وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
الشروح عليها
(وإذا استوى على راحلته قال) قطع به جماعة،
والأصح عقب إحرامه: لبيك اللهم لبيك) أي: أنا مقيم على طاعتك وإجابة أمرك «لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» روي ذلك عن ابن عمر عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حديث متفق عليه، وسن أن يذكر نسكه فيها،
وأن يبدأ القارن بذكر عمرته وإكثار التلبية، وتتأكد إذا علا نشزا أو هبط واديا أو صلى مكتوبة أو أقبل ليل أو نهار أو التقت الرفاق أو سمع ملبيا أو فعل محظورا ناسيا أو ركب دابته أو نزل عنها أو رأى البيت
(وإذا استوى على راحلته قال) قطع به جماعة وجزم به في المقنع وغيره، وتبعهم الماتن.
. أي: أنا مقيم على طاعتك وإجابة أَمرك أي إقامة على طاعتك بعد إقامة، وإجابة لأمرك لنا بالحج بعد إجابة، «ولبيك» مصدر مثنى، قصد به التكثير، مأخوذ من «لب بالمكان» إذا لزمه،
وقيل: اتجاهي وقصدي إليك. والأجود في اشتقاقها، هو العطف على الشيء، والإقبال عليه، والتوجه نحوه، وأصل «لبيك» لببتك، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءات، فأبدلوا من الثالثة ياء،
وقيل: لبيك. محبتي لك، وقيل: إخلاصي لك،
وقيل معناها: الخضوع، فالتلبية جواب دعاء، والداعي هو الله تعالى، قال جل وعلا {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ}
وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم،
وقيل إجابة دعوة الخليل حين نادى بالحج: أيها الناس أجيبوا ربكم. فأجابوه: لبيك، الخ،
وفي لفظ: إن ربكم اتخذ بيتًا، وأمركم أن تحجوه. وقطع به البغوي وغيره.
قال الشيخ: والتلبية إجابة دعوة الله تعالى لخلقه، حين دعاهم إلى حج بيته، على لسان خليله إبراهيم، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لبب وأخذ بلبته، والمعنى: إنا مجيبوك لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك، مرة بعد مرة، لإنزال على ذلك. اهـ.
وفي مشروعية التلبية، تنبيه على إكرام الله لعباده، بأن وفودهم على بيته، إنما كان باستدعاء منه سبحانه.
صلى الله عليه وسلم، في حديث متفق عليه وقال الترمذي وغيره: ثبتت عن ابن عمر وغيره، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وهو قول سفيان، والشافعي, وأحمد، وإسحاق. اهـ. ولا تستحب الزيادة عليها، لأنه صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته فكررها، ولم يزد عليها، قال الشيخ: كان صلى الله عليه وسلم يداوم على تلبيته. وللنسائي «لبيك إله الحق» وإن زاد «لبيك ذا المعارج» أو «لبيك وسعديك» ، ونحو ذلك جاز، كما كان الصحابة يزيدون، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعهم، ولم ينههم،
وكذا جزم به ابن القيم وغيره.
ولا تكره الزيادة وفاقًا، لما في الصحيحين أن ابن عمر كان يلبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويزيد: لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل. وزاد عمر: لبيك ذا النعماء والفضل، لبيك لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك لبيك. رواه الأثرم، وروي عن أنس أنه كان يزيد: لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا. وروي عن بعض السلف: لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة. وعن ابن عمر: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة.
وقال الشافعي: وإن زاد شيئًا من تعظيم الله، فلا بأس، ولأن المقصود الثناء على الله، وإظهار العبودية له، فلا مانع من الزيادة، واستحبها أبو حنيفة.
نسكه فيها . وأَن يبدأَ القارن بذكر عمرته أي يسن أن يبدأ القارن الحج بالعمرة بذكر العمرة، فيقول: لبيك عمرة وحجًا. للخبر المتفق على صحته.
