النذور
الأطعمة والأيمان والنذور
هذه نصوص المتون كما هي، وليست مقارنة.للمقارنة: مسائل الخلاف في هذا الباب
في متون المذاهب الأربعة
-
(قَالَ) : وَإِذَا حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِالْتِزَامَ بِالنَّذْرِ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبًا شَرْعًا، وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ شَرْعًا فَلَا يَصِحُّ الِالْتِزَامُ بِالنَّذْرِ تَوْضِيحُهُ أَنَّ الِالْتِزَامَ بِاللَّفْظِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَلَفَّظَ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ الْمَشْيُ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ مَا لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْلَى، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ.
-
وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ هَذَا اللَّفْظَ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْتِزَامَ النُّسُكِ، وَاللَّفْظُ إذَا صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا سَقَطَ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهِ وَيُجْعَلُ
-
كَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِمَا صَارَ عِبَارَةً عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِالْإِحْرَامِ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ الْإِحْرَامَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْإِحْرَامُ لِأَدَاءِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ إمَّا الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ فَلِهَذَا يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ وَيَمْشِي فِيهَا كَمَا الْتَزَمَ فَإِذَا رَكِبَ أَرَاقَ دَمًا لِحَدِيثِ «عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَيْثُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ أُخْتِكَ مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتُرِقْ دَمًا» ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ الْمُشَاةَ عَلَى الرُّكْبَانِ، فَقَالَ {يَأْتُوك رِجَالًا، وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} ، وَلَهَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ يَتَأَسَّفُ عَلَى تَرْكِهِ الْحَجَّ مَاشِيًا.
-
«وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَمْشِي فِي طَرِيقِ الْحَجِّ وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ بِجَنْبِهِ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَرْكَبُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: مَنْ مَشَى فِي طَرِيقِ الْحَجِّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً مِنْ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ، قِيلَ: وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ قَالَ: الْوَاحِدَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ قُلْنَا: إذَا رَكِبَ فَقَدْ أَدَّى أَنْقَصَ مِمَّا الْتَزَمَ فَعَلَيْهِ لِذَلِكَ دَمٌ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَقَدْ كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَشْيَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ قُلْنَا لَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْمَشْيِ، وَقَالَ: إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا سَاءَ خُلُقُهُ فَجَادَلَ رَفِيقَهُ، وَالْجِدَالُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَإِنْ اخْتَارَ الْمَشْيَ فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ بَيْتِهِ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ الْمِيقَاتِ؛
-
لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمَشْيَ فِي النُّسُكِ، وَذَلِكَ عِنْدَ إحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ، وَلَكِنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ أَنَّ النَّاسَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَقْصِدُونَ الْمَشْيَ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} قَالَ: إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ فَمِيقَاتُ الرَّجُلِ فِي الْإِحْرَامِ مَنْزِلُهُ، وَلَكِنْ يُرَخَّصُ لَهُ فِي تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَى الْمِيقَاتِ،
-
وَلَوْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْتِهِ لَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ. فَكَذَلِكَ إذَا أَخَّرَ الْإِحْرَامَ قُلْنَا: يَمْشِي مِنْ بَيْتِهِ كَمَا الْتَزَمَ ثُمَّ لَا يَرْكَبُ إلَى أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْخُرُوجِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِهِ يَحْصُلُ فَإِنَّ تَمَامَ التَّحَلُّلِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ.
-
وَإِذَا اخْتَارَ الْعُمْرَةَ مَشَى إلَى أَنْ يَحْلِقَ فَإِنْ قَرَنَ بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْقَارِنَ يَأْتِي بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ بِكَمَالِهِ فَنُسُكُ الْعُمْرَةِ الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ وَالْحَجُّ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَدَّاهُمَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ لِذَلِكَ،
-
وَإِنْ كَانَ رَكِبَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِرُكُوبِهِ مَعَ دَمِ الْقِرَانِ
-
(قَالَ) : وَكُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَمٌ فِي الْمَنَاسِكِ جَازَ أَنْ يُشَارِكَهُ فِي بَدَنَةٍ سِتَّةُ نَفَرٍ
-
قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الدِّمَاءُ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَّزَ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَبْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
-
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا فِي حُكْمِ الْجَوَازِ حَتَّى إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ دَمَ الْمُتْعَةِ وَبَعْضُهُمْ دَمَ الْإِحْصَارِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَذَلِكَ جَائِزٌ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إرَاقَةُ دَمٍ هُوَ قُرْبَةٌ، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ فِي كَوْنِهِ قُرْبَةً لَا يَتَجَزَّأُ،
-
فَإِذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْنَى الْقُرْبَةِ خَالِصًا فَأَمَّا عِنْدَ اخْتِلَافِ جِهَاتِ الْقُرْبَةِ فَقَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فَقَطْ فَلِهَذَا يَتَأَدَّى الْوَاجِبُ بِهِ،
-
وَلَوْ كَانَ كُلُّهُ جِنْسًا وَاحِدًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ دِمَاءَ الْقُرَبِ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا لَا يَحِلُّ التَّنَاوُلُ مِنْهُ لِلْأَغْنِيَاءِ كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ وَبَعْضُهَا يَحِلُّ فَإِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ فَقَدْ اتَّحَدَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الْمَذْبُوحِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْجَوَازِ
-
(قَالَ) : فَإِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مَسْجِدًا آخَرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. أَمَّا صِحَّةُ نِيَّتِهِ فَلِأَنَّهَا مُطَابِقَةٌ لِلَفْظِهِ، وَالْمَسَاجِدُ كُلُّهَا بُيُوتُ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} وَإِذَا عُلِمَتْ نِيَّتُهُ صَارَ ذَلِكَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛
-
لِأَنَّ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ يُبَاحُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا أَمْشِي إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ:
-
فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِدَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاعِيدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ، وَلَكِنْ يُنْدَبُ إلَى الْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ النَّذْرَ كَانَ نَذْرًا
-
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ نَذْرٌ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى شَيْئًا مِنْ الْمَسَاجِدِ فَهُوَ عَلَى الْكَعْبَةِ لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا أَطْلَقُوا هَذِهِ اللَّفْظَةَ يُرِيدُونَ بِهَا الْكَعْبَةَ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ وَقَوْلُهُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ سَوَاءٌ وَقَوْلُهُ،
-
وَإِنْ قَالَ: عَلَى الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَخْذًا بِالْقِيَاسِ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا اللَّفْظَ عَادَةً لِإِرَادَةِ الْتِزَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
-
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ بِمَنْزِلَةِ الْفِنَاءِ لِلْكَعْبَةِ، وَالْحَرَمُ بِمَنْزِلَةِ الْفِنَاءِ لِمَكَّةَ فَلَا يُجْعَلُ ذِكْرُ الْفِنَاءِ كَذِكْرِ الْأَصْلِ فِي النَّذْرِ بَلْ يُجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَا أَوْ إلَى الْمَرْوَةِ أَوْ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ - فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: نَأْخُذُ بِالِاحْتِيَاطِ أَوْ بِالِاسْتِحْسَانِ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا بِالْإِحْرَامِ فَصَارَ بِهِمَا مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: عَلَى السَّفَرِ إلَى مَكَّةَ أَوْ الذَّهَابِ أَوْ الْإِتْيَانِ إلَى مَكَّةَ أَوْ الرُّكُوبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْقِيَاسُ فِي الْأَلْفَاظِ كُلِّهَا وَاحِدٌ، وَلَكِنْ فِيمَا تَعَارَفَ النَّاسُ الْتِزَامَ
-
النُّسُكِ بِهِ تَرَكْنَا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْعُرْفِ فَمَا لَا عُرْفَ فِيهِ أَخَذْنَا بِالْقِيَاسِ،
-
فَإِنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ يَوْمَ أُكَلِّمُهُ يَنْوِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ يَقْضِيهَا مَتَى شَاءَ، وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِهَا يَوْمئِذٍ مَا لَمْ يُحْرِمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ حَجَّةٌ الْيَوْمَ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ يُحْرِمُ بِهَا مَتَى شَاءَ؛
-
لِأَنَّهُ الْتَزَمَهَا فِي ذِمَّتِهِ وَالشُّرُوعُ فِي الْأَدَاءِ لَا يَتَّصِلُ بِالِالْتِزَامِ فِي الذِّمَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ لَا يَصِيرُ صَائِمًا بِنَذْرِهِ، وَالْإِحْرَامُ شُرُوعٌ فِي الْأَدَاءِ فَلَا يَثْبُتُ بِالِالْتِزَامِ، وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ بِوُجُودِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِنَفْسِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ مَا قَالَ:
-
وَإِنْ وَصَلَ الِاسْتِثْنَاءَ بِنَذْرِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْكَلَامَ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً. قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَاسْتَثْنَى فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» ،
-
وَلَوْ قَالَ لِآخَرَ: عَلَيَّ حَجَّةٌ إنْ شِئْتَ، فَقَالَ: قَدْ شِئْتُ فَهُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ النَّذْرِ بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ فَإِذَا عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَشَاءَ جُعِلَ كَأَنَّهُ أَرْسَلَ النَّذْرَ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَقَوْلُهُ عَلَيَّ حَجَّةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ حَجَّةٌ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَكُونُ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَالِالْتِزَامُ بِقَوْلِهِ " عَلَيَّ " .
-
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أُحْرِمُ فَإِنْ نَوَى بِهِ الْعِدَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ نَوَى بِهِ الْإِيجَابَ لَزِمَهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ إمَّا حَجَّةٌ أَوْ عُمْرَةٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ عِدَةٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ فِي عُرْفِ اللِّسَانِ يُرَادُ بِمِثْلِهِ التَّحْقِيقُ لِلْحَالِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ " أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَالشَّاهِدُ يَقُولُ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي " أَشْهَدُ " وَيُرِيدُ بِهِ التَّحْقِيقَ لَا الْعِدَةَ، وَقَوْلُهُ " أَنَا أُهْدِي " بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنَا أُحْرِمُ
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أَحُجُّ بِفُلَانٍ فَحَنِثَ فَإِنْ كَانَ نَوَى فَأَنَا أَحُجُّ وَهُوَ مَعَنَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِهِ،
-
وَإِنْ نَوَى أَنْ يُحْجِجَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْجِجَهُ كَمَا نَوَى؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَقَدْ أَلْصَقَ فُلَانًا بِحَجِّهِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَنْ يَحُجَّ فُلَانٌ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ وَأَنْ يُعْطِيَ فُلَانًا مَا يَحُجُّ بِهِ بِالْمَالِ، وَالْتِزَامُ الْأَوَّلِ بِالنَّذْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْتِزَامُ الثَّانِي صَحِيحٌ؛
-
لِأَنَّ الْحَجَّ يُؤَدِّي الْمَالَ عِنْدَ الْيَأْسِ عَنْ الْأَدَاءِ بِالْبَدَنِ فَكَانَ هَذَا فِي حُكْمِ الْبَدَلِ وَحُكْمُ الْبَدَلِ حُكْمُ الْأَصْلِ فَيَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْبَدَلِ كَمَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالْأَصْلِ فَإِنْ نَوَى الْوَجْهَ الْأَوَّلَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ لِاحْتِمَالِ كَلَامِهِ، وَلَكِنَّ الْمَنْوِيَّ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ فَقَطْ،
-
وَإِنْ نَوَى الثَّانِيَ فَقَدْ نَوَى مَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِالنَّذْرِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ،
-
وَإِذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَحُجُّ بِهِ أَوْ يَحُجُّ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ لِيَحْصُلَ بِهِ الْوَفَاءُ
-
بِالنَّذْرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْجِجَ فُلَانًا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ فِي حَقِّ فُلَانٍ مُحْتَمَلٌ وَالْوُجُوبُ لَا يَحْصُلُ بِاللَّفْظِ الْمُحْتَمَلِ،
-
وَإِنْ كَانَ قَالَ: فَعَلَيَّ أَنْ أُحْجُجَ فُلَانًا، فَهَذَا مُحْكَمٌ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ فَإِنَّهُ تَصْرِيحُ الِالْتِزَامِ بِإِحْجَاجِ فُلَانٍ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ بِالنَّذْرِ،
-
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أُهْدِي فُلَانًا فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِالْهَدْيِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ وَهُوَ قَدْ نَذَرَ هَدْيَ مَا لَا يَمْلِكُهُ وَمَا لَا مَالِيَّةَ فِيهِ فَكَانَ نَذْرُهُ لَغْوًا إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ لِيُهْدِيَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فُلَانٌ ذَلِكَ وَلَدَهُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ الْمَعْرُوفِ فِي نَذْرِ ذِبْحِ الْوَالِدِ
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا أُهْدِي كَذَا وَسَمَّى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُهْدِيَ مَا هُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ، وَالْهَدْيُ قُرْبَةٌ وَالْتِزَامُ الْقُرْبَةِ فِي مَحِلٍّ مَمْلُوكٍ لَهُ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ الْإِهْدَاءُ يَكُونُ إلَى مَكَان، وَذَلِكَ الْمَكَانُ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ حَقِيقَةٌ، وَلَكِنْ صَارَ مَعْلُومًا بِالْعُرْفِ أَنَّهُ مَكَّةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْهَدَايَا {ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} فَإِذَا تَعَيَّنَ الْمَكَانُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَقَرَّبُ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ، وَإِنَّمَا يَتَقَرَّبُ بِالتَّصَدُّقِ بِهِ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ مَكَّةَ،
-
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُهْدِيَهُ بِنَفْسِهِ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّقَرُّبَ يَحْصُلُ بِالْعَيْنِ تَارَةً وَيَحْصُلُ بِمَعْنَى الْمَالِيَّةِ أُخْرَى،
-
فَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ لَا تُحَوَّلُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْتِزَامُ التَّصَدُّقِ بِمَالِيَّتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ مَكَّةَ،
-
وَإِنْ أَعْطَاهُ حَجَبَةَ الْبَيْتِ أَجْزَأَهُ بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ.
-
(قَالَ) : وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: فَثَوْبِي هَذَا سِتْرُ الْبَيْتِ أَوْ قَالَ: أَنَا أَضْرِبُ بِهِ حَطِيمَ الْبَيْتِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي كَلَامِهِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَأَنْ لَا يَلْزَمُهُ غَيْرُهُ أَوْلَى.
