هو فرض كفاية
الشروح عليها
[باب القضاء] [باب القضاء]
بالمد: أي الحكم بين الناس والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [٥ سورة المائدة الآية: ٤٩] وقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [٥ سورة المائدة الآية: ٤٢] وأخبار كخبر الصحيحين [البخاري رقم: ٧٣٥٢, مسلم رقم: ١٧١٦] : "إذا حكم حاكم أي أراد الحكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"
وفي رواية بدل الأولى: "فله عشرة أجور" .
قال في شرح مسلم: أجمع المسلمون على أن هذا في حاكم عالم مجتهد
أما غيره فآثم بجميع أحكامه
وإن وافق الصواب لان إصابته إتفاقية وصح خبر: "القضاة ثلاثة: قاض في الجنة وقاضيان هو فرض كفاية في النار " [أبو داود رقم: ٣٥٧٣, الترمذي رقم: ١٣٢٢, ابن ماجه, رقم: ٢٣١٥] وفسر الأول بأنه عرف الحق وقضى به والأخيران بمن عرف وجار في الحكم ومن قضى على جهل وما جاء في التحذير عنه كخبر: " من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين" [الترمذي رقم: ١٣٢٥, أبو داود رقم: ٣١٠٠, ٣١٠١, ابن ماجه رقم: ٢٣٠٨, مسند أحمد رقم: ٧١٠٥, ٨٥٥٩] محمول على عظم الخطر فيه أو على من يكره له القضاء أو يحرم.
هو أي قبوله من متعددين صالحين له.
فرض كفاية في الناحية بل أسنى فروض الكفايات حتى قال الغزالي: أنه أفضل من الجهاد فإن امتنع الصالحون له منه أثموا.
أما تولية الإمام أو نائبه لأحدهم في إقليم ففرض عين عليه ثم على ذي شوكة ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض.
فرع: لا بد من تولية من الإمام أو مأذونه ولو لمن تعين للقضاء فإن فقد الإمام فتولية أهل الحل والعقد في البلد أو بعضهم مع رضا الباقين ولو ولاه أهل جانب من البلد صح فيه دون الآخر.
ومن صريح التولية وليتك أو قلدتك القضاء ومن كفايتها عولت واعتمدت عليك فيه.
(قوله: أي الحكم بين الناس) أي المترتب على الولاية،
وهذا معنى القضاء شرعا: أما لغة: فهو إحكام الشئ بكسر الهمزة: أي إتقانه وإمضاؤه، أي تنفيذه، وله معنى أيضا عند المتكلمين وهو إيجاد الله الاشياء مع زيادة الاحكام والاتقان عند الماتريدية منهم، أو إرادة الله الاشياء في الازل على ما هي عليه فيما لا يزال عند الاشاعرة منهم.
(قوله: والأصل فيه) أي والدليل عليه قبل الإجماع.
(قوله: قوله تعالى) أي وقوله تعالى: * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس) *.
(قوله: وأن احكم بينهم) أي اقض بينهم.
(قوله: وأخبار) أي والأصل فيه أخبار.
(قوله: وفي رواية بدل الأولى) أي قوله فله أجران.
(وقوله: فله عشرة أجور) لا ينافي هذا الرواية الاولى لان الإخبار بالقليل لا ينفي الكثير، ولجواز أنه أعلم أولا بالاجرين فأخبر بهما، ثم بالعشرة فأخبر بها.
(قوله: أجمع المسلمون على أن هذا) أي ما في خبر الصحيحين من كون المصيب له أجران، أو عشرة أجور، والمخطئ له أجر واحد.
(قوله: في حاكم الخ) أي مفروض في حاكم عالم مجتهد.
(قوله: أما غيره) أي أما حاكم غير العالم المجتهد.
(قوله: فآثم بجميع أحكامه) أي لأنه لا يجوز له الحكم حينئذ.
(قوله: وإن وافق الصواب) غاية في إثمه بذلك.
قال في التحفة بعد الغاية: وأحكامه كلها مردودة لان إصابته اتفاقية.
اه.
وعبارة المغني مثلها ونصها: ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية ليست عن أصل شرعي.
اه.
وإذا علمت ما ذكر تعلم أن في عبارته سقطا من النساخ، وهو المعلل بالعلة التي ذكرها: أعني لان إصابته إتفاقية.
وقوله في التحفة وأحكامه كلها مردودة: محله كما سيأتي، وكما في الرشيدي.
ما لم يولد ذو شوكة، وإلا فلا تكون مردودة.
(قوله: وصح خبر القضاة ثلاثة الخ) .
