ومن وقف ولو لحظة من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له صح حجه وإلا فلا
الشروح عليها
(من فجر عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهل له) أي للحج بأن يكون مسلما محرما بالحج ليس سكرانا ولا مجنونا ولا مغمى عليه (صح حجه) لأنه حصل بعرفة في زمن الوقوف (وإلا) يقف بعرفة أو وقف في غير زمنه أو لم يكن أهلا للحج (فلا) يصح حجه لفوات الوقوف المعتد به،
لا زيادة له على هذه المسألة.
له أي للحج، بأن يكون مسلمًا، محرمًا بالحج فالكافر لا يصح منه، وغير المحرم لا يعتبر وقوفه، لأنه لم يكن أهلاً للحج، فلا يعتبر وقوفه بعرفة.
سكرانًا، ولا مجنونًا، ولا مغمى عليه (صح حجه) لانتفاء الموانع،
وإن أفاق من ذكر، وحصل منه الوقوف،
ولو لحظة صح حجه، ولا تشترط له الطهارة،
فلو وقفت حائض، أو نفساء صح حجها إجماعًا لقصة عائشة وأسماء، وغيرهما.
(فلا) يصح حجه . لفوات الوقوف المعتد به ومن فاته الوقوف المعتد به فاته الحج،
قال في المبدع وغيره: بغير خلاف نعلمه، لقوله: «الحج يوم عرفة، ومن جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه» رواه أبو داود، ولأنه ركن للعبادة فلم يتم بدونه، كسائر أركان العبادة وتقدم أن من كان بينه وبين الموقف مقدار صلاة صلاها صلاة خوف، واختاره الشيخ. خالف السنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم ينصرف حتى غابت الشمس وغاب القرص.
«ومن وقف»، «من» اسم شرط فيعم كل من كان محرماً بالحج، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يحرم إلا بعد أن غادرها لم ينفعه الوقوف. «ولو لحظة»، يحتمل أنه إشارة خلاف، ويحتمل أنه للمبالغة، وأنه لو وقف ولو أدنى وقفة، وهذا هو الأقرب. «من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر»، أفادنا المؤلف رحمه الله أن وقت الوقوف يبدأ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على أن وقت الوقوف يبدأ من الزوال فقط هو رواية عن الإمام أحمد.
وحُجة الإمام أحمد في المشهور عنه رحمه الله : حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه أنه وافى رسول الله ﷺ في مزدلفة لصلاة الصبح، وأخبره ما صنع، وأنه أتعب نفسه، وأكلَّ راحلته ولم يدع جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي ﷺ :«من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه». الشاهد قوله:«ليلاً أو نهاراً»، ولم يقيده بما بعد الزوال.
ومن المعلوم أن المراد بالليل هنا ليلة العيد، لأنه وافاه في صلاة الفجر،
وأما نهاراً فمن المعلوم أنه التاسع،
وإذا أخذنا بعموم الليل أخذنا بعموم النهار، فيكون وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة، وخصه بطلوع الفجر؛ لأن اليوم الشرعي يبتدئ من طلوع الفجر.
وحجة الجمهور أن النبي ﷺ لم يقف قبل الزوال ، وقال:«خذوا عني مناسككم»، وعليه فيحمل قوله لعروة بن مضرس:«وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً» على كونه مطلقاً يقيد بفعل النبي ﷺ، كما أن قوله فقد تم حجه مقيد بما إذا فعل ما بقي من أركان الحج وواجباته، فصار الحديث ليس على ظاهره وإطلاقه وهذا قوي جداً.
ولا شك أن هذا القول أحوط من القول بأن النهار في هذا الحديث يشمل ما قبل الزوال. «وهو أهل له صح حجّه»، أي: للحج، وجملة «وهو أهل له» حال من فاعل «وقف»، أي: والحال أنه أهل للحج،
والذي هو أهل للحج هو من يلي:
أولاً: المسلم، فلا بد أن يكون مسلماً، فغير المسلم ليس أهلاً للحج، وعلى هذا
فلو كان لا يصلي ووقف بعرفة وبعد الدفع منها وهو حاج، مَنَّ الله عليه فصلى فلا يصح حجه؛ لأنه حين الوقوف ليس أهلاً للحج ما لم يجدد إحرامه ويرجع فيقف قبل فوات الوقوف.
ثانياً: أن يكون محرماً، لأن غير المحرم ليس أهلاً للحج، ولم يكن في إحرام حتى يصح منه الوقوف.
ثالثاً: أن يكون عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يصح وقوفه.
رابعاً: أن لا يكون سكراناً.
خامساً: أن لا يكون مغمًى عليه.
فلا بد من خمسة أوصاف: ثلاثة ثبوتية، واثنان سلبيان.
مثال المغمى عليه: أن يحصل له حادث وهو متجه إلى عرفة، فأغمي عليه، قبل أن يصل إلى عرفة، وبقي مغمى عليه حتى انصرف الناس وانصرفوا به.
فنقول: هذا الرجل لم يصح وقوفه؛ لأنه مغمى عليه، ونقول: إنه فاته الحج،
فإذا أفاق تحلل بعمرة، ثم قضاه إذا كان فرضاً من العام القادم، هذا هو المشهور من المذهب، والقول الثاني أن وقوفه صحيح؛ لأن عقله باق لم يزل وهذا هو الراجح. «وإلا فلا» أصلها إن
لا «إن» هذه شرطية، و «لا» نافية، وفعل الشرط محذوف وليست إلا استثنائية، بل هي مركبة من حرفين «إن» و «لا» لكن أدغم أحدهما في الآخر، والتقدير وإن لا يكن الأمر كذلك فلا، أي: فلا يصح حجه.
وفي قوله:«وإلا» ثلاثة أشياء وهي:
الأول: ألاَّ يقف.
الثاني: ألاَّ يقف في زمن الوقوف. الثالث: أن يقف وهو غير أهل للحج؛ لأنه قال:«وهو أهل له».
وَمَنْ وَقَفَ نَهَاراً وَدَفَع قَبلَ الغُروب وَلَمْ يَعُدْ قَبْلَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَمَنْ وَقَفَ لَيْلاً فَقَطْ فَلَا،.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.