-
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ إنَّمَا يُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْإِهْدَاءُ بِهِ فَصَارَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَمَّا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ أَنْ يُهْدِيَهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَتَى صَارَ عِبَارَةً عَنْ غَيْرِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي نَفْسِهِ حَقِيقَةً
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ مَالَهُ كُلَّهُ، قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا: يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَيُمْسِكُ مِنْهُ قَدْرَ قُوتِهِ،
-
فَإِذَا أَفَادَ مَالًا يَتَصَدَّقُ بِقَدْرِ مَا أَمْسَكَ وَأَوْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ فِيمَا إذَا قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ، فَقَالَ: فِي الْقِيَاسِ يَنْصَرِفُ هَذَا إلَى كُلِّ مَالٍ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَنْصَرِفُ إلَى مَالِ الزَّكَاةِ خَاصَّةً
-
بِخِلَافٍ، أَمَّا إذَا قَالَ: جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: مَا ذُكِرَ هُنَا جَوَابُ
-
الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الْهَدْيِ فِي كُلِّ مَالٍ كَالْتِزَامِ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ مَالٍ،
-
وَالْأَصَحُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالَ فِي لَفْظِ الصَّدَقَةِ إنَّمَا حُمِلَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ خَاصَّةً اعْتِبَارًا لِمَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَقَةِ فِي الْمَالِ مُخْتَصٌّ بِمَالِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ الْعَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُنَا إنَّمَا أَوْجَبَ الْهَدْيَ وَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْهَدْيِ لَا يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ مَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، وَلَكِنَّهُ يُمْسِكُ مِقْدَارَ قُوتِهِ؛
-
لِأَنَّ حَاجَتَهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ،
-
فَإِذَا أَفَادَ مَالًا تَصَدَّقَ بِمِثْلِ مَا أَمْسَكَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَسَاكِينِ بِهِ ثُمَّ قَالَ:
-
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: كُلُّ مَالِي صَدَقَةٌ فِي الْمَسَاكِينِ فَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهَذَا الْعَطْفُ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا أَوَّلًا أَنَّ الْمَذْكُورَ جَوَابُ الْقِيَاسِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا فِي لَفْظِ الصَّدَقَةِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ،
-
وَإِنْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَغُلَامِي هَذَا هَدْيٌ فَبَاعَهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِهِ كَالْمُنْشَإِ،
-
وَلَوْ أَنْشَأَ النَّذْرَ عِنْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ فِي مِلْكِهِ فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ الشَّرْطُ،
-
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْغُلَامُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ حِينَ حَلَفَ ثُمَّ اشْتَرَاهُ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِالنَّذْرِ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ أَوْ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْمِلْكُ وَلَا الْإِضَافَةُ إلَى الْمِلْكِ فِي الْمَحِلِّ وَقْتَ الْيَمِينِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ أَصْلًا
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَهَذَا الْمَمْلُوكُ هَدْيٌ ثُمَّ اشْتَرَاهُ صَحَّتْ يَمِينُهُ لِوُجُودِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمِلْكِ ثُمَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْكَلَامُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ أَرْسَلَ النَّذْرَ، وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى شِرَاءٍ بَعْدَهُ لَا إلَى شِرَاءٍ سَبَقَهُ
-
(قَالَ) : وَإِنْ قَالَ: فَهَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَمْلِكُهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ الْتِزَامَ الْهَدْيِ صَحَّ نَذْرُهُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَكَانِ،
-
فَإِذَا صَرَّحَ بِهِ كَانَ أَوْلَى
-
(قَالَ) : وَإِذَا قَالَ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُهْدِيَهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَزِمَهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمَا وَهُوَ نَظِيرُ مَا سَبَقَ مِنْ الْتِزَامِ الْمَشْيِ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمَّا جُعِلَ ذِكْرُ هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عِنْدَهُمَا كَذِكْرِ مَكَّةَ، وَلَمْ يُجْعَلْ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَذَلِكَ هُنَا،
-
فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ هُنَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ الْحَرَمَ وَالْمَسْجِدَ الْحَرَامَ غَيْرُ مُلْزَمٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ فَتَلْزَمُهُ
-
بِخِلَافِ الْمَشْيِ فَإِنَّ هُنَاكَ لَوْ قَالَ: عَلَيَّ مَشْيٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قُلْنَا هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ هَدْيٌ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِ
-
أَنَّ ذِكْرَ مَكَّةَ يَصِيرُ مُضْمَرًا فِي كَلَامِهِ بِدَلَالَةِ الْعُرْفِ فَإِذَا نَصَّ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ ذِكْرَ مَكَّةَ مُضْمَرًا فِي كَلَامِهِ فَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ عِنْدَهُ
-
(قَالَ) : وَكُلُّ شَيْءٍ يَجْعَلُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَتَاعِ وَالرَّقِيقِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ أَهْلِ مَكَّةَ،
-
وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ بِالْكُوفَةِ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْهَدْيَ، وَالْهَدْيُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعٍ فَكَانَ مِنْ ضَرُورَةِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ تَعْيِينُ مَسَاكِينِ أَهْلِ مَكَّةَ لِلتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنَّا نَقُولُ هُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ مُلْتَزِمٌ لِلْقُرْبَةِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ وَالْفِعْلُ الَّذِي هُوَ قُرْبَةٌ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ التَّصَدُّقُ بِهَا فَكَأَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَالتَّصَدُّقُ عَلَى فُقَرَاءِ الْكُوفَةِ كَالتَّصَدُّقِ عَلَى فُقَرَاءِ مَكَّةَ؛
-
لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي التَّصَدُّقِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِسَدِّ خَلَّةِ الْمُحْتَاجِ، وَفِي هَذَا فُقَرَاءُ مَكَّةَ وَفُقَرَاءُ الْكُوفَةِ سَوَاءٌ
-
(قَالَ) : وَكُلُّ هَدْيٍ جَعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْقُرْبَةِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْحَرَمُ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَفِي لَفْظِهِ مَا يُنْبِئ عَنْ الْمَكَانِ دُونَ الزَّمَانِ، وَلَهَذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ وَبَعْدَ الذَّبْحِ صَارَ الْمَذْبُوحُ لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا فَالسَّبِيلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ مَكَّةَ،
-
وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَى غَيْرِهِمْ أَجْزَأَهُ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَ بِمِنًى كَمَا هُوَ السُّنَّةُ فِي الْهَدَايَا،
-
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ بِمَكَّةَ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ بَيَانِ الْأَوْلَى،
-
فَأَمَّا حُكْمُ الْجَوَازِ إذَا ذَبَحَهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مِنًى مَنْحَرٌ وَفِجَاجُ مَكَّةَ كُلُّهَا مَنْحَرٌ»
-
(قَالَ) : وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ هَدْيٌ فَفَعَلَهُ كَانَ عَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ فَإِنَّ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ يُتَقَرَّبُ بِإِرَاقَةِ دَمِهَا إلَّا أَنَّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَلْزَمُهُ الْمُتَيَقَّنُ وَهُوَ الشَّاةُ،
-
فَإِنْ نَوَى الْإِبِلَ أَوْ الْبَقَرَ كَانَ عَلَيْهِ مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي نِيَّتِهِ وَنَوَى التَّعْظِيمَ فِيمَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْهَدْيِ فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَى وَلَا يَذْبَحُهَا إلَّا بِمَكَّةَ لِتَصْرِيحِهِ بِالْهَدْيِ،
-
فَإِنْ كَانَ قَالَ: عَلَيَّ بَدَنَةٌ،
-
فَإِنْ كَانَ نَوَى شَيْئًا مِنْ الْبُدْنِ بِعَيْنِهِ فَعَلَيْهِ مَا نَوَى؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ إذَا كَانَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ كَلَامِهِ فَهُوَ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ أَوْ جَزُورٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَدَنَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَدَانَةِ وَهِيَ الضَّخَامَةُ وَالْعِظَمُ، وَذَلِكَ لَا يَتَنَاوَلُ الشَّاةَ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْبَقَرَةَ وَالْجَزُورَ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ لَفَظَّةَ الْبَدَنَةِ لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْجَزُورَ فَإِنَّ سَائِلًا سَأَلَ
-
ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ صَاحِبًا لَنَا أَوْجَبَ بَدَنَةً أَفَتُجْزِي الْبَقَرَةُ، فَقَالَ: مِمَّ صَاحِبُكُمْ، فَقَالَ: مِنْ بَنِي رَبَاحٍ، فَقَالَ:
-
وَمَتَى اقْتَنَتْ بَنُو رَبَاحٍ الْبَقَرَ، وَإِنَّمَا وَهَمَ صَاحِبُكُمْ الْإِبِلَ ثُمَّ إنْ كَانَ نَوَى أَنْ يَنْحَرَهَا بِمَكَّةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْحَرَهَا إلَّا بِمَكَّةَ كَمَا نَوَى لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ نَحَرَهَا حَيْثُ شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَنْحَرَهَا بِمَكَّةَ وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ الْتَزَمَ التَّقَرُّبَ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَإِرَاقَةُ الدَّمِ لَا تَكُونُ قُرْبَةً إلَّا فِي مَكَان مَخْصُوصٍ أَوْ زَمَانٍ مَخْصُوصٍ،
-
وَإِذَا لَمْ يَخْتَصَّ هُنَا بِالزَّمَانِ يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ وَهُوَ الْحَرَمُ كَمَا لَوْ أَوْجَبَهُ بِلَفْظَةِ الْهَدْيِ وَهُمَا قَالَا: كَمَا لَا يَخْتَصُّ بِالزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْمَكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفَظَّةِ الْبَدَنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ
-
بِخِلَافِ لَفْظَةِ الْهَدْيِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَكَان أَوْ زَمَانٍ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْتِزَامُ التَّقَرُّبِ وَالتَّصَدُّقِ بِاللَّحْمِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ فِي أَيِّ مَوْضِعِ نَحْرٍ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْحَرَ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ، وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا فَيَقُولُ: لَا عَادَةَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظَةِ الْجَزُورِ فِي مَعْنَى الْهَدْيِ
-
بِخِلَافِ لَفْظَةِ الْبَدَنَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اسْمَ الْبَدَنَةِ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ مُعَدٌّ لِلْقُرْبَةِ كَاسْمِ الْهَدْيِ
-
بِخِلَافِ اسْمِ الْجَزُورِ وَلِمَعْنَى الْقُرْبَةِ جَعَلْنَا اسْمَ الْبَدَنَةِ مُتَنَاوِلًا لِلْبَقَرَةِ وَالْجَزُورِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُجْزِي فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا عَنْ سَبْعَةٍ فَعَرَفْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّقَرُّبِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ مُعْتَبَرٌ فِي لَفْظَةِ الْبَدَنَةِ كَمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي لَفْظَةِ الْهَدْيِ فَكَانَ مُخْتَصًّا بِالْحَرَمِ
-
(قَالَ) : وَلَا يُقَلِّدُ إلَّا هَدْيَ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَطَوُّعٍ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ دُونَ الْغَنَمِ. وَالْكَلَامُ فِي فُصُولٍ: أَحَدُهَا - أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الْهَدَايَا سُنَّةٌ ثَبَتَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ} وَصَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَلَّدَ هَدَايَاهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» ، وَصِفَةُ التَّقْلِيدِ هُوَ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى عُنُقِ الْبَدَنَةِ نَعْلَ أَوْ قِطْعَةَ أَدَمٍ أَوْ عُرْوَةَ مُزَادَةٍ، قِيلَ: وَالْمَعْنَى فِيهِ إعْلَامُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا أُعِدَّ لِلتَّطَوُّعِ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فَيَصِيرُ جِلْدُهُ عَنْ قَرِيبٍ مِثْلَ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مِنْ الْجِلْدِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ التَّشْهِيرُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّشْهِيرَ فِيمَا هُوَ نُسُكٌ دُونَ مَا هُوَ جَبْرٌ، وَلَهَذَا لَا يُقَلِّدُ إلَّا هَدْيَ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، وَالْمَقْصُودُ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ الْمَاءِ وَالْعَلَفِ إذَا عُلِمَ أَنَّهُ هَدْيٌ، وَهَذَا فِيمَا يَبْعُدُ عَنْ صَاحِبِهِ فِي الرَّعْيِ كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ دُونَ الْغَنَمِ فَإِنَّ الْغَنَمَ يَعْدِمُ إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ مَعَهُ فَلِهَذَا يُقَلِّدُ الْغَنَمَ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُقَلِّدُ الْغَنَمَ أَيْضًا؛
-
لِأَنَّ التَّقْلِيدَ سُنَّةٌ فِي الْهَدَايَا، وَالْغَنَمُ مِنْ الْهَدَايَا، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ أَثَرٌ، وَلَكِنَّهُ شَاذٌّ فَلَمْ نَأْخُذْ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَ الْغَنَمِ غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي النَّاسِ ظَاهِرًا بِخِلَافِ تَقْلِيدِ الْإِبِلِ
-
وَالْبَقَرِ.
-
(قَالَ) : وَالتَّجْلِيلُ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ كَانَتْ مُقَلَّدَةً مُجَلَّلَةً حَيْثُ «قَالَ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا» ،
-
وَإِنْ تَرَكَ التَّجْلِيلَ لَمْ يَضُرَّهُ وَالتَّقْلِيدُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ التَّجْلِيلِ؛ لِأَنَّ لِلتَّقْلِيدِ ذِكْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ التَّجْلِيلِ.
-
وَأَمَّا الْإِشْعَارُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا هُوَ حَسَنٌ فِي الْبَدَنَةِ،
-
وَإِنْ تَرَكَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَصِفَةُ الْإِشْعَارِ هُوَ أَنْ يَضْرِبَ بِالْمِبْضَعِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْهُ ثُمَّ يُلَطِّخَ بِذَلِكَ الدَّمَ سَنَامَهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إشْعَارًا بِمَعْنَى أَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَامَةً لَهُ، وَالْإِشْعَارُ هُوَ الْإِعْلَامُ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْإِشْعَارُ فِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِنْ السَّنَامِ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشْعَرَ الْبُدْنَ بِيَدِهِ» وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ظَاهِرٌ حَتَّى قَالَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَصْلَ الْإِشْعَارِ وَكَيْف يَكْرَهُ ذَلِكَ مَعَ مَا اشْتَهَرَ فِيهِ مِنْ الْآثَارِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ إشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ؛
-
لِأَنَّهُ رَآهُمْ يَسْتَقْصُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَخَافُ مِنْهُ هَلَاكَ الْبَدَنَةِ لِسِرَايَتِهِ خُصُوصًا فِي حَرِّ الْحِجَازِ فَرَأَى الصَّوَابَ فِي سَدِّ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ الْحَدَّ،
-
فَأَمَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ قَطَعَ الْجِلْدَ فَقَطْ دُونَ اللَّحْمِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ ثُمَّ حُجَّتُهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ إعْلَامٌ بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ حَتَّى إذَا ضَلَّتْ رُدَّتْ،
-
وَإِذَا وَرَدَتْ الْمَاءَ وَالْعَلَفَ لَمْ تُمْنَعْ لَكِنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ بِالتَّقْلِيدِ لَا يَتِمُّ؛ لِأَنَّ الْقِلَادَةَ تُحَلُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ مِنْهُ فَإِنَّمَا يَتِمُّ بِالْإِشْعَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ فَكَانَ الْإِشْعَارُ حَسَنًا لِهَذَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ مَعْنَى الْإِعْلَامِ بِالتَّقْلِيدِ يَحْصُلُ وَهُوَ لِإِكْرَامِ الْبَدَنَةِ، وَلَيْسَ فِي الْإِشْعَارِ مَعْنَى الْإِكْرَامِ بَلْ ذَلِكَ يُؤْذِي الْبَدَنَةَ، وَلِأَنَّ التَّجْلِيلَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مَنْدُوبًا لِدَفْعِ أَذَى الذُّبَابِ عَنْ الْبَدَنَةِ، وَالْإِشْعَارُ مِنْ جَوَالِبِ الذُّبَابِ فَلِهَذَا كَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
-
(قَالَ) : وَلَا يَصِيرُ بِالْإِشْعَارِ وَالتَّجْلِيلِ مُحْرِمًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالتَّقْلِيدِ وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ عِنْدَنَا، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَجَعَلَ الْإِحْرَامَ قِيَاسَ الصَّوْمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ يَحْصُلُ الشُّرُوعُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كَالصَّوْمِ، وَعَلَى قَوْلِنَا الْإِحْرَامُ قِيَاسُ الصَّلَاةِ؛
-
لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِأَدَاءِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْكَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالصَّلَاةِ فَكَمَا لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بِدُونِ التَّحْرِيمَةِ فَكَذَلِكَ فِي الْإِحْرَامِ
-
بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلصَّوْمِ إلَّا رُكْنٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْإِمْسَاكُ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِزَمَانِهِ
-
فَكَانَ الْوَقْتُ لِلصَّوْمِ مِعْيَارًا، وَلَهَذَا لَا يَصِحُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ إلَّا صَوْمٌ وَاحِدٌ فَبَعْدَ وُجُودِ النِّيَّةِ وَدُخُولِ وَقْتِ الْأَدَاءِ لَا حَاجَةَ إلَى مُبَاشَرَةِ فِعْلِ الْأَدَاءِ فَلِهَذَا صَارَ شَرْعًا فِيهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَهُنَا الزَّمَانُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ لِلْحَجِّ، وَلَهَذَا صَحَّ أَدَاءُ النَّفْلِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي يُؤَدَّى فِيهِ الْفَرْضُ، وَإِنَّمَا أَدَاؤُهُ بِأَفْعَالِهِ وَبِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لَا يَصِيرُ مُبَاشِرًا لِلْفِعْلِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَدَاءِ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَوْ قَلَّدَ الْبَدَنَةَ بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ أَوْ أَمَرَ فَقُلِّدَ لَهُ وَهُوَ يَنْوِي الْإِحْرَامَ صَارَ مُحْرِمًا عِنْدَنَا.
-
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا إلَّا بِالتَّلْبِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ " لَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ " وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الذِّكْرِ فِي التَّحَرُّمِ لِلْعِبَادَةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ لَمَّا كَانَ الشُّرُوعُ فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ لَا يَقُومُ الْفِعْلُ فِيهِ مَقَامَهُ حَتَّى لَوْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ بِنِيَّةِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَصِيرُ شَرْعًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا؛
-
لِأَنَّ الْهَدْيَ نُسُكٌ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلَاةِ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ إرَاقَةِ دَمِ الْهَدْيِ وَبِإِرَاقَةِ دَمِ الْهَدْيِ عَلَى قَصْدِ الْإِحْرَامِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا فَكَذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ} إلَى أَنْ قَالَ {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ الْإِحْرَامِ فَفِي قَوْلِهِ {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِحْرَامَ يَحْصُلُ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حَتَّى رُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ فَبَعْدَ مَا غَسَلَ أَحَدَ شِقَّيْ رَأْسِهِ نَظَرَ،
-
فَإِذَا هَدَايَاهُ قَدْ قُلِّدَتْ فَقَامَ وَتَرَكَ غَسْلَ الشِّقِّ الْآخَرِ، وَقَالَ: أَمَّا إنْ قُلِّدَتْ هَذِهِ الْهَدَايَا لَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحَجَّ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ مِنْ وَجْهٍ وَالصَّوْمَ مِنْ وَجْهٍ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ فِي أَثْنَائِهِ ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ كَانَ مُشَبَّهًا بِالصَّوْمِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْكَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ مُشَبَّهًا بِالصَّلَاةِ فَيُوَفِّرُ عَلَى الشَّبَهَيْنِ حَظَّهُمَا مِنْ الْحُكْمِ فَنَقُولُ بِشَبَهِهِ بِالصَّلَاةِ لَا يَصِيرُ شَارِعًا فِيهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَبِشَبَهِهِ بِالصَّوْمِ يَصِيرُ شَارِعًا فِيهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِالذِّكْرِ إذَا أَتَى بِفِعْلٍ يَقُومُ مَقَامَ الذِّكْرِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّلْبِيَةِ إظْهَارُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَبِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ يَحْصُلُ إظْهَارُ الْإِجَابَةِ أَيْضًا وَفَرَّقَ بَيْنَ التَّجْلِيلِ وَالتَّقْلِيدِ، فَقَالَ بِالتَّجْلِيلِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا،
-
وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّ التَّجْلِيلَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ مَا أُعِدَّ لِلْقُرْبَةِ فَقَدْ تُجَلَّلُ الْبَدَنَةُ لَا عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلَ الْإِجَابَةِ
-
بِخِلَافِ التَّقْلِيدِ بِالصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ التَّقَرُّبِ فَكَانَ إظْهَارًا لِلْإِجَابَةِ،
-
وَكَذَلِكَ بِالْإِشْعَارِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا. أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يُشْكَلُ؛ لِأَنَّ الْإِشْعَارَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ فَكَيْفَ يَصِيرُ
-
مُحْرِمًا بِهِ.
-
وَعِنْدَهُمَا الْإِشْعَارُ بِمَنْزِلَةِ التَّجْلِيلِ فَإِنَّهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ الدَّمِ مِنْ الْبَدَنَةِ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِحَالِ التَّقَرُّبِ بِهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلَ الْإِجَابَةِ فَلِهَذَا لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا ثُمَّ إذَا نَوَى عِنْدَ التَّقْلِيدِ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ بِمَنْزِلَةِ التَّلْبِيَةِ،
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ إنَّمَا نَوَى الْإِحْرَامَ فَقَطْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتَى بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ مُطْلَقًا،
-
فَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ حَجًّا،
-
وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ عُمْرَةً،
-
وَإِنْ قَلَّدَ الشَّاةَ بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الشَّاةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا،
-
وَإِنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَبَعَثَ بِهِ وَهُوَ لَا يَنْوِي الْإِحْرَامَ ثُمَّ خَرَجَ فِي أَثَرِهِ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يُدْرِكَ هَدْيَهُ،
-
فَإِذَا أَدْرَكَهُ وَسَارَ مَعَهُ صَارَ مُحْرِمًا الْآنَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدَيَّ فَقَلَّدَهَا وَبَعَثَ بِهَا وَأَقَامَ بِأَهْلِهِ حَلَالًا لَا يَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ» فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ.
