فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٢٬٢١١زاد المستقنعالحنابلةج ١ ص ١٤٤ج ١ ص ١٤٤

وإن كان مخوفا كبرسام وذات جنب "ووجع قلب" ودوام قيام ورعاف وأول فالج وآخر سل "والحمى المطبقة" والربع وما قال طبيبان "مسلمان" عدلان أنه مخوف ومن وقع الطاعون ببلده ومن أخذها الطلق لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(وإن كان) المرض الذي اتصل به الموت (مخوفا كبرسام) وهو بخار يرتقي إلى الرأس ويؤثر في الدماغ فيختل عقل صاحبه، (وذات الجنب) قرح بباطن الجنب (ووجع قلب) ورئة لا تسكن حركتها. (ودوام قيام) وهو المبطون الذي أصابه الإسهال ولا يمكنه إمساكه، (و) دوام (رعاف) . لأنه يصفي الدم فتذهب القوة، (وأول فالج) وهو داء معروف يرخي بعض البدن، (وآخر سل) بكسر السين (والحمى المطبقة و) حمى (الربع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان أنه مخوف) فعطاياه كوصية، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» رواه ابن ماجه. (ومن وقع الطاعون ببلده) ، أو كان بين الصفين عند التحام حرب، وكل من الطائفتين مكافئة للأخرى أو كان من المقهورة أو كان في لجة البحر عند هيجانه أو قدم أو حبس لقتل. (ومن أخذها الطلق) حتى تنجو (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء ولا بما فوق الثلث) ولو لأجنبي، (إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه) ، كوصية لما تقدم، لأن توقع التلف من أولئك كتوقع المريض،

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

دوام (رعاف) . لأَنه يصفي الدم، فتذهب القوة فهو من الأمراض المخوفة.

(وأَول فالج) وهو داء معروف، يرخي بعض البدن فيبطل إحساسه وحركته، لا نصباب خلط بلغمي، تنسد منه مسالك الروح.

طبيبان -مسلمان عدلان- إنه مخوف) . فعطاياه كوصية تنفذ في الثلث فما دونه لأجنبي، وتقف على الإجازة فيما زاد عليه، ولوارث بشيء.

أَموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» رواه ابن ماجه ورواه البزار والدارقطني، وسكت عليه الحافظ في التلخيص، فدل الحديث وما في معناه، على الإذن بالتصرف في ثلث المال عند الوفاة، وهو مذهب جمهور العلماء. ولمسلم: أن رجلا أعتق في مرضه ستة أعبد، لم يكن له مال غيرهم، فأقرع صلى الله عليه وسلم بينهم، فأعتق اثنين، واسترق أربعة؛

٥٬٥٧٢

وإذا لم ينفذ العتق فيما زاد على الثلث فغيره أولي، ولأن هذه الحال وما في معناها، الظاهر منها الموت، فكانت عطيته فيها في حق ورثته، لا يتجاوز الثلث كالوصية.

التحام حرب . وكل من الطائفتين مكافئة للأُخرى لا من القاهرة فمن جميع ماله، لعدم توقع التلف قريبا.

من الطائفتين مكافئة للأُخرى أَو كان من المقهورة فكمرض مخوف، لأن توقع التلف إذا كتوقع المريض أو أكثر، وسواء تبين دين الطائفتين أولا.

لها إِِن مات منه) . كوصية لما تقدم من الخبر وغيره، وحكم العطايا في مرض الموت حكم الوصية في خمسة أشياء، أحدها: أنه يقف نفوذها على خروجها من الثلث، أو إجازة الورثة، وأنها لا تصح للوارث إلا بإجازة الورثة،

٥٬٥٧٣

وإن فضيلتها ناقصة عن فضيلة الصدقة في الصحة، لخبر «أن تصدق وأنت صحيح شحيح» إلخ،

٥٬٥٧٤

وأن العطايا تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كالوصايا فيه،

٥٬٥٧٥

وأن خروجها من الثلث يعتبر حال الموت لا قبله.

تقدم لأَن توقع التلف من أُولئك كتوقع المريض أي لأن توقع التلف ممن وقع الطاعون ببلده، وما بعده كتوقع المريض التلف قريبا.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«وإن كان» الضمير يعود على المرض. «مخوفاً» هذا هو القسم الثاني من الأمراض، وهو المخوف، وهو الذي يصح نسبة الموت إليه،

فعدَّ المؤلف اثني عشر نوعاً منه فقال:

«كبرسام» وهو وجع يكون في الدماغ ـ نسأل الله العافية ـ يختل به العقل،

١٥٬٧٠١

فإذا أصاب الإنسان صار مرضه مخوفاً؛ لأنه لو مات به لم يستغرب، ولا يقول الناس: هذا مات فجأة. «وذات الجنب» وهو وجع في الجنب في الضلوع، يقولون: إن سببه أن الرئة تلصق في الضلوع، ولصوقها هذا يشل حركتها، فلا يحصل للقلب كمال دفع الدم وغير ذلك من أعماله، فهذا من الأمراض المخوفة.

وكان هذا الداء كثيراً جداً فيما سبق وقد عشنا ذلك، لا سيما في استقبال الشتاء، ولكنه ـ سبحان الله ـ يُشْفَى بإذن الله عز وجل بالكي، وهو أحسن علاج له، حتى إن بعض المرضى يغمى عليه، ويبقى الأيام والليالي وقد أغمي عليه، ثم يأتي الطبيب العربي، فيقص أثر الألم في الضلوع ثم يَسِم محل الألم بوَسْمٍ ثم يكويه،

١٥٬٧٠٢

فإذا كواه ـ سبحان الله ـ لا يمضي ساعة واحدة إلا وقد تنفس المريض، ولذلك لا يوجد علاج فيما سبق لذات الجنب إلا الكي.

