فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(وتضمن العارية) المقبوضة إذا تلفت في غير ما استعيرت له؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه» رواه الخمسة وصححه الحاكم، وروي عن ابن عباس وأبي هريرة، لكن المستعير من المستأجر أو لكتب علم ونحوها موقوفة لا ضمان عليه إن لم يفرط، وحيث ضمنها المستعير فـ (بقيمتها يوم تلفت) إن لم تكن مثلية، وإلا فبمثلها كما تضمن في الإتلاف،

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

المقبوضة إذا تلفت في غير ما استعيرت له سواء تعدى المستعير فيها أو لم يتعد، نص عليه، وهو مذهب الشافعي، وذلك مثل ما إذا ماتت الدابة، أو انكسرت، أو احترق الثوب، أو سرق المتاع، ونحو ذلك، لا فيما استعيرت له، فلا يضمن انسحاق الثوب بلبسه، ولا سمن الدابة باستعمالها بمعروف، وحكى الحافظ عن الجمهور ضمانها إذا تلفت في يد المستعير، إلا فيما إذا كان على الوجه المأذون فيه.

الحاكم . وروي عن ابن عباس وأبي هريرة أن العارية مضمونة، ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه، منفردًا بنفعه، من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف، فكان مضمونا، كالمغصوب، والمأخوذ على وجه السوم،

٥٬٢٥١

وعنه: لا تضمن. وحكاه الشيخ وغيره إذا لم يجر منه تعد، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وطوائف من السلف، وقالوا: هي أمانة، لا تضمن إلا بالتعدي فيها، لخبر صفوان، وقوله صلى الله عليه وسلم «بل مؤداة» بدل «مضمونة» رواه أبو داود، وغيره، واختاره ابن القيم، وغيره، لأوجه ذكرها في قوله: «مضمونة» .

«أحدها» هذه الرواية، فإنه أراد بقوله «مضمونة» يعني بالرد، و «الثاني» أنه لم يسأل عن تلفها، وإنما سأله: هل تأخذها مني أخذ غصب، أو أخذ رد؟ فقال «بل عارية مضمونة» أي أؤديها إليك، وأردها لك، و «الثالث» أنه جعل الضمان صفة لها نفسها،

٥٬٢٥٢

ولو كان ضمان تلف لكان الضمان لتلفها، فلما وقع الضمان على ذاتها، دل على أنه ضمان أداء،

٥٬٢٥٣

ولو كان ضمان تلف لكان لما ضاع بعضها لم يعرض عليه أن يضمنها ولقال هذا حقك. كما لو كان الذاهب بعينه موجودًا، فإنه لا يعرض عليه رده.

ابن عباس وأبي هريرة لكن المستعير من المستأجر لا ضمان عليه إن لم يفرط، وهذا أحد الأربعة المستثنى عدم ضمانهم.

ونحوها موقوفة، لا ضمان عليه إن لم يفرط أي ولكن أيضًا المستعير لكتب علم موقوفة ونحوها، كأدراع موقوفة على الغزاة فتلفت، لا ضمان على مستعيرها، إن لم يتعد أو يفرط، ويضمن ما تلف منها بتعديه أو تفريطه.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«وتضمن العارية» أفادنا المؤلف أن العارية مضمونة بكل حال، لقوله:«وتضمن» ولم يفصل، فالعارية مضمونة على المستعير سواء تلفت بتفريط وتعدٍّ، أو بغير تفريط ولا تعدٍّ، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وهذه أمانة، وقول النبي ﷺ :«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» وهذه عين مأخوذة فعلى المرء أن يؤديها.

١٤٬١٧٩

وقال بعض العلماء: إن العارية لا تضمن إلا بواحد من أمور ثلاثة:

الأول: أن يتعدى.

الثاني: أن يفرط.

الثالث: أن يشترط الضمان.