-
وَالصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَانُوا مُخْتَلِفِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذَا قَلَّدَهَا صَارَ مُحْرِمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا تَوَجَّهَ فِي أَثَرِهَا صَارَ مُحْرِمًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إذَا أَدْرَكَهَا فَسَاقَهَا صَارَ مُحْرِمًا فَأَخَذْنَا بِالْمُتَيَقَّنِ مِنْ ذَلِكَ وَقُلْنَا إذَا أَدْرَكَهَا وَسَاقَهَا صَارَ مُحْرِمًا لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا فِي بَدَنَةِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا حَتَّى يَخْرُجَ عَلَى أَثَرِهَا،
-
وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا حَتَّى يُدْرِكَهَا فَيَسُوقَهَا كَمَا فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: لِهَدْيِ الْمُتْعَةِ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ بِسَبَبِهِ فَإِنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا سَاقَ الْهَدْيَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ النُّسُكَيْنِ
-
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسُقْ الْهَدْيَ وَكَمَا كَانَ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ بِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ فَكَذَلِكَ بِابْتِدَاءِ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ لِهَدْيِ الْمُتْعَةِ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ، وَذَلِكَ فِي أَنْ يَصِيرَ مُحْرِمًا بِنَفْسِ التَّوَجُّهِ،
-
وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْهَدْيَ بِخِلَافِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ
-
(قَالَ) : وَإِنْ اشْتَرَكَ قَوْمٌ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَهُمْ يَؤُمُّونَ الْبَيْتَ فَقَلَّدَهَا بَعْضُهُمْ بِأَمْرِ أَصْحَابِهِ صَارُوا مُحْرِمِينَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ بِأَمْرِ شُرَكَائِهِ كَفِعْلِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ،
-
وَإِنْ قَلَّدَهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ صَارَ هُوَ مُحْرِمًا دُونَهُمْ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ بِغَيْرِ أَمَرِهِمْ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهِمْ وَبِدُونِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِمْ لَا يَصِيرُونَ مُحْرِمِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَلَّدَهَا أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ أَمْرِهِمْ لَا يَصِيرُونَ مُحْرِمِينَ فَكَذَلِكَ إذَا قَلَّدَ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ الشُّرَكَاءِ يَصِيرُ هُوَ مُحْرِمًا دُونَهُمْ
-
(قَالَ) : وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِ هَدْيِهِ إذَا نَحَرَهُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تَصَدَّقْ بِجِلَالِهَا وَخِطَامِهَا» .
-
(قَالَ) : وَلَا يُعْطِي شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي أَجْرِ جِزَارَتِهِ لَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ لَحْمِهِ وَلَا مِنْ جِلَالِهِ
-
هَكَذَا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَا تُعْطِ الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ مَنْ بَاعَ جِلْدَ ضَحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ»
-
(قَالَ) : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالتَّطَوُّعِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ بِقَوْلِهِ {، فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} وَأَدْنَى مَا يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ فَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِأَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ بَعَثَ بِهَدْيٍ مَعَ عَلْقَمَةَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثٍ وَأَنْ يَأْكُلَ ثُلُثًا وَأَنْ يَبْعَثَ إلَى آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِثُلُثٍ
-
سَاقَ بَدَنَةً لَا يَنْوِي بِهَا الْهَدْيَ
-
(قَالَ) : وَإِنْ سَاقَ بَدَنَةً لَا يَنْوِي بِهَا الْهَدْيَ قَالَ: إذَا كَانَ سَاقَهَا إلَى مَكَّةَ فَهُوَ هَدْيٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَذَا إذَا قَلَّدَهَا وَسَاقَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْعَلُ عَادَةً إلَّا بِالْهَدْيِ فَكَانَ سَوْقُهَا بَعْدَ إظْهَارِ عَلَامَةِ الْهَدْيِ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِهِ إيَّاهَا بِلِسَانِهِ هَدْيًا
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِي فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ إذَا كَانَ عَظِيمًا فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضَحُّوا بِالثُّنْيَانِ وَلَا تُضَحُّوا بِالْجِذْعَانِ» إلَّا أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ إذَا كَانَ عَظِيمًا يُجْزِي لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَاقَ جِذْعَانًا إلَى مِنًى فَبَادَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ نِعْمَتْ الْأُضْحِيَّةُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ فَانْتَهِزُوهَا» وَلَمَّا «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ مَنْ ضَحَّى قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: إنِّي ذَبَحْتُ نُسُكِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ فَأَعِدْ نُسُكَكَ، فَقَالَ: عِنْدِي عَتُودٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْنِ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه يُجْزِيكَ وَلَا يُجْزِي أَحَدًا بَعْدَكَ» فَدَلَّ أَنْ مَا دُونَ الثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ لَا يَجُوزُ.
-
وَالْجَذْعُ مِنْ الضَّأْنِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا أَتَى عَلَيْهِ سَبْعَةُ أَشْهُرٍ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْغَنَمِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا أَتَى عَلَيْهِ سَنَةٌ وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ، وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ وَالْبَقَرِ مَا تَمَّ لَهُ سَنَتَانِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ،
-
وَمِنْ الْإِبِلِ الْجَذْعُ مَا تَمَّ لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَالثَّنِيُّ مَا تَمَّ لَهُ خَمْسُ سِنِينَ
-
(قَالَ) : وَلَا يُجْزِي فِي الْهَدَايَا الْعَوْرَاءُ أَوْ الْمَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ أَوْ الْأُذُنِ اشْتَرَاهَا كَذَلِكَ أَوْ جَدَّتْ عِنْدَهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اسْتَشْرِفُوا الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ» «وَنَهَى رَسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِالْعَوْرَاءِ الْبَيِّنِ عَوْرُهَا وَالْعَجْفَاءِ الَّتِي لَا تَبْقَى وَالْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تَمْشِي إلَى مَنْسِكِهَا» وَالْحَادِثُ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ بَعْدَ شِرَاءٍ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الشِّرَاءِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْجَوَازِ، وَهَكَذَا إنْ أَضْجَعَهَا لِيَذْبَحَهَا فَأَصَابَهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ هَذَا
-
لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهَا تَضْطَرِبُ عِنْدَ الذَّبْحِ فَيُصِيبُهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَجُعِلَ عَفْوًا لِهَذَا، وَلِأَنَّهُ أَضْجَعَهَا لَيُتْلِفَهَا فَتَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْجَوَازِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ.
-
(قَالَ:) : وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْأُذُنِ أَوْ الذَّنَبِ بَعْضَهُ،
-
فَإِنْ كَانَ مَا ذَهَبَ مِنْهُ كَثِيرًا يَمْنَعُ الْجَوَازَ أَيْضًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يُضَحَّى بِالشَّرْقَاءِ وَالْخَرْقَاءِ وَالْمُقَابَلَةِ وَالْمُدَابَرَةِ» فَالشَّرْقَاءُ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ عَرْضًا وَالْخَرْقَاءُ طُولًا وَالْمُقَابَلَةُ الَّتِي ذَهَبَ قُدَّامُ أُذُنِهَا وَالْمُدَابَرَةُ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ خَلْفَ أُذُنِهَا إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ عَادَةً فَجُعِلَ عَفْوًا، وَالْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَكُونَ الذَّاهِبُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الثُّلُثُ كَثِيرٌ» ، وَلَكِنْ جَعَلَهُ مِنْ الْكَثِيرِ الَّذِي يُجْزِي فِي الْوَصِيَّةِ
-
بِخِلَافِ مَا وَرَاءَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِلثُّلُثِ وَمَا دُونَهُ، وَذَكَرَ ابْنُ شُجَاعٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الذَّاهِبَ إذَا كَانَ بِقَدْرِ الرُّبْعِ يُمْنَعُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّ الرُّبْعَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْكَمَالِ كَمَا فِي الْمَسْحِ وَالْحَلْقِ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا إذَا كَانَ الذَّاهِبُ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي لَمْ يَجُزْ،
-
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَكْثَرَ مِنْ الذَّاهِبِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ فَإِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ،
-
وَإِنْ كَانَ الذَّاهِبُ وَالْبَاقِي سَوَاءً لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْجَوَازِ إذَا اسْتَوَى بِالْمُجَوِّزِ يَتَرَجَّحُ الْمَانِعُ، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ: أَخْبَرْتُ بِقَوْلِي أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَقَالَ: قَوْلِي قَوْلُكَ أَوْ مِثْلُ قَوْلِكَ، قِيلَ: هَذَا رُجُوعٌ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى قَوْلِهِ،
-
وَقِيلَ: هُوَ إشَارَةٌ إلَى التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ
-
(قَالَ:) : وَيُجْزِي فِي الْهَدْيِ الْخَصِيُّ وَمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ؛ لِأَنَّ مَا لَا قَرْنَ لَهُ يُجْزِي فَمَكْسُورُ الْقَرْنِ أَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ لِلْمَسَاكِينِ فِي قَرْنِ الْهَدْيِ وَأَمَّا جَوَازُ الْخَصِيِّ فَلِأَنَّهُ أَطْيَبُ لَحْمًا، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَا زَادَهُ الْخَصَا فِي طِيبَةِ لَحْمِهِ خَيْرٌ لِلْمَسَاكِينِ مِمَّا فَاتَ مِنْ الْخَصِيِّينَ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحِينَ مَوْجُوءَيْنِ يَنْظُرَانِ فِي سَوَادٍ وَيَمْشِيَانِ فِي سَوَادٍ وَيَأْكُلَانِ فِي سَوَادٍ أَحَدِهِمَا عَنْ نَفْسِهِ وَالْآخِرِ عَنْ أُمَّتِهِ»
-
(قَالَ:) : فَإِنْ اشْتَرَى هَدْيًا ثُمَّ ضَلَّ مِنْهُ فَاشْتَرَى مَكَانَهُ آخَرَ وَقَلَّدَهُ وَأَوْجَبَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْأَوَّلَ،
-
فَإِنْ نَحَرَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ وَزَادَ وَلِأَنَّهُ كَانَ وَعَدَ أَنْ يَنْحَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ،
-
وَإِنْ نَحَرَ الْأَوَّلَ وَبَاعَ الثَّانِيَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الثَّانِيَ لِيَكُونَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ لِيَكُونَ خَلَفًا عَنْ الْأَوَّلِ قَائِمًا مَقَامَهُ، فَإِذَا
-
أَوْجَدَ مَا هُوَ الْأَصْلُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْخَلَفِ،
-
وَإِنْ بَاعَ الْأَوَّلَ وَذَبَحَ الْآخَرَ،
-
فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُمَا سَوَاءً أَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الثَّانِي أَكْثَرَ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْهُ،
-
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَوَّلَ هَدْيًا أَصْلًا فَإِنَّمَا يَجُوزُ إقَامَةُ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ،
-
فَإِذَا كَانَ أَنْقَصَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ أَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ لِيُتِمَّ جَعْلَ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْمَالِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالتَّطَوُّعِ فِي هَذَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى إذَا جَعَلَهُمَا هَدْيًا فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا،
-
فَإِنْ عَرَّفَ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ فَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ هَدْيَ الْمُتْعَةِ نُسُكٌ فَيَنْبَنِي أَمْرُهُ عَلَى الشُّهْرَةِ،
-
وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّقَرُّبُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَالتَّعْرِيفُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ الْوَاجِبِ فِي شَيْءٍ،
-
وَإِنْ كَانَ مَعَهُ لِلْمُتْعَةِ هَدْيَانِ فَنَحَرَ أَحَدَهُمَا حَلَّ؛ لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ تَطَوُّعٌ فَلَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ
-
(قَالَ:) : وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَعَطِبَ فَنَحَرَ وَتَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَأَهُ
-
بِخِلَافِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِيَوْمِ النَّحْرِ فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ،
-
فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ مَحِلَّهُ بِأَنْ يَذْبَحَهُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ
-
(قَالَ:) : فَإِنْ اشْتَرَى بَدَنَةً لِمُتْعَتِهِ ثُمَّ اشْتَرَكَ سِتَّةُ نَفَرٍ فِيهَا بَعْدَ مَا أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَا يَسَعُهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ صَارَ الْكُلُّ لَازِمًا عَلَيْهِ،
-
فَإِنْ قَدَّرَ مَا يُجْزِئُ مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ بِإِيجَابِهِ فَإِشْرَاكُهُ الْغَيْرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ نَفْسِهِ يَكُونُ رُجُوعًا عَمَّا أَوْجَبَ فِي الْبَعْضِ وَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُلِّ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَعْضِ، وَلِأَنَّ إشْرَاكَهُ بَيْعٌ لِلْبَعْضِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِمَّا أَوْجَبَهُ هَدْيًا،
-
وَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ،
-
وَإِنْ كَانَ نَوَى عِنْدَ الشِّرَاءِ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا سِتَّةَ نَفَرٍ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْكُلَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ السَّبْعَةُ سَوَاءً،
-
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نِيَّةٌ عِنْدَ الشِّرَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى أَشْرَكَ فِيهَا سِتَّةَ نَفَرٍ أَجْزَأَهُ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمْ بِأَمْرِ الْبَاقِينَ حَتَّى تَثْبُتَ الشَّرِكَةُ مِنْهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ
-
(قَالَ:) : وَإِذَا وَلَدَتْ الْبَدَنَةُ بَعْدَ مَا اشْتَرَاهَا لِهَدْيِهِ ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا وَالْوَلَدُ جُزْءٌ مِنْهَا،
-
فَإِنْ كَانَ انْفِصَالُهُ بَعْدَ مَا جَعَلَهَا لِلَّهِ تَعَالَى سَرَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهَا وَالْوَلَدَ مَعَهَا،
-
وَإِنْ بَاعَ الْوَلَدَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ،
-
وَإِنْ اشْتَرَى بِهَا هَدْيًا فَحَسَنٌ،
-
وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا فَحَسَنٌ اعْتِبَارًا لِلْقِيمَةِ بِالْوَلَدِ فَإِنَّ
-
الْأَفْضَلَ أَنْ يَذْبَحَ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ فَكَذَلِكَ بِقِيمَتِهِ
-
(قَالَ:) : وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبَدَنَةِ أَوْ الْأُضْحِيَّةِ فَرَضِيَ وَارِثُهُ أَنْ يَذْبَحَهَا مَعَهُمْ عَنْ الْمَيِّتِ أَجْزَأَهُمْ وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ إذَا لَمْ يُوصِ بِأَنْ يُذْبَحَ عَنْهُ فَقَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الْقُرْبَةِ عَنْ نَصِيبِهِ فَصَارَ مِيرَاثًا لِوَارِثِهِ وَالْوَارِثُ لَمْ يَقْصِدْ التَّقَرُّبَ بِذَبْحِهِ عَنْ نَفْسِهِ فَخَرَجَ ذَلِكَ الْقَدْرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً، وَهَذَا؛
-
لِأَنَّ التَّقَرُّبَ بِالذَّبْحِ تَقَرُّبٌ بِطَرِيقِ الْإِتْلَافِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَالْعِتْقِ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّقَرُّبُ وَتَقَرُّبُ الْوَارِثِ بِالتَّصَدُّقِ عَنْ الْمَيِّتِ صَحِيحٌ،
-
وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ فَكَذَلِكَ تَقَرُّبُهُ بِإِيفَاءِ مَا قَصَدَ الْمُوَرِّثُ فِي نَصِيبِهِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَالتَّصَدُّقُ بِهِ يَكُونُ صَحِيحًا
-
(قَالَ) : وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبَدَنَةِ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا يُرِيدُ بِهِ اللَّحْمَ دُونَ الْهَدْيِ لَمْ يُجْزِهِمْ. أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ كَافِرًا فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي نَفْسِهِ لِوُجُودِ مَا يُنَافِي مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَهُوَ كُفْرُهُ وَإِرَاقَةُ الدَّمِ الْوَاحِدِ إذَا اجْتَمَعَ فِيهِ مَا يُنَافِي مَعْنَى الْقُرْبَةِ مَعَ الْمُوجِبِ لَهَا يَتَرَجَّحُ الْمُنَافِي،
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُرَادُ أَحَدِهِمْ اللَّحْمَ فَلَا يُجْزِئُ الْبَاقِينَ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُجْزِيهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِيَ لِمَعْنَى الْقُرْبَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا لِيَكُونَ مُعَارِضًا وَنَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ هَدْيٍ عَلَى حِدَةٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا نَوَى، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ الَّذِي نَوَى اللَّحْمَ فَكَأَنَّهُ نَفَى مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي نَصِيبِهِ.