وذات الجنب تؤدي إلى الهلاك لا شك،

١٥٬٧٠٣

ومن مات بذات الجنب لم يُعَدَّ مات بشيء غريب. «ووجع قلب» أيضاً من الأمراض المخوفة؛ لأن القلب إذا أصابه الألم لم يستطع أن يضخ الدم أو ينقي الدم فيهلك البدن؛ لأن القلب بإذن الله مصفاة ـ سبحان الذي خلقه ـ يرد إليه الدم مستعملاً وفي نبضة واحدة يعود نقياً، فيدخل من عرق ويخرج من عرق آخر في لحظة، وهذا معنى النبضة،

تعليق

ثم إن الله سبحانه وتعالى أودعه قوة إذا احتاج الإنسان إليها وجدت،

١٥٬٧٠٤

وإن لم يحتج فهو طبيعي، ولذلك إذا حملت شيئاً شاقاً أو سعيت بشدة تجد نبضات القلب تزيد؛ لأنه يحتاج إلى ضخ بسرعة.

١٥٬٧٠٥

فإذا وجع القلب فهو خطر على الإنسان لا شك، وأوجاع القلب أنواع متنوعة يعرفها الأطباء، لكن منها ما هو قوي ومنها ما هو دون ذلك. «ودوام قيام» القيام هو الإسهال،

١٥٬٧٠٦

فإذا كان دائماً فلا شك أنه مخوف؛ لأن الأمعاء مع هذا الإسهال لا يبقى فيها شيء يمتص الجسم منه غذاءً، فيهلك الإنسان،

١٥٬٧٠٧

أما القيام اليسير كيوم أو يومين، فهذا لا يضر ولا يعد مرضاً مخوفاً، لكن إذا دام مع الإنسان فآخر مآله الموت. «ورعاف» وهو خروج الدم من الأنف، هذا ـ أيضاً ـ إذا كان يسيراً فإنه ليس مرضاً،

١٥٬٧٠٨

وإن كان دائماً فهو مرض؛ لأنه إذا دام فإن الدم ينزف، ومعلوم أن البدن لا يقوم إلا بالدم؛ لأن أصل البدن دم، فأصله عَلَقة، فلا يقوم إلا بذلك، فمع دوام الرعاف يعتبر المرض مرضاً مخوفاً. «وأول فالج» الفالج هو خدورة البدن وأنواعه متعددة، ويسمى في عرف المتأخرين «الجلطة أو الشلل»، لكن أول الفالج خطر؛ لأن هذه الخدورة قد تسري إلى البدن بسرعة فتقضي عليه،

١٥٬٧٠٩

أما إذا كان في آخر فالج فلا، إلا أن يقطعه بفراش كما سيأتي. «وآخر سِل» الخطر في السِّل في آخره؛ لأن أول السل ربما يشفى منه المريض

١٥٬٧١٠

إما بحِمية أو بمعالجة يسيرة، لكن آخره خطر، فهو مرض مخوف، لكنه من الأمراض التي يسَّر الله للناس الحصول على دوائها، فأصبح في زماننا ليس بمخوف. «والحمى المطبقة» يعني الدائمة. «والرِّبع» التي تأتي في اليوم الرابع تتكرر عليه، كل يوم رابع تأتيه الحمى، والحمى هي السخونة وهي معروفة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الحمى من فيح جهنم، وأنها تُطفأ بالماء البارد ، وهذا الطب اليسير السهل قد علم من كلام الرسول ﷺ منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، والأطباء الآن يرجعون إليه فيصفون هذا الدواء لمن أصيب بالحمى، حتى إنهم يجعلون بعض المرضى أمام المكيف، ووجه ذلك ظاهر؛

لأن الحمى معناها خروج الحرارة من داخل البدن إلى ظاهره، فيبقى البدن من الداخل بارداً،

١٥٬٧١١

وإذا عدمت الحرارة اختل التوازن بلا شك؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل برودة وحرارة، ورطوبة ويبوسة يقوم بها البدن،

١٥٬٧١٢

فإذا غلب أحدها على الآخر اختلت طبيعة البدن،

١٥٬٧١٣

فإذا جاء البرد، انتقلت الحرارة من الظاهر إلى الباطن فيعتدل البدن.

وَمَا قَالَ طَبِيبانِ مُسْلِمَانِ عَدْلانِ: إِنَّهُ مَخُوفٌ. ........... «وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف» فالشرط الأول: قوله: «طبيبان»، فغير الطبيب لا يعتبر قوله،

١٥٬٧١٤

فلو أن عامياً قال لمريض من المرضى: إن مرضك هذا مخوف، وهو غير طبيب ولا يعرف الطب فإنه لا يعتبر قوله، كما لو أفتاك الجاهل بأن هذه الصلاة صحيحة أو غير صحيحة، أو هذا الوضوء صحيح أو غير صحيح.

١٥٬٧١٥

فإذا كان غير طبيب لكنه مقلد لطبيب، أي: أنه قد سمع من طبيب ماهر أن هذا المرض مخوف، فإنه على القول الراجح يؤخذ بقوله؛ لأنه أخبر عن طبيب، كما أنه في المسائل الشرعية لو أخبر شخص عن عالم بأنه قال: هذا حرام، فإنه يقبل قوله إذا كان مقبول الخبر.