. وأَن يبدأَ القارن بذكر عمرته وإكثار التلبية بالرفع عطفًا على سابقه باعتبار سبكه، أي وسن إكثار التلبية، لخبر سهل ابن سعد «ما من مسلم يلبي، إلا لبى ما عن يمينه وشماله، من شجر، أو حجر، أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا ومن ههنا» رواه الترمذي وغيره، بسند جيد.
أقبل ليل أو نهار . أو التقت الرفاق اتفاقًا، و «التقت» بـ «القاف» قبلها تاء، وبعدها تاء، فوقيتان، وهو الصحيح كما في الإقناع والمنتهى وغيرهما.
وفي بعض النسخ بـ «الفاء» قبلها تاء فوقية، وبعد الفاء فوقيتان.
نهار . أو التقت الرفاق أو سمع ملبيًا لبى، فإنه كالمذكر له.
«وإذا استوى على راحلته»، أي: علا واستقر،
أي: ركب ركوباً تاماً قال:
«لبيك اللهم لبيك»، ظاهره أنه لا يلبِّي إلا إذا ركب، وقد سبق للمؤلف أنه يحرم عقب ركعتين، فهل في كلامه تناقض؟
الجواب: ليس فيه تناقض، فهو ينوي الدخول في النسك بعد أن يصلي، لكن لا يلبي إلا إذا استوى على راحلته.
والدليل على هذا أن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر أن النبي ﷺ أهَلَّ حين استوى على راحلته ، وهذا هو القول الأول.
والقول الثاني: يلبي عقب الصلاة، أي: إذا نوى الدخول في النسك وهو المذهب.
والقول الثالث: يلبي إذا علا على البيداء، والبيداء: جبل صغير في ذي الحليفة، فيلبي إذا استوى على أول علوٍّ يكون بعد الاستواء على الراحلة وبعد السير إذا لم يكن في ذي الحليفة.
ودليله حديث جابر رضي الله عنه قال:«ثم ركب رسول الله ﷺ ، حتى إذا استوت به راحلته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك»، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما في «الصحيحين»، وحديث جابر رضي الله عنه في مسلم، فهل بينهما تعارض؟
الجواب: ليس بينهما تعارض؛ لأنهما يحملان على أن جابراً رضي الله عنه لم يسمع التلبية إلا حين استوت راحلة النبي ﷺ به على البيداء، وابن عمر رضي الله عنهما سمعه يلبي حين استوى على راحلته، فنقل كل منهما ما سمع.
بقي ما رواه النسائي: أن النبي ﷺ: «أهلَّ دبر الصلاة»، وهذا يدل على أنه أهل بعد الصلاة.
فيقال: دبر الصلاة ما كان بعدها، واستواؤه على راحلته كان دبر الصلاة، وحتى إذا علت به راحلته على البيداء فهو دبر صلاة.
لكن روى أهل السنن عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بسند فيه نظر أنه جمع بين الروايات المختلفة،
وقال: «إن الناس نقل كل واحد منهم ما سمع، وإن النبي ﷺ لبى بعد الصلاة، فسمعه أناس فقالوا: أهلَّ دبر الصلاة، ولبى حين ركب، فسمعه أناس فقالوا: لبى حين ركب، وسمعه ناس حين استوت به راحلته على البيداء، فقالوا: لبى حين استوت به راحلته على البيداء» ، وهذا الحديث لولا ما قيل في سنده لكان وجهه ظاهراً؛ لأنه يجمع بين الروايات.
ولكن نحن جربنا فائدة كونه لا يلبي إلا إذا ركب؛ لأنه أحياناً يتذكر الإنسان شيئاً كطيب أو شبهه،
فإذا قلنا: أحرم بعد الصلاة لم يتمكن من استعمال الطيب بعد الإحرام، لكن إذا قلنا: لا تلبِّ ولا تحرم إلا بعد الركوب حصل في ذلك فسحة، إلا إذا صح حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإنه يبدأ بالتلبية عقب الصلاة.