-
أَلَا تَرَى أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيمَا ذَبَحَهُ أَبُو بُرْدَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ: تِلْكَ شَاةُ لَحْمٍ» فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذِهِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَا يَكُونُ قُرْبَةً وَمَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ وَإِرَاقَةُ الدَّمِ لَا يَتَجَزَّأُ،
-
فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْمَانِعُ مِنْ الْجَوَازِ مَعَ الْمُجَوِّزِ يَتَرَجَّحُ الْمَانِعُ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ كَافِرًا،
-
فَأَمَّا إذَا نَوَوْا الْقُرْبَةَ، وَلَكِنْ اخْتَلَفَ جِهَاتُ قَصْدِهِمْ فَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَا يَتَبَعَّضُ فَلَا تَسَعُ فِيهَا الْجِهَاتِ الْمُخْتَلِفَةَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ قَصَدَ الْكُلُّ التَّقَرُّبَ فَكَانَتْ الْإِرَاقَةُ لِلَّهِ خَالِصًا فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اخْتِلَافُ الْجِهَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ دِمَاءٌ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَنَحَرَ بَدَنَةً يَنْوِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْزَأَهُ فَكَذَلِكَ الشُّرَكَاءُ
-
(قَالَ) : وَلَا يَرْكَبُ الْبَدَنَةَ بَعْدَ مَا أَوْجَبَهَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا لِلَّهِ - جَلَّتْ قُدْرَتُهُ - خَالِصًا فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهَا أَوْ مَنَافِعِهَا إلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ إلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إلَى رُكُوبِهَا فَحِينَئِذٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: إنَّهَا بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ» ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ؛
-
لِأَنَّهُ رَآهُ عَاجِزًا عَنْ الْمَشْيِ مُحْتَاجًا إلَى رُكُوبِهَا،
-
فَإِذَا رَكِبَهَا وَانْتَقَصَ بِرُكُوبِهِ شَيْءٌ ضَمِنَ مَا نَقَصَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَرَفَ جُزْءًا مِنْهَا
-
إلَى حَاجَتِهِ، وَكَذَلِكَ لَا يَحْلُبُ لَبَنَهَا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهَا فَلَا يَصْرِفُهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْضَحَ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ حَتَّى يَتَقَلَّصَ لَبَنُهَا، وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ،
-
فَأَمَّا إذَا كَانَ بَعِيدًا يَنْزِلُ اللَّبَنُ ثَانِيًا وَثَالِثًا فَيَصِيرُ ذَلِكَ بِالْبَدَنَةِ ضَارًّا فَيَحْلُبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِلَبَنِهَا،
-
وَإِنْ صَرَفَهُ إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ بِقِيمَتِهِ وَأَيُّ الشُّرَكَاءِ فِيهَا نَحَرَهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَجْزَأَهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَعِينُ بِشُرَكَائِهِ فِي نَحْرِهَا فِي وَقْتِهِ دَلَالَةً فَيُجْعَلُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْرِ بِهِ إفْصَاحًا
-
عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ
-
(قَالَ:) : وَإِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ نَحَرَهُ صَاحِبُهُ،
-
فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا إسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ،
-
فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ بِهِ بَقِيَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ، وَهَذَا مِلْكُهُ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ،
-
وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهُ وَصَبَغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا بَلْ يَتَصَدَّقْ بِهِ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ لِلسِّبَاعِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْهَدَايَا عَلَى يَدِ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْلُكَ بِهَا الْفِجَاجَ وَالْأَوْدِيَةَ حَتَّى يَخْرُجَ بِهَا إلَى مِنًى، فَقَالَ: مَاذَا أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ عَلَى يَدَيَّ مِنْهَا، فَقَالَ: انْحَرْهَا وَاصْبُغْ نَعْلَهَا بِدَمِهَا» وَالْمُرَادُ بِالنَّعْلِ قِلَادَتُهَا وَاضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهَا ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَا تَأْكُلْ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رِفْقَتِكَ مِنْهَا شَيْئًا، وَمَقْصُودُهُ مِمَّا ذَكَرَ أَنْ يَجْعَلَ عَلَيْهَا عَلَامَةً يُعْلَمُ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ أَنَّهَا هَدْيٌ فَيَتَنَاوَلُ مِنْهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، وَإِنَّمَا نَهَاهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا؛
-
لِأَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا مَعَ رِفْقَتِهِ ثُمَّ الْمُتَطَوِّعُ بِالْهَدَايَا إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَالْإِذْنُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} ،
-
فَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ مَحِلَّهَا لَا يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ مِنْهَا وَلَا أَنْ يُطْعِمَ غَنِيًّا بَلْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهَا التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى،
-
فَإِذَا فَاتَ مَعْنَى التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِرَاقَةِ الدَّمِ يَتَعَيَّنُ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَدُّقِ، وَذَلِكَ بِالصَّرْفِ إلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ،
-
فَإِنْ أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ غَنِيًّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهَا وَخَطْمِهَا أَيْضًا كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا
-
(قَالَ) : وَإِذَا أَخْطَأَ الرَّجُلَانِ فَنَحَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَ صَاحِبِهِ أَوْ ضَحِيَّتَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَجْزَأَهُ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا غَيْرُ مَأْمُورٍ بِمَا صَنَعَ فِي هَدْيِ صَاحِبِهِ فَكَانَ مُتَعَدِّيًا ضَامِنًا، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَأْذُونٌ بِمَا صَنَعَ مِنْ صَاحِبِهِ دَلَالَةً؛
-
لِأَنَّ صَاحِبَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ يَسْتَعِينُ بِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِي الذَّبْحِ فِي وَقْتِهِ دَلَالَةً، وَالْإِذْنُ دَلَالَةً بِمَنْزِلَةِ
-
الْإِذْنِ إفْصَاحًا كَقُرْبِ مَاءِ السِّقَايَةِ وَنَحْوِهَا وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هَدْيَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَعَلَهُ صَاحِبُهُ بِأَمْرِهِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صَاحِبِهِ هَدْيَهُ فَيَصْنَعَ بِهِ مَا شَاءَ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ صَاحِبَهُ قِيمَةَ هَدْيِهِ فَيَشْتَرِيَ بِهَا هَدْيًا آخَرَ وَيَذْبَحَهُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ،
-
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ تَصَدَّقَ بِالْقِيمَةِ.
-
وَإِنْ نَحَرَ هَدْيَهُ قَائِمًا أَوْ أَضْجَعَهُ فَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَهُوَ حَسَنٌ. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَنْحَرُونَهَا قِيَامًا مَعْقُولَةَ الْأَيْدِي الْيُسْرَى، وَفِي قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْحَرَهَا قَائِمَةً؛
-
لِأَنَّ وُجُوبَ الْجَنْبِ السُّقُوطُ مِنْ الْقِيَامِ. وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحَرَ خَمْسَ هَدَايَا أَوْ سِتًّا فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ» فَدَلَّ أَنَّهُ يَنْحَرُ قِيَامًا. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: نَحَرْتُ بِيَدَيَّ بَدَنَةً قَائِمَةً مَعْقُولَةً فَكِدْتُ أُهْلِكُ قَوْمًا مِنْ النَّاسِ؛
-
لِأَنَّهَا نَفَرَتْ فَاعْتَقَدْتُ أَنْ لَا أَنْحَرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بَارِكَةً مَعْقُولَةً أَوْ أَسْتَعِينَ بِمَنْ يَكُونُ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنِّي
-
(قَالَ:) : وَلَا أَحَبُّ أَنْ يَذْكُرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَهُ نَحْوَ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَرِّدُوا التَّسْمِيَةَ يَعْنِي ذِكْرَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الذَّبْحِ» وَيَكْفِي فِي هَذَا أَنْ يَنْوِيَهُ بِقَلْبِهِ أَوْ يَذْكُرَهُ قَبْلَ ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ ثُمَّ يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَيَنْحَرُ
-
(قَالَ:) : وَلَا يُذْبَحُ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قِيَامًا؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ فِي كُلِّ نَوْعٍ أَنْ يَذْبَحَهُ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَيْسَرَ عَلَى الْمَذْبُوحِ، قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ» الْحَدِيثَ
-
(قَالَ) : وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَذْبَحَ هَدْيَهُ أَوْ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاقَ مِائَةَ بَدَنَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ فَنَحَرَ نَيِّفًا وَسِتِّينَ بِنَفْسِهِ وَوَلَّى الْبَاقِيَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -» ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ،
-
فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَهْتَدِ لِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ كَفِعْلِهِ بِنَفْسِهِ.
-
(قَالَ:) : وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَذْبَحَهُ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْقُرْبَةِ فَلَا يُسْتَعَانُ فِيهِ بِالْكَافِرِ قَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّا لَا نَسْتَعِينُ فِي أَمْرِ دِينِنَا بِمَنْ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا»
-
(قَالَ) : وَإِنْ ذَبَحَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ وَلَا يُجْزِيهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إنْ كَانَ هَدْيَ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي
-
وَإِنْ جَعَلَ ثَوْبَهُ هَدْيًا أَجْزَأَهُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِيمَا صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى صَرْفُ الْعَيْنِ وَالْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ،
-
وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ هَدْيًا أَجْزَأَهُ أَنْ يُهْدِيَ قِيمَتَهَا، وَفِي رِوَايَةِ
-
أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَجْزَأَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِثْلَهَا قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْطِي فِي الزَّكَاةِ قِيمَةَ الشَّاةِ فَيَجُوزَ.
-
وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً تَبْلُغُ قِيمَتَهَا قِيمَةُ شَاتَيْنِ لَا يَجُوزُ
-
بِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ إرَاقَةَ دَمَيْنِ، وَإِرَاقَةُ دَمٍ وَاحِدٍ لَا يَقُومُ مَقَامَ إرَاقَةِ دَمَيْنِ وَمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ التَّقَرُّبَ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ فَلَا يَقُومُ التَّصَدُّقُ بِالْقِيمَةِ مَقَامَهُ حَتَّى قِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ فَعَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا يَجِبُ أَنْ يَجُوزَ هُنَاكَ أَيْضًا.
-
وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاةً فَأَهْدَى جَزُورًا يُجْزِئُهُ وَهُوَ مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَزِيَادَةً فَإِنَّ الْجَزُورَ قَائِمٌ مَقَامَ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ حَتَّى يُجْزِيَ عَنْ سَبْعَةِ نَفَرٍ فَفِيهِ وَفَاءٌ بِالْوَاجِبِ وَزِيَادَةٌ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا لِإِيضَاحِ أَنَّهُ إذَا أَهْدَى مِثْلَ مَا عَيَّنَهُ فِي نَذْرِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ أَوْ أَهْدَى قِيمَتَهُ أَجْزَأَهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
-
ُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ عَلِيّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَلَّمَهُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ إلَى مَكَّةَ.
-
قُلْتُ: وَيَجْعَلُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ شَاءَ حَجَّةً وَإِنْ شَاءَ عُمْرَةً؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ جَعَلَهَا عُمْرَةً فَحَتَّى مَتَى يَمْشِي؟
-
قَالَ: حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ رَكِبَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ بَعْدَمَا سَعَى فِي عُمْرَتِهِ الَّتِي حَلَفَ فِيهَا أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْمَشْيُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ جَعَلَهَا حَجَّةً فَإِلَى أَيِّ الْمَوَاضِعِ يَمْشِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: قُلْتُ:
-
فَإِذَا قَضَى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ أَيَرْكَبُ رَاجِعًا إلَى مِنًى فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فَعَلَ الْمَشْيَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ فَمَشَى حَتَّى لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَأَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى، أَيَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَفِي حَوَائِجِهِ بِمِنًى فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ مَشَى فِيمَا قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. فَأَتَى الْمَدِينَةَ فَرَكِبَ فِي حَوَائِجِهِ أَوْ رَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ فِي حَاجَةٍ لَهُ ذَكَرَهَا فِيمَا قَدْ مَشَى. قَالَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ فِيهَا وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي نُحِبُّ وَنَأْخُذُ بِهِ.
-
قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَسْأَلُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ مِائَةَ مَرَّةٍ إلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ سَالِمٌ: لِيَمْشِ مِائَةَ مَرَّةٍ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ عَشْرَ مَرَّاتٍ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ، قَالَ: أَرَى أَنْ يُوفِيَ بِنَذْرِهِ وَذَلِكَ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ الصَّالِحُونَ وَيَأْمُرُونَ بِهِ وَيَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ إذَا قَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ لِمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ غَيْرَ وَفَاءِ الَّذِي جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الَّذِي يَحْلِفُ بِنُذُورٍ مُسَمَّاةٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ بِكَذَا
-
وَكَذَا نَذْرًا لِشَيْءٍ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ.
-
وَلَوْ تَكَلَّفَ ذَلِكَ كُلَّ عَامٍ لَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ عُمْرُهُ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ نَذْرٌ وَاحِدٌ أَوْ نُذُورٌ مُسَمَّاةٌ؟ فَقَالَ: مَا أَعْلَمُهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيَمْشِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الزَّمَانِ وَلْيَتَقَرَّبْ إلَى اللَّهِ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ الْخَيْرِ، وَقَالَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ يَحْلِفَانِ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، إنَّهُ مَنْ مَشَى لَمْ يَزَلْ يَمْشِي حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِذَا سَعَى فَقَدْ فَرَغَ إنْ كَانَ مُعْتَمِرًا وَإِنْ كَانَ حَاجًّا لَمْ يَزَلْ يَمْشِي حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الْمَنَاسِكِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ،
-
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْإِفَاضَةِ فَقَدْ فَرَغَ وَتَمَّ نَذْرُهُ.
-
قَالَ اللَّيْثُ: مَا رَأَيْتُ النَّاسَ إلَّا عَلَى ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ إذَا هُوَ خَرَجَ مَاشِيًا فِي مَشْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ، أَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْمَنَاهِلِ فِي حَوَائِجِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَيْسَ حَوَائِجُهُ فِي الْمَنَاهِلِ مِنْ مَشْيِهِ.
-
قُلْتُ لَهُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ إذَا ذَكَرَ حَاجَةً نَسِيَهَا أَوْ سَقَطَ بَعْضُ مَتَاعِهِ أَيَرْجِعُ فِيهَا رَاكِبًا؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ لَهُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ إذَا ذَكَرَ حَاجَةً نَسِيَهَا أَوْ سَقَطَ بَعْضُ مَتَاعِهِ أَيَرْجِعُ فِيهَا رَاكِبًا؟
-
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
-
قُلْتُ: وَهَلْ يَرْكَبُ إذَا قَضَى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ بِمِنًى؟ قَالَ: نَعَمْ، وَفِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إذَا قَضَى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ إلَى مِنًى.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ رَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ وَحْدَهَا وَقَدْ مَشَى فِي حَجِّهِ كُلِّهِ، أَيَجِبُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ دَمٌ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدَةُ ثَانِيَةً حَتَّى يَمْشِيَ مَا رَكِبَ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُجْزِئَهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ، قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَنَا: لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَرِضَ فِي مَشْيِهِ فَرَكِبَ الْأَمْيَالَ أَوْ الْبَرِيدَ أَوْ الْيَوْمَ مَا رَأَيْتُ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ ثَانِيَةً لِرُكُوبِهِ ذَلِكَ وَرَأَيْتُ أَنْ يُهْدِيَ هَدْيًا وَيُجْزِئُ عَنْهُ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مَكَّةَ حَاجًّا فِي مَشْيٍ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ رَاكِبًا وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ وَأَفَاضَ رَاكِبًا، قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَحُجَّ الثَّانِيَةَ رَاكِبًا حَتَّى إذَا دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى، خَرَجَ مَاشِيًا حَتَّى يُفِيضَ فَيَكُونَ قَدْ رَكِبَ مَا مَشَى وَمَشَى مَا رَكِبَ.
-
قِيلَ لِمَالِكٍ: أَفَتَرَى عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ؟
-
قَالَ: إنِّي أُحِبُّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوجِبَهُ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَرَهُ مِثْلَ الَّذِي رَكِبَ فِي الطَّرِيقِ الْأَمْيَالَ مِنْ مَرَضٍ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَأَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إذَا قَالَ الْإِنْسَانُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ، فَهَذَا نَذْرٌ فَلْيَمْشِ إلَى الْكَعْبَةِ.
-
قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ. قَالَ: قُلْتُ لِرَجُلٍ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ: لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ يَقُولُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَا يُسَمِّي نَذْرًا شَيْءٌ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ هَذَا الْجِرْوَ لِجِرْوِ قِثَّاءٍ هُوَ فِي يَدِهِ وَتَقُولَ: عَلَيَّ مَشْيٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ؟
-
فَقُلْتُ: فَمَكَثْتُ حِينًا حَتَّى عَقَلْتُ، فَقِيلَ لِي إنَّ عَلَيْكَ مَشْيًا. فَجِئْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: عَلَيْكَ مَشْيٌ فَمَشَيْتُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ ذَلِكَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ رَبِيعَةَ مِثْلَهُ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ. قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: إنْ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي كَذَا
-
وَكَذَا شَهْرًا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ فَأَدْخَلُوهُ عَلَى أَبِيهِ فَقَالَ: احْتَمَلَنِي أَصْحَابِي قَالَ: لِيَمْشِ إلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ لَكَ هَذَا حُجَّةً عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِالْمَشْيِ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ فَفَعَلَهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَأَقُولُ إنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَانِثٍ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ ذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: سُئِلَ إبْرَاهِيمُ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ
-
بِالْمَشْيِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى رَجُلٍ فَاحْتُمِلَ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ قَالَ عَلَيْهِ يَعْنِي الْمَشْيَ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا كُتِبَ هَذَا أَيْضًا حُجَّةً وَلَا نَأْخُذُ بِهِ.
-
الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَيَحْنَثُ
-
ُ مِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ وَمِنْ أَيْنَ يَمْشِي أَوْ يَقُولُ: إنْ كَلَّمْتُهُ فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَيَحْنَثُ. قَالَ مَالِكٌ: يَمْشِي مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ نَوَى قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ امْرَأَةٍ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَمَنْزِلُهَا بِمُرَّانَ فَتَحَوَّلَتْ إلَى الْمَدِينَةِ؟
-
قَالَ: لِتَرْجِعْ فَلْتَمْشِ مِنْ حَيْثُ حَلَفَتْ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَتَبَ إلَيْهِ يَقُولُ مَا نَرَى الْإِحْرَامَ عَلَى مَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ بَلَدٍ إذَا مَشَى مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَنْهَلَ الَّذِي وُقِّتَ لَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا قَالَ: إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْحَجَّةُ فَإِنْ حَنِثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ تَلْزَمْهُ حَتَّى تَأْتِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَيُحْرِمَ بِهَا إذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ مِنْ حِينِ حَنِثَ فَأَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنِّي أَرَى الْإِحْرَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا حِينَ يَحْنَثُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ وَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا يَجِدَ مَنْ يَصْحَبُهُ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا حَتَّى يَجِدَ إنْسًا وَصَحَابَةً فِي طَرِيقِهِ فَإِذَا وَجَدَهُمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ.
-
قُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ أَمِنَ الْمِيقَاتِ أَمْ مِنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَا يُؤَخِّرُ إلَى الْمِيقَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ،
-
وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إلَى الْمِيقَاتِ فِي الْحَجِّ لَكَانَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ. وَلَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ إذَا حَنِثَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهُ وَلَا مَنْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَخَّرَ حَتَّى يَجِدَ.
-
فَهَذَا يَدُلُّك فِي الْحَجِّ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إذْ جَعَلَهُ مَالِكٌ فِي الْعُمْرَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى نِيَّتِهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ حِينَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُهُ فَكَلَّمَهُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا يَوْمَ يُكَلِّمُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا
-
وَكَذَا فَأَنَا أُحْرِمُ بِحَجَّةٍ أَهُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا
-
وَكَذَا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ؟
-
قَالَ: " نَعَمْ " هُوَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَأَنَا أَحُجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَرَى قَوْلَهُ فَأَنَا أَحُجُّ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَنَّهُ إذَا حَنِثَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ فَعَلَيَّ حَجَّةٌ إنْ فَعَلْتُ كَذَا
-
وَكَذَا وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا
-
وَكَذَا فَأَنَا أَمْشِي إلَى مَكَّةَ، أَوْ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، فَهُمَا سَوَاءٌ
-
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَنَا أَحُجُّ، أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ، هُوَ مِثْلُ فَأَنَا أَمْشِي، أَوْ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ أَوْ أَنَا أَمْشِي إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ فَحَنِثَ إنَّ عَلَيْهِ الْمَشْيَ وَهُمَا سَوَاءٌ.