يحكى أنه كانت القضاة في بني إسرائيل ثلاثة، فمات أحدهم، فولي مكانه غيره، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم، فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة، فدعاها الملك وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة فتخاصما، فقالا: بيننا القاضي، فجاءا إلى القاضي الاول فدفع إليه الملك درة كانت معه،
وقال له احكم بأن العجلة لي.
قال بماذا أحكم؟ قال: أرسل الفرس والبقرة والعجلة،
فإن تبعت الفرس فهي لي.
فأرسلها فتبعت الفرس فحكم بها له، وأتبا القاضي الثاني فحكم كذلك، وأخذ درة.
وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة وقال له: احكم بيننا.
فقال له: إني حائض.
فقال الملك: سبحان الله: أيحيض الذكر؟ فقال له القاضي: سبحان الله أتلد الفرس بقرة؟ وحكم بها لصاحبها.
اه.
فشني على الاربعين.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من ولي قضاء المسلمين ثم غلب عدله جوره فله الجنة،
وإن غلب جوره عدله فله النار أخرجه أبو داود.
وقال عليه السلام: عج حجر إلى الله تعالى وقال: إلهي وسيدي عبدتك كذا
وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف، فقال
أما ترضى إن عدلت بك عن مجالس القضاة؟ رواه ابن عساكر.
ولذلك امتنع الاكابر من قبول القضاء لما عرض عليهم: كابن عمر رضي الله عنهما، فإنه امتنع منه لما سأله عثمان رضي الله عنه القضاء، وعرض على الحسين بن منصور النيسابوري قضاء نيسابور، فاختفى ثلاثة أيام، ودعا الله فمات في اليوم الثالث، وامتنع منه الإمام الشافعي رضي الله عنه لما استدعاه المأمون لقضاء الشرق والغرب، وامتنع منه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه لما استدعاه المنصور فحبسه وضربه.
وحكى القاضي الطبري وغيره أن الوزير ابن الفرات طلب أبا علي بن خيران لتولية القضاء، فهرب منه، فختم على دوره نحوا من عشرين كما قيل فيه: وطينوا الباب على أبي علي عشرين يوما ليلي فما ولي وقال بعض القضاة: وليت القضاء وليت القضالم يك شيئا توليته فأوقعني في القضاء القضاوما كنت قدما تمنيته وقال آخر: فيا ليتني لم أكن قاضياويا ليتها كانت القاضية
(قوله: وفسر الاول) أي فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الاول، فالمفسر هو النبي، كما تدل عليه عبارة الخطيب ونصها: وقد روى الاربعة والبيهقي والحاكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة.
فأما الذي في الجنة: فرجل عرف الحق وقضى به، واللذان في النار: رجل عرف الحق فجار في الحكم، ورجل قضى للناس على جهل.
(قوله: والاخيران) بكسر الخاء: أي وفسر الاخيران: أي فسرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما علمت -.
(قوله: وما جاء في التحذير عنه) أي وما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في التحذير عن القضاء.
(قوله: فقد ذبح بغير سكين) هو كناية عن هلاكه بسبب القضاء.
(قوله: محمول) خبر ما جاء الخ.
(وقوله: على عظم الخطر فيه) أي في القضاء: أي فينبغي ترك الدخول فيه.
(قوله: أو على من يكره له القضاء) فيه أن الكراهة لا توجب هذا الوعيد الشديد.
اه.
بجيرمي.
وفي المغني ما نصه: وورد من الترغيب والتحذير أحاديث كثيرة، ولا شك أنه - أي القضاء - منصب عظيم إذا قام العبد بحقه، ولكنه خطر والسلامة فيه بعيدة، إلا إن عصمه الله تعالى.
وقد كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما لما كان قاضيا ببيت المقدس: أن الارض لا تقدس أحدا، وإنما يقدس المرء عمله، وقد بلغني أنك جعلت طبيبا تداوي،
فإن كنت تبرئ فنعما لك،
وإن كنت مطببا فاحذر أن تقتل أحدا فتدخل النار.
فما بالك بمن ليس بطبيب ولا مطبب؟.
اه.
(قوله: وهو) مبتدأ خبره فرض كفاية.
(قوله: أي قبول الخ) تفسير للضمير الواقع مبتدأ.
(وقوله: من متعددين صالحين له) أي القضاء.
(قوله: فرض كفاية) أما كونه فرضا فلقوله تعالى: * (كونوا قوامين بالقسط) *.
وأما كونه على الكفاية، فلانه أمر بمعروف أو نهي عن منكر.
وهما على الكفاية.
وقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا إلى اليمن قاضيا، فقال: يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: اللهم اهده وثبت لسانه.