الشرط الثاني:«مسلمان» وضدهما الكافران، ولو كانا من أحذق الأطباء فإنه لا عبرة بقولهما، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ،

١٥٬٧١٦

فإذا كان هذا خبر الفاسق فخبر الكافر مردود لا يقبل. الشرط الثالث:«عدلان» والعدل هو المستقيم في دينه ومروءته، فالاستقامة في الدين أن يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، فالمتهاون بصلاة الجماعة مثلاً ـ والجماعة واجبة عليه ـ ليس بعدل، وحالق اللحية ـ مثلاً ـ ليس بعدل إذا استمر على ذلك.

والمروءة أن لا يفعل أو يقول ما يخرم المروءة، وينزل قيمته عند الناس،

١٥٬٧١٧

وإن كان الفعل في نفسه ليس محرماً،

وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله من الأمثلة:

الرجل المتمسخر، يعني الذي يفعل التمثيليات سخرية وهزءاً،

١٥٬٧١٨

فإن هذا خارم للمروءة.

وذكروا ـ أيضاً ـ الذي يأكل في السوق فليس عنده مروءة، ومعلوم أن هذا المثال في الوقت الحاضر لا ينطبق على ذلك؛ لأن الناس الآن اعتادوا أن يأكلوا في السوق، ولا أعني الولائم، لكن لو وُجِدَ مطعم في السوق فإن الإنسان يأكل فيه.

وكنا نستنكر أن يشرب الشاي في دكانه، ونرى هذا خارماً للمروءة، والآن ليس بخارم للمروءة، فالناس يشربون الشاي والقهوة في الدكاكين.

قالوا: ومما يخرم المروءة أن يمد الإنسان رجله بين الجالسين؛ لأنه من العادة أن الإنسان يوقر جلساءه،

١٥٬٧١٩

وأن لا يمد رجليه بينهم، ولكن هذا في الحقيقة يختلف،

١٥٬٧٢٠

فإذا كان الإنسان معذوراً وعرف الجالسون أنه معذور،

١٥٬٧٢١

فإن ذلك لا يعد خارماً للمروءة؛ لأنهم يعذرونه، أو كان الرجل استأذن منهم وقال: ائذنوا لي، ففعل فليس خارماً للمروءة، أو كان الإنسان بين أصحابه وقرنائه، ففعل ومد رجله بينهم وهم جلوس، فهذا لا يعد خارماً للمروءة،

١٥٬٧٢٢

ومن الأمثال العامية «عند الأصحاب ترفع الكلفة في الآداب».

على كل حال الضابط في المروءة: أن لا يفعل ما ينتقده الناس فيه، لا من قول ولا من فعل.

فالشروط أربعة:

العلم بالطب، الإسلام، العدالة، عدد محصور باثنين.

وذلك لأن هذا من باب الشهادة، فلا بد فيها من الإسلام والعدالة والتعدد،

١٥٬٧٢٣

فإذا اختل شرط من ذلك فإنه لا عبرة بقولهم، مع أنهم قالوا في صفة الصلاة: يجوز للإنسان أن يصلي قاعداً، إذا قال الطبيب المسلم الواحد: إن القيام يؤثر عليك، لكنهم يفرقون بين هذا وذاك، بأن ذاك خبر ديني يتعلق بأمور الدين، وهذا يتعلق بأمور المال، هذا ما قيده به المؤلف.

والصواب في هذه المسألة: أنه إذا قال طبيب ماهر: إن هذا مرض مخوف، قبل قوله، سواء كان مسلماً أو كافراً،

١٥٬٧٢٤

ولو أننا مشينا على ما قال المؤلف لم نثق في أي طبيب غير مسلم، مع أننا أحياناً نثق بالطبيب غير المسلم أكثر مما نثق بالطبيب المسلم، إذا كان الأول أشد حذقاً من الثاني.

تعليق

ثم إن صناعة الطب يبعد الغدر فيها من الكافر؛

لسببين:

الأول: أن كل إنسان يريد أن تنجح صناعته، فالطبيب ولو كان غير مسلم يريد أن تنجح صناعته،

١٥٬٧٢٥

وأن يكون مصيباً في العلاج وفي الجراحة.

الثاني: أن من الأطباء من يكون داعية لدينه وهو كافر،

١٥٬٧٢٦

وإذا كان داعية لدينه فلا يمكن أن يغرر بالمسلم؛ لأنه يريد أن يمدحه الناس ويحبوه ويحترموه؛ لأنه ناصح، فالصواب في هذه المسألة أن المعتبر حذق الطبيب، والثقة بقوله، والأمانة،

١٥٬٧٢٧

ولو كان غير مسلم، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أخذ بقول الكافر في الأمور المادية التي مستندها التجارب، وذلك حينما استأجر رجلاً مشركاً من بني الديل اسمه عبد الله بن أريقط ليدله على الطريق في سفره في الهجرة ، فاستأجره النبي ﷺ وهو كافر، وأعطاه بعيره وبعير أبي بكر؛ ليأتي بهما بعد ثلاث ليال إلى غار ثور، فهذا ائتمان عظيم على المال وعلى النفس.

وحتى العدالة، فلو أننا اشترطناها في أخبار الأطباء ما عملنا بقول طبيب واحد إلا أن يشاء الله؛ لأن أكثر الأطباء لا يتصفون بالعدالة، فأكثرهم لا يصلي مع الجماعة ويدخن ويحلق لحيته،

١٥٬٧٢٨

فلو اشترطنا العدالة لأهدرنا قول أكثر الأطباء.