-
قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَأَنَا أَحُجُّ أَوْ فَعَلَيَّ الْحَجُّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ عَلَيَّ حَجَّةٌ أَوْ لِلَّهِ عَلِيَّ حَجَّةٌ أَهُمَا سَوَاءٌ وَتَلْزَمُهُ الْحَجَّةُ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ فُضَيْلٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا قَالَ إنْ فَعَلْتُ كَذَا
-
وَكَذَا فَهُوَ مُحْرِمٌ فَحَنِثَ فَإِذَا دَخَلَ شَوَّالٌ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَإِذَا قَالَ يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا
-
وَكَذَا فَهُوَ مُحْرِمٌ فَيَوْمَ يَفْعَلُهُ فَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا قَالَ: إنْ فَعَلَ كَذَا
-
وَكَذَا فَهُوَ مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ فَلْيُحْرِمْ إنْ شَاءَ مِنْ عَامِهِ وَإِنْ شَاءَ مَتَى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ،
-
وَإِنْ قَالَ يَوْمَ أَفْعَلُ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ يَوْمئِذٍ مُحْرِمٌ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ.
-
فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ فَيَعْجِزُ عَنْ الْمَشْيِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَشَى هَذَا الَّذِي حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَحَنِثَ فَعَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: يَرْكَبُ إذَا عَجَزَ فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ فَمَشَى،
-
فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ رَكِبَ أَيْضًا، حَتَّى إذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ وَيَحْفَظُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي مَشَى فِيهَا وَالْمَوَاضِعَ الَّتِي رَكِبَ فِيهَا،
-
فَإِذَا كَانَ قَابِلًا خَرَجَ أَيْضًا فَمَشَى مَا رَكِبَ وَرَكِبَ مَا مَشَى وَأَهْرَاقَ لِمَا رَكِبَ دَمًا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى مَا رَكِبَ مِنْ الطَّرِيقِ مَاشِيًا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ عَلَيْهِ الدَّمُ لِأَنَّهُ فَرَّقَ مَشْيَهُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ الْمَشْيَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، أَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِي الثَّالِثَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَلْيُهْرِقْ دَمًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ حِينَ مَضَى فِي مَرَّتِهِ الْأُولَى إلَى مَكَّةَ مَشَى وَرَكِبَ، فَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ عَادَ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يُتِمَّ مَا رَكِبَ مَاشِيًا؟
-
قَالَ: إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي رَكِبَ فِيهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ وَيُجْزِئُهُ الذَّهَابُ فِي
-
الْأُولَى إنْ كَانَتْ حَجَّةً، فَحَجَّةً وَإِنْ كَانَتْ عُمْرَةً، فَعُمْرَةً، وَيُهْرِقُ لِمَا رَكِبَ دَمًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ حِينَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَحَنِثَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ إلَى مَكَّةَ، فِي تَرْدَادِهِ إلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، أَيَرْكَبُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَيُهْدِي وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: يَمْشِي مَا أَطَاقَ،
-
وَلَوْ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْكَبُ وَيُهْدِي وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَحَنِثَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ يَئِسَ مِنْ الْمَشْيِ مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَمْشِي مَا أَطَاقَ وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ،
-
ثُمَّ يَرْكَبُ وَيُهْدِي، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ هَذَا الْحَالِفُ مَرِيضًا فَحَنِثَ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ مَرِيضًا قَدْ يَئِسَ مِنْ الْبُرْءِ، فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ،
-
وَإِنْ كَانَ مَرَضُهُ مَرَضًا يَطْمَعُ بِالْبُرْءِ مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّنْ لَوْ صَحَّ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ لَيْسَ بِشَيْخٍ كَبِيرٍ وَلَا امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ فَلْيَنْتَظِرْ حَتَّى إذَا صَحَّ وَبَرِئَ مَشَى إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ بَرِئَ وَصَحَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْشِيَ أَصْلًا الطَّرِيقَ كُلَّهُ، فَلْيَمْشِ مَا أَطَاقَ ثُمَّ يَرْكَبُ وَيُهْدِي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا رَأْيِي.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ فَرَكِبَ، كَيْفَ يُحْصِي مَا رَكِبَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ أَعَدَدُ الْأَيَّامِ أَمْ يُحْصِي ذَلِكَ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ أَمْ يَحْفَظُ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَرْكَبُ فِيهَا مِنْ الْأَرْضِ،
-
فَإِذَا رَجَعَ ثَانِيَةً مَشَى مَا رَكِبَ وَرَكِبَ مَا مَشَى؟
-
قَالَ: إنَّمَا يَأْمُرُهُ مَالِكٌ بِأَنْ يَحْفَظَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي رَكِبَ فِيهَا مِنْ الْأَرْضِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي،
-
فَإِنْ عَادَ الثَّانِيَةَ مَشَى تِلْكَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يَرْكَبُ فِيهَا مِنْ الْأَرْضِ.
-
قُلْتُ: وَلَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَمْشِيَ يَوْمًا أَوْ يَمْشِيَ أَيَّامًا وَيَرْكَبَ أَيَّامًا،
-
فَإِذَا أَعَادَ الثَّانِيَةَ قَضَى عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي رَكِبَ فِيهَا؟
-
قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ هَذَا إذَا كَانَ هَكَذَا يُوشِكُ أَنْ يَمْشِيَ فِي الْمَكَانِ الْوَاحِدِ الْمَرَّتَيْنِ جَمِيعًا وَيَرْكَبُ فِي الْمَكَانِ الْوَاحِدِ مَرَّتَيْنِ جَمِيعًا،
-
فَلَا يُتِمُّ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ فَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى عَدَدِ الْأَيَّامِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى عَدَدِ الْمَوَاضِعِ مِنْ الْأَرْضِ.
-
قُلْتُ: وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي الْمَشْيِ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هُوَ مَشَى حِينَ حَنِثَ فَعَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ فَرَكِبَ،
-
ثُمَّ رَجَعَ مِنْ قَابِلٍ لِيَقْضِيَ مَا رَكِبَ فِيهِ مَاشِيًا. فَقَوِيَ عَلَى مَشْيِ الطَّرِيقِ كُلِّهِ، أَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ أَمْ يَمْشِيَ مَا
-
رَكِبَ وَيَرْكَبُ مَا مَشَى؟
-
قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مَا رَكِبَ وَيَرْكَبَ مَا مَشَى. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَنِثَ فَلَزِمَهُ الْمَشْيُ فَخَرَجَ فَمَشَى فَعَجَزَ،
-
ثُمَّ رَكِبَ وَجَعَلَهَا عُمْرَةً،
-
ثُمَّ خَرَجَ قَابِلًا لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَ وَيَرْكَبُ مَا مَشَى، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا قَابِلًا حَجَّةً، أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا إلَّا عُمْرَةً أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي عُمْرَةٍ؟
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ، نَعَمْ يَجْعَلُ الْمَشْيَ الثَّانِيَ إنْ شَاءَ حَجَّةً وَإِنْ شَاءَ عُمْرَةً وَلَا يُبَالِي وَإِنْ خَالَفَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَذَرَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَشْيَ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ،
-
وَإِنْ كَانَ نَذَرَ الْأَوَّلَ فِي عُمْرَةٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمَشْيَ الثَّانِيَ فِي حَجٍّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَ لِي مَالِكٌ.
-
قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْيَ الثَّانِيَ وَلَا الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي فَرِيضَةٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ. لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَ: خَرَجْت مَعَ جَدَّةٍ لِي كَانَ عَلَيْهَا مَشْيٌ، حَتَّى إذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَجَزَتْ، فَأَرْسَلَتْ مَوْلًى لَهَا إلَى ابْنِ عُمَرَ يَسْأَلُهُ وَخَرَجْت مَعَهُ. فَسَأَلَ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ كَذَا ثُمَّ لِتَمْشِ مِنْ حَيْثُ عَجَزَتْ.
-
قَالَ مَالِكٌ وَقَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
-
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَتَنْحَرُ بَدَنَةً قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَلْتُهْدِ قَالَ سُفْيَانُ وَاللَّيْثُ: وَلْتُهْدِ مَكَانَ مَا رَكِبَتْ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: يَمْشِي فَإِذَا عَجَزَ رَكِبَ فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ حَجَّ فَمَشَى مَا رَكِبَ وَرَكِبَ مَا مَشَى، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْهَدْيُ بَدَنَةٌ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَمَشَى ثُمَّ أَعْيَا. قَالَ: لِيَرْكَبْ وَلْيُهْدِ لِذَلِكَ هَدْيًا، حَتَّى إذَا كَانَ قَابِلًا فَلْيَرْكَبْ مَا مَشَى وَلْيَمْشِ مَا رَكِبَ،
-
فَإِنْ أَعْيَا فِي عَامِهِ الثَّانِي رَكِبَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَرْكَبُ مَا مَشَى وَيَمْشِي مَا رَكِبَ. فَبَلَغَ الشَّعْبِيُّ قَوْلَ سَعِيدٍ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَمْشِي مَا رَكِبَ فَإِذَا عَجَزَ رَكِبَ وَأَهْدَى بَدَنَةً.
-
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا ذَكَرْت قَوْلَ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ حُجَّةً لِقَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ إنْ عَجَزَ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ يَعُودَ فِي الثَّالِثَةِ مَعَ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ إنْ عَجَزَ فِي الثَّانِيَةِ رَكِبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ
-
يَعُودُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَدْ قَالَ يَعُودُ فِي الثَّانِيَةِ بِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي ذَكَرْتُ لَك وَلَمْ يَقُولُوا إنْ عَجَزَ فِي الثَّانِيَةِ أَنْ يَمْشِيَ فِي الثَّالِثَةِ.
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ حَافِيًا فَيَحْنَثُ
-
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيًا رَاجِلًا أَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ وَكَيْفَ إنْ انْتَعَلَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَنْتَعِلُ،
-
وَإِنْ أَهْدَى فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُهْدِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَفِيفٌ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَسْلَمَ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً نَاشِرَةً شَعْرَ رَأْسِهَا، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَتَرَ بِيَدِهِ مِنْهَا. وَقَالَ: مَا شَأْنُهَا. قَالُوا: نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً نَاشِرَةً رَأْسَهَا.
-
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَنْتَعِلْ وَلْتَمْشِ.» قَالَ: «وَنَظَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَى رَجُلَيْنِ نَذَرَا أَنْ يَمْشِيَا فِي قِرَانٍ، فَقَالَ لَهُمَا: حِلَّا قِرَانَكُمَا وَامْشِيَا إلَى الْكَعْبَةِ وَأَوْفِيَا نَذْرَكُمَا.»
-
قَالَ: «وَنَظَرَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إلَى رَجُلٍ يَمْشِي الْقَهْقَرَى إلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَمْشِ لِوَجْهِهِ» . وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ حَافِيًا لَقِيلَ لَهُ الْبَسْ نَعْلَيْنِ وَامْشِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِحَفَائِك،
-
وَإِذَا مَشَيْت مُنْتَعِلًا فَقَدْ وَفَّيْتَ نَذْرَكَ وَقَالَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ.
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ فَيَحْنَثُ فَيَمْشِي لِيَحُجَّ فَيَفُوتُهُ الْحَجُّ
-
ُّ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ فَمَشَى فِي حَجٍّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ الْمَشْيُ الَّذِي مَشَى وَيَجْعَلُهَا عُمْرَةً وَيَمْشِي حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْحَجِّ عَامًا قَابِلًا رَاكِبًا وَالْهَدْيُ لِفَوَاتِ الْحَجِّ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ.
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ فَيَحْنَثُ فَمَشَى فَجَعَلَهَا عُمْرَةً هَلْ يَجُوز أَنْ يَحُجَّ مِنْ مَكَّة
-
َ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ لِهَذَا الَّذِي حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَحَنِثَ فَمَشَى فَجَعَلَهَا عُمْرَةً أَنْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مِنْ مَكَّةَ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ وَيُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
-
قُلْتُ: وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ يُرِيدُ بِالْعُمْرَةِ عَنْ الْمَشْيِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ وَبِالْحَجِّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ عَنْهُمَا جَمِيعًا؟
-
قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ.
-
قُلْتُ: وَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يُجْزِئُهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ عَمَلَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي هَذَا وَاحِدٌ فَلَا يُجْزِئُهُ مِنْ فَرِيضَةٍ وَلَا مِنْ مَشْيٍ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
-
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ عَلَيْهِ مَشْيٌ، فَمَشَى فِي حَجَّةٍ وَهُوَ صَرُورَةٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَفَاءَ نَذْرِ يَمِينِهِ وَأَدَاءَ الْفَرِيضَةِ عَنْهُ، فَقَالَ لَنَا مَالِكٌ: لَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ لِلنَّذْرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَشْيِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ قَابِلًا، وَقَالَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ الْمَخْزُومِيُّ: يُجْزِئُهُ مِنْ الْفَرِيضَةِ وَعَلَيْهِ النَّذْرُ
-
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ أَنَا أَحُجُّ بِفُلَانٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ
-
َ قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ أَنَا أَحُجُّ بِفُلَانٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ أَنَا أَحْمِلُ فُلَانًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَنْوِيَ،
-
فَإِنْ كَانَ أَرَادَ تَعَبَ نَفْسِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، فَأَرَى أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا وَيُهْدِيَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ،
-
وَلَا يُحِجُّهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلْيَحُجَّ رَاكِبًا وَلْيَحُجَّ بِالرَّجُلِ مَعَهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
-
فَإِنْ أَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ وَلْيَحُجَّ هُوَ رَاكِبًا.
-
قَالَ سَحْنُونٌ: وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ وَإِنْ كَانَ نَوَى أَنْ يَحْمِلَهُ إلَى مَكَّةَ يُحِجُّهُ مِنْ مَالِهِ، فَهُوَ مَا نَوَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ هُوَ إلَّا إحْجَاجَ الرَّجُلِ إلَّا أَنْ يَأْبَى. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ: أَنَا أَحُجُّ بِفُلَانٍ إلَى بَيْتِ اللَّهِ.
-
عِنْدِي أَوْجَبُ عَلَيْهِ مِنْ الَّذِي يَقُولُ: أَنَا أَحْمِلُ فُلَانًا إلَى بَيْتِ اللَّهِ، لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ عَلَى عُنُقِهِ؛ لِأَنَّ إحْجَاجَهُ الرَّجُلَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَأَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَأْبَى الرَّجُلُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي الرَّجُلِ شَيْءٌ
-
قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: أَنَا أَحْمِلُ هَذَا الْعَمُودَ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ هَذِهِ الطُّنْفُسَةَ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَشْيَاءِ، إنَّهُ يَحُجُّ مَاشِيًا وَيُهْدِي لِمَوْضِعِ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حِمْلَانِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَطَلَبِ مَشَقَّةِ نَفْسِهِ، فَلْيَضَعْ الْمَشَقَّةَ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَحْمِلُ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَلْيَهْدِ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ فِي جَارِيَةِ ابْنِهَا إنْ وَطِئَهَا فَأَنَا أَحْمِلُهَا إلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَوَطِئَهَا ابْنُهَا. قَالَ: تَحُجُّ وَتَحُجُّ بِهَا وَتَذْبَحُ ذَبْحًا لِأَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ خِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: إذَا قَالَ أَنَا أُهْدِي فُلَانًا عَلَى أَشْفَارِ عَيْنِي. قَالَ: يُحِجُّهُ وَيُهْدِي بَدَنَةً.
-
الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ؟
-
قَالَ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ، وَلَيْسَ اسْتِثْنَاؤُهُ هَذَا بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا اسْتِثْنَاءَ فِي الْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ؟
-
قَالَ: هَذَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ. وَلَيْسَ هَذَا بِاسْتِثْنَاءٍ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الطَّلَاقِ، أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ امْرَأَتِي طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، أَوْ غُلَامِي حُرٌّ إنْ شَاءَ فُلَانٌ،
-
فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ،
-
وَلَا اسْتِثْنَاءَ فِي طَلَاقٍ وَلَا فِي عَتَاقٍ وَلَا فِي مَشْيٍ وَلَا صَدَقَةٍ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَيَنْوِي مَسْجِدًا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَنَوَى مَسْجِدًا مَنْ الْمَسَاجِدِ، أَتَكُونُ لَهُ نِيَّتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَلَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ وَلَمْ يَقُلْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ: إنْ كَانَ نَوَى مَكَّةَ مَشَى،
-
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَنَوَى مَسْجِدًا مَنْ الْمَسَاجِدِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ وَيَنْوِي مَسْجِدًا مِنْ الْمَسَاجِدِ أَنَّ لَهُ نِيَّتَهُ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ رَبِيعَةَ وَقَالَ اللَّيْثُ مِثْلَهُ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ عَسْقَلَانَ
-
َ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الرَّسُولِ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: فَلْيَأْتِهِمَا رَاكِبًا،
-
وَلَا مَشْيَ عَلَيْهِ: وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَهَذَا الَّذِي يَمْشِي.
-
قَالَ: وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَسَاجِدَ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ أَوْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَأُصَلِّي فِيهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. قَالَ: فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُمَا وَلْيُصَلِّ فِي مَوْضِعِهِ حَيْثُ هُوَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَاكِبًا فَلْيُصَلِّ فِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَا يَأْتِيهِمَا أَصْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا فَيَأْتِيَهُمَا رَاكِبًا.
-
وَمَنْ قَالَ مَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ بِعَسْقَلَانَ أَوْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة شَهْرًا. فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ عَسْقَلَانَ أَوْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَيَصُومَ بِهَا شَهْرًا كَمَا نَذَرَ. قَالَ: وَكُلُّ مَوْضِعٍ يُتَقَرَّبُ فِيهِ إلَى اللَّهِ بِالصِّيَامِ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَأْتِيَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُرَابِطَ فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ الْمَدِينَةَ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. أَوْ الْمَشْيُ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
-
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
-
فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ نِيَّتَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَاكِبًا،
-
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ وَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَيْهِمَا وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِمَا.
-
قَالَ: وَإِذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، هَذَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِيهِ. وَإِذَا قَالَ:
-
عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الذَّهَابُ رَاكِبًا وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا،
-
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الصَّلَاةَ وَهُوَ إذَا قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ.
-
الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْمَشْيِ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة أَوْ مِنًى أَوْ عَرَفَةَ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْحَرَمِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مِنًى أَوْ إلَى عَرَفَاتٍ، أَوْ إلَى ذِي طُوًى؟
-
قَالَ: إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى ذِي طُوًى وَإِلَى مِنًى أَوْ إلَى عَرَفَاتٍ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعِ مَكَّةَ رَأَيْتُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت الرَّجُلُ يَقُولُ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ إلَى الْحَرَمِ أَوْ إلَى الصَّفَا أَوْ إلَى الْمَرْوَةِ أَوْ إلَى الْحَطِيمِ أَوْ إلَى الْحِجْرِ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ إلَى قُعَيْقِعَان أَوْ إلَى جِبَالِ الْحَرَمِ أَوْ إلَى بَعْضِ مَوَاضِعِ مَكَّةَ، فَحَنِثَ أَيَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا كُلَّهُ، إنَّمَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ يَقُولُ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ الْمَشْيُ إلَى الْكَعْبَةِ، إنَّ هَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ. وَأَنَا أَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَوْ الْبَيْتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الصَّفَا أَوْ إلَى الْمَرْوَةِ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ أَوْ إلَى الْحَرَمِ وَنَحْوِ هَذَا أَوْ إلَى مِنًى أَوْ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ أَوْ إلَى عَرَفَاتٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحَرَمِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا،
-
وَلَا أَرَى فِيهِ عَلَيْهِ شَيْئًا.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ:
-
وَلَا يَكُونُ الْمَشْيُ إلَّا عَلَى مَنْ قَالَ: مَكَّةَ أَوْ بَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْكَعْبَةِ فَمَا عَدَا أَنْ يَقُولَ: الْكَعْبَةِ أَوْ الْبَيْتِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَوْ مَكَّةَ أَوْ الْحِجْرِ أَوْ الرُّكْنِ أَوْ الْحِجْرِ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
-
فَإِنْ سَمَّى بَعْضَ مَا سَمَّيْتُ لَك مِنْ هَذَا، لَزِمَهُ الْمَشْيُ.
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ إنْ فَعَلْتُ كَذَا
-
وَكَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ أَوْ أَذْهَبَ أَوْ أَنْطَلِقَ إلَى مَكَّةَ
-
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتُك فَعَلَيَّ أَنْ أَسِيرَ إلَى مَكَّةَ، أَوْ قَالَ عَلَيَّ الذَّهَابُ إلَى مَكَّةَ أَوْ عَلَيَّ الِانْطِلَاقُ إلَى مَكَّةَ أَوْ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ مَكَّةَ أَوْ عَلَيَّ الرُّكُوبُ إلَى مَكَّةَ؟
-
قَالَ: أَرَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَهَا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَيَأْتِيَهَا رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَأْتِيَهَا مَاشِيًا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَصْلًا. قَالَ: وَقَدْ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الرُّكُوبُ إلَى مَكَّةَ؟
-
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
-
قَالَ سَحْنُونٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَكَانَ أَشْهَبُ يَرَى عَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ إتْيَانَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي الَّذِي قَالَ عَلَيَّ الرُّكُوبُ إلَى مَكَّةَ خِلَافَ هَذَا. إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ.
-
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَنَا أُهْدِيك إلَى بَيْتِ اللَّهِ
-
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَنَا أُهْدِيك إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَحَنِثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهُ هَدْيًا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنَا أُهْدِيك إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ فَعَلْتُ كَذَا
-
وَكَذَا فَحَنِثَ فَإِنَّهُ يُهْدِي عَنْهُ هَدْيًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ مَالِكٌ مِثْلَ يَمِينِهِ إذَا حَلَفَ بِالْهَدْيِ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: أَنَا أُهْدِيك إلَى بَيْتِ اللَّهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يُهْدِي.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يُهْدِي شَاةً.
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِهَدْيِ مَالِ غَيْرِهِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَحْلِفُ بِمَالِ غَيْرِهِ فَيَقُولُ: دَارُ فُلَانٍ هَذِهِ هَدْيٌ أَوْ عَبْدُ فُلَانٍ
-
هَدْيٌ أَوْ يَحْلِفُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ مَنْ الْأَشْيَاءِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَحْنَثُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ أَوْ دَارِهِ أَنْتَ هَدْيٌ ثُمَّ حَنِثَ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا ثُمَّ يُهْدِيه وَلَا يَرَاهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ ذَلِكَ الْقَوْلَ.
-
قَالَ: ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: «سُرِقَتْ إبِلٌ لِلنَّبِيِّ: وَطُرِدَتْ وَفِيهَا امْرَأَةٌ، فَنَجَتْ عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا حَتَّى أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جَعَلْتُ عَلَى نَفْسِي نَذْرًا؛ إنْ اللَّهُ أَنْجَانِي، عَلَى نَاقَةٍ مِنْهَا حَتَّى آتِيَك أَنْ أَنْحَرَهَا. قَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» .
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْهَدْيِ أَوْ يَقُولُ عَلَيَّ بَدَنَةٌ
-
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ عَلَيَّ الْهَدْيُ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ.
-
قُلْتُ: أَمِنَ الْإِبِلِ أَمْ مِنْ الْبَقَرِ أَمْ مِنْ الْغَنَمِ؟
-
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ نَوَى شَيْئًا فَهُوَ مَا نَوَى وَإِلَّا فَبَدَنَةٌ،
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةٌ.
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَقَصُرَتْ نَفَقَتُهُ فَأَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ شَاةٌ.
-
قُلْتُ: لِمَ أَوَلَيْسَ الشَّاةُ بِهَدْيٍ؟
-
قَالَ: كَانَ مَالِكٌ يَزْحَفُ بِالشَّاةِ كَرْهًا.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ أَقْرَبُ شَيْءٍ إلَى الْإِبِلِ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ حُلَاسِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ كَبْشٌ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَقَلَّ مِنْ شَاةٍ. قَالَ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ مِنْ الْهَدْيِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ حَلَفَ فَقَالَ عَلَيَّ بَدَنَةٌ فَحَنِثَ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْبُدْنُ مِنْ الْإِبِلِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعِيرًا فَيَنْحَرَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعِيرًا فَبَقَرَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ يَجِدُ الْإِبِلَ فَاشْتَرَى بَقَرَةً فَنَحَرَهَا وَقَدْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ أَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ:
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْإِبِلَ اشْتَرَى الْبَقَرَ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَالْبَقَرُ أَقْرَبُ شَيْءٍ إلَى الْإِبِلِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي إنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً
-
أَيْ إذَا قَصُرَتْ النَّفَقَةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ نَفَقَتُهُ بَدَنَةً وَسِعَ لَهُ أَنْ يُهْدِيَ مِنْ الْبَقَرِ،
-
فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ نَفَقَتُهُ الْبَقَرَ اشْتَرَى الْغَنَمَ. قَالَ:
-
وَلَا يُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِيَ الْبَقَرَ إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ، إلَّا أَنْ لَا تَبْلُغَ نَفَقَتُهُ بَدَنَةً لِأَنَّهُ قَالَ:
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَهُوَ إذَا بَلَغَتْ نَفَقَتُهُ فَهُوَ يَجِدُ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَقَطِيعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ. مِنْهُمْ أَيْضًا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَقَالُوا:
-
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً فَبَقَرَةً.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ أَيُجْزِئُهُ الصِّيَامُ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الصِّيَامَ فِيمَا نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَجِبَ أَنْ يَصُومَ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ أَحَبَّ الصِّيَامَ فَعَشْرَةُ أَيَّامٍ
-
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَنْذِرُ عِتْقَ رَقَبَةٍ إنْ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ كَذَا
-
وَكَذَا، فَأَرَادَ أَنْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً قَالَ لِي مَالِكٌ: مَا الصِّيَامُ عِنْدِي بِمُجْزِئٍ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يَصُومَ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا مَا أَعْتَقَ فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَيْسَتْ الْبُدْنُ إلَّا مِنْ الْإِبِلِ.
-
وَقَالَ طَاوُسٌ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَدَنَةُ تَعْدِلُ سَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْحَرُ بَدَنَةً أَوْ جَزُورًا
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ بَدَنَةً أَيْنَ يَنْحَرُهَا؟
-
قَالَ: بِمَكَّةَ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ؟
-
قَالَ: يَنْحَرُهُ أَيْضًا بِمَكَّةَ.
-
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ جَزُورًا أَيْنَ يَنْحَرُهَا؟ أَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ جَزُورٌ أَيْنَ يَنْحَرُهَا؟
-
قَالَ: يَنْحَرُهَا فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ:
-
وَلَوْ نَوَى مَوْضِعًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا إلَيْهِ وَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَتْ الْجَزُورُ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَذَلِكَ سَوَاءٌ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ:
-
وَإِنْ نَذَرَهَا لِمَسَاكِينِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَوْ أَهْلِ مِصْرَ فَلْيَنْحَرْهَا بِمَوْضِعِهِ وَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ مِنْ عِنْدِهِ إذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا أَوْ نَذَرَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْ مَوْضِعِهِ فَيَسُوقَهَا إلَى مِصْرَ
-
قَالَ: وَسَوْقُ الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الضَّلَالِ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَلْيُقَلِّدْهَا وَلْيُشْعِرْهَا وَلَا مَحَلَّ لَهُ دُونَ مَكَّةَ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ جَعَلَ عَلَيْهِ بَدَنَةً قَالَ: لَا أَعْلَمُ مُهْرَاقَ الدِّمَاءِ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ مَكَّةَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْبُدْنُ مِنْ الْإِبِلِ وَمَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِهَدْيِ الشَّيْءِ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ مِمَّا يُهْدَى أَوْ لَا يُهْدَى
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: دَارِي هَذِهِ هَدْيٌ أَوْ بَعِيرِي هَذَا أَوْ دَابَّتِي هَذِهِ هَدْيٌ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مِمَّا يُهْدَى أَهْدَاهُ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ يَبْلُغُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُهْدَى بَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ هَدْيًا.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ: لِإِبِلٍ لَهُ هِيَ هَدْيٌ إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَحَنِثَ أَهْدَاهَا كُلَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَالَهُ كُلَّهُ.
-
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ لِشَيْءٍ مِمَّا يَمْلِكُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ هُوَ يُهْدِيه فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا فَيُهْدِيهِ وَإِنْ قَالَ لِمَا لَا يَمْلِكُ مِنْ عَبْدِ غَيْرِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ أَوْ دَارِ غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ فِيهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءً
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذَا الثَّوْبَ. أَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا يُهْدِيهِ.
-
قُلْتُ لَهُ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا الثَّوْبِ إذَا كَانَ لَا يَبْلُغُ أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِهِ هَدْيٌ؟
-
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْعَثُ بِثَمَنِهِ فَيُدْفَعُ إلَى خُزَّانِ مَكَّةَ يَلْفِقُونَهُ عَلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ وَيَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ. أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْسُو بِجَلَالِ بَدَنِهِ الْكَعْبَةَ فَلَمَّا كُسِيَتْ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةَ تَصَدَّقَ بِهَا.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَبِيعُوهُ وَبَعَثُوا بِالثَّوْبِ بِعَيْنِهِ؟
-
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَهُمْ وَيُبَاعُ هُنَاكَ، وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ هَدْيٌ قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُبَاعُ الثَّوْبُ وَالْحِمَارُ وَالْعَبْدُ وَالْفَرَسُ وَكُلُّ مَا جُعِلَ مِنْ الْعُرُوضِ هَكَذَا؟
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ: ثَوْبِي هَذَا هَدْيٌ فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ هَدْيًا وَبَعَثَهُ فَفَضَلَ مَنْ ثَمَنِهِ شَيْءٌ بَعَثَ بِالْفَضْلِ إلَى خُزَّانِ مَكَّةَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْفَضْلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَدْيٌ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَا بَعَثَ بِهِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ الْهَدَايَا مَنْ الثِّيَابِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْعُرُوضِ أَيُدْفَعُ إلَى الْحَجَبَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ هُوَ هَدْيٌ قَالَ: يَبِيعُهُ وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا،
-
فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ لَا يَكُونُ فِي مِثْلِهِ هَدْيٌ وَلَا شَاةٌ رَأَيْت أَنْ يُدْفَعَ إلَى خُزَّانِ الْكَعْبَةِ يَجْعَلُونَهُ فِيمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ. قَالَ وَلَقَدْ سَمِعْت مَالِكًا وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُشْرِكُوا مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخِزَانَةِ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ قَالَ: وَبَلَغَنِي
-
أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَكَأَنَّهُ رَأَى هَذِهِ وِلَايَةً مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَعْظَمَ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ دُورِي أَوْ رَقِيقِي أَوْ دَوَابِّي أَوْ غَنَمِي أَوْ أَرْضِي أَوْ بَقَرِي أَوْ إبِلِي أَوْ دَرَاهِمِي أَوْ دَنَانِيرِي أَوْ ثِيَابِي أَوْ عُرُوضِي لِعُرُوضٍ عِنْدَهُ أَوْ قَمْحِي أَوْ شَعِيرِي. فَحَنِثَ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَهَلْ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ كُلُّهُ سَوَاءٌ إذَا حَلَفَ أَمْ لَا؟
-
قَالَ: هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ كُلُّهُ سَوَاءٌ إذَا حَلَفَ فَحَنِثَ أَخْرَجَ ثَمَنَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَبَعَثَ بِهِ فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ هَدْيًا إلَّا الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ بِيعَتْ بِذَلِكَ فَيُشْتَرَى بِهِ بُدْنٌ كَمَا وَصَفْت لَك وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ إنْ كَانَتْ مِنْ مَوْضِعٍ تَبْلُغُ، وَإِلَّا فَهِيَ عِنْدِي تُبَاعُ قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ قَالَ: سَأَلْت جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ امْرَأَةٍ عَمْيَاءَ كَانَتْ تَعُولُهَا امْرَأَةٌ تُحْسِنُ إلَيْهَا فَآذَتْهَا بِلِسَانِهَا فَجَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا هَدْيًا وَنَذْرًا أَنْ لَا تَنْفَعَهَا بِخَيْرٍ مَا عَاشَتْ فَنَدِمَتْ الْمَرْأَةُ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتُهْدِ مَكَانَ الْهَدْيِ بَقَرَةً وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُعْسِرَةً فَلْتُهْدِ ثَمَنَ شَاةٍ وَمُرْهَا فَلْتَصُمْ مَكَانَ النَّذْرِ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ دَارِهِ قَالَ: يُهْدِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا، وَقَالَ عَطَاءٌ يَشْتَرِي بِهِ ذَبَائِحَ فَيَذْبَحُهَا بِمَكَّةَ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ يُهْدِي بُدْنًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ فِي امْرَأَةٍ جَعَلَتْ دَارَهَا هَدْيًا تُهْدِي ثَمَنَهَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ ابْنِ هُبَيْرَةَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ أَوْ لِأَمَتِهِ أَوْ دَارِهِ: أَنْتَ هَدْيٌ.
-
ثُمَّ حَنِثَ أَنَّهُ يَشْتَرِي بِثَمَنِهِ هَدْيًا ثُمَّ يُهْدِيهِ وَلَا يَرَاهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فِيمَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَلَا يَصِحُّ فِيهِ ذَلِكَ الْقَوْلُ
-
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أُهْدِي هَذِهِ الشَّاةَ إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَحَنِثَ أَيَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهَا عِنْدَ مَالِكٍ، إذَا حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ فَيَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا بِمَكَّةَ شَاةً يُخْرِجُهَا إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَسُوقُهَا إلَى الْحَرَمِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا حَنِثَ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَعِيرِي هَذَا وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَيَبِيعُهُ وَيَبْعَثُ بِثَمَنِهِ يَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا مَنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْإِبِلُ يَبْعَثُ بِهَا إذَا جَعَلَهَا الرَّجُلُ هَدْيًا يُقَلِّدُهَا وَيُشْعِرُهَا وَلَمْ يَقُلْ لَنَا مِنْ بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ بَعُدَ وَلَا قَرُبَ وَلَكِنَّهُ إذَا قَالَ بَعِيرِي أَوْ إبِلِي هَدْيٌ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا وَبَعَثَ بِهَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَنَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ لَازِمًا مِنْ كُلِّ بَلَدٍ إلَّا مِنْ بَلَدٍ يَخَافُ بُعْدَهُ وَطُولَ السَّفَرِ وَالتَّلَفَ فِي ذَلِكَ،
-
فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَبْعَثَ بِأَثْمَانِهَا فَيُشْتَرَى لَهُ بِهَا هَدْيٌ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ حَيْثُ أَحَبَّ
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى إبِلٍ بِأَعْيَانِهَا، وَلَكِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا. فَحَنِثَ؟
-
قَالَ: يُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَبْعَثَ بِالثَّمَنِ فَيَشْتَرِيَ لَهُ الْبَدَنَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ فَتُوقَفُ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَنْحَرُهَا بِمِنًى وَإِنْ لَمْ تُوقَفْ بِعَرَفَةَ أُخْرِجَتْ إلَى الْحِلِّ إنْ كَانَتْ اُشْتُرِيَتْ بِمَكَّةَ وَنُحِرَتْ بِمَكَّةَ إذَا أَرَدْت مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ دَيْنٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ ثَمَنَهَا
-
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَقَرِي هَذِهِ فَحَنِثَ وَهُوَ بِمِصْرَ أَوْ بِإِفْرِيقِيَةَ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: الْبَقَرُ لَا تَبْلُغُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بَقَرَهُ هَذِهِ وَيَبْعَثَ بِالثَّمَنِ فَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا هَدْيٌ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ حَيْثُ أَحَبَّ مِنْ الْبُلْدَانِ إذَا كَانَ الْهَدْيُ الَّذِي يَشْتَرِي يَبْلُغُ مِنْ حَيْثُ اشْتَرَى
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَقَرِي هَذِهِ. وَهُوَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَبَاعَهَا وَبَعَثَ بِثَمَنِهَا أَيُجْزِئُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا بَعِيرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، يُجْزِئُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا إبِلًا فَيُهْدِيَهَا، قَالَ لِأَنِّي لَمَّا أَجَزْت لَهُ الْبَيْعَ لِبُعْدِ الْبَلَدِ صَارَتْ الْبَقَرُ كَأَنَّهَا دَنَانِيرُ أَوْ دَرَاهِمُ،
-
فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ بَعِيرًا وَإِنْ قَصُرَ عَنْ الْبَعِيرِ فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَشْتَرِيَ بَقَرَةً، قَالَ:
-
وَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ غَنَمًا إلَّا أَنْ يُقَصِّرَ الثَّمَنُ عَنْ الْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ.
-
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ غَنَمِي هَذِهِ أَوْ بَقَرِي هَذِهِ. فَحَنِثَ وَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ يَبْلُغُ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَهَا بِأَعْيَانِهَا هَدْيًا وَلَا يَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي فِي مَكَانِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِهَدْيِ جَمِيعِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ جَمِيعُ مَالِهِ
-
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ مَالِي. فَحَنِثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ ثُلُثَ مَالِهِ وَيُجْزِئُهُ وَلَا يُهْدِي جَمِيعَ مَالِهِ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِي أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَعِيرِي وَشَاتِي وَعَبْدِي وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ فَحَنِثَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَهُمْ ثَلَاثَتَهُمْ؛ بَعِيرَهُ وَشَاتَه وَعَبْدَهُ، فَيَبِيعُهُمْ وَيُهْدِي ثَمَنَهُمْ وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ مَالِهِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ، فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ عَبْدِي هَذَا إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ؟
-
قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَبْدَهُ؛ يَبِيعُهُ وَيُهْدِي ثَمَنَهُ
-
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى هَذَا الْعَبْدِ؟ فَقَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِي؟
-
قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ.