١٤٬١٨٠

أما في مسألة التعدي والتفريط فلأنه بتعديه أو تفريطه زال ائتمانه، فصار غير أمين،

١٤٬١٨١

وأما فيما إذا شرط أن يضمنه فلقوله ﷺ :«المسلمون على شروطهم» وهذا قد التزم بذلك والحديث عام، وهناك دليل خاص بالموضوع وهو أن النبي ﷺ استعار أدرعاً من صفوان بن أمية رضي الله عنه، فقال له صفوان: أغصباً يا محمد؟! قال:«بل عارية مضمونة». كلمة «مضمونة» من قال: إن العارية مضمونة بكل حال، قال: إن «مضمونة» صفة كاشفة ليست مقيدة، والصفة الكاشفة لا يخرج مفهومها عن الحكم، فكأنه قال: عارية، وكل عارية مضمونة، والذين قالوا: لا تضمن إلا بشرط، قالوا: إن الصفة «مضمونة» مقيِّدة وليست كاشفة،

١٤٬١٨٢

وإذا تعارض القولان هل الصفة مقيدة أو كاشفة؟ فالأصل أنها مقيدة؛ لأن الكاشفة لو حذفت لاستقام الكلام بدونها، والمقيدة لا يتم الكلام إلا بها، والأصل أن المذكور واجب الذكر، وعليه فتكون الصفة هنا مقيدة وهو الصحيح، فتكون دالة على أن العارية تضمن إن شرط ضمانها وإلا فلا.

١٤٬١٨٣

فإن قال قائل: بأي شيء تردون استدلالهم بالدليلين السابقين؟

الجواب: أن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ والأمانات ترد إذا كانت باقية،

١٤٬١٨٤

أما إذا تلفت فالآية ليس فيها دليل على وجوب الرد،؛ لأن الأمانات زالت وتلفت.

١٤٬١٨٥

وكذلك نقول في حديث:«على اليد ما أخذت حتى تؤديه» هذا يدل على أنه موجود وأنه يجب أداؤه لصاحبه حيث وجب أداؤه إليه. ثم نقول: أنتم أنفسكم لم تأخذوا بمقتضى الآية، فالمستأجر عندكم الذي بيده العين المستأجرة أمين، والعين بيده أمانة، ومع ذلك تقولون: لو تلفت العين المستأجرة تحت يده بغير تعدٍّ ولا تفريط فليس بضامن، فكيف تستدلون بالآية على شيء وتخرجون ما تشمله الآية، والحكم واحد فيهما؟!

إذاً فلا دلالة في الآية والحديث على ما ذهبوا إليه، وتبقى العارية على القواعد العامة، وهي أنها وقعت بيد المستعير برضا صاحبها، فيد المستعير يد أمينة، والأمين لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط، هذه هي القاعدة الشرعية العامة.

١٤٬١٨٦

أما إذا شرط ضمانها فلقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ولقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ ولقول النبي ﷺ: «المسلمون على شروطهم»، ولقوله ﷺ لصفوان بن أمية رضي الله عنه :«بل عارية مضمونة»، وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

وقوله:«وتضمن العارية» الضامن هو المستعير. «بقيمتها» يعني إن كانت متقوِّمة، وبمثلها إن كانت مِثْلِيَّة، فالتعبير هنا بقيمتها فيه قصور، وكان الواجب أن يقول:(وتضمن العارية ببدلها يوم تلفت)؛ لأنه إذا قال: ببدلها فالبدل يشمل القيمة والمثل.

والقاعدة عندنا في ضمان المُتلفات: (أن المثلي يضمن بمثله، والمتقوم يضمن بقيمته) لقول النبي ﷺ :«إناء بإناء، وطعام بطعام» في قصة معروفة، وهي أنه ﷺ كان عند إحدى زوجاته رضي الله عنهن فأرسلت الزوجة الأخرى خادمها بطعام في صحفة، فدخل الخادم بالطعام والصحفة على الرسول ﷺ في منزل الضرَّة، فأصابتها الغيرة، فضربت بيد الخادم حتى سقطت الصحفة وانكسرت، فأخذ النبي ﷺ طعام المرأة التي هو عندها وصحفتها وأعطاها الخادم، وقال:«إناء بإناء، وطعام بطعام» فهنا ضُمِن بالمثل؛

لأن هذا مثلي.