١٥٬٧٢٩

وكذلك العدد، فالمؤلف اشترط أن يكون اثنين فأكثر، ولكن الصحيح أن الواحد يكفي؛ لأن هذا من باب الخبر المحض،

١٥٬٧٣٠

ومن باب التكسب بالصنعة، فخبر الواحد كافٍ في ذلك.

١٥٬٧٣١

فإذا قال طبيب حاذق: هذا المرض مخوف يتوقع منه الموت، فإننا نعمل بقوله، ونقول: إن المريض بهذا المرض عطاياه من الثلث.

١٥٬٧٣٢

وَمَنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدِهِ، وَمَنْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ، لَا يَلْزَمُ تَبَرُّعُهُ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ وَلَا بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ إِلاَّ بِإِجَازَةِ الوَرَثَةِ لَهَا إِنْ مَاتَ مِنْهُ،

١٥٬٧٣٣

وَإِنْ عُوفِيَ فَكَصَحِيحٍ. «ومن وقع الطاعون ببلده»، أي: فهو كالمريض مرضاً مخوفاً؛ لأنه يتوقع الموت بين لحظة وأخرى،

١٥٬٧٣٤

فإن الطاعون ـ أجارنا الله والمسلمين منه ـ إذا وقع في أرض انتشر بسرعة، لكن مع ذلك قد ينجو منه من شاء الله نجاته، إنما الأصل فيه أنه ينتشر، فكل إنسان في البلد التي وقع فيها الطاعون يتوقع أن يصاب به بين عشية وضحاها، فلا فرق بينه وبين من أصابه المرض، في اليأس من الحياة، فعطاياه في حكم عطايا المريض مرضاً مخوفاً.

والطاعون قيل: إنه نوع معين من المرض يؤدي إلى الهلاك،

١٥٬٧٣٥

وقيل: إن الطاعون كل مرض فتاك منتشر، مثل الكوليرا، فالمعروف أنها إذا وقعت في أرض فإنها تنتشر بسرعة، والحمى الشوكية، وغيرها من الأمراض التي يعرفها الأطباء ونجهل كثيراً منها، فهذه الأمراض التي تنتشر بسرعة وتؤدي إلى الهلاك يصح أن نقول: إنها طاعون حقيقة أو حكماً، ولكن الظاهر من السنة خلاف ذلك؛ لأن الرسول ﷺ عَدَّ الشهداء فقال:«المطعون والمبطون»، وهذا يدل على أن من أصيب بداء البطن غير من أصيب بالطاعون، والمبطون هو الذي انطلق بطنه، فالمهم أن عطايا الصحيح الذي وقع الطاعون في بلده من الثلث.

وبالنسبة للطاعون هل يجوز للإنسان أن يخرج من البلد إذا وقع فيه؟ قال النبي ﷺ : «لا تخرجوا منه ـ أي من البلد الذي وقع فيه ـ فراراً منه» ، فقيد النبي ﷺ منع الخروج بما إذا كان فراراً،

١٥٬٧٣٦

أما إذا كان الإنسان أتى إلى هذا البلد لغرض أو لتجارة وانتهت، وأراد أن يرجع إلى بلده فلا نقول: هذا حرام عليك، بل نقول: لك أن تذهب.

بقي علينا أن نقول: هل نأذن له أن يذهب إذا خيف أن الوباء أصابه؟ الجواب: لا نأذن له بل نمنعه، حتى إن بعض الأطباء ظن إن قول الرسول ﷺ :«إذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها»؛ أن هذا من باب الحَجْر الصحي،

١٥٬٧٣٧

وقال: إن مراد الرسول ﷺ أن لا يخرج الناس من هذه الأرض الموبوءة كحَجْرٍ صحي، ولكن هذا غير صحيح؛ لأن النبي ﷺ راعى ما هو أعم وأهم وهو الفرار من قدر الله، قال:«لا تخرجوا منها فراراً منه».

١٥٬٧٣٨

وإذا سمع الإنسان أنه وقع في أرض، فهل يجوز أن يقدم عليها؟ لا؛ لأن النبي ﷺ قال:«إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها»؛ لأن هذا من باب الإلقاء بالتهلكة،

١٥٬٧٣٩

ومن باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، كيف تقدم على بلد وقع فيه الطاعون؟! ما مثلك إلا مثل من أقدم على النار ليقتحم فيها.

١٥٬٧٤٠

فإن قال: أليس يمكن أن يَسْلَمَ الإنسان وهو في بلد الطاعون؟ قلنا: بلى، لكن الأصل الإصابة فلا يجوز أن تقدم. وقد ارتحل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام،

١٥٬٧٤١

وفي أثناء الطريق قيل له: إنه قد وقع فيها الطاعون، وهو طاعون عظيم مات فيه خلق كثير، وعمر رضي الله عنه ليس عنده أثر عن النبي ﷺ في ذلك، لكنه عنده عقل، فكأنه قال: كيف نقدم على أرض فيها هذا الوباء المعدي الفتاك؟! وكان من عادته رضي الله عنه أنه إذا أشكل عليه الأمر يجمع الصحابة ويستشيرهم، فجمع الصحابة رضي الله عنهم واختلفوا، ثم جمع المهاجرين الأولين ثم الأنصار فاختلفوا عليه جميعاً، ثم دعا من كان عنده من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، وكان الرأي الذي استقروا عليه أن يرجعوا، فقرر الرجوع بمشورة الصحابة رضي الله عنهم، وأمر بالارتحال، فجاءه أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه الذي قال فيه الرسول ﷺ :«إنه أمين هذه الأمة»،