-
قُلْتُ: فَإِذَا سَمَّاهُ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ شَاتِي وَبَعِيرِي وَبَقَرَتِي فَعَدَّ ذَلِكَ حَتَّى سَمَّى جَمِيعَ مَالِهِ فَعَلَيْهِ إذَا سَمَّى أَنْ يُهْدِيَ جَمِيعَ مَا سَمَّى وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ، وَلَكِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ جَمِيعَ مَالِي فَحَنِثَ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ ثُلُثَ مَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: فَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ إذَا سَمَّى فَأَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ أَهْدَى جَمِيعَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ فَقَالَ: جَمِيعُ مَالِي أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثِ.
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَقُولُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
-
وَإِذَا سَمَّى قَبِيلَةً أَوْ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا لَمْ يُصْلَحْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا، فَكَذَلِكَ إذَا سَمَّى لَزِمَهُ وَكَانَ أَوْكَدَ فِي التَّسْمِيَةِ
-
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَأَنَا أُهْدِي عَبْدِي هَذَا وَأُهْدِي جَمِيعَ مَالِي فَحَنِثَ مَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُهْدِي ثَمَنَ عَبْدِهِ وَثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ مَالِي صَدَقَةٌ كُلُّهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِثُلُثِ مَالِهِ.
-
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَا نَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ الرَّجُلُ بِمَالِهِ كُلِّهِ فَيَنْخَلِعُ مِمَّا رِزْقَهُ اللَّهُ، وَلَكِنْ بِحَسْبِ الْمَرْءِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مَالِهِ
-
حَلِف بِصَدَقَةِ أَوْ شَيْءٍ هُوَ جَمِيعُ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
-
فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِصَدَقَةِ مَالِهِ أَوْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ هُوَ جَمِيعُ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْمَسَاكِينِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَحَنِثَ أَوْ قَالَ: مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ.
-
قَالَ: وَإِنْ كَانَ سَمَّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ جَمِيعَ مَالِهِ فَقَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِعَبْدِي هَذَا وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، أَوْ قَالَ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إنْ كَانَ حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ وَإِنْ كَانَ قَالَ فَهُوَ فِي اللَّهِ فَلْيَجْعَلْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
-
قُلْتُ: وَيَبْعَثُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَوْ يَبِيعُهُ وَيَبْعَثُ بِثَمَنِهِ؟
-
قَالَ: بَلْ يَبِيعُهُ وَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى مِنْ يَغْزُو بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وَجَدَ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ.
-
قُلْتُ: فَإِنْ حَنِثَ وَيَمِينُهُ بِصَدَقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَيَبِيعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؟
-
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ سَرْجًا أَوْ أَدَاةً مِنْ أَدَاةِ الْحَرْبِ فَقَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُسَمِّيهَا بِأَعْيَانِهَا أَيَبِيعُهَا أَمْ يَجْعَلُهَا
-
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: بَلْ يَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَعْيَانِهَا إنْ وَجَدَ مِنْ يَقْبَلُهَا إنْ كَانَتْ سِلَاحًا أَوْ دَوَابَّ أَوْ أَدَاةً مِنْ أَدَاةِ الْحَرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْجِهَادُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ وَلَا مَنْ يُبْلِغُهُ لَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَبِيعَهُ كُلَّهُ وَيَبْعَثَ بِثَمَنِهِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ الثَّمَنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
-
قُلْتُ: وَيَجْعَلُ ثَمَنَهُ فِي مِثْلِهِ أَمْ يُعْطِيهِ دَرَاهِمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يَجْعَلَهَا فِي مِثْلِهَا مِنْ الْأَدَاةِ وَالْكُرَاعِ.
-
قُلْتُ: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْبَقَرِ إذَا جَعَلَهَا هَدْيًا جَازَ لَهُ أَيَبِيعُهَا وَيَشْتَرِي بِأَثْمَانِهَا إبِلًا إذَا لَمْ تَبْلُغْ؟
-
قَالَ: لِأَنَّ الْبَقَرَ وَالْإِبِلَ إنَّمَا هِيَ كُلُّهَا لِلْأَكْلِ، وَهَذِهِ إذَا كَانَتْ كُرَاعًا أَوْ سِلَاحًا فَإِنَّمَا هِيَ قُوَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ لَيْسَتْ لِلْأَكْلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الثَّمَنَ فِي مِثْلِهِ فِي رَأْيِي.
-
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ حَلَفَ بِصَدَقَةِ هَذِهِ الْخَيْلِ. وَهَذِهِ السِّلَاحِ وَهَذِهِ الْأَدَاةِ بَاعَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ أَنْ يُهْدِيَهُ بَاعَهُ وَأَهْدَى ثَمَنَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: نَعَمْ
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا حَلَفَ بِالصَّدَقَةِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ، أَوْ بِالْهَدْيِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَيْمَانِ سَوَاءٌ إنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَجْزَأَهُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ.
-
قُلْتُ: وَإِنْ سَمَّى وَأَتَى فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِجَمِيعِ مَالِهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي الْهَدْيِ وَإِنْ كَانَ فِي صَدَقَةٍ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ كَمْ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ الثُّلُثُ
-
قُلْتُ: وَإِذَا قَالَ: دَارِي أَوْ ثَوْبِي أَوْ دَوَابِّي فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَدَقَةٌ، وَذَلِكَ الشَّيْءُ مَالُهُ كُلُّهُ؟
-
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَالَهُ كُلَّهُ وَلَا يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ الثُّلُثُ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَمَّى شَيْئًا بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَالَهُ كُلَّهُ فَقَالَ: هَذَا صَدَقَةٌ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي الْمَسَاكِينِ فَلْيُخْرِجْهُ كُلَّهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: فَرَسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ وَمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟
-
قَالَ: يُخْرِجُ الْفَرَسَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْفَرَسِ.
-
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَ مَالِكٌ مَا سُمِّيَ بِعَيْنِهِ جَعَلَهُ أَنْ يُنْفِذَهُ كُلَّهُ وَمَا لَمْ يُسَمِّ بِعَيْنِهِ جَعَلَ الثُّلُثَ يُجْزِئُهُ؟
-
قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ؟
-
قَالَ: يُخْرِجُ مَا قَالَ يَتَصَدَّقُ بِهِ كُلِّهِ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ؟
-
قَالَ: يُخْرِجُ نِصْفَ مَالِهِ أَوْ قَالَ نِصْفُ مَالِي أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ مَالِي أَوْ أَكْثَرُ يُخْرِجُهُ مَا لَمْ يَقُلْ: مَالِي كُلُّهُ. وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ قَالَ: الشَّيْءُ مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ هُوَ صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا أَوْ
-
جُزْءٌ مِنْ مَالِهِ أَخْرَجَ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَمَا سَمَّى مِنْ مَالِهِ بِعَيْنِهِ.
-
قُلْتُ: وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا
-
وَكَذَا فَمَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّمَا سَبِيلُ اللَّهِ عِنْدَ مَالِكٍ مَوْضِعُ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ؟
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْجِهَادِ قَالَ مَالِكٌ: فَلْيُعْطِ فِي السَّوَاحِلِ وَالثُّغَرِ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: أَيُعْطَى فِي جُدَّةَ؟
-
قَالَ: لَا، وَلَمْ يَرَ جُدَّةَ مِثْلَ سَوَاحِلِ الرُّومِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ قَالَ: فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي جُدَّةَ أَيُّ خَوْفٍ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَرَّةً وَلَمْ يَكُنْ يَرَى جُدَّةَ مِنْ السَّوَاحِلِ الَّتِي هِيَ مَرَابِطُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ لَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُك» فَأَجَازَ الثُّلُثَ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَعْطَى رَجُلٌ مَالَهُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَبْقَيْت لِلْوَارِثِ شَيْئًا فَلَيْسَ لَك ذَلِكَ وَلَا يَصْلُحُ لَك أَنْ تَسْتَوْعِبَ مَالَك»
-
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ أَوْ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ
-
ِ قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ: مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى عَلَيْهِ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَلَا يُخْرِجُ فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ.
-
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالرِّتَاجُ عِنْدِي هُوَ الْبَابُ قَالَ: فَأَنَا أَرَاهُ خَفِيفًا وَلَا أَرَى عَلَيْهِ فِيهِ شَيْئًا وَقَالَهُ لَنَا غَيْرَ عَامٍّ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْت مَنْ قَالَ: مَالِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي طَيِّبِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ حَطِيمَ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ الْكَعْبَةَ أَوْ أَنَا أَضْرِبُ بِهِ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِ؟
-
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَأَرَاهُ إذَا قَالَ: مَالِي فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي طَيِّبِ الْكَعْبَةِ أَنْ يُهْدِيَ ثُلُثَ مَالِهِ فَيَدْفَعُهُ إلَى الْحَجَبَةِ.
-
وَأَمَّا إذَا قَالَ: مَالِي فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ أَوْ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا لِأَنَّ الْكَعْبَةَ لَا تُنْتَقَضُ فَتُبْنَى بِمَالِ هَذَا وَلَا يُنْقَضُ الْبَابُ فَيُجْعَلُ مَالُ هَذَا فِيهِ.
-
قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ رِتَاجُ الْكَعْبَةِ هُوَ الْبَابُ قَالَ:
-
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: مَالِي فِي حَطِيمِ الْكَعْبَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْحَطِيمَ لَا يُبْنَى، فَيُجْعَلُ نَفَقَةُ هَذَا فِي بُنْيَانِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَطِيمَ مَا بَيْنَ الْبَابِ إلَى الْمَقَامِ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ بَعْضُ الْحَجَبَةِ.
-
قَالَ: وَمَنْ قَالَ: أَنَا أَضْرِبُ بِمَالِي حَطِيمَ الْكَعْبَةِ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ الْعُمْرَةُ،
-
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ شَيْءٌ. قَالَ:
-
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: أَنَا أَضْرِبُ بِكَذَا
-
وَكَذَا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ. أَنَّهُ يَحُجُّ أَوْ يَعْتَمِرُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُرِدْ حُمْلَانَ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عُنُقِهِ.
-
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ كَلَّمْتُك أَبَدًا وَكُلُّ شَيْءٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: كَلِّمْ أَخَاك فَلَا حَاجَةَ لِلْكَعْبَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ.
-
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَسَأَلَهَا رَجُلٌ وَقَالَ: إنِّي جَعَلْت مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ إنْ أَنَا كَلَّمْت عَمِّي فَقَالَتْ لَهُ: لَا يَجْعَلُ مَالِكٌ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ وَكَلِّمْ عَمَّك
-
الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَوْ عِنْدَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
-
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ يَحْلِفُ فَيَقُولُ: أَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَحَنِثَ؟
-
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: إنِّي أَرَى أَنْ آخُذَ فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا أُخَالِفُهُ وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
-
ثُمَّ سُئِلَ مَالِكٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ تَقُولُ أَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي. قَالَ مَالِكٌ: أَنَا أَرَى أَنْ أَنْوِيَهُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ وَجْهَ الْهَدْيِ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ لِلَّهِ رَأَيْت عَلَيْهِ الْهَدْيَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْهُ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا لَا كَفَّارَةَ وَلَا غَيْرَهُ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الَّذِي سَمِعْتُ أَنَا مِنْهُ.
-
قُلْتُ: وَاَلَّذِي سَمِعْتَ أَنْتَ مِنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي لَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ فَإِنْ قَالَ أَنَا أَنْحَرُ وَلَدِي عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّ عَلَيْهِ هَدْيًا مَكَانَ ابْنِهِ قَالَ: نَعَمْ.
-
قُلْتُ: وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَهُمَا عِنْدَك فِي الَّذِي سَمِعْتَ أَنْتَ مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَدْ أَرَادَ الْهَدْيَ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ فَجَعَلَهُ مَالِكٌ فِي الَّذِي سَمِعْتَ أَنْتَ مِنْهُ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْهَدْيَ وَفِي جَوَابِهِ مَا يُشْعِرُ أَنَّهُ نَوَاهُ وَدَيْنَهُ،
-
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ شَيْئًا وَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي الْهَدْيِ جَعَلَ عَلَيْهِ الْهَدْيَ. قَالَ. نَعَمْ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ ابْنِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؟
-
قَالَ: مَكَّةُ كُلُّهَا مَنْحَرٌ عِنْدِي وَأَرَى عَلَيْهِ فِيهِ الْهَدْيَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنْ فِي هَذَا كُلِّهِ يُرَادُ بِهِ الْهَدْيُ. أَلَا تَرَى لَيْسَ هُوَ عِنْدِي مَقَامَ إبْرَاهِيمَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: عِنْدَ الْمَرْوَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ طُرُقِ مَكَّةَ وَفِجَاجُهَا مَنْحَرٌ فَهَذَا إذَا أَلْزَمَهُ لِقَوْلِهِ عِنْدَ الْمَقَامِ الْهَدْيُ فَهُوَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ أَحْرَى أَنْ يَلْزَمَهُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ ابْنِي بِمِنًى؟
-
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك عَنْ مَالِكٍ بِاَلَّذِي قَالَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ فَمِنًى عِنْدِي مَنْحَرٌ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
-
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: أَنَا أَنْحَرُ أَبِي أَوْ أُمِّي إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا؟
-
قَالَ: هُوَ عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الِابْنِ سَوَاءٌ.
-
قَالَ: ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ - يَذْبَحُ كَبْشًا.
-
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الَّذِي يَجْعَلُ ابْنَهُ بَدَنَةً قَالَ: يُهْدِي دِيَتَهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ قَالَ:
-
هو ضربان نذر لجاج كإن كلمته فلله علي عتق أو صوم
-
وفيه كفارة يمين
-
وفي قول ما ألتزم
-
وفي قول أيهما شاء.
-
قلت: الثالث: أظهر ورجحه العراقيون والله أعلم
-
ولو قال إن دخلت فعلي كفارة يمين أو نذر لزمته كفارة بالدخول
-
ونذر تبرر بأن يلتزم قربة إن حدثت نعمة أو ذهبت نقمة كإن شفي مريضي فلله علي أو فعلي كذا
-
فيلزمه ذلك إذا حصل المعلق عليه
-
وإن لم يعلقه بشيء كلله علي صوم لزمه في الأظهر
-
ولا يصح نذر معصية
-
ولا واجب
-
ولو نذر فعل مباح أو تركه لم يلزمه
-
لكن إن خالف لزمه كفارة يمين على المرجح
-
ولو نذر صوم أيام ندب تعجيلها
-
فإن قيد بتفريق أو موالاة وجب
-
وإلا جاز
-
أو سنة معينة صامها وأفطر العيد والتشريق وصام رمضان عنه
-
ولا قضاء
-
وإن أفطرت بحيض ونفاس وجب القضاء في الأظهر.
-
قلت: الأظهر لا يجب وبه قطع الجمهور والله أعلم
-
وإن أفطر يوما بلا عذر وجب قضاؤه
-
ولا يجب استئناف سنة
-
فإن شرط التتابع وجب في الأصح
-
أو غير معينة وشرط التتابع وجب
-
ولا يقطعه صوم رمضان عن فرضه وفطر العيد والتشريق
-
ويقضيها تباعا متصلة بآخر السنة
-
ولا يقطعه حيض
-
وفي قضائه القولان
-
وإن لم يشرطه لم يجب
-
أو يوم الاثنين أبدا لم يقض ثاني رمضان
-
وكذا العيد والتشريق في الأظهر
-
فلو لزمه صوم شهرين تباعا لكفارة صامهما ويقضي ثانيهما
-
وفي قول لا يقضي إن سبقت الكفارة النذر.
-
قلت: ذا القول أظهر والله أعلم
-
وتقضي زمن حيض ونفاس في الأظهر
-
أو يوما بعينه لم يصم قبله
-
أو يوما من أسبوع ثم نسيه صام آخره وهو الجمعة
-
فإن لم يكن هو وقع قضاء
-
ومن شرع في صوم نفل فنذر إتمامه لزمه على الصحيح
-
وإن نذر بعض يوم لم ينعقد
-
وقيل: يلزمه يوم
-
أو يوم قدوم زيد فالأظهر انعقاده
-
فإن قدم ليلا أو يوم عيد أو في رمضان فلا شيء عليه
-
أو نهارا وهو مفطر أو صائم قضاء أو نذرا وجب يوم آخر عن هذا
-
أو وهو صائم نفلا فكذلك.
-
وقيل: يجب تتميمه ويكفيه
-
ولو قال إن قدم زيد فلله علي صوم اليوم التالي ليوم قدومه وإن قدم عمرو فلله علي صوم أول خميس بعده فقدما في الأربعاء وجب صوم الخميس عن أول النذرين ويقضي الآخر.
فصل
-
نذر المشي إلى بيت الله أو إتيانه فالمذهب وجوب إتيانه بحج أو عمرة
-
فإن نذر الإتيان لم يلزمه شيء
-
وإن نذر المشي أو أن يحج أو يعتمر ماشيا فالأظهر وجوب المشي
-
فإن كان قال أحج ماشيا فمن حيث يحرم
-
وإن قال أمشي إلى بيت الله تعالى فمن دويرة أهله في الأصح
-
وإذا أوجبنا المشي فركب لعذر أجزأه وعليه دم في الأظهر
-
أو بلا عذر أجزأه على المشهور وعليه دم
-
ومن نذر حجا أو عمرة لزمه فعله بنفسه
-
فإن كان معضوبا استناب.
-
ويستحب تعجيله في أول الإمكان
-
فإن تمكن فاخر فمات حج من ماله
-
وإن نذر الحج عامه وأمكنه لزمه
-
فإن منعه مرض وجب القضاء
-
أو عدو فلا في الأظهر
-
أو صلاة أو صوما في وقت فمنعه مرض او عدو وجب القضاء
-
أو هديا لزمه حمله إلى مكة والتصدق به على من بها
-
أو التصدق على أهل بلد معين لزمه
-
أو صوما في بلد لم يتعين.
-
وكذا صلاة
-
إلا المسجد الحرام
-
وفي قول ومسجد المدينة والأقصى.
-
قلت: الأظهر تعينهما كالمسجد الحرام والله أعلم
-
أو صوما مطلقا فيوم
-
أو أياما فثلاثة
-
أو صدقة فيما كان
-
أو صلاة فركعتان
-
وفي قول ركعة
-
فعلى الأول يجب القيام فيهما مع القدرة
-
وعلى الثاني لا
-
أو عتقا فعلى الأول رقبة كفارة
-
وعلى الثاني رقبة.
-
قلت: الثاني هنا أظهر والله أعلم
-
أو عتق كافرة معيبة أجزأه كاملة
-
فإن عين ناقصة تعينت
-
أو صلاة قائما لم يجز قاعدا
-
بخلاف عكسه
-
أو طول قراءة الصلاة أو سورة معينة أو الجماعة لزمه
-
والصحيح انعقاد النذر بكل قربة لا تجب ابتداء كعيادة وتشييع جنازة والسلام.
-
إلْزَامُ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا بِعِبَادَةٍ، نَفْسَهُ لله تَعَالى بِكُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلَيهِ شَيئًا وَلَو لَازِمًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ غَيرَ مُحَالٍ فَلَا تَكْفِي نِيَّتُهُ. وَيَتَّجِهُ: انْعِقَادُهُ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ.
-
وَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ عِبَادَةً في الجُمْلَةِ لَا يَأتِي بِخَيرٍ وَلَا يَرُدُّ قَضَاءَ
-
بَلْ حَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهلِ الْحَدِيثِ فَيُصَلِّي النَّفلَ كَمَا هُوَ لَا بِنَذْرِهِ ثُمّ يُصَلِّيهِ
-
قَال الشَّيخُ إيجَابُ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ، إيجَابًا لَمْ يَحْتَجْ إلَيهِ بِنَذْرٍ وَعَهْدٍ وَطَلَبٍ وَسَؤالٍ جَهْلٌ مِنْهُ وظُلْمٌ
-
وَيَنْعَقِدُ في وَاجِبٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَمَضَانَ وَنَحْوهِ فَيُكَفِّرُ إنْ لَمْ يَصُمْهُ كَحَلِفِهِ عَلَيهِ
-
وَعِنْدَ الأَكْثَرِ لَا، كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمُحَالِ.
-
وَأَنْوَاعُه الْمُنْعَقِدَةُ سِتَّةٌ: أَحَدُهَما: الْمُطْلَقُ، كَلِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَوْ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ وَلَا نِيَّةَ تَخَصُّصٍ بِمَحَلٍّ أَوْ زَمَنٍ وَفِعْلُهُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ.
-
الثَّانِي: نَذرُ لِجَاجٍ وَغَضَبٍ، وَهُوَ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ بِقَصْدِ الْمَنْعِ مِنْ شَيءٍ أَوْ الحَمْلِ عَلَيهِ كَإنْ كَلَّمْتُكَ أَوْ إنْ لَمْ أُخْبِرُكَ فَعَلَيَّ الْحَجُّ أَوْ الْعِتْقُ أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ أَوْ مَالِي صَدَقَةٌ، فَيُخَيَّرُ بَينَ فِعْلِ مَا الْتَزَمَهُ أَوْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ
-
وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ أَوْ لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ وَنَحْوَهُ
-
وَمَنْ عَلَّقَ صَدَقَةَ شَيءٍ بِبَيعِهِ، وَآخَرُ بِشِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ، كَفَّرَ كُلُّ واحدٍ كَفَّارَةَ يَمِينٍ
-
وَمَنْ حَلَفَ فَقَال: عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَحَنِثَ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ.
-
الثَّالِثُ: نَذْرُ مُبَاحٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَيُخَيَّرُ أَيضًا.
-
الرَّابعُ: نَذْرُ مَكرُوهٍ كَطَلَاقٍ وَنَحْوهِ. وَيَتَّجِهُ: كَإِفْرَادِ صَوْمِ رَجَبٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ سَبْتٍ . فَيُسَنُّ أن يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلُهُ.
-
الْخَامِسُ: نَذْرُ مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَصَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ أَوْ حَيضٍ أَوْ أَيَّامِ التَّشْرِيقٍ فَيَحْرُمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ وَيُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ
-
وَيَقْضِي صَوْمَ مَا نَذَرَهُ غَيرَ يَوْمِ حَيضٍ مَعَ الْكَفَّارَةِ
-
وَمَنْ نَذَرَ ذَبْحَ مَعْصُومٍ حَتَّى نَفْسِهِ فَكَفَّارَةٌ وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ وَلَدٍ مَا لَمْ يَنْو مُعَيَّنًا
-
وَقَال الشَّيخُ: النَّذْرُ لِلْقُبُورِ أَوْ لأَهْلِ القُبُورِ كَالنَّذْرِ لإبرَاهِيمَ الخَلِيلِ وَالشَّيخِ فُلَانٍ نَذرُ مَعْصِيَةٍ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الفُقَرَاءِ فَخَيرٌ لَهُ
-
وَكَذَا لِلْمُقِيمِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِتَنْويرِهِ وَتَبْخِيرِهِ
-
وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ لِلْمَسَاجِدِ لِمَصَالِحِهَا فَنَذْرُ بِرٍّ يَلْزَمُ وَفَاؤُهُ.
-
السَّادِسُ: نَذْرُ تَبَرُّرٍ كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَدَقَةٍ وحَجٍّ وَعُمْرَةٍ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ بِلَا شَرْطٍ أَوْ عَلَّقَ بِشَرْطِ نِعْمَةٍ أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ كَإنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِي أَوْ حَلَفَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ كَوَاللهِ لَئِنْ سَلِمَ مَالِي لأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا فَوَجَدَ شَرْطَهُ، لَزِمَهُ وَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ قَبْلَهُ
-
وَقَال الشَّيخُ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا وَنَصَّ عَلَيهِ في إنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا
-
وَمَنْ نَذَرَ فِعْلَ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، لَزِمَهُ الطَّاعَةُ، وَكَفَّرَ لِلْمَعْصِيَةِ
-
وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ مَنْ تُسَنُّ لَهُ بِكُلِّ مَالِهِ أَوْ بِأَلْفٍ وَنَحْوهِ وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ أَجْزَأَ ثُلُثَهُ
-
وَبِبَعْضٍ مُسَمًّى لَزِمَهُ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مَالِهِ
-
وَإنْ نَوَى ثَمِينًا أَوْ مَالًا دُونَ مَالٍ؛ أُخِذَ بِنِيَّتِهِ
-
وَإِنْ نَذَرَهَا بِمَالٍ وَنِيَّتُهُ أَلْفٌ يُخرِجُ مَا شَاءَ وَيَصرِفُهُ لِلْمَسَاكِينِ كصَدَقَةٍ مُطلَقَةٍ
-
وَلَا يُجْزِئهُ إِسْقَاطُ دَينٍ
-
وَمَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِبَعْضهِ وَعَلَيهِ دَينٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْلِكُهُ أَجْزَأَهُ إِخرَاجُ ثُلُثِهِ يَوْمَ نَذْرِهِ لَا مَا طَرَأَ بَعْدُ،
-
وَمَنْ حَلَفَ أو نَذَرَ لَا رَدَدْتُ سَائِلًا، فَكَمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ
-
فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ إلَّا مَا يَحْتَاجُهُ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِثُلُثِ الزَّائِدِ عَنْ حَاجَتِهِ وَنَحْو حَبَّةِ بُرٍّ لَيسَتْ سُؤَال السَّائِلِ
-
وإنْ مَلَكْتُ مَال فُلَانٍ فَعَلَيَّ الصَّدَقَةُ بِهِ، فَمَلَكَهُ فَبِثُلُثِهِ؛
-
وَإنْ مَلَكتُ عَبْدَ زَيدٍ فَلِلهِ عَلَيّ أَنْ أَعْتِقَهُ يَقصِدُ الْقُرْبَةَ أُلْزِمَ بِعِتْقِهِ إِذَا مَلَكَهُ.
فصلٌ
-
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ مُعَيَّنةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَينِ وَأَيَّامُ التشْرِيقِ
-
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيرِهِ، فَالْقَضَاءُ مُتَتَابِعًا وكَفَّارَةُ يَمِينٍ؛ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ،
-
وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ
-
وَإنْ أَفْطَرَ مِنْهُ لِغَيرِ عُذْرٍ استَأنَفَ شَهرًا مِنْ يَوْمِ فِطرِهِ وَكَفَّرَ،
-
وَلِعُذْرٍ بَنَى وَقَضَى مَا أَفطَرَهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِتَمَامِهِ، وَكَفَّرَ
-
وَإِنْ جَنَّهُ كُلَّهُ لَمْ يَقْضِهِ وَبَعْضَهُ فَبَعضِهُ،
-
وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ، وَأَطْلَقَ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ
-
فَإِن قَطَعَهُ بِلَا عُذْرٍ لَزِمَهُ إِسْتِأْنَافُهُ
-
وَلِعُذْرٍ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفارَةٍ، وَبَينَ الْبِنَاءِ وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ، وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ
-
وَكَذَا سَنَةٍ فِي تَتَابُعٍ وَيَصُومُ اثْنَي عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وأَيَّامِ النَّهْيِ وَلَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فَيَقضِي
-
وَسَنَةٍ مِنْ الآنِ، أَوْ مِنْ وَقْتِ كَذَا فَكَمُعَيَّنَةٍ
-
وَإنْ نَذَرَ صَومَ الدَّهرِ لَزِمَهُ فَإِن أَفْطَرَ كَفَّرَ فَقَطْ بِغَيرِ صَوْمٍ
-
وَلَا يَدْخُلُ رَمَضَانَ وَيَوْمَ النَّهي وَيَقْضِي فِطْرَهُ بِهِ وَيُكَفِّرُ إِنْ أَفْطَرَ بِرَمَضَانَ لِغَيرِ عُذْرٍ وَبِهِ فَلَا،
-
وَيُصَامُ لِظِهَارٍ وَنَحْوهِ مِنْهُ وَيُكَفِّرُ مَعَ صَوْمِ ظِهَارٍ وَنَحْوهِ
-
وَإنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الخَمِيسِ وَنَحوهِ فَوَافَقَ عِيدًا أَوْ حَيضًا أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيِقِ أَفْطَرَ وَقَضَى وَكَفَّرَ
-
وَإن جَهِلَ اليَوْمَ الْمَنْذُورَ تَحَرَّى قَالهُ الشيخُ. وَقِيَاسُ المَذهَبِ مَعَ كَفارَة للتَّعيِينِ
-
وَإنْ نَذَرَ صَومَ يَوْمَ يَقْدُمُ فُلَانٌ، فَقَدِمَ لَيلًا؛ فَلَا شَيءَ عَلَيهِ وَيُنْدَبُ
-
ونَهَارًا وَهُوَ صَائِمٌ وَقَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ بِخَبَرٍ سَمِعَهُ؛ صَحَّ وَأَجزَأَهُ
-
وَإِلا أَو كَانَ مُفطِرًا أَو وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِن رَمَضَانَ، أَو يَومَ عِيدٍ أَو حَيضٍ قَضَى وَكَفَّرَ
-
وَإِنْ وَافَقَ قُدُومَهُ وَهُوَ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ أَتَمَّهُ وَلَا يُستَحَبُّ قَضاؤُهُ،
-
وَيَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ كَصَائِمٍ فِي قَضاءِ رَمَضَانَ أَو كَفَّارَةٍ أَوْ نَذرٍ مُطلَقٍ
-
وَإن وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ فَلَا قَضاءَ وَلَا كَفَّارَةَ وَنَذْرُ اعتِكَافِهِ كَصَومِهِ
-
وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ أَيام مَعْدُودَةٍ وَلَو ثَلَاثِينَ لَم يَلزمْهُ تَتَابُعٌ إلا بِشَرطٍ أَو نِيَّةٍ
-
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا مُتَتَابِعًا غَيرَ مُعَيَّنٍ فَأفطَرَ لِمَرَضٍ يَجِبُ مَعَهُ الفِطْرُ أَوْ لِحَيضٍ، خُيِّرَ بَينَ استِئنَافِهِ وَلَا شَيءَ عَلَيهِ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَيُكَفِّرُ
-
وَلِسَفَرٍ أَو مَا يُبِيحُ الْفِطرَ مَعَ القُدرَةِ عَلَى الصومِ لَم يَنْقَطِع التتَابُعُ. وَيَتجِهُ: وَيُخَيَّرُ كَمَا قَبْلَهُ.
-
ولِغَيرِ عُذْرٍ؛ يَلزَمُهُ أَن يَستَأنِفَ بِلَا كَفَّارَةٍ
-
وَمَنْ نَذَرَ صَوْمًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرؤُهُ أَو نَذَرَهُ حَال عَجْزِهِ أَطْعَمَ لِكُل يَومٍ مِسكِينا، وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ
-
وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً وَنَحْوَهَا وَعَجَزَ فَعَلَيهِ الْكَفارَةُ فَقَط
-
وَحَجًّا لَزِمَهُ فَإِنْ لَم يُطِقْهُ وَلَا شَيئًا مِنهُ؛ حَجَّ عَنْهُ وَإِلا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِن الحَجَّاتِ المُتَعَدِّدَةِ، وَكَفَّرَ لِلبَاقِي
-
وَمَعَ عَجْزِهِ عَنْ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ حَال نَذْرِهِ لَا يَلزَمُهُ ثُمَّ إنْ وَجَدَهُمَا لَزِمَهُ
-
وَإِن نَذَرَ صَومًا أَو صَوْمَ بَعْضِ يَومٍ لَزِمَهُ يَومٌ بِنِيةٍ مِنْ اللَّيلِ
-
وَنَذْرُ صَومِ لَيلَةٍ لَا يَنْعَقِدُ كَمُسْتَحِيلٍ، وَلَا كَفَّارَةَ
-
وَكَذَا نَذْرُ صَومِ يَوْمٍ أَتَى فِيهِ بِمُنَافٍ
-
وَإِن نَذَرَ صَلَاةً فَرَكْعَتَانِ قَائِمًا لِقَادِرٍ لأن الرَّكعَةَ لَا تُجزِئُ فِي فَرضٍ
-
وَأَربَعًا بِتَسلِيمَتَينِ، أَوْ أَطْلَقَ تُجْزِئُ بِتَسلميةٍ كَعَكسِهِ
-
وَلِمَنْ نَذَرَ صَلَاةً جَالِسًا أَن يُصَلِّيَهَا قَائِمًا
-
وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيتِ اللهِ الحَرَامِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنْ مَكَّةَ أَو حَرَمِهَا وَأَطْلَقَ أَوْ قَال غَيرَ حَاج وَلَا مُعتَمِرٍ؛ لَزِمَهُ المَشيُ فِي حَج أَو عُمرَةٍ مِنْ مَكَانِهِ لأن الْمَشْيَ إلَى الْعِبَادَةِ أَفضَلُ،
-
لَا إحرَامٌ قَبْلَ مِيقَاتِهِ مَا لَم يَنْو مَكَانًا بِعَينِهِ أَوْ إتْيَانَهُ لَا حَقِيقَةَ الْمَشي
-
وَإن رَكِبَ لِعَجزٍ أَوْ غَيرِهِ أَوْ نَذَرَ الركُوبَ فَمَشَى فَكَفارَةُ يَمِينٍ
-
وَلَو أَفْسَدَ الحَج المَنْذُورَ مَاشِيا لَزِمَ القَضَاءُ مَاشِيًا
-
وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى بَيتِ المدينة أو الأقصى لزمه ذلك والصلاة فيه. ويتجه: أو أعلى مِنْهُ.
-
وَإن عَيَّنَ مَسجِدًا فِي غَيرِ حَرَمٍ لَم يَلزَمْهُ إتيَانُهُ
-
وَإِنْ نَذَرَ الصلَاةَ فِيه صَلَّاهَا بِأَي مَكَان شَاءَ فَإِن جَاءَهُ لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَانِ
-
وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَة فَمَا يُجْزِئُ عَنْ وَاجِبٍ
-
إلا أَنْ يُعَيِّنَهَا فَيُجزِئُهُ مَا عَيَّنَهُ
-
لَكِنْ لَو مَاتَ الْمَنْذُورُ أَو أَتلَفَهُ نَاذِرٌ قَبلَ عِتْقِهِ؛ لَزِمَهُ كَفارَةُ يَمِينٍ بِلَا عِتْقٍ وَعَلَى مُتْلِفِ غَيرِهِ قِيمَتُهُ لَهُ وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ نَذرِهِ
-
وَمَنْ نَذَرَ طَوَافًا أَو سَعْيًا فَأَقَلُّهُ أسبُوعٌ وعَلَى أَربَعٍ؛ فَطَوَافَانِ أَو سَعيَانِ
-
وَمَنْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجهٍ مَنهِيٍّ عَنْهُ كَالصلَاةِ عُريَانًا أَو الحَج حَافِيًا حَاسِرًا وَنَحْوهِ وَفَّى بِهَا عَلَى الوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَتُلغَى تِلْكَ الصِّفَةُ وَيُكَفِّرَ.
-
وَيَتجِهُ احتمَال: لَو أَتَى بِالصفَةِ المَنْذُورَةِ لَا كَفارَةَ كَمَا فِي نَذْرِ صَومِ عِيدٍ.
فَرْعٌ:
-
لَا يَلزَمُ حُكمًا الوَفَاءُ بِوَعْدٍ
-
وَيَحرُمُ حَلِفُهُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ.
-
وَيَتجِهُ: لمُتَرَدِّدٍ أَو عَازِمٍ عَلَى التِّركِ لَا على الفِعْلِ حَال الوَعْدِ ثُم بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَفعَلَ؛ لأنهُ إذَنْ لَيسَ بِكَذِبٍ .
في كتب الخلاف
الإجماعابن المنذرلا كلام له في هذا الباب
التجريدالقدوريمسألة ١٦١٠، مسألة ١٦١١، مسألة ١٦١٢١١ مسألة
المبسوطالسرخسيبَابُ النَّذْرِ٢٠٤ مسألة
بداية المجتهدابن رشدكِتَابُ النُّذُورِ [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ]، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ، الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَلْزَمُ مِنَ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَمُ٨٥ مسألة
المغنيابن قدامة، على «مختصر الخرقي»لا كلام له في هذا الباب
المجموع شرح المهذبالنووي، على «المهذب»باب النذر٥٤٩ سطرًا
الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر، على «المقنع»بَابُ النَّذْرِ، فَصْلٌ٢٥٦ سطرًا
الفقه على المذاهب الأربعةعبد الرحمن الجزيريتعريفه، حكمه ودليله، أقسام النذر٩٦ مسألة
موسوعة الإجماع في الفقه الإسلاميأسامة القحطاني وآخرونلا كلام له في هذا الباب
الموسوعة الفقهية (الدرر السنية)بإشراف علوي السقاف٤ - النذر، * حكم النذر:، * أقسام النذر:٥٩ مسألة
عرضٌ لما في كتب المذاهب، وليس فتوى.في الخريطة: النذور