قال: فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما شككت في قضاء بين اثنين.
واستخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد على مكة واليا وقاضيا، وقلد معاذا قضاء اليمن، وبعث عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري إلى البصرة،
فلو كان القضاء فرض عين لم يكف واحد.
أفاده في المغني.
(قوله: في الناحية) هي مسافة العدوى دون ما زاد.
(قوله: بل أسنى الخ) أي بل القضاء أسنى: أي أفضل فروض الكفايات، وذلك للاجماع مع الاضطرار إليه، لان طباع البشر مجبولة على التظالم، وقل من ينصف من نفسه.
والامام الاعظم مشتغل بما هو أهم منه، فوجب من يقوم به، وكان أسنى فروض الكفاية.
(قوله: فإن امتنع الصالحون له) أي للقضاء.
(وقوله: منه) متعلق بامتنع، فالضمير يعود على القضاء أيضا.
(وقوله: أثموا) أي وأجبر الامام أحدهم.
(قوله: أما تولية الخ) مقابل قوله هو: أي قبوله.
وعبارة المغني: وخرج بقبول التولية إيقاعها للقاضي من الامام فإنها فرض عين عليه.
اه.
(قوله: في إقليم) أي كالهند وجاوى والحجاز.
(قوله: ففرض عين عليه) أي على الامام، ويتعين على قاضي الاقليم أن يولي تحته فيما عجز عنه.
(قوله: ثم على ذي شوكة) أي ثم هو فرض عين على ذي شوكة إن لم يوجود الإمام.
(قوله: ولا يجوز إخلاء الخ) والمخاطب بذلك الامام أو من فوض إليه الامام الاستخلاف: كقاضي الاقليم.
(وقوله: مسافة العدوى) هي التي خرج منها بكرة - أي من طلوع الفجر - لبلد الحاكم رجع إليها يومه بعد فراغ زمن المخاصمة المعتدلة من دعوى وجواب وإقامة بينة حاضرة وتعديلها.
والعبرة بسير الاثقال لانه منضبط.
(وقوله: عن قاض) أي أو خليفته.
(قوله: فرع لا بد من تولية من الإمام أو مأذونه إلخ) فيه أن هذا عين قوله أولا
أما تولية الإمام أو نائبه ففرض عين الخ، فكان الاسبك والأخصر أن يقول بعد قوله ثم على ذي شوكة، ثم على أهل الحل والعقد الخ.
وبعد قوله معارضا للباقين يأتي بقوله أولا،
ولا يجوز إخلاء مسافة العدوى عن قاض، ثم يأتي بقوله ومن صريح التولية الخ.
واعلم أنه يشترط في التولية أن تكون للصالح للقضاء،
فإن لم يكن صالحا له لم تصح توليته، ويأثم المولي - بكسر اللام - والمولى - بفتحها - ولا ينفذ حكمه،
وإن أصاب فيه إلا للضرورة، بأن ولي سلطان ذو شوكة مسلما فاسقا، فينفذ قضاؤه للضرورة لئلا تتعطل مصالح الناس - كما سيذكره - روى البيهقي والحاكم: من استعمل عاملا على المسلمين، وهو يعلم أن غيره أفضل منه -
وفي رواية رجلا على عصابة،
وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه - فقد خان الله ورسوله والمؤمنين.
(قوله: فإن فقد الامام فتولية) يقرأ بالجر: أي فلا بد من تولية.
(وقوله: أهل الحل والعقد) أي حل الامور وعقدها من العلماء ووجوه الناس المتيسر اجتماعهم.
(قوله: أو بعضهم) أي بعض أهل الحل والعقد،
ولو كان واحدا لكن مع رضا الباقين.
(قوله: ولو ولاه) أي الصالح للقضاء.
(وقوله: أهل جانب من البلد) أي من أهل الحل والعقد.
(قوله: صح) أي ما ذكر من التولية،
ولو قال صحت بتاء التأنيث لكان أولى.
(وقوله: فيه) أي في ذلك الجانب.
(وقوله: دون الآخر) أي دون الجانب الآخر من البلد، فلا تصح التولية بالنسبة إليه، لكن محله إن لم يرض به أهله إلا صحت.
(قوله: ومن صريح التولية إلخ) مرتبط بمحذوف، أي
ويشترط في صحة التولية الصيغة من إيجاب وقبول،
ومن صريح التولية أي إيجابا بتوليتك، أو قلدتك القضاء.
(قوله: ومن كنايتها) أي التولية.
(قوله: عليك فيه) متعلقان بكل من عولت واعتمدت.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.