصِبِ وَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ يَوْمَ غَصَبَهُ.

  387. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبْتُ مِنْ رَجُلٍ حِنْطَةً فَطَحَنْتُهَا دَقِيقًا؟

  388. قَالَ: أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ، أَنْ يَضْمَنَ لَهُ حِنْطَةً مِثْلَ حِنْطَتِهِ.

  389. فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً فَأَنْقَصَهَا

  390. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ السَّارِقِ الَّذِي يَسْرِقُ الدَّابَّةَ، فَيَجِدُهَا صَاحِبُهَا

  391. عِنْدَهُ وَقَدْ أَنْقَصَهَا وَاسْتَعْمَلَهَا، فَمَاذَا تَرَى لَهُ؟ قَالَ: أَرَى لَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ سَرَقَهَا.

  392. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا وَكِرَاءَ مَا اسْتَعْمَلَهَا فِيهِ؟

  393. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.

  394. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَكْرَاهَا السَّارِقُ وَأَنْقَصَهَا، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَيَأْخُذَ الْكِرَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

  395. قَالَ: لَا، لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا،

  396. وَلَا كِرَاءَ لَهُ وَلَا شَيْءَ، أَوْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ إنْ تَغَيَّرَتْ أَوْ نَقَصَتْ.

  397. فِيمَنْ اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سِوَارَ ذَهَبٍ فَاسْتَهْلَكَهَا مَاذَا عَلَيْهِ

  398. ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اغْتَصَبَ مِنْ رَجُلٍ سِوَارَ ذَهَبٍ فَاسْتَهْلَكَهُ، مَاذَا عَلَيْهِ؟

  399. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ مَصُوغًا مِنْ الْفِضَّةِ.

  400. قُلْتُ: فَيَصْلُحُ لَهُ إذَا ضَمَّنَهُ قِيمَتَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟

اعرض ١٣٨ مسألة أخرى
الشافعية
كتاب آخر
منهاج الطالبينالنووي، ١٠٣ مسألة
كتاب الغصب١٠٣ مسألة
  1. هو الاستيلاء على حق الغير عدوانا

  2. فلو ركب دابة أو جلس على فراش فغاصب وإن لم ينقل

  3. ولو دخل داره وأزعجه عنها أو أزعجه وقهره على الدار ولم يدخل فغاصب

  4. وفي الثانية وجه واه

  5. ولو سكن بيتا ومنع المالك منه دون باقي الدار فغاصب للبيت فقط

  6. ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها فغاصب

  7. وإن كان ولم يزعجه فغاصب لنصف الدار إلا أن يكون ضعيفا لا يعد مستوليا على صاحب الدار

  8. وعلى الغاصب الرد

  9. فإن تلف عنده ضمنه

  10. ولو أتلف مالا في يد مالكه ضمنه

  11. ولو فتح رأس زق مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح أو منصوب فسقط بالفتح وخرج ما فيه ضمن

  12. وإن سقط بعارض ريح لم يضمن

  13. ولو فتح قفصا عن طائر وهيجه فطار ضمن

  14. وإن اقتصر على الفتح فالأظهر أنه إذا طار في الحال ضمن وإن وقف ثم طار فلا

  15. والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها الغصب

  16. ثم إن علم فكغاصب من غاصب فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده

  17. وكذا إن جهل وكانت يده في أصلها يد ضمان كالعارية

  18. وإن كانت يد أمانة كوديعة فالقرار على الغاصب

  19. ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلا به فالقرار عليه مطلقا

  20. وإن حمله الغاصب عليه بأن قدم له طعاما مغصوبا ضيافة فأكله فكذا في الأظهر

  21. وعلى هذا لو قدمه لمالكه فأكله برىء الغاصب.