١٥٬٧٤٢

وقال فيه عمر رضي الله عنه حين طُعِن: لو كان أبو عبيدة حياً لجعلته خليفة ؛ لأن الرسول ﷺ قال:«هو أمين هذه الأمة»، فقال: يا أمير المؤمنين كيف تقرر الرحيل، أفراراً من قدر الله؟! خفي على أبي عبيدة رضي الله عنه أن القدر لم يقع حتى نفر منه، لكن لو أقدموا لكانوا هم الذين جاؤوا للقدر، فقال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! يعني أتمنى أن غيرك قالها؛ لأن منزلة أبي عبيدة عند أمير المؤمنين عمر منزلة عالية، نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله، من قدر الله الذي نلقي بأيدينا للتهلكة لو قدمنا عليه، إلى قدر الله الذي نسلم به، فهم إن مضوا إلى الشام فبقدر الله،

١٥٬٧٤٣

وإن رجعوا فبقدر الله.

ثم ضرب له مثلاً: أن لو كان له إبل في وادٍ له عدوتان، واحدة مخصبة والأخرى مجدبة،

١٥٬٧٤٤

فقال له: أما تذهب إلى المخصبة؟ قال: بلى، قال: إذاً إن ذهبت للمخصبة فبقدر الله، وإلى المجدبة فبقدر الله، لكن لن تختار المجدبة، إذاً نحن كذلك لا نختار القدوم على أرض الطاعون.

فرجعوا ـ والحمد لله ـ ووفقوا للصواب،

١٥٬٧٤٥

وفي أثناء ذلك أتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان قد تغيب في حاجة له، فبلغه الخبر وجاء إلى عمر،

١٥٬٧٤٦

وقال: يا أمير المؤمنين سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فراراً منه»، فقال الحمد لله ، فكل الصحابة رضي الله عنهم ما سمعوا هذا الحديث، إلا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، لكن ـ الحمد لله ـ الشريعة محفوظة، لا يمكن أن تخفى، كل ما صدر من الرسول ﷺ من شريعة الله فهو محفوظ، كما قال الله عز وجل : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *﴾ [الحجر]، إذاً إذا وقع الطاعون في أرض فإننا منهيون أن نخرج منها فراراً منه،

١٥٬٧٤٧

وإذا وقع في أرض فإننا منهيون أن نقدم على هذه الأرض. وكانت الطواعين تكثر في الجزيرة قبل زمن، لكن ـ الحمد لله ـ الآن أنعم الله علينا نعماً كثيرة، نسأل الله أن لا يجعلها استدراجاً.

ويحكون لنا أنه قد يقدم للصلاة ثمان جنائز، وكانت بلدنا من قبل قرية صغيرة ليس فيها أحد، لكن كثر الأموات حتى إنه إذا دخل الطاعون البيت أفنى العائلة كلها، ويبقى البيت موصد الأبواب على غير أحد، وقالوا: إن قاضي البلد وهو صالح بن عثمان القاضي رحمه الله لما خرجوا يوماً من الأيام من المسجد الجامع بثمان جنائز، وكان الناس ليس عندهم سيارات يحملون الجنائز، فأرعب الناس هذا، ثمان جنائز يتبع بعضها بعضاً!!

لا شك أنه يرعب، فنهاهم،

١٥٬٧٤٨

وقال: لا يأتِ أحد بجنازته إلى الجامع إلا أهل الحي، والبقية كل حي يصلي على ميته في مسجده، ويخرج به إلى المقبرة خوفاً من الرعب؛ لأنه قد تكون كل جنازة من بيت، وربما يكون بكاء ونحيب من المشهد أو من المصيبة فيمن أصيب بقريبه، فكان من حكمته رحمه الله أن منع أن يؤتى بجنازة إلى الجامع إلا من كان في حي الجامع، فالمهم أن الأوبئة ـ والحمد لله ـ خفَّت الآن، ونسأل الله أن لا يجعله استدراجاً. «ومن أخذها الطلق»«مَنْ» اسم موصول، أي: والتي أخذها الطلق، يعني بدأت تطلق من أجل الولادة، والطلق مؤلم وصعب، وسببه انتقال الولد من حال إلى أخرى؛

لأن الولد في الرحم وجهه إلى ظهر أمه وظهره إلى بطنها،

١٥٬٧٤٩

فإذا أراد الله عز وجل أن يخرج انقلب حتى يكون رأسه الذي يخرج أولاً، وهذا الانقلاب ليس بهين، فالمكان ضيق والرحم كيس من العصب والعروق، فلا شك أنه سيكون ألم شديد، ولولا أن الله ـ تعالى ـ أحاط الولد بما أحاطه به من المشيمة، التي تسهل انقلابه لكان الأمر صعباً جداً،

١٥٬٧٥٠

وقال أهل العلم: ينبغي أن يدخل في القبر كما خرج من بطن أمه، بمعنى أننا ننزله من عند رأسه، ليكون هذا الرأس الذي شهد الدنيا أولاً، هو الذي يذهب عن الدنيا أولاً، على كل حال المرأة إذا أخذها الطلق، ثم أعطت عطية في حال الطلق فإنه يكون من الثلث؛ لأنها على خطر، فحكمها حكم المريض مرضاً مخوفاً، مع أن الأمر ـ ولله النعمة والفضل ـ أن السلامة أكثر بكثير من الهلاك، لكن العلماء يقولون: إن هذا يصح أن يكون سبباً للموت، ولا يستغرب لو ماتت في طلقها، فهو مخوف حتى تنجو. «لا يلزمُ تبرعُهُ لوارث بشيء»