وقوله:«قال: لبيك اللهم لبيك»، هذه التلبية عظيمة جداً أطلق عليها جابر بن عبد الله رضي الله عنهما التوحيد قال:«حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد»، والتوحيد هو الذي دعت إليه جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *﴾ [الأنبياء].
ولبيك كلمة إجابة، والدليل على هذا ما ورد في الصحيح: «أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك»، وتحمل معنى الإقامة من قولهم ألبَّ بالمكان، أي: أقام فيه، فهي متضمنة للإجابة والإقامة، الإجابة لله، والإقامة على طاعته؛ ولهذا فسرها بعضهم بقوله: لبيك، أي: أنا مجيب لك مقيم على طاعتك، وهذا تفسير جيد.
فإذا قال قائل: أين النداء من الله حتى يجيبه المحرم؟
قلنا: هو قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾ ، أي: أعلم الناس بالحج أو ناد فيهم بالحج ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً﴾، أي: على أرجلهم، وليس المعنى ضد الإناث، والدليل على أنهم على أرجلهم ما بعدها ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ .
وهذه قاعدة مفيدة في التفسير، فإنه قد يعرف معنى الكلمة بما يقابلها.
ومثلها قوله تعالى ـ وهو أخفى من الآية التي معنا ـ ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فمعنى ثبات متفرقين، مع أن ثبات يبعد جداً أن يفهمها الإنسان بهذا المعنى، لكن لما ذكر بعدها ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ علم أن المراد بالثبات المتفرقون.
والتثنية في التلبية هل المقصود بها حقيقة التثنية، أي أجبتك مرتين، أو المقصود بها مطلق التكثير؟ الجواب: المقصود بها الثاني؛ لأن المعنى إجابة بعد إجابة، وإقامة بعد إقامة، فالمراد بها مطلق التكثير، أي: مطلق العدد، وليس المراد مرتين فقط؛ ولهذا قال النحويون: إنها ملحقة بالمثنى وليست مثنى حقيقة؛ لأنه يراد بها الجمع والعدد الكثير.
ولماذا جاءت بالياء الدالة على أنها منصوبة؟
قالوا: لأنها مصدر لفعل محذوف وجوباً، لا يجمع بينه وبينها، والتقدير ألببت إلبابين لك.
ألببت، يعني: أقمت بالمكان إلبابين.
لكن حصل فيها حذف حرف الهمزة، وصارت لبابين، بعد حذف الهمزة.
ثم قيل: تحذف أيضاً الباء الثانية، فنقول لبيك، والياء علامة للإعراب.
وقوله:«اللهم» معناها: ياالله، لكن حذفت ياء النداء وعوض عنها الميم، وجعلت الميم أخيراً، ولم تكن في مكان الياء تبركاً بذكر اسم الله تعالى ابتداء، وعوض عنها الميم؛ لأن الميم أدل على الجمع، ولهذا كانت من علامات الجمع؛ فكأن الداعي جمع قلبه على ربه عز وجل، لأنه يقول ياالله.
وقوله:«لبيك» الثانية من باب التوكيد اللفظي المعنوي، هو لفظي؛ لأنه لم يتغير عن لفظ الأول، لكن له معنى جديد فيكرر ويؤكد أنه مجيب لربه مقيم على طاعته: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لأنك تجيب الله عز وجل وكلّما أجبته ازددت إيماناً به وشوقاً إليه، فكان التكرير مقتضى الحكمة، ولهذا ينبغي لك أن تستشعر وأنت تقول:«لبيك» نداء الله عز وجل لك، وإجابتك إياه، لا مجرد كلمات تقال. «لا شريك لك لَبَّيْك»، أي: لا شريك لك في كل شيء، وليس في التلبية فقط؛
لأنه أعم، أي: لا شريك لك في ملكك، ولا شريك لك في ألوهيتك، ولا شريك لك في أسمائك وصفاتك، ولا شريك لك في كل ما يختص بك، ومنها إجابتي هذه الإجابة، فأنا مخلص لك فيها، ما حججت رياءً، ولا سمعة، ولا للمال، ولا لغير ذلك، إنما حججت لك ولبَّيت لك فقط.