  22. فصل

  23. تضمن نفس الرقيق بقيمة تلف أو أتلف تحت يد عادية

  24. وأبعاضه التي لا يتقدر أرشها من الحر بما نقص من قيمته

  25. وكذا المقدرة إن تلفت

  26. وإن أتلفت فكذا في القديم

  27. وعلى الجديد تتقدر من الرقيق والقيمة فيه كالدية في الحر ففي يده نصف قيمته

  28. وسائر الحيوان بالقيمة

  29. وغيره مثلى ومتقوم

  30. والأصح أن المثلى ما حصره كيل أو وزن وجاز السلم فيه كماء وتراب ونحاس وتبر ومسك وكافور وقطن وعنب ودقيق لا غالية ومعجون

  31. فيضمن المثلى بمثله تلف أو أتلف

  32. فإن تعذر فالقيمة

  33. والأصح أن المعتبر أقصى قيمة من وقت الغصب إلى تعذر المثل

  34. ولو نقل المغصوب المثلى إلى بلد آخر فللمالك أن يكلفه رده وأن يطالبه بالقيمة في الحال

  35. فإذا رده ردها

  36. فإن تلف في البلد المنقول إليه طالبه بالمثل في أي البلدين شاء

  37. فإن فقد المثل غرمه قيمة أكثر البلدين قيمة

  38. ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف فالصحيح أنه إن كان لا مؤنة لنقله كالنقد فله مطالبته بالمثل وإلا فلا مطالبة بالمثل بل يغرمه قيمة بلد التلف

  39. وأما المتقوم فيضمن بأقصى قيمه من الغصب إلى التلف

  40. وفي الإتلاف بلا غصب بقيمة يوم التلف

  41. فإن جنى وتلف بسراية فالواجب الأقصى أيضا

  42. ولا تضمن الخمر

  43. ولا تراق على ذمي إلا أن يظهر شربها أو بيعها

  44. وترد عليه إن بقيت العين

  45. وكذا المحترمة إذا غصبت من مسلم

  46. والأصنام وآلات الملاهي لا يجب في إبطالها شيء

  47. والأصح أنها لا تكسر الكسر الفاحش بل تفصل لتعود كما قبل التأليف

  48. فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحد لمنع صاحب المنكر أبطله كيف تيسر

  49. وتضمن منفعة الدار والعبد ونحوهما بالتفويت والفوات في يد عادية

  50. ولا تضمن منفعة البضع إلا بتفويت

  51. وكذا منفعة بدن الحر في الأصح

  52. وإذا نقص المغصوب بغير استعمال وجب الأرش مع الأجرة

  53. وكذا لو نقص به بأن بلى الثوب في الأصح.

  54. فصل

  55. ادعى تلفه وأنكر المالك صدق الغاصب بيمينه على الصحيح

  56. فإذا حلف غرمه المالك في الأصح

  57. ولو اختلف في قيمته أو الثياب التي على العبد المغصوب أو في عيب خلقي صدق الغاصب بيمينه

  58. وفي عيب حادث يصدق المالك بيمينه في الأصح

  59. ولو رده ناقص القيمة لم يلزمه شيء

  60. ولو غصب ثوبا قيمته عشرة فصار بالرخص درهما فلبسه فأبلاه فصارت نصف درهم فرده لزمه خمسة وهي قسط التالف من أقصى القيم.

  61. قلت: ولو غصب خفين قيمتهما عشرة فتلف أحدهما ورد الآخر وقيمته درهمان أو أتلف أحدهما غصبا أو في يد مالكه لزمه ثمانية في الأصح والله أعلم

  62. ولو حدث نقص يسرى إلى التلف بأن جعل الحنطة هريسة فكالتالف

  63. وفي قول يرده مع أرش النقص

  64. ولو جنى المغصوب فتعلق برقبته مال لزم الغاصب تخليصه بالأقل من قيمته والمال

  65. فإن تلف في يده غرمه المالك وللمجني عليه تغريمه وأن يتعلق بما أخذه المالك ثم يرجع المالك على الغاصب

  66. ولو رد العبد إلى المالك فبيع في الجناية رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب

  67. ولو غصب أرضا فنقل ترابها أجبرها المالك على رده أو رد مثله وإعادة الأرض كما كانت

  68. وللناقل الرد وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض وإلا فلا يرده بلا إذن في الأصح