١٥٬٧٥١

كلمة «لا يلزم» جواب الشرط في قوله: «وإن كان مخوفاً»، وعلى هذا فيجوز فيها الرفع والجزم، لا يلزمُ،

١٥٬٧٥٢

ولا يلزمْ؛ لأنه إذا كان فعل الشرط ماضياً فإنه يجوز رفع المضارع إذا كان جواباً،

١٥٬٧٥٣

بخلاف ما إذا كان فعل الشرط مضارعاً فإنه يضعف أن يكون الجواب مرفوعاً،

يقول ابن مالك في الألفية:

وبَعْدَ ماضٍ رَفْعُك الجَزَا حَسَنْ وَرَفْعُهُ بَعْدَ مُضارِعٍ وَهَنْ وقوله:«لا يلزم تبرعه لوارث بشيء» يعني لو تبرع لوارثه بشيء فهذا غير لازم، بمعنى أن للورثة أن يعترضوا على هذا؛ لأنه في هذه الحال قد انعقد سبب ميراث الورثة منه، فكان لهم حق في المال،

١٥٬٧٥٤

فإذا أعطي الوارث فهذا من تعدي حدود الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قسم مال الميت بين الورثة قسمة عدل بلا شك، كما قال النبي ﷺ :«إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث».

ولكن هل يجوز أن يعطي الوارث؟ الجواب: لا يجوز، ولهذا لم تلزم هذه العطية، لقول النبي ﷺ :«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، حتى وإن كان هذا الوارث ليس من الأولاد،

١٥٬٧٥٥

فلو فرضنا أن رجلاً له إخوة وليس له أولاد،

تعليق

ولما أصيب بالمرض المخوف أعطى بعض الإخوة نصف ماله، أو ربع ماله،

١٥٬٧٥٦

فإن هذا لا يجوز ولا تلزم العطية؛ لأنه وارث، والمعطي في مرض الموت، فيخشى أنه أعطى هذا الوارث لينال من التركة أكثر من الآخرين.

وعلم من قوله:«تبرعه لوارث»، أنه لو تصرف مع الوارث ببيع أو إجارة بدون محاباة،

١٥٬٧٥٧

فإن البيع والإجارة لازمان، وأنه لو أنفق على وارث في هذا المرض المخوف فإنه جائز؛ لأن النفقة ليست من باب التبرع، ولكنها من باب القيام بالواجب كالزكاة.

١٥٬٧٥٨

ولو أقر لوارث في مرضه المخوف، فينظر إن وجدت قرائن تدل على صدقه عملنا بإقراره، وإلا فإقراره كتبرعه لا يصح ولا يقبل؛ لأنه ربما يكون بعض الناس لا يخاف الله، ففي مرضه المخوف يقر لبعض الورثة بشيء، فيقول: في ذمتي لفلان كذا

١٥٬٧٥٩

وكذا، وليس كذلك، فإذا علمنا أن هذا الرجل عنده من الإيمان بالله عز وجل والخوف منه، ووجدت قرينة أخرى تدل على أنه كان فقيراً،

١٥٬٧٦٠

وأن الوارث كان غنياً فحينئذٍ نقبل إقراره، وإلاَّ فالأصل عدم قبول إقراره، لكن إذا وجدت قرينة تدل على صدقه عمل بها، ولا يمكن أن نحرم صاحب الدَّين من دَينه، وتبقى ذمة الميت متعلقة به. «ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها» يعني ولا بما فوق الثلث لأجنبي، فالأجنبي حده الثلث،

١٥٬٧٦١

فإذا أجاز الورثة فلا بأس، والورثة الذين تعتبر إجازتهم هم الذين يصح تبرعهم، ولا بد أن تكون الإجازة بعد الموت كما سيأتي.

وقوله:«ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها» أي: بما فوق الثلث لغير وارث، حتى لو أعطى شخصاً ليبني له مسجداً بزائد على الثلث فإنه لا ينفذ،

١٥٬٧٦٢

ولو أعطى الفقراء زائداً على الثلث فإنه لا ينفذ، لحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أنه استأذن النبي ﷺ وكان مريضاً ـ أن يتصدق بثلثي ماله ـ والثلثان اثنان من ثلاثة ـ فقال: لا، قال: فالشطر ـ والشطر واحد من اثنين ـ قال: لا، قال: فالثلث ـ والثلث واحد من ثلاثة ـ قال النبي ﷺ: «الثلث والثلث كثير»، يعني لا بأس بالثلث مع أنه كثير،

١٥٬٧٦٣

ومن فقه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع،

١٥٬٧٦٤

فإن النبي ﷺ قال:«الثلث والثلث كثير»، وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون أنزل من الثلث.

إذاً نقول لهذا المريض مرض الموت المخوف: لا تتصدق بأكثر من الثلث.

الثاني: لا تتصدق لوارث، وهذا على سبيل التحريم؛ لأن المال الآن انعقد السبب الذي به ينتقل إلى الورثة.