وقوله:«لا شريك لك» إعرابها: لا نافية للجنس، وشريك: اسمها، ولك خبرها، والنافية للجنس أعم من النافية مطلق النفي؛ لأن النافية للجنس تنفي أي شيء من هذا،
بخلاف ما إذا قلت: لا رجلٌ في البيت، بالرفع، فهذه ليست نافية للجنس، بل هذه لمطلق النفي؛ ولهذا يجوز أن تقول: لا رجلٌ في البيت بل رجلان، لكن لو
قلت: لا رجلَ في البيت بل رجلان، صاح عليك العالمون بالنحو، وقالوا: هذا غلط، لا يصح أن تقول: لا رجلَ في البيت بل رجلان، فتنفي الجنس أولاً، ثم تعود وتثبت، ولكن إن شئت فقل: لا رجلَ في البيت بل أنثى. «إن الحمد والنعمة لك» بكسر همزة إن، ورويت بالفتح، فعلى رواية فتح الهمزة «أن الحمد لك»: تكون الجملة تعليلية، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك، فصارت التلبية مقيدة بهذه العلة، أي: بسببها والتقدير لبيك لأن الحمد لك.
أما على رواية الكسر:«إن الحمد لك»، فالجملة استئنافية وتكون التلبية غير مقيدة بالعلة؛ بل تكون تلبية مطلقة بكل حال، ولهذا قالوا: إن رواية الكسر أعم وأشمل، فتكون أولى، أي: أن تقول: إن الحمد والنعمة لك، ولا تقل: أن الحمد والنعمة لك،
ولو قلت ذلك لكان جائزاً.
والحمد والمدح يتفقان في الاشتقاق الأكبر، أي في الحروف دون الترتيب ح ـ م ـ د. موجودة في الكلمتين، فهل الحمد هو المدح، أو بينهما فرق؟
الجواب: الصحيح أن بينهما فرقاً عظيماً؛ لأن الحمد مبني على المحبة والتعظيم.
والمدح لا يستلزم ذلك فقد يبنى على ذلك وقد لا يبنى، قد أمدح رجلاً لا محبة له في قلبي ولا تعظيم، ولكن رغبة في نواله فيما يعطيني، مع أن قلبي لا يحبه ولا يعظمه.
أما الحمد فإنه لا بد أن يكون مبنياً على المحبة والتعظيم، ولهذا نقول في تعريف الحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيماً، ولا يمكن لأحد أن يستحق هذا الحمد على وجه الكمال إلا الله عز وجل.
وقول بعضهم: الحمد هو الثناء بالجميل الاختياري، أي: أن يثني على المحمود بالجميل الاختياري، أي الذي يفعله اختياراً من نفسه، تعريف غير صحيح.
يبطله الحديث الصحيح: «أن الله قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى علي عبدي» ، فجعل الله تعالى الثناء غير الحمد؛ لأن الثناء تكرار الصفات الحميدة.
و «أل» في الحمد للاستغراق، أي: جميع أنواع المحامد لله وحده، المحامد على جلب النفع، وعلى دفع الضرر، وعلى حصول الخير الخاص والعام، كلها لله على الكمال كله.
وقد ذكر ابن القيم في كتابه (بدائع الفوائد) بحثاً مستفيضاً حول الفروق بين الحمد والمدح، وكلمات أخرى في اللغة العربية تخفى على كثير من الناس، وبحث فيها بحثاً مسهباً، قال: كان شيخنا ـ ابن تيمية ـ إذا تكلم في هذا أتى بالعجب العجاب،
ولكنه كما قيل:
تألق البرق نجدياً فقلت له إليك عني فإني عنك مشغول أي أن شيخ الإسلام رحمه الله مشغول بما هو أهم من البحث في كلمة في اللغة العربية، وأسرار اللغة العربية.