لكن في الإعتاق لما بيَّن الرسول ﷺ أن من أعتق شركاً له في عبد سرى عتقه إلى نصيب شركائه قال:«وقُوِّمَ عليه قيمة عدل» فأوجب القيمة، لأنه ليس مثلياً، يتعذر فيه تحصيل المثل فهو متقوم.

والفرق بين المتقوم وبين المثلي:

أن المثلي ضابطه عند الفقهاء (كل مكيل أو موزون ليس فيه صناعة مباحة، يصح السَّلَم فيه) وهذا الضابط يضيِّق المثليات تضييقاً بالغاً.

فقولهم:(كل مكيل أو موزون) يخرج به ما سواهما، مع أن الحيوان يمكن أن يكون مثلياً والمعدود يمكن أن يكون مثلياً، والمذروع يمكن أن يكون مثلياً، وما أشبه ذلك، لكن هم يخصونه بالمكيل والموزون.

وقولهم:(ليس فيه صناعة مباحة) فإن كان فيه صناعة مباحة فإنه يخرج عن كونه مثلياً، فالبر إذا طُبِخ وكان طعاماً خرج عن كونه مثلياً، مع أن أصله مكيل،

١٤٬١٨٧

وكذلك ـ أيضاً ـ الأواني ليست مثلية مع أن أصلها موزون.

١٤٬١٨٨

وأما قولهم:(مباحة) فاحترازاً من الصناعة المحرمة؛ لأن الصناعة المحرمة وجودها كالعدم.

١٤٬١٨٩

وأما قولهم:(يصح السلم فيه) فهذا ـ أيضاً ـ شدد التضييق، فهو احتراز مما كان مكيلاً أو موزوناً، لكنه يختلف ولا ينضبط بالصفة فإنه لا يكون مثلياً.

١٤٬١٩٠

والصحيح أن المثلي ما كان له مثيل مطابق أو مقارب تقارباً كثيراً، ويدل لهذا أن النبي ﷺ قال لزوجته التي كسرت الإناء، وأفسدت الطعام:«إناء بإناء، وطعام بطعام» ولم يضمنها بالقيمة، ثم إننا نقول: الصناعة الآن تتقدم،

١٤٬١٩١

ومن المعلوم أن الفناجيل ـ مثلاً ـ من الزجاج مصنوعة، وهي مثلية قطعاً، فمماثلة الفنجال للفنجال أشد من مماثلة صاع البر لصاع البر، وهذا أمر معلوم، والحلي ـ مثلاً ـ والأقلام، والساعات، كل هذه مثلية، وهي على حد الفقهاء ليست مثلية. فالصواب إذاً: أن المثلي ما كان له مماثل أو مقارب مقاربة تامة،

١٤٬١٩٢

فإذا استعار إناء ثم انكسر الإناء ـ فعلى ما اخترناه ـ يُضمن بإناء مثله، وعلى كلام الفقهاء يضمن بقيمته، والأقرب إلى العدل أن يُضمن بمثله. «يوم تلفت» أي: في وقت التلف،

١٤٬١٩٣

فإذا كانت مثلية فالأمر واضح، يؤدي المستعير مثلها قَلَّت القيمةُ أو نقصت، ولكن إذا كانت متقومة، فيقول المؤلف: تضمن بقيمتها يوم تلفت، لا في وقت التضمين، ولا في وقت الإعارة؛ لأن لدينا ثلاثة أزمان: زمن الإعارة، وزمن التلف، وزمن المطالبة، والمعتبر زمن التلف؛ لأنه هو الذي خرج ملك صاحبها عنها فيه، أي: في وقت التلف.

مثال ذلك: رجل استعار إناء في واحد من محرم، وتلف يوم الخامس عشر من محرم، وضمنه المعير يوم الثلاثين من محرم، قيمة الإناء حين الاستعارة عشرة، وقيمته حين التلف عشرون، وقيمته حين المطالبة ثلاثون، فيلزم بالعشرين التي هي قيمته يوم التلف، والعلة في ذلك أن العارية قبل تلفها على ملك صاحبها له غنمها وعليه غرمها،

١٤٬١٩٤

فإذا تلفت زال ملكه عنها، فصار هذا هو وقت التقويم.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.