وقوله:«إلا بإجازة الورثة» يكونون ورثة بعد الموت،

١٥٬٧٦٥

فلو أجازوا قبل الموت فإن إجازتهم لا تقبل، ولا يعتد بها،

١٥٬٧٦٦

فلو أن هذا المريض أحضر ورثته،

١٥٬٧٦٧

وقال لهم: هذا الوارث منكم فقير وأنا أريد أن أتبرع له بشيء من مالي، فقالوا: لا بأس، فإنه لا يجوز؛ لأن إجازتهم في ذلك الوقت في غير محلها.

١٥٬٧٦٨

ومن أين نأخذ أنه لا تجوز إجازتهم ما دام حياً؟ من قوله:«الورثة» إذ لا يتحقق أنهم ورثة إلا بعد الموت، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله

١٥٬٧٦٩

وقيل: إنه إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فإن إجازتهم جائزة؛ لأنه انعقد السبب لكونهم يرثون هذا المال، وهو مرض الموت،

١٥٬٧٧٠

فإذا رضوا بما زاد عن الثلث قبل الموت فإن رضاهم معتبر، ولا يحق لهم الرجوع بعد ذلك، ويدل لهذا القول ما جاء في باب الشفعة، حيث أمر النبي ﷺ من أراد أن يبيع أن يعرض على شريكه ليأخذ أو يدع ،

١٥٬٧٧١

فإن هذا يدل على أنه متى وجد السبب وإن لم يوجد الشرط،

١٥٬٧٧٢

فإن الحكم المعلق بهذا السبب نافذ، ويدل لذلك ـ أيضاً ـ أن الرجل لو حلف على يمين فأراد الحنث وأخرج الكفارة قبل الحنث،

١٥٬٧٧٣

فإن ذلك جائز لوجود السبب، وهذا القول هو الراجح، ولا مانع من اعتباره، فعلى هذا نقول: تصح إجازة الورثة في مرض الموت المخوف؛ لأن سبب إرثهم قد انعقد وهم أحرار.

١٥٬٧٧٤

فإن قال قائل: إننا نخشى أن تكون إجازة الورثة في حال الحياة حياءً وخجلاً، نقول: إذا خشينا ذلك فإن إجازتهم تكون غير معتبرة. «إن مات منه»، أي: من هذا المرض المخوف،

١٥٬٧٧٥

فإن أعطى لبعض ورثته شيئاً، قلنا للورثة: الأمر بأيديكم، إن شئتم نفذوا العطية، وإن شئتم امنعوها.

«إلا بإجازة الورثة لها بعد الموت فتصح تنفيذاً»، ظاهر كلامه رحمه الله أنه إذا أجازها الورثة صارت حلالاً، وفيه نظر، والصواب أنها حرام، لكن من جهة التنفيذ تتوقف على إجازة الورثة، فتصح تنفيذاً لا ابتداء عطية.

وقوله:«إلا بإجازة الورثة»، وكيف تجوز لهم بذلك، وقد منع النبي ﷺ سعداً رضي الله عنه من الزيادة عن الثلث، ولم يقل: إلا أن يشاء ورثتك؟! فالجواب: أنهم قالوا: إنما منعت الوصية بزائد عن الثلث مراعاة لحقّ الورثة،

١٥٬٨٤٢

فإذا أسقطوا حقهم فلا تحريم، ولكن الصحيح أنه حرام أن يوصى بزائد على الثلث، لكن هل ينفذ أو لا؟ هذا هو الذي يتوقف على إجازة الورثة، وقد روي عن النبي ﷺ :«لا وصية لوارث إلا بإجازة الورثة».

١٥٬٨٤٣

فإذا قال قائل: إذا كان الحق للورثة ثم وافقوا بعد الموت فكيف يقال: إنه حرام؟!

يقال: لأن النبي ﷺ لما استنزله سعد رضي الله عنه وقال: الثلثين، والشطر، قال:«لا» ولم يقل: إلا أن يجيز الورثة، ولأن الإنسان إذا أوصى بأكثر من الثلث لأجنبي، أو بشيء للوارث فقد يجيز الورثة بعد الموت حياءً وخجلاً ودرءاً لكلام الناس، وهذا وارد بلا شك، أن الورثة إذا أوصى لأحدهم بزيادة على ميراثه، أو أوصى لأجنبي بزيادة على الثلث، ربما يوافقون حياءً وخجلاً عن إغماض، أو يخشون إن ردوا الوصية أن يتحدث الناس فيهم، فلذلك نرى أنها حرام بكل حال، حتى وإن كان يقول: إن الورثة بعدي سوف يجيزون هذا،

والدليل:

أولاً: حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ منعه، ولم يقل: إلا أن يجيز الورثة.

ثانياً: أنهم إذا أجازوا فقد يجيزون حياءً وخجلاً لا عن اقتناع.

١٥٬٨٤٤

فإذا أوصى بما يزيد عن الثلث لأجنبي أو لوارث بشيء فهو آثم، والتنفيذ يتوقف على إجازة الورثة لما سبق.

وقوله:«إلا بإجازة الورثة» يشمل من يرث بالفرض، أو بالتعصيب، فعلى هذا لا بد من موافقة الزوجة ـ مثلاً ـ أو الزوج، ولا بد من موافقة الأم، ولا بد من موافقة العم إذا كان وارثاً بالتعصيب.

والوارث الذي يملك الإجازة هو البالغ، العاقل، الرشيد، فهذه ثلاثة شروط.

فإجازة غير البالغ لا تعتبر؛ لأنه لا يملك التبرع بشيء من ماله، وإجازة المجنون غير معتبرة؛ لأنه لا قصد له، ولا إرادة له، ولا عقل له، وإجازة السفيه ـ وهو الذي لا يحسن التصرف في المال ـ لا عبرة بها.