وقوله:«النعمة»، أي: الإنعام، فالنعمة لله.
وقوله:«النعمة لك» كيف تتعدى باللام؟ مع أن الظاهر أن يقال: النعمة منك؟
الجواب: النعمة لك يعني التفضل لك، فأنت صاحب الفضل. «والملك لا شريك لك»، الملك شامل لملك الأعيان وتدبيرها، وهذا تأكيد بأن الحمد والنعمة لله لا شريك له،
فإذا تأملت هذه الكلمات، وما تشتمل عليه من المعاني الجليلة وجدتها أنها تشتمل على جميع أنواع التوحيد،
وأن الأمر كما قال جابر:«أهلَّ بالتوحيد»، والصحابة أعلم الناس بالتوحيد.
فقوله «الملك» من توحيد الربوبية، والألوهية من توحيد الربوبية أيضاً لأن إثبات الألوهية، متضمن لإثبات الربوبية، وإثبات الربوبية مستلزم لإثبات الألوهية، ولهذا لا تجد أحداً يوحد الله في ألوهيته إلا وقد وحَّده في ربوبيته، لكن من الناس من يوحد الله في ربوبيته، ولا يوحده في ألوهيته وحينئذٍ نلزمه، ونقول: إذا وحدت الله في الربوبية، لزمك أن توحده في الألوهية، ولهذا فإن عبارة العلماء محكمة حيث قالوا:«توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية».
ونأخذ توحيد الأسماء والصفات من قوله:«إن الحمد والنعمة»، فالحمد: وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
والنعمة من صفات الأفعال، فقد تضمنت توحيد الأسماء والصفات.
ومن أين نعرف أنه بلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل؟ الجواب: من قوله: «لا شريك لك»، والتمثيل شرك والتعطيل شرك أيضاً، لأن المعطل لم يعطل إلا حين اعتقد أن الإثبات تمثيل، فمثل أولاً وعطل ثانياً، والتحريف والتكييف متضمنان للتمثيل والتعطيل، وبهذا تبين أن هذه الكلمات العظيمة مشتملة على التوحيد كله، ومع الأسف أنك تسمع بعض الناس في الحج أو العمرة يقولها وكأنها أنشودة، لا يأتون بالمعنى المناسب تقول:«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
لكن هم يقفون على «إن الحمد والنعمة لك»، ثم يقولون:«والملك لا شريك لك».
مسألة: هل لنا أن نزيد؟ أي: على ما ورد عن النبي ﷺ من التلبية التي رواها جابر رضي الله عنه.
نقول: نعم، فقد روى الإمام أحمد في المسند: أن النبي ﷺ كان يقول: «لبيك إله الحق»، و «إله الحق» من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: لبيك أنت الإله الحق.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يزيد:«لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل».
فلو زاد الإنسان مثل هذه الكلمات، فنرجو ألا يكون به بأس، اقتداء بعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، لكن الأولى ملازمة ما ثبت عن النبي ﷺ.
وهل لهم أن يكبِّروا بدل التلبية إذا كان في وقت التكبير كعشر ذي الحجة؟
الجواب: نعم، لقول أنس رضي الله عنه :«حججنا مع النبي ﷺ فمنا المكبر ومنا المهل»، وهذا يدل على أنهم ليسوا يلبون التلبية الجماعية،
ولو كانوا يلبون التلبية الجماعية لكانوا كلهم مهلين أو مكبّرين، لكن بعضهم يكبر، وبعضهم يهل، وكل يذكر ربه على حسب حاله.
مسألة: قال العلماء: وينبغي أن يذكر نسكه في التلبية، لكن أحياناً،
فإذا كان في العمرة يقول: لبيك اللهم عمرة،
وفي الحج: لبيك اللهم حجاً،
وفي القِران: لبيك اللهم عمرة وحجاً.
يصوت بِهَا الرَّجُلُ، وَتُخْفِيهَا المَرْأةُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.