  69. ويقاس بما ذكرنا حفر البئر وطمها

  70. إذا أعاد الأرض كما كانت ولم يبق نقص فلا أرش لكن عليه أجرة المثل لمدة الإعادة

  71. وإن بقي نقص وجب أرشه معها

  72. ولو غصب زيتا ونحوه وأغلاه فنقصت عينه دون قيمته رده ولزمه الذاهب في الأصح

  73. وإن نقصت القيمة فقط لزمه الأرش

  74. وإن نقصتا غرم الذاهب ورد الباقي مع أرشه إن كان نقص القيمة أكثر

  75. والأصح أن السمن لا يجبر نقص هزال قبله

  76. وإن تذكر صنعة نسيها يجبر النسيان

  77. وتعلم صنعة لا يجبره نسيان أخرى قطعا

  78. ولو غصب عصيرا فتخمر ثم تخلل فالأصح أن الخل للمالك وعلى الغاصب الأرش إن كان الخل أنقص قيمة

  79. ولو غصب خمرا فتخللت أو جلد ميتة فدبغه فالأصح أن الخل والجلد للمغصوب منه

  80. فصل

  81. زيادة المغصوب إن كانت أثرا محضا كقصارة فلا شيء للغاصب بسببها

  82. وللمالك تكليفه رده كما كان إن أمكن وأرش النقص

  83. وإن كانت عينا كبناء وغراس كلف القلع

  84. وإن صبغ الثوب بصبغه وأمكن فصله اجبر عليه في الأصح

  85. وإن لم يمكن فإن لم تزد قيمته فلا شيء للغاصب فيه

  86. وإن نقصت لزمه الأرش

  87. وإن زادت اشتركا فيه

  88. ولو خلط المغصوب بغيره وأمكن التمييز لزمه وإن شق

  89. فإن تعذر فالمذهب أنه كالتالف فله تغريمه

  90. وللغاصب أن يعطيه من غير المخلوط

  91. ولو غصب خشبة وبنى عليها أخرجت

  92. ولو أدرجها في سفينة فكذلك إلا أن يخاف تلف نفس أو مال معصومين

  93. ولو وطىء المغصوبة عالما بالتحريم حد

  94. وإن جهل فلا حد

  95. وفي الحالين يجب المهر إلا أن تطاوعه فلا يجب على الصحيح

  96. وعليها الحد إن علمت

  97. ووطء المشتري من الغاصب كوطئه في الحد والمهر

  98. فإن غرمه لم يرجع به على الغاصب في الأظهر

  99. وإن أحبل عالما بالتحريم فالود رقيق غير نسيب

  100. وإن جهل فحر نسيب وعليه قيمته يوم الانفصال ويرجع بها المشتري على الغاصب

  101. ولو تلف المغصوب عند المشتري وغرمه لم يرجع به

  102. وكذا لو تعيب عنده في الأظهر

  103. ولا يرجع بغرم منفعة استوفاها في الأظهر

  104. ويرجع بغرم ما تلف عنده وبأرش نقض بنائه وغراسه إذا نقض في الأصح

  105. وكل ما لو غرمه المشتري رجع به لو غرمه الغاصب لم يجرع به على المشتري وما لا فيرجع.

  106. قلت: وكل من انبنت يده على يد الغاصب فكالمشتري. والله أعلم.

الحنابلة
كتاب آخر
زاد المستقنعالحجاوي، ٤٧ مسألة
باب العارية٤٧ مسألة
  1. باب الغصب

  2. وهو الاستيلاء على حق غيره قهرا بغير حق "من عقار ومنقول" .

  3. وإن غصب كلبا يقتنى أو خمر ذمي ردهما

  4. ولا يرد جلد ميتة

  5. "وإتلاف الثلاثة هدر"

  6. وإن استولى على حر لم يضمنه

  7. وإن استعمله كرها أو حبسه فعليه أجرته.

  8. ويلزم رد المغصوب بزيادته وإن غرم أضعافه

  9. وإن بنى في الأرض أو غرس لزمه القلع وأرش نقصها والتسوية والأجرة

  10. ولو غصب جارحا "أو عبدا" أو فرشا فحصل بذلك صيد فلمالكه.