وقوله:«بعد الموت» متعلق بـ: «إجازة» يعني إلا إذا أجازها الورثة بعد الموت،

١٥٬٨٤٥

فإن أجازوها قبل الموت فلا عبرة بإجازتهم؛ لأنهم لم يملكوا المال بعد حتى يملكوا التبرع بشيء منه؛ لأن الإجازة معناها التبرع، ولأن هذا الوارث اليوم قد يكون هو الموروث، فكثيراً ما يكون رجل صحيح وآخر مدنِف فيموت الأول قبل الثاني، فلا يعتد بإجازتهم إلا إذا كانت بعد الموت.

وعلى هذا فلو أن المريض لما رأى دنو أجله جمع الورثة وقال لهم: أنا مالي مائة ألف، وأنا أرغب أن أوصي ببناء مسجد، وبناء المسجد يكلف خمسين ألفاً فهل تسمحون؟ فقالوا: نعم نسمح، ثم مات، فهل يُنَفذ بناء المسجد؟

الجواب: ينفذ منه ما لا يزيد على الثلث،

١٥٬٨٤٦

وأما ما زاد على الثلث فلا،

١٥٬٨٤٧

فإن قال قائل: هؤلاء سمحوا وأذنوا، فالجواب: أنهم أذنوا قبل أن يملكوا المال؛ لأنهم لا يملكون المال إلا بعد موت المورِّث، فإذنهم وإذن من لم يكن وارثاً على حد سواء؛ لأنهم الآن غير وارثين ولا مالكين للمال، ولا يعلم، فربما أن هذا المريض الذي يُخشَى أن أجله قريب، يموت الأصحاء قبله، وهذا يقع كثيراً.

القول الثاني: أن إجازتهم قبل الموت معتبرة مطلقاً.

القول الثالث: التفصيل أنه إذا كان مرضه مرضاً مخوفاً فإن إذنهم جائز، ولذلك منعناه من التبرع بما زاد على الثلث لتعلق حقهم بماله، فهم هنا يُسقِطون حقهم من الاعتراض، ولا يتبرعون بالمال؛ لأن المال لم يملكوه بعد، ويدل لهذا أن المريض مرض الموت لا يمكن أن يتبرع بأكثر من الثلث من أجل حقهم،

١٥٬٨٤٨

ولو قلنا: إن حقهم لا يكون إلا بعد الموت لقلنا: يتبرع بما شاء،

١٥٬٨٤٩

وأما إن أجازوا في الصحة فلا وجه لإجازتهم، وإجازتهم غير معتبرة، وهذا القول هو الصحيح، أنهم إذا أذنوا بالوصية بما زاد على الثلث، أو لأحد الورثة فلا بأس إذا كان في مرض الموت المخوف،

١٥٬٨٥٠

أما في الصحة فلا عبرة بإجازتهم.

والوصية لأحد الورثة مثل أن يجمعهم، ويقول لهم: يا أبنائي أخوكم الصغير محتاج أكثر، أنتم موظفون وهو قاصر، أنا أريد أن أوصي له بمثل نصيبه من الميراث أو أكثر، فيوافقون على هذا، فالقول الراجح أن هذه الموافقة نافذة وجائزة، إلا إذا علمنا أنهم إنما أذِنوا حياءً وخجلاً فلا عبرة بهذا الإذن.

مسألة: لو أوصى لكل وارث بمقدار حقه، كأن يكون له أربعة أبناء وقال: أوصيت لكل واحد بالربع، فإنه يجوز؛ لأنه ليس في هذا ظلم لأحد، ولكن لو أوصى لوارث بمعين بمقدار حقه، بأن كان له أربعة أبناء وكان عنده أربع شقق متساوية القيمة، فهل يجوز أن يوصي لكل واحد من الأبناء بشقة تساوي حقه؟ فالمذهب أنه لا بأس بذلك.

والقول الثاني: لا يصح وهو أصح، حتى لو كانت متساوية من كل وجه؛ لأن كل وارث حقه مشاع في التركة، فكيف نلزمه بإفراز حقه بدون رضاه؟! ثم ربما يحصل تشاحن فيما بينهم،

تعليق

ثم إن الموصي قد يقدر أن قيمها واحدة وهي مختلفة.

وقوله:«فتصح تنفيذاً» أي: تصح الوصية تنفيذاً لا ابتداء عطية، وعلى هذا فلا يعتبر شروط العطية في هذا التنفيذ؛ لأنه تنفيذ لتصرف الغير، وعليه

١٥٬٨٥١

فلو كان أحد الورثة مريضاً مرض الموت، وليس له مال إلا ما ورثه من مورثه، وأجاز فتصح إجازته ولو استوعبت جميع المال؛ لأنه لم يتبرع بشيء، فغاية ما هنالك أنه أجاز تصرف المُوَرِّث قبل أن يملكه هو؛ لأن المورث قد أوصى به لفلان، فتكون إجازة الوارث ليست ابتداء عطية، وليست تبرعاً محضاً، وإنما هي تنفيذ لتصرف غيره.

وَتُكْرَهُ وَصِيَّةُ فَقِيرٍ وَارِثُهُ مُحْتَاجٌ وَتَجُوزُ بِالكُلِّ لِمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ،

١٥٬٨٥٢

وَإِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِالوَصَايا فَالنَّقْصُ بِالقِسْطِ، .....

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.