وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الأخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان
الشروح عليها
أحدها ـ نكاح الشغار وقد ذكره بقوله: (وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا) أي زوج كل منهما الآخر وليته (ولا مهر) بينهما (بطل النكاحان) لحديث ابن عمر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نهى عن الشغار "، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق» متفق عليه.
وكذا لو جعلا بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهرا للأخرى،
يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق» متفق عليه ولمسلم عنه «لا شغار في الإسلام» وللترمذي - وصححه - عن عمران بن حصين نحوه، وأحمد من حديث أبي هريرة، وله أن العباس بن عبد الله أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، فكتب معاوية إلى مروان، ففرق بينهما،
وقال معاوية: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحريم ليس مختصا بالبنات، فقد أجمع العلماء على أن غير البنات من الأخوات، وبنات الأخ، وغيرهن، كالبنات، كما حكاه النووي وغيره.
قال الشيخ: وعلته إشغاره عن المهر، فلما اشترطا إشغار النكاحين عن المهر بطلا، وذكر الأخبار وأقوال الناس، ثم قال: وفصل الخطاب أن الله حرم نكاح الشغار، لأن الولي يجب عليه أن يزوج موليته إذا خطبها كفؤ، ونظره لها نظر مصلحة، لا نظر شهوة، والصداق حق لها لا له، وليس للولي ولا للأب أن يزوجها إلا لمصلحتها، وليس له أن يزوجها لغرضه، لا لمصحتها، وبمثل هذا تسقط ولايته،
ومتى كان غرضه أن يعاوض فرجها بفرج الأخرى لم ينظر في مصلحتها، وصار كمن زوجها على مال له، وكلاهما لا يجوز.
بضع كل واحدة مع دراهم معلومة مهرا للأُخرى فلا يصح، لما تقدم.
«وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان»، هذا من الشروط الفاسدة المفسدة، «إذا زوجه وليته» أي من له ولاية عليها، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: موليته «على أن يزوجه الآخر وليته» يعني من له ولاية عليها، من بنت، وأخت، وعمة، والجدة إن كانت من جهة الأم، فلا ولاية له عليها،
وإن كانت من جهة الأب فهو ابن ابن فله ولاية عليها.
وقوله:«على» أي بشرط «أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما» والمهر هو الصداق الذي يدفع بعقد النكاح «بطل النكاحان» كل منهما يبطل، والدليل أثر ونظر،
أما الأثر فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ﷺ نهى عن نكاح الشغار، وفُسِّر الشغار بأن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته ولا مهر بينهما ،
وأما التعليل فمن ثلاثة أوجه:
أولاً: أنه في هذه الحال جعل مهر كل واحدةٍ بُضْع الأخرى، فهل هذا ابتغى بمالِهِ أو ابتغى بفرج موليته؟ الجواب: ابتغى بفرج موليته، والله تعالى يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يعني أن تطلبوا النكاح بأموالكم، وهذا الرجل طلب النكاح بفرج موليته، فجعل فرج موليته هو المهر. ثانياً: أنه في هذه الحال عادت منفعة الصداق إلى غير المرأة، فعادت إلى الولي، والله تعالى يقول: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أي: عطية بلا تقصير، فأضاف الصداق إليهن، وأمر بإعطائهن إياه نحلة، وهنا ما أعطينا هذه المسكينة صداقاً.
ثالثاً: أن هذا فيه غالباً مخالفة الأمانة ومجانبتها،
فإن الإنسان إذا كان يحصل له فرج امرأة بفرج موليته غفل عن مقتضى الأمانة، وهي اختياره الكفء لها، وصار لا يهمه إلا من يحقق له رغبته،
أما أن يكون صالحاً أو طالحاً فلا يهمه، يأتيه الرجل الصالح فيقول: أريد أن تزوجني بمهر، لكن ليس عنده بنت فيقول: لا، ويأتيه الرجل الفاسق عنده بنت فيتبادلان، ففي هذا تضييع للأمانة التي حملها الله ـ تعالى ـ للإنسان، ولهذا كان هذا العقد باطلاً بالأثر وبالنظر.
وقوله:«ولا مهر بينهما» مفهومه أنه إن كان بينهما مهرٌ صح العقد، وظاهر كلامه سواء كان المهر قليلاً أم كثيراً؛ لأنه قال:«ولا مهر» فعلم منه أنه إذا كان بينهما مهر فالنكاح صحيح؛ لأن تفسير نافع للشغار قال:«أن يزوجه ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق»، وأيضاً فإن الشغار بمعنى الخلو، ومنه قولهم شغر المكان إذا خلا، ومنه قول الناس: وظيفة شاغرة، يعني خالية ما فيها أحد،
فإذا كان هناك مهر فلا خلو، وأيضاً فإن الله قال: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وهذا الرجل قد ابتغى بماله فقد بذل مهراً، فيكون النكاح صحيحاً بالمهر، سواء كان قليلا أم كثيراً.
وقال بعض أهل العلم، ومنهم الخرقي أحد فقهاء الحنابلة: لا يصح وإن سمي لهما مهر،
وأن الشغار ليس من الخلو، ولكن من شغر الكلب، إذا رفع رجله ليبول، وأنه سمي بهذا الاسم تقبيحاً له، وهو ظاهر ما في قصة معاوية رضي الله عنه حيث أمر بفسخ النكاح مع تسمية المهر،
وقال: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ، صحيحٌ أن المهر تام، ولكن ربما أن يضيع الإنسان أمانته بسبب أنه سيحصل على التزوج بهذه المرأة.
وقال بعض العلماء بالتفصيل، وهو أنه إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج وهو كفء لها،
فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة: وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا،
فإن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملاً، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر فشرط عليه أن يزوجه، لا سيما في مثل وقتنا هذا، حيث صار الناس ـ والعياذ بالله ـ لا يمكن أن يزوجوا بناتهم ويتحجَّروهن، لكن وإن قلنا: إن هذا صحيح من حيث النظر، فإنه لا ينبغي فتح الباب للعامة؛ لأن الإنسان الذي ليس عنده خوف من الله، إذا كان يهوى أن يتزوج ببنت هذا الرجل، فهي وإن كرهت الزوج فيجبرها، فسد الباب في مثل هذا الوقت أولى،
وأن يقال: متى شرط أن يزوجه الآخر فإنه يجب فسخه درءاً للمفسدة،
أما من حيث المعنى ومن حيث النظر،
فإن ظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة فلا مانع.
فَإِنْ سُمِّيَ لَهُمَا مَهْرٌ صَحَّ،
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ أَنَّهُ مَتَى حَلَّلَهَا لِلأَوَّلِ طَلَّقَهَا، أَوْ نَوَاهُ بِلَا شَرْطٍ،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.