  11. وإن ضرب المصوغ ونسج الغزل وقصر الثوب أو بغصب ونجر الخشبة ونحوه أو صار الحب زرعا والبيضة فرخا والنوى غرسا رده وأرش نقصه

  12. ولا شيء للغاصب

  13. ويلزمه ضمان نقصه.

  14. وإن خصي الرقيق رده مع قيمته

  15. وما نقص بسعر لم يضمن

  16. ولا بمرض عاد ببرئه

  17. وإن عاد بتعليم صنعة ضمن النقص

  18. وإن تعلم أو سمن فزات قيمته "ثم نسي أو هزل" فنقصت ضمن الزيادة

  19. كما لو عادت من غير جنس الأولى

  20. ومن جنسها لا يضمن "إلا أكثرهما" .

  21. فصل

  22. وإن خلطه بما لا يتميز كزيت أو حنطة بمثلهما أو صبغ الثوب أو لت سويقا بدهن أو عكس ولم تنقص القيمة ولم تزد فهما شريكان بقدر ملكيهما فيه

  23. وإن نقصت القيمة ضمنها

  24. وإن زادت قيمة أحدهما فلصاحبها،

  25. ولا يجبر من أبى قلع الصبغ

  26. وإذا قلع غرس المشتري أو بناءه لاستحقاق الأرض رجع على بائعها بالغرامة.

  27. وإن أطعمه لعالم بغصبه فالضمان عليه

  28. وعكسه بعكسه

  29. وإن أطعمه لمالكه أو رهنه أو أودعه أو آجره إياه لم يبرأ

  30. إلا أن يعلم

  31. ويبرأ بإعارته.

  32. وما تلف أو تغيب من منصوب مثلي غرم مثله إذا وإلا فقيمته يوم تعذر

  33. ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه.

  34. وإن تخمر عصير فالمثل

  35. فإن انقلب خلا دفعه ومعه نقص قيمته عصيرا.

  36. فصل

  37. وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة

  38. والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله

  39. وفي رده وعدم عيبه قول ربه

  40. وإن جهل ربه تصدق به عنه مضمونا.

  41. ومن أتلف محترما أو فتح قفصا عن طائر أو بابا أو حل وكاء أو رباطا أو قيدا فذهب ما فيه أو أتلف شيئا ونحوه ضمنه

  42. وإن ربط دابة بطريق ضيق فتعثر به إنسان ضمن

  43. كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه "أو عقره خارج منزله" .

  44. وما أتلفت البهيمة من الزرع ليلا ضمن صاحبها

  45. وعكسه النهار

  46. "إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة"

  47. وإن كانت بيد راكب أو قائد أو سائق ضمن جنايتها بمقدمها

  48. لا بمؤخرها

  49. "وباقي جنايتها هدر "

  50. كقتل الصائل عليه وكسر مزمار وصليب وآنية ذهب وفضة وآنية خمر " غير محترمة".

في كتب الخلاف

الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريمسألة ٨٠٢، مسألة ٨٠٣، مسألة ٨٠٤٣٩ مسألة
المبسوطالسرخسيكِتَابُ الْغَصْبِ، بَابٌ الْغَصْبِ فِي ذَلِكَ، بَابُ الْغَصْبِ فِي الرَّهْنِ١٬١٧٥ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ الْغَصْبِ [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي ضَّمَانِ المغصوب]، الْبَابُ الثَّانِي١١٥ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»باب الغصب٧٣٥ سطرًا
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»لا كلام له في هذا الباب
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»كِتَابُ الْغَصْبِ، فَصْلٌ، فَصْلٌ٧٨٢ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريلا كلام له في هذا الباب
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونالفصل الثالث: مسائل الإجماع في مسائل الغصب.، الباب الثالث المسائل المجمع عليها في الإطلاقات والتقييدات١٧ مسألة
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف١٧ - الغصب، * أقسام الظلم:، * حكم الغصب:٤٣ مسألة

عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